علي جواد الطاهر... مترجماً

تلميذه وزميله لاحقاً يكتب عن جانب مغفل عنه

د. علي جواد الطاهر
د. علي جواد الطاهر
TT

علي جواد الطاهر... مترجماً

د. علي جواد الطاهر
د. علي جواد الطاهر

على الرغم من ترجمة الدكتور علي جواد الطاهر لأربعة كتب من اللغة الفرنسية إلى العربية، ومراجعته لعشرات الكتب المُتَرجَمة عن لغات غربية وشرقية إلاّ أن أحداً لم يكتب عن هذا المضمار الحيوي الذي عُني به الراحل، وكرّس له جزءاً مهماً من وقته الثمين إلى أن انبرى تلميذه، وصديقه الحميم، وزميله التدريسي لاحقاً الدكتور حسن البياتي ليكتب عنه بحثاً معمّقاً عنوانه «الدكتور علي جواد الطاهر والترجمة إلى اللغة العربية»، وبما أنّ الكاتب كان يسارياً آنذاك، وأنّ المكتوب عنه غير مَرْضي عنه تماماً من قِبل السلطة الاستبدادية فقد رفض رئيس تحرير مجلة «المجمّع العلمي» نشر هذا البحث الأكاديمي لكن مجلة «آفاق عربية» أبدت استعدادها لنشره شرط اختصاره إلى النصف، بينما وافقت «الموسوعة الصغيرة» على نشره إن قام الباحث بتوسيع مادته بما يتناسب مع حجم الإصدار. وحينما سافر الدكتور حسن البياتي إلى اليمن للتدريس في جامعة حضرموت أخذ معه البحث لكن الحادث الذي أودى ببصره وقف حائلاً دون نشره، فتقادمت الأعوام عليه حتى عاود نشاطه الثقافي من جديد فطوّر البحث عام 2015 ووسّعه حتى أصبح كتاباً قائماً بذاته يحمل عنوان «الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر» الذي صدر عن دار الفارابي في بيروت هذا العام. يتمحور الكتاب على تراجم الطاهر، ومراجعاته للكتب المترجمة، وآرائه النقدية في عملية الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. ويتضمن الكتاب أيضاً وثيقتين خطيتين مهمتين، وصفحات استهلالية تسبق المقدمة، والأركان الخمسة التي يقوم عليها متن الكتاب، والخاتمة التي تشتمل على نتائج البحث، وتوصيات الباحث بمواصلة الكتابة عن هذا الصرح الترجمي كلما توفرت لديه مادة جديدة لم يقع عليها من قبل.
تكشف الوثيقة الأولى عن التواضع الجمّ للدكتور الطاهر الذي أرسل نسخة من كتابه «منهج البحث الأدبي» إلى تلميذه حسن البياتي ملتمساً منه إن اتسع له المجال أو سافر إلى موسكو أن يحصل على كتاب نموذجي في منهج البحث، ويقارن بين الاثنين ليستدرك ما فاته في طبعة لاحقة. أما الوثيقة الثانية فهي كلمة تأبين للفقيد الراحل الذي غادرنا جسداً لكنه ظل حاضراً بيننا بفكره الثاقب، ورؤيته النقدية المتوهجة.
إذا أراد القرّاء أن يعرفوا صدق العلاقة الإنسانية الراقية بين التلميذ وأستاذه فعليهم أن يقرأوا الصفحات الاستهلالية التي ترصد هذه العلاقة منذ العام 1954 حين تعرّف عليه في دار المعلمين العالية حتى يوم رحيله المفجع في 9 أكتوبر (تشرين الأول) 1996. وخلال أربعة عقود ونيّف من هذه العلاقة الحميمة مع أستاذه، وصديقه المقرّب وجد البياتي نفسه مهيأً لكتابة هذا البحث لأسباب كثيرة أهمها قراءة كل ما كتبه الطاهر من أعمال منشورة، ومخطوطة باستثناء بعض المقالات والمراجعات النقدية التي تعذّر الحصول عليها بسبب التنقل والترحال بين المدن والأمصار بحثاً عن الطمأنينة والسلام الروحي. كما أن البياتي نفسه شاعر، وباحث، ومترجم وقد صدر له في حقل الترجمة فقط 15 كتاباً مترجماً عن اللغة الروسية تؤهله لأن يخوض في هذا البحث الأكاديمي غير المطروق من وجهة نظره. يقوم الصرح الترجمي على خمسة أركان رئيسية وهي «مباشرة الترجمة، والحثّ عليها، ومتابعة النتاج المترجم وتقويمه، ومراجعته، وطرح وجهات نظر عامة في عميلة الترجمة». يحيطنا الركن الأول من الكتاب، أي مباشرة الترجمة، بأن الطاهر قد ترجم أربعة كتب رئيسية إذا ما استثنينا أطروحته الموسومة «الشعر العربي في العراق وبلاد العجم في العصر السلجوقي» التي ترجمها عام 1956. أما الكتب الأربعة فهي «مقالات» 1956 و«الأبناء وقصص أخرى» التي صدرت عن اتحاد الأدباء العراقيين عام 1961. أما الكتابان المخطوطان فهما «السوط وقصص أخرى» لسبعة كُتاب فرنسيين و«الأدب الفرنسي في العصر الوسيط» لبيير جورج كاستكن، وبول سيرر الذي لم يرد ذكره لا كتابة ولا شفاهة، كما أنه الكتاب الوحيد الذي ظل دون مقدمة بخلاف كتبه المخطوطة كلها. يعتقد البياتي أن قارئ هذه المقالات والقصص يشعر بالمتعة «لسلامة لغتها، وسلاسة أسلوبها» وكأن رائحة الترجمة قد تلاشت من هذه النصوص أو كادت، وهذا يؤكد أن الطاهر كان متمكناً من أدواته الترجمية، وقد أشاد الباحث بأسلوبه الشاعري الجميل الذي يحاول الاقتراب من الأصل والتماهي فيه.
أما الركن الثاني فهو «الحثّ على الترجمة إلى اللغة العربية والإشادة بجهود القائمين بها» حيث اتّبع الطاهر كل الوسائل المتاحة له مثل الكتابة في الصحف، ومراسلة المترجمين الذين يتوسم فيهم القدرة على الترجمة، واللقاءات الشخصية، أو الاتصالات الهاتفية مستفزاً هممهم، ومستنهضاً قدراتهم الثقافية الكامنة بغية ترجمة النصوص الأدبية التي تساهم في تطور البلد، ومواكبة ركب الأمم المتحصرة. وقد أشاد الطاهر بعدد من المترجمين العراقيين أمثال جميل نصيّف التكريتي، وحياة شرارة، وجليل كمال الدين، وضياء نافع، وحسن البياتي الذي تألق في ترجمة روايتي «أولئك الذين تحت» و«زبد الحديد» وسواهما من الكتب الرصينة الأخرى.
يرتكز الركن الثالث على «متابعة النتاج المُترجَم وتقويمه» ففي الأقاصيص المترجمة أسهم الطاهر بترجمة أقصوصتين من اللغة الفرنسية، بينما شارك آخرون بترجمة ثلاث قصص من الألمانية والإنجليزية والفارسية مع مقدمة طويلة كتبها الطاهر بنفسه حيث قدّم في الصفحات العشر الأخيرة منها عرضاً تقويمياً للأقاصيص الخمس متابعاً إياها بطريقة علمية، ومثمِّناً جهود القائمين بها من دون أن ينسى الإشادة بالمؤسسات والجهات الناشرة. يعود اهتمام الطاهر بالأدب المترجم إلى عام 1934 حينما قرأ «خواطر حمار» للكونتيس دي سكير، ترجمة حسن الجمل، ورواية «هيرمن ودروتيه» لغوته ترجمة محمد عوض محمد وسواها من الكتب الأدبية ثم يتواصل الثناء ليشمل مترجمين من طراز سليمان البستاني الذي ترجم الإلياذة، وسامي الدروبي الذي عدّه الطاهر «حالة نادرة في تاريخ الترجمة عندنا»، ومحيي الدين صبحي، ويوسف إبراهيم جبرا، وعزيز ضياء، ومترجمي مسرحيات «كريولان» و«الإنسان الطيّب» و«غاليليو» التي أخرجها الراحل عوني كرّومي، فقد كان الطاهر مولعاً بمتابعة المسرحيات المترجمة التي تُعرض آنذاك منوّهاً بجيدها، ومُنتقداً الهابط منها. يختص الركن الرابع بـ«مراجعة النتاج الأدبي المُتَرجم إلى اللغة العربية» حيث كُلِّف الطاهر بمراجعة كتابين وهما «تشيخوف» لهنري ترويا، ترجمة خليل الخوري، و«قصيدة النثر: من بودلير إلى أيامنا» لسوزان برنار، ترجمة زهير مغامس، وقد أعجب المترجمان بمراجعة الطاهر، وملحوظاته القيّمة، وتصويبه للهفوات التي ارتكبوها في أثناء الترجمة. أما القسم الثاني من هذا الركن فيشتمل على مراجعة 27 كتاباً مترجماً من الفرنسية والإنجليزية والروسية حيث انتقد المراجعين الذين لا يستدركون الأخطاء قبل وصولها إلى القرّاء.
أما الركن الخامس والأخير فيتمثّل بـ«طرح وجهات نظر عامة في عملية الترجمة» وهي آراء وأفكار مُستمدة من تجربته الشخصية الطويلة، وخبرته الواسعة التي تجمع بين البحث والنقد والترجمة. ويشدّد الطاهر على أن المترجم ينبغي أن يمتلك ناصية اللغتين، المترجَم منها والمُترجَم إليها، ويدعو إلى ضبط الترجمة وصياغة العبارة السليمة التي لا تخدش الأذن العربية المرهفة. خلاصة القول إن الدكتور حسن البياتي قد وفا بوعده، وبرّأ ذمته من الدَين الذي طوّق عنقه على مدى عشرين عاماً أو يزيد.


مقالات ذات صلة

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».