بارني روناي: أعترف أني أسأت الحكم على محمد صلاح

بارني روناي: أعترف أني أسأت الحكم على محمد صلاح

الناقد الرياضي بـ«الغارديان» يؤكد ندمه على تشكيكه في موهبة نجم ليفربول
الخميس - 6 رجب 1439 هـ - 22 مارس 2018 مـ رقم العدد [ 14359]
صلاح وجد مع كلوب ما افتقده مع مورينيو («الشرق الأوسط») - مدافعو واتفورد يتهاوون واحداً وراء الآخر أمام صلاح وهو يفتتح رباعيته (رويترز)
لندن: بارني روناي
الخطأ صفة بشرية - ويمكنني أن أضيف أن ارتكاب أخطاء كبرى ومضحكة صفة بشرية كذلك، الأمر الذي يمكن لأي شخص معني بالكتابة عن الرياضة التصديق على صحته. من التجارب الشائعة بالنسبة للعاملين في هذا المجال أن يجد المرء نفسه مصدوماً بعض الشيء إزاء الأحداث التي تتكشف على أرض الواقع، حتى عندما تكون هذه الأحداث مصدر متعة كبيرة على المستوى الرياضي.

وكل هذا بمثابة تمهيد للاعتراف التالي: نعم، لقد كنت من المتشككين في موهبة محمد صلاح - أو على الأقل كنت من المتابعين الذين فاجأهم مستوى أدائه. وخلال مقال طرحت خلاله تقييمي لصفقات انتقال اللاعبين في أغسطس (آب) الماضي قبل انطلاق الموسم ونشرته «الغارديان»، كتبت الفقرة التالية في تقييمي لصفقات يورغين كلوب: «ضم ليفربول إليه ظهيرا أيسر جيدا وأنفق مبلغا ضخما من المال على محمد صلاح». ودعونا اليوم نعيد قراءة العبارة الأخيرة من جديد: مبلغ ضخم من المال لضم محمد صلاح مقابل 35 مليون جنيه إسترليني.. حسناً لا أستطيع منع نفسي عن الضحك والبكاء معاً! هل حصلت حقاً على أجر مقابل كتابة مثل هذا المقال؟!

ومع هذا، تظل مثل هذه المواقف على وجه التحديد سر المتعة التي تضفيها علينا كرة القدم - بل ومشاهدة ولعب الرياضة بمختلف أنواعها، فالرياضة قادرة دوماً على إدهاشك وتحطيم توقعاتك وافتراضاتك بلا رحمة. إلا أنه من بين العوامل التي قد تخفف وطأة الإخفاق الكبير لتوقعي السابق أنني كتبته قبل إنجاز صفقات الانتقال الأربع الكبرى في تاريخ كرة القدم، وعدم الجدوى المالية التي تكشفت عنها صفقة انتقال نجم المنتخب البرازيلي وبرشلونة نيمار إلى باريس سان جيرمان. في أعقاب ذلك بفترة قصيرة، دفع برشلونة ثلاثة أضعاف سعر محمد صلاح مقابل ضم عثمان ديمبيلي. وبحلول نهاية الصيف، أصبح مبلغ الـ35 مليون جنيه إسترليني يبدو، إن لم يكن مبلغاً دون قيمة تذكر، فعلى الأقل بقيمة أقل عن ذي قبل. اليوم، تبدو صفقة ضم محمد صلاح مقابل هذا المبلغ واحدة من أبرز الصفقات الرابحة على مدار السنوات الـ10 الأخيرة.

ومع ذلك، فإنه في ذلك الوقت حتى من كانوا يدركون حقيقة مهارات محمد صلاح ويتابعون مسيرته بالتفصيل وتحدثوا بحماس عما حققه في بطولة الدوري الإيطالي الممتاز، كانوا بالتأكيد مندهشين بعض الشيء إزاء النجاح الفوري والضخم الذي حققه تحت قيادة كلوب - الأمر المثير للدهشة والذي يستحق الدراسة في حد ذاته.

وفي ظل وجود سبع مباريات فقط متبقية من مسابقة الدوري، يبدو صلاح اليوم أفضل لاعب خلال الموسم، وذلك لإحرازه 28 هدفاً خلال مباريات الدوري الممتاز، ما يعادل أربعة أضعاف عدد الأهداف التي سجلها مهاجم توتنهام هاري كين وأكثر بمقدار سبعة أهداف عما سجله مهاجم مانشستر سيتي الأرجنتيني سيرغيو أغويرو.

وتزامن هذا مع الرباعية الرائعة التي أسكنها صلاح شباك واتفورد د خلال عطلة نهاية الأسبوع. علاوة على ذلك، عاون صلاح في تسجيل تسعة أهداف، ولا يتفوق عليه في هذا الصدد سوى جناح مانشستر سيتي ليروي ساني ولاعب خط وسط مانشستر سيتي ديفيد سيلفا. كما أن لاعب خط وسط تشيلسي البلجيكي إدين هازارد وجناحي كريستال بالاس الايفواري ويلفريد زاها والإنجليزي أندروس تاونسند فقط هم من تفوقوا عليه من حيث توجيه الكرة نحو مرمى الخصم. كما أن كين اللاعب الوحيد على مستوى بطولة الدوري الممتاز الذي صوب عدد كرات أكبر باتجاه مرمى الخصم.

ومن بين الأمور الطيبة كذلك التي حققها صلاح أنه رغم مشاركته في صفوف فريق كبير يخوض منافسات شرسة، فإنه لم يتعرض لأية بطاقات إنذار أو طرد حتى هذه اللحظة خلال الموسم. ثمة حقيقة بديهية تقول إن اللاعبين البارعين بحاجة لأن يكون بداخلهم قليل من الشر والتمرد. ورغم أن صلاح يبدو بلا رحمة ولا هوادة في كثير من الجوانب، فإن اللافت بشأنه أنه يقتلك بابتسامة. وبطبيعة الحال تمثل الأرقام مجرد جزء من القصة. في الواقع، بداية صعود نجم صلاح على هذا النحو المتألق لم يأت مع هدف سجله أو حصوله ذات مرة على لقب أفضل لاعب بالمباراة، وإنما خلال المباراة التي انتهت بالتعادل السلبي أمام مانشستر يونايتد على استاد إنفيلد في أكتوبر (تشرين الأول) - مباراة هيمن عليها التنظيم الدفاعي الذي يتبعه جوزيه مورينيو.

حتى أثناء هذه المباراة، جاء أداء صلاح لافتاً، وكان اللاعب الوحيد داخل أرض الملعب الذي أظهر قدرته على تعزيز الضغط الهجومي عبر اختراق الصفوف الدفاعية. وخلال المباراة، نجح صلاح في تصويب الكرة نحو المرمى ثمانية مرات في غضون 73 دقيقة، ما يزيد على إجمالي ما حققه لاعبو خط وسط وهجوم مانشستر يونايتد بالكامل. إضافة لذلك، بدا صلاح شديد التفاؤل، وصال وجال عبر أرجاء الملعب برأس وصدر مرفوعين إلى الأعلى في شمم.

مع الانتقال سريعا إلى واتفورد خلال عطلة نهاية الأسبوع، كان صلاح جعل في أجزءا من المباريات تبدو وكأنها غير متطابقة أو غريبة - وفي النهاية جاء أداؤه على أفضل نحو ممكن. وستظل ثلاثية الأهداف التي سجلها في استاد إنفيلد واحدة من كبرى العلامات الفارقة خلال الموسم، خاصة عندما نجح محمد صلاح في سحق مدافعي واتفورد الثلاثة والذين تهاووا جميعاً أمامه واحداً تلو الآخر، في الوقت الذي حقق صلاح أمام الجميع معجزة في التوازن بانتقاله قفزاً من قدمه اليمنى إلى اليسرى رغم انطلاقه السريع، تاركاً خلفه أصحاب القمصان الصفراء في حالة تهاوٍ مستمر. حتى اللمسة النهائية تضمنت تفاصيل رائعة، مع انطلاق الكرة بقوة أمام حارس مرمى واتفورد أوريستيس كارنيزيس.

وهنا، ثمة تساؤلان يطرحان نفسيهما: كيف حدث ذلك؟ وإلى متى يمكن أن يستمر؟

يبدو التساؤل الأول مشروعاً، ذلك أنه في غضون سبعة أشهر فقط أحرز صلاح 36 هدفاً لحساب ليفربول، ما يزيد عن أي ناد آخر شارك في صفوفه. كما أن طبيعة كرة القدم التي يمارسها ولحظات تألقه البدني داخل الملعب والبهجة التي يضفيها أسلوب لعبه على المتفرجين والتي تثير في الأذهان صور تتعلق بلحظات تألق أسماء لامعة مثل مهاجم آرسنال السابق الفرنسي تيري هنري وكريستيان رونالدو جناح مانشستر يونايت السابق وريال مدريد حاليا وسواريز ومهاجم آرسنال السابق الهولندي دينيس بيركامب ومهاجم مانشستر سيتي الحالي أغويرو في الدوري الإنجليزي الممتاز.

ومع وضع هذا نصب الاعتبار، كان من السهل النظر إلى الفترة التي قضاها صلاح تحت قيادة مورينيو في تشيلسي ورؤية كم كان مورينيو، العاشق الأول للكرة الدفاعية، مخطئاً في عدم استغلاله قدرات الساحر المصري الموجود أمامه. ومع هذا، تظل الحقيقة أن مورينيو رأى ما يكفي من مهارات في صلاح لضمه إلى صفوف تشيلسي في المقام الأول. كان صلاح في الـ21 من عمره حينها، وكان إدين هازارد والبرازيليان ويليان واوسكار جميعاً قد حجزوا أماكنهم في التشكيلة الأساسية لتشيلسي. في الواقع، لم يحصل صلاح على الفرصة المناسبة قط، وشارك في إجمالي 19 مباراة، وكان جزءا من التشكيل الأساسي في 10 منها. وبالنسبة لأولئك الذين شاهدوا أداء صلاح عن قرب داخل استاد ستامفورد بريدج، تبقى الصورة العالقة في أذهانهم صورة كتلة من الطاقة الحبيسة، ولاعب لم يشعر مدربه قط بارتياح إزاء قوته الهجومية الكاسحة.

ويبدو أن ما كان صلاح في حاجة له يد دافعة وفرصة حقيقية. في روما، أشار لوتشيانو سباليتي مدرب فريق العاصمة الإيطالية في ذلك الوقت إلى إسهام صلاح خلال إحدى المباريات باعتباره نموذجاً للعب الجماعي النموذجي. وذكر صلاح أن سباليتي كان كثيراً ما يجلس معه بعد التدريب ليوجهه بشأن كيف ينبغي عليه الدفاع ومناقشة المسؤوليات الأخلاقية الكامنة وراء إدارة والعمل من أجل الفريق. وبينما وجد صلاح في سباليتي دعماً أبوياً، فقد وجد دعماً كروياً رائعاً في أسلوب اللعب الذي انتهجه كلوب ويعتمد على ثلاثة مهاجمين. والتساؤل القائم الآن: هل بإمكان صلاح المضي قدماً في تقديم هذا الأداء الرائع والاستثنائي؟ الحمقى فقط هم من سيراهنون ضد ذلك - تماماً مثلما كان الحال في الماضي.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة