إجلاء في حرستا و«تسوية» في عربين... ومفاوضات في دوما

مقتل وجرح عشرات بقصف على مناطق في غوطة دمشق

حافلات في طريقها إلى حرستا لنقل معارضين ودخان يتصاعد من عين ترما في الغوطة أمس (رويترز)
حافلات في طريقها إلى حرستا لنقل معارضين ودخان يتصاعد من عين ترما في الغوطة أمس (رويترز)
TT

إجلاء في حرستا و«تسوية» في عربين... ومفاوضات في دوما

حافلات في طريقها إلى حرستا لنقل معارضين ودخان يتصاعد من عين ترما في الغوطة أمس (رويترز)
حافلات في طريقها إلى حرستا لنقل معارضين ودخان يتصاعد من عين ترما في الغوطة أمس (رويترز)

خرجت أمس دفعة ثانية من المقاتلين المعارضين والمدنيين من مدينة حرستا في الغوطة الشرقية قرب دمشق التي تشكل مسرحاً لمعاناة السكان مع سقوط المزيد من الضحايا واستمرار حركة النزوح منها، في وقت قتل وجرح عشرات بقصف على مناطق أخرى في الغوطة.
وأعلن التلفزيون الرسمي السوري الجمعة عن التوصل إلى اتفاق إجلاء ثان في الغوطة يتعلق بالبلدات الجنوبية الواقعة تحت سيطرة فصيل «فيلق الرحمن». وأورد التلفزيون الرسمي في خبر عاجل أن الاتفاق قضى «بنقل نحو سبعة آلاف شخص من المسلحين وعائلاتهم من زملكا وعربين وعين ترما» فضلاً عن حي جوبر الدمشقي المحاذي لها، وذلك «بعد تسليم السلاح الثقيل والمتوسط وخرائط الأنفاق».
وخلال حملة عسكرية مستمرة منذ أكثر من شهر، تمكنت قوات النظام من تضييق الخناق بشدة على الفصائل المعارضة بعد تقسيم المنطقة إلى ثلاثة جيوب منفصلة، ما دفع بها إلى مفاوضات، عادة ما تنتهي بما يناسب دمشق.
وأفاد مراسلون لوكالة الصحافة الفرنسية والمرصد السوري الحقوق الإنسان عن أضرار ألحقها القصف ليلاً بقذائف حارقة على مناطق عدة في الغوطة الشرقية.
ودخلت الحافلات صباح الجمعة إلى الأجزاء الواقعة تحت سيطرة حركة أحرار الشام في مدينة حرستا في غرب الغوطة الشرقية، تحضيراً لإجلاء الدفعة الثانية من المقاتلين والمدنيين بموجب اتفاق بين الفصيل المعارض وروسيا، وفق ما أفاد الإعلام الرسمي ومسؤول محلي في حرستا.
وكما حصل في اليوم السابق، بدأت الحافلات بالتجمع تباعاً في منطقة تماس بين الطرفين عند أطراف المدينة بانتظار اكتمال القافلة قبل أن تنطلق باتجاه إدلب في شمال غربي البلاد.
وخرجت الخميس دفعة أولى تقل 1580 شخصاً بينهم 413 مقاتلاً من مدينة حرستا، ووصلت في وقت متأخر إلى محافظة إدلب، التي عادة ما تشكل وجهة الإجلاء في سوريا.
وقال أحد المدنيين، أبو محمد مدني، بعد وصوله إلى مخيم في شمال إدلب: «كان وضعنا مأساوياً جداً (...) لا نستطيع العيش فوق الأرض (...) حرقوا الأرض، ولا أكل ولا شرب، حتى الشعير لم نعد نجده».
ومن المتوقع أن يخرج بموجب الاتفاق 1500 مقاتل مع ستة آلاف من عائلاتهم على دفعات، وفق الإعلام الرسمي.
وتشن قوات النظام منذ 18 الشهر الماضي هجوماً عنيفاً على الغوطة الشرقية، بدأ بقصف عنيف ترافق لاحقاً مع هجوم بري تمكنت خلاله من السيطرة على أكثر من ثمانين في المائة من هذه المنطقة.
وتمكنت قوات النظام من تقطيع أوصال الغوطة الشرقية إلى ثلاثة جيوب هي دوما شمالاً تحت سيطرة فصيل جيش الإسلام، وبلدات جنوبية يسيطر عليها فصيل فيلق الرحمن بالإضافة إلى حرستا التي تسيطر حركة أحرار الشام على الجزء الأكبر منها.
ويبدو أن فصيل فيلق الرحمن لحق بركاب حركة أحرار الشام التي لم تجد بعد عزل حرستا خياراً سوى التفاوض ثم الإجلاء. وأعلن الفصيل المعارض الخميس عن «اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار» بدأ عند منتصف ليل الخميس الجمعة برعاية الأمم المتحدة يتيح إجراء «جلسة مفاوضات نهائية» بين وفد محلي وروسيا.
وقال المتحدث باسمه وائل علوان إنه «لا يوجد حتى الآن تصور لما يمكن أن تؤول إليه المفاوضات، لكنها من المفترض أن تجد حلاً ومخرجاً من هذه المعاناة»، متحدثاً عن «وضع إنساني كارثي» مع انتشار «القمل والجرب» في الأقبية.
وأورد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن مناطق في جنوب الغوطة تعرضت لقصف خلال الليل وصباح الخميس مع استمرار المعارك فيها، قبل أن يعود الهدوء إليها مع خروج وفد منها للتفاوض مع الطرف الروسي.
وقبل وقف إطلاق النار، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل أكثر من 70 شخصاً في القصف على بلدات جنوب الغوطة.
وبين هؤلاء 37 مدنياً قتلوا في غارات روسية على بلدة عربين، وفق مدير المرصد رامي عبد الرحمن الذي أوضح أن «القصف الروسي بالغارات والقنابل الحارقة تسبب بمقتل هؤلاء المدنيين في الأقبية حرقاً أو اختناقاً»، مشيراً إلى أن فرق الإنقاذ لم تتمكن من انتشالهم سوى في وقت لاحق خلال الليل وفجر الجمعة.
ووصفت منظمة الخوذ البيضاء، الدفاع المدني في مناطق المعارضة، ما حصل في عربين بـ«المجزرة الروعة». ونشرت صورة على حسابها على موقع «تويتر» تظهر ثلاثة مسعفين يرتدون أقنعة واقية وينتشلون جثة متفحمة، إلى جانبها أخرى لُفت بقماش أبيض، فيما بدت ألسنة النار مشتعلة إلى جانب الجثث الملقاة على الأرض.
واستهدف القصف بالقنابل الحارقة مناطق عدة في الغوطة خلال الليل تضمنت أيضا مدينة دوما.
ووفق صور ومشاهد فيديو التقطها مراسل لوكالة الصحافة الفرنسية في دوما بدا القصف كأنه بمادة الفوسفور الأبيض، الذي يمنع القانون الدولي استخدامه إلا في حالات خلق ستار دخاني أو إرسال إشارات ووضع علامات أو حتى كسلاح حارق ضد المقاتلين بعيداً عن المدنيين. وينسحب الضغط العسكري والمفاوضات على دوما شمالاً. وتجري حالياً مفاوضات بين روسيا ومسؤولين في مدينة دوما، وفق اللجنة المدنية المعنية بالمحادثات، التي لم يؤكد فصيل جيش الإسلام مشاركته فيها.
ووفق مدير المرصد رامي عبد الرحمن قد تؤدي المفاوضات في دوما إلى اتفاق يقضي بتحويلها إلى منطقة «مصالحة» بعودة مؤسسات الدولة إليها وبقاء مقاتلي «جيش الإسلام» من دون دخول قوات النظام.
وتتواصل منذ أيام عدة حركة نزوح جماعي من مدينة دوما عبر معبر الوافدين شمالاً؛ أحد المعابر الثلاثة التي حددتها القوات الحكومية للراغبين بالخروج من مناطق سيطرة المعارضة.
ودفع القصف والمعارك أكثر من 87 ألف مدني للنزوح منذ 15 مارس باتجاه مناطق سيطرة قوات النظام، وبقي أكثر من 30 ألفا في منازلهم في بلدات جنوب الغوطة سيطر عليها الجيش، وفق المرصد السوري.



نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».


اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
TT

اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)

كشفت مصادر طبية يمنية عن تفشي موجة جديدة من الأوبئة في مناطق عدة خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في مقدمها «الكوليرا» و«الإسهالات المائية» ومختلف أنواع الحُميات، وسط تحذيرات من كارثة صحية تهدد ملايين السكان، في ظل الانهيار المستمر للقطاع الصحي وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي.

وأفادت المصادر بظهور تقارير وبلاغات يومية تُسجل مئات الإصابات بالحُميات وحالات الاشتباه في الكوليرا والإسهالات الحادة بعدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة، وسط عجز متصاعد عن توفير الرعاية الصحية، واتهامات للحوثيين بمواصلة استهداف القطاع الصحي، وعدم تنفيذ حملات استجابة طارئة تحد من تفشي الأمراض وتوفر بيئة صحية مناسبة للسكان.

ووفق تقارير طبية، فإن معدلات الإصابة بهذه الأمراض تشهد ارتفاعاً متسارعاً خلال الأشهر الأخيرة، مع تسجيل آلاف الحالات المشتبه فيها بمحافظات: صنعاء، وحجة، والحديدة، وإب، وعمران، وذمار.

الحوثيون يواصلون إخفاء أرقام ضحايا الكوليرا بمناطق سيطرتهم (أطباء بلا حدود)

ويؤكد أطباء وعاملون صحيون أن تدهور شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات، وغياب الرقابة الصحية، أسهمت جميعها في اتساع رقعة انتشار الأوبئة، بالتزامن مع نقص حاد في الأدوية والمحاليل الوريدية والمستلزمات الطبية الأساسية.

ولفت هؤلاء إلى أن غالبية المرافق الصحية باتت عاجزة عن استيعاب الأعداد المتصاعدة من المرضى، خصوصاً الأطفال وكبار السن؛ في ظل انقطاع المرتبات، وهجرة الكوادر الطبية، وتراجع الدعم الإنساني الدولي، فضلاً عن استمرار تخصيص الجماعة عدداً من المستشفيات لخدمة أتباعها.

ويُعدّ اليمن من أعلى دول العالم تضرراً من وباء الكوليرا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تسبب الانقلاب والحرب المستمرة منذ سنوات في انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية والخدمية؛ مما جعل ملايين السكان عرضة للأوبئة والأمراض المُعدية.

3 آلاف إصابة

في تقرير حديث، كشفت «منظمة الصحة العالمية» عن تسجيل أكثر من 3 آلاف حالة جديدة مشتبه في إصابتها بالكوليرا والإسهال المائي الحاد في اليمن خلال الربع الأول من العام الحالي، في مؤشر على استمرار تفشي الوباء وتداعياته الصحية على السكان.

ورصدت المنظمة نحو 3177 حالة إصابة مشتبه فيها منذ مطلع يناير (كانون الثاني) وحتى نهاية مارس (آذار) الماضيين، إلى جانب 3 حالات وفاة مرتبطة بالوباء خلال الفترة نفسها.

الحوثيون متهمون بتسخير موارد القطاع الصحي للمجهود الحربي (أطباء بلا حدود)

ووفقاً للتقرير، فقد حل اليمن في المرتبة الـ5 عالمياً من حيث عدد الإصابات المسجلة بالكوليرا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، كما جاء ثانياً على مستوى إقليم شرق المتوسط بعد أفغانستان من حيث عدد الإصابات والوفيات.

وشهد شهر مارس الماضي وحده تسجيل 969 إصابة جديدة، بينها حالتا وفاة، ليصبح اليمن رابع أعلى دولة عالمياً من حيث عدد الحالات الجديدة المسجلة خلال ذلك الشهر.

مخاوف من موجة وبائية

يخشى مراقبون وعاملون في القطاع الصحي اليمني من تحوّل الوضع موجةً وبائيةً واسعةً مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وهي ظروف تهيئ بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة.

ودعت منظماتٌ إنسانية المجتمعَ الدولي إلى التدخل العاجل لدعم القطاع الصحي في اليمن، وتوفير التمويل اللازم لبرامج مكافحة الكوليرا وتحسين خدمات المياه والإصحاح البيئي، محذرة بأن استمرار الحرب، والأزمة الإنسانية، يزيدان من تعقيد جهود احتواء الوباء والسيطرة عليه.

ويتزامن ذلك مع مواصلة «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تقديم دعمه للقطاع الصحي في اليمن عبر برامج طبية وإغاثية؛ تستهدف تعزيز الخدمات الصحية والحد من انتشار الأوبئة في المناطق الأكبر احتياجاً.

ووفق تقارير محلية، فقد شهدت الفترة ما بين 25 و31 مارس 2026 تقديم خدمات طبية وإغاثية لأكثر من 10 آلاف و466 مستفيداً، ضمن جهود مشتركة من «مركز الطوارئ لمكافحة الأمراض الوبائية» بمحافظة حجة، و«مشروع الاستجابة العاجلة لمكافحة الكوليرا» في عدد من المحافظات اليمنية.


أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended