عين العالم على عهد جديد للسينما في السعودية

شركات بريطانية وأميركية وآسيوية تتنافس على دخول السوق

«ذا أفنجرز»: مؤثرات الصوت والصورة - المنتج السينمائي  حماد الأتاسي
«ذا أفنجرز»: مؤثرات الصوت والصورة - المنتج السينمائي حماد الأتاسي
TT

عين العالم على عهد جديد للسينما في السعودية

«ذا أفنجرز»: مؤثرات الصوت والصورة - المنتج السينمائي  حماد الأتاسي
«ذا أفنجرز»: مؤثرات الصوت والصورة - المنتج السينمائي حماد الأتاسي

بينما الاستعدادات الإدارية والتقنية والعمرانية تمضي على قدم وساق لاستقبال عهد جديد من مناخات التحديث والتطوير في البنية الفنية والثقافية في المملكة العربية السعودية، ترتفع الآمال المعلقة على أن تكون السينما، كصناعة وكتوزيع، رأس الحربة في هذا الاتجاه الجديد لبلد تحاشى، سابقاً، الاشتراك مع محيطه والعالم في عرض الأفلام السينمائية أو تصنيعها، على رقعة كبيرة، في المملكة.
والمسألة برمّتها لها أكثر من جانب تدعمها اليوم التوجهات الجادة لاستحداث نهضة شاملة تخلق مملكة جديدة ومحورية على الأصعدة كافة. فالسينما لها عدة كيانات لا تستطيع أن تنجح من دونها ومن بينها التصنيع والتسويق ووجود صالات سينمائية تعرض ما يتم إنتاجه.
الذي حدث تبعاً لقرار المملكة افتتاح صالات السينما والبدء بعروض الأفلام المنتجة عالمياً، بعدما كان ذلك محظوراً في السابق، أن السينمائيين السعوديين من ناحية والعرب الآخرين من ناحية ثانية ثم العالميين، ثالثاً، أدركوا سريعاً قيمة الفرصة المتاحة وأخذوا يبنون عليها ما سيمنح السعودية الواجهة الثقافية والفنية والتجارية أيضاً لصناعة سينمائية متكاملة.

الحدث الأهم
يقع معظم التوزيع العالمي للأفلام الواردة من الغرب في أيدي شركات لبنانية احترفت العمل ونجحت فيه. أسست هذه الشركات أعمالها على نطاق واسع تبعاً لعقود من العمل الجاد غير المؤقت. خلالها كسبت ثقة الاستوديوهات الأميركية كما الشركات الغربية الأصغر منها. هذا قبل وخلال انتقال الكثير من هذه الشركات إلى بناء الصالات السينمائية ذاتها في عواصم عربية رئيسية مثل أبوظبي ودبي وبيروت وعمّان والكويت والبحرين وقطر.
أصحاب هذه الشركات ومسؤوليها الكبار، مثل هيام صليبي وحمّاد الأتاسي وماريو حداد وسليم رميا وسواهم، أدركوا باكرا أهمية السوق السعودية وانتظروا الفرصة المناسبة للمشاركة في تشييدها. وحالياً ينتقلون ما بين بيروت ودبي والرياض لأجل إتمام العقود وافتتاح الصالات ومتابعة النجاح الذي يتوخاه الجميع من هذه الفرصة التجارية الثمينة.
في حديث مع الموزع حماد الأتاسي مباشرة بعد إعلان السعودية رسمياً عن سماحها بفتح السوق المحلية للعروض السينمائية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال صاحب شركة «برايم فيلمز»: «هذا أهم حدث سينمائي في تصوّري وجاء في وقته. كلنا كنا ننتظر هذه الخطوة ونعتبرها دليلاً على النقلة النوعية للعهد الجديد في هذا المجال. وسابقاً ما كانت الأنباء تتوارد من حين لآخر حول احتمال رفع الحظر عن العروض السينمائية وكنا دائماً جاهزين للمساهمة لتفعيل هذا القرار».
حمّاد الأتاسي، ابن المنتج الأسطوري الراحل نادر الأتاسي، يتناول موضوع المنافسة على دخول السوق السعودية في هذا الوقت تحديداً وما هي الشركات المؤهلة فعلياً لذلك: «السينما مثل السهل الممتنع. هي سهلة بالنسبة لنا وممتنعة لسوانا. عليك أن تعرف كيف تبني الصالة بالميزانية المناسبة وفي المكان الصحيح وكيفية تأمين متطلباتها بحيث تبدو دائماً كما لو أنها بنيت حديثاً وبأتم صورة عصرية. الجمهور اليوم ابن تكنولوجيا متقدمة تجعله قادراً على التفريق بين نسخة ممتازة من فيلم مؤثرات صوت وصورة عالية من النسخة العادية. عليك أن تعرف كذلك كيف توظّف الأشخاص الذين سيقومون بإدارة الصالات وكيفية إدارتهم وعلاقاتك بأصحاب الأفلام التي عليها أن تكون ناصعة ونقية من خلال علاقات مدروسة وقائمة على ثقة شركات التوزيع العالمية بالموزّع التي تعتمده لكل منطقة حول العالم».

أسئلة حاسمة
لناحية المؤثرات التقنية التي تجعل من مشاهدة فيلم مثل «ذا أفنجرز» متعة كاملة فإن الجمهور السعودي مقبل على التمتع بأعلى وأرقى المبتكرات في هذا الشأن. ومن ناحية أخرى، فإن الجوع لمشاهدة الأفلام سيرتفع إلى سقف تجاري غير مسبوق. يقول الأتاسي: «وقتما تبني 200 مجمع بمعدل 12 إلى 15 مليون دولار تكلفة المجمّع الواحد، فإن تكلفة هذه المجمّعات الإجمالية ستتراوح بين 3 و4 مليارات دولار للمجمع الواحد. بذلك لن يكون من السهل على الكثيرين الدخول في هذا المعترك. عليك أن تكون أولاً خبيراً في المنطقة وتعرف ماذا تقوم به معرفة وثيقة وبعد دراسة».
على أن هذه الخبرات ليست محتكرة من قِبل العرب والتجربة الإماراتية أكدت لمستثمرين أجانب كثيرين أنه من المفيد جداً الاستثمار في بناء صالات سعودية بعدما برهنت التجربة الإماراتية عن نجاح كبير جداً في هذا الشأن.
بعد صدور قرار السماح بعرض الأفلام داخل المملكة، أسرعت شركات بريطانية وكورية وأميركية ومكسيكية وصينية وهندية بتبني الرغبة في دخول السوق السعودية والعمل فيها. هذه الشركات كانت أبدت اهتمامها الكبير بالسوق الخليجية ككل بناء على نجاح النموذج الإماراتي في هذا الشأن.
السؤال هنا هو كيف يمكن وسط هذا الزخم من الشركات أن يبدأ العمل لكي يستطيع أولاً استرداد تكلفته وثانياً تحقيق الأرباح. يوضح الأتاسي ذلك بقوله: «حتى تتم الفائدة على مستوى جيد ومفيد للمستثمرين، على كل شركة أن تبني نحو 40 مجمعا سينمائيا كل منها يحوي من 8 إلى 10 صالات لكي تصل إلى الكفاية المطلوبة لتسجيل الأرباح. وتسجيل الأرباح لن يتم سريعاً لكل المشتركين. بعضهم سيسترد تكلفته أسرع من البعض الآخر تبعاً لخبرته. فالمسألة ليست بناء مجمع صالات في أي مجمّع قائم أو حتى بناء الصالات في أرض يتم شراؤها خصيصاً للغاية. على صاحب كل مجمّع أن يدرس المكان الذي ينوي افتتاح صالات السينما فيه. ليس كل «المولات» مناسبة. عليه أن يدرس المنطقة بأسرها من حيث سهولة أو صعوبة الوصول إلى المجمّع وساعات الزحام وما إذا كانت الصالات التي يبنيها قريبة أو بعيدة من المنطقة المأهولة من ناحية وكم هي قريبة أو بعيدة من المجمّع الآخر سواء أكان مجمّعه هو أو مجمّع منافس. المسافة بين كل مجمع سينمائي وآخر يجب أن لا تقل عن 5 كلم».
بالحسابات ذاتها، فإن من يصل أولاً سيربح أسرع وأكثر. يوافق حماد الأتاسي على ذلك في حديث لاحق قبل سفره إلى الرياض لمتابعة عمليات البناء والتدريب هناك: «بالطبع، الصالة التي من المفترض أن يكون إيرادها السنوي 800 ألف دولار، قد تنجز مليوني دولار في السنة الأولى إذا ما سبقت سواها، والصالة التي من المفترض أن تنجز مليون ونصف مليون دولار قد تنجح في الوصول إلى مليوني ونصف المليون من الدولارات قبل أن يستقر الوضع على أساس دائم».
لجانب هذه الخطوات الحثيثة، فإن إنتاج أفلام سعودية يكمن في رأس الأولويات ومن المبدأ ذاته: «من سيصنع الأفلام السعودية الأولى سيمتص الرغبة العارمة لدى الجمهور السعودي لتشجيع الإنتاج المحلي».



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز