علي جواد الطاهر... مترجماً

تلميذه وزميله لاحقاً يكتب عن جانب مغفل عنه

د. علي جواد الطاهر
د. علي جواد الطاهر
TT

علي جواد الطاهر... مترجماً

د. علي جواد الطاهر
د. علي جواد الطاهر

على الرغم من ترجمة الدكتور علي جواد الطاهر لأربعة كتب من اللغة الفرنسية إلى العربية، ومراجعته لعشرات الكتب المُتَرجَمة عن لغات غربية وشرقية إلاّ أن أحداً لم يكتب عن هذا المضمار الحيوي الذي عُني به الراحل، وكرّس له جزءاً مهماً من وقته الثمين إلى أن انبرى تلميذه، وصديقه الحميم، وزميله التدريسي لاحقاً الدكتور حسن البياتي ليكتب عنه بحثاً معمّقاً عنوانه «الدكتور علي جواد الطاهر والترجمة إلى اللغة العربية»، وبما أنّ الكاتب كان يسارياً آنذاك، وأنّ المكتوب عنه غير مَرْضي عنه تماماً من قِبل السلطة الاستبدادية فقد رفض رئيس تحرير مجلة «المجمّع العلمي» نشر هذا البحث الأكاديمي لكن مجلة «آفاق عربية» أبدت استعدادها لنشره شرط اختصاره إلى النصف، بينما وافقت «الموسوعة الصغيرة» على نشره إن قام الباحث بتوسيع مادته بما يتناسب مع حجم الإصدار. وحينما سافر الدكتور حسن البياتي إلى اليمن للتدريس في جامعة حضرموت أخذ معه البحث لكن الحادث الذي أودى ببصره وقف حائلاً دون نشره، فتقادمت الأعوام عليه حتى عاود نشاطه الثقافي من جديد فطوّر البحث عام 2015 ووسّعه حتى أصبح كتاباً قائماً بذاته يحمل عنوان «الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر» الذي صدر عن دار الفارابي في بيروت هذا العام. يتمحور الكتاب على تراجم الطاهر، ومراجعاته للكتب المترجمة، وآرائه النقدية في عملية الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. ويتضمن الكتاب أيضاً وثيقتين خطيتين مهمتين، وصفحات استهلالية تسبق المقدمة، والأركان الخمسة التي يقوم عليها متن الكتاب، والخاتمة التي تشتمل على نتائج البحث، وتوصيات الباحث بمواصلة الكتابة عن هذا الصرح الترجمي كلما توفرت لديه مادة جديدة لم يقع عليها من قبل.
تكشف الوثيقة الأولى عن التواضع الجمّ للدكتور الطاهر الذي أرسل نسخة من كتابه «منهج البحث الأدبي» إلى تلميذه حسن البياتي ملتمساً منه إن اتسع له المجال أو سافر إلى موسكو أن يحصل على كتاب نموذجي في منهج البحث، ويقارن بين الاثنين ليستدرك ما فاته في طبعة لاحقة. أما الوثيقة الثانية فهي كلمة تأبين للفقيد الراحل الذي غادرنا جسداً لكنه ظل حاضراً بيننا بفكره الثاقب، ورؤيته النقدية المتوهجة.
إذا أراد القرّاء أن يعرفوا صدق العلاقة الإنسانية الراقية بين التلميذ وأستاذه فعليهم أن يقرأوا الصفحات الاستهلالية التي ترصد هذه العلاقة منذ العام 1954 حين تعرّف عليه في دار المعلمين العالية حتى يوم رحيله المفجع في 9 أكتوبر (تشرين الأول) 1996. وخلال أربعة عقود ونيّف من هذه العلاقة الحميمة مع أستاذه، وصديقه المقرّب وجد البياتي نفسه مهيأً لكتابة هذا البحث لأسباب كثيرة أهمها قراءة كل ما كتبه الطاهر من أعمال منشورة، ومخطوطة باستثناء بعض المقالات والمراجعات النقدية التي تعذّر الحصول عليها بسبب التنقل والترحال بين المدن والأمصار بحثاً عن الطمأنينة والسلام الروحي. كما أن البياتي نفسه شاعر، وباحث، ومترجم وقد صدر له في حقل الترجمة فقط 15 كتاباً مترجماً عن اللغة الروسية تؤهله لأن يخوض في هذا البحث الأكاديمي غير المطروق من وجهة نظره. يقوم الصرح الترجمي على خمسة أركان رئيسية وهي «مباشرة الترجمة، والحثّ عليها، ومتابعة النتاج المترجم وتقويمه، ومراجعته، وطرح وجهات نظر عامة في عميلة الترجمة». يحيطنا الركن الأول من الكتاب، أي مباشرة الترجمة، بأن الطاهر قد ترجم أربعة كتب رئيسية إذا ما استثنينا أطروحته الموسومة «الشعر العربي في العراق وبلاد العجم في العصر السلجوقي» التي ترجمها عام 1956. أما الكتب الأربعة فهي «مقالات» 1956 و«الأبناء وقصص أخرى» التي صدرت عن اتحاد الأدباء العراقيين عام 1961. أما الكتابان المخطوطان فهما «السوط وقصص أخرى» لسبعة كُتاب فرنسيين و«الأدب الفرنسي في العصر الوسيط» لبيير جورج كاستكن، وبول سيرر الذي لم يرد ذكره لا كتابة ولا شفاهة، كما أنه الكتاب الوحيد الذي ظل دون مقدمة بخلاف كتبه المخطوطة كلها. يعتقد البياتي أن قارئ هذه المقالات والقصص يشعر بالمتعة «لسلامة لغتها، وسلاسة أسلوبها» وكأن رائحة الترجمة قد تلاشت من هذه النصوص أو كادت، وهذا يؤكد أن الطاهر كان متمكناً من أدواته الترجمية، وقد أشاد الباحث بأسلوبه الشاعري الجميل الذي يحاول الاقتراب من الأصل والتماهي فيه.
أما الركن الثاني فهو «الحثّ على الترجمة إلى اللغة العربية والإشادة بجهود القائمين بها» حيث اتّبع الطاهر كل الوسائل المتاحة له مثل الكتابة في الصحف، ومراسلة المترجمين الذين يتوسم فيهم القدرة على الترجمة، واللقاءات الشخصية، أو الاتصالات الهاتفية مستفزاً هممهم، ومستنهضاً قدراتهم الثقافية الكامنة بغية ترجمة النصوص الأدبية التي تساهم في تطور البلد، ومواكبة ركب الأمم المتحصرة. وقد أشاد الطاهر بعدد من المترجمين العراقيين أمثال جميل نصيّف التكريتي، وحياة شرارة، وجليل كمال الدين، وضياء نافع، وحسن البياتي الذي تألق في ترجمة روايتي «أولئك الذين تحت» و«زبد الحديد» وسواهما من الكتب الرصينة الأخرى.
يرتكز الركن الثالث على «متابعة النتاج المُترجَم وتقويمه» ففي الأقاصيص المترجمة أسهم الطاهر بترجمة أقصوصتين من اللغة الفرنسية، بينما شارك آخرون بترجمة ثلاث قصص من الألمانية والإنجليزية والفارسية مع مقدمة طويلة كتبها الطاهر بنفسه حيث قدّم في الصفحات العشر الأخيرة منها عرضاً تقويمياً للأقاصيص الخمس متابعاً إياها بطريقة علمية، ومثمِّناً جهود القائمين بها من دون أن ينسى الإشادة بالمؤسسات والجهات الناشرة. يعود اهتمام الطاهر بالأدب المترجم إلى عام 1934 حينما قرأ «خواطر حمار» للكونتيس دي سكير، ترجمة حسن الجمل، ورواية «هيرمن ودروتيه» لغوته ترجمة محمد عوض محمد وسواها من الكتب الأدبية ثم يتواصل الثناء ليشمل مترجمين من طراز سليمان البستاني الذي ترجم الإلياذة، وسامي الدروبي الذي عدّه الطاهر «حالة نادرة في تاريخ الترجمة عندنا»، ومحيي الدين صبحي، ويوسف إبراهيم جبرا، وعزيز ضياء، ومترجمي مسرحيات «كريولان» و«الإنسان الطيّب» و«غاليليو» التي أخرجها الراحل عوني كرّومي، فقد كان الطاهر مولعاً بمتابعة المسرحيات المترجمة التي تُعرض آنذاك منوّهاً بجيدها، ومُنتقداً الهابط منها. يختص الركن الرابع بـ«مراجعة النتاج الأدبي المُتَرجم إلى اللغة العربية» حيث كُلِّف الطاهر بمراجعة كتابين وهما «تشيخوف» لهنري ترويا، ترجمة خليل الخوري، و«قصيدة النثر: من بودلير إلى أيامنا» لسوزان برنار، ترجمة زهير مغامس، وقد أعجب المترجمان بمراجعة الطاهر، وملحوظاته القيّمة، وتصويبه للهفوات التي ارتكبوها في أثناء الترجمة. أما القسم الثاني من هذا الركن فيشتمل على مراجعة 27 كتاباً مترجماً من الفرنسية والإنجليزية والروسية حيث انتقد المراجعين الذين لا يستدركون الأخطاء قبل وصولها إلى القرّاء.
أما الركن الخامس والأخير فيتمثّل بـ«طرح وجهات نظر عامة في عملية الترجمة» وهي آراء وأفكار مُستمدة من تجربته الشخصية الطويلة، وخبرته الواسعة التي تجمع بين البحث والنقد والترجمة. ويشدّد الطاهر على أن المترجم ينبغي أن يمتلك ناصية اللغتين، المترجَم منها والمُترجَم إليها، ويدعو إلى ضبط الترجمة وصياغة العبارة السليمة التي لا تخدش الأذن العربية المرهفة. خلاصة القول إن الدكتور حسن البياتي قد وفا بوعده، وبرّأ ذمته من الدَين الذي طوّق عنقه على مدى عشرين عاماً أو يزيد.


مقالات ذات صلة

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

ثقافة وفنون اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي.

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

اللغة الشعرية... الجلال أم البساطة؟

محمد الماغوط
محمد الماغوط

الشعر في رأي كثيرين تاج الفنون وأسمى صور التعبير، لأنه في نماذجه العليا، يجمع بين عمق الفكر وحيوية الصور الحسية ودرجات السلم الموسيقي. وهو يخاطب العقل والوجدان والحواس صاهراً إياها في سبيكة واحدة محملة بالدلالات والإيحاءات.

لكن الكتاب الذي نتوقف عنده هنا يطرح سؤالاً؛ هل الشعر مقصور على الأفكار العالية والعواطف السامية واللغة الجليلة؟ ويجيب؛ إن فيه مكاناً للثقافة الشعبية والمصطلح العامي ضارباً أمثلة لذلك من الشعر الإنجليزي في مختلف عصوره.

إنه كتاب «مهنة سامية»، أو «رسالة سامية»، أو «من أين تحصل على أفكارك؟» (A High Calling? Or: where do you get your ideas from?) من تأليف جون غريننغ (John Greening) وقد صدرت منه طبعة ورقية الغلاف عن دار النشر «مطبعة رينارد» (Renard Pressing) في 224 صفحة.

نحن هنا نبحر مع المؤلف في عوالم شعرية شتى، قديماً وحديثاً، مع الإشارة إلى الروابط بين فن الشعر وفن الموسيقى. فقد كان المؤلف مولعاً بالموسيقى الكلاسيكية، خاصة أعمال المؤلف الموسيقي الفنلندي جان سيبليوس صاحب القصيد السيمفوني «فنلنديا» (1900). ويقول غريننغ عن سيبليوس: «لقد كان سعيداً بأن ينتج منمنمات شعبية (أعمالاً صغيرة) إلى جانب روائعه المتميزة بالقوة والحدة والكثافة». ويخصص نصف الفصل المعنون «العبقرية» للحديث عن موسيقيين.

ويلخص غريننغ وجهة نظره في قوله: «تستطيع العبقريات الحقة أن تتغنى علواً وسفلاً». ويضرب مثلاً لذلك شكسبير الذي جمع بين الجدّ والهزل، والفكر العميق والتهريج الرخيص: «لقد كانت عظمته تتجلى أكثر ما تتجلى حين بدأ؛ العالي والواطئ يندمجان لديه، كما في شخصية الملك لير ومهرجه».

ففي مأساة «الملك لير» (1605 - 1604) نجد أن الملك العجوز، وقد دبّ إليه الخرف، يرتكب غلطة مأسوية حين يتنازل عن عرشه وكل سلطاته لابنتيه جونريل وريجان، غافلاً عما تنطوي عليه نفساهما من شرّ وقسوة، ويحرم من الميراث ابنته الصغرى كورديليا، وهى البارة بأبيها حقاً، لأنها أبت أن تجامله بمعسول القول كما فعلت أختاها المنافقتان. وتنتهى المسرحية بمصرع كورديليا والبهلول (مضحك الملك أو مهرج البلاط) فينطق لير بهذه الكلمات:

«ومضحكي المسكين قد شنق. ليس، ليس، ليس من حياة؟

لِمَ تكون للكلاب والجواد والفأر حياة

وأنت بلا أنفاس البتة؟ لن تفيق مرة أخرى.

هيهات هيهات هيهات هيهات هيهات

أرجوكم حلّوا هذا الزر. شكراً يا سيدي».

ت. س. إليوت

إن اللغة في هذه الانفجارة الانفعالية لغة بسيطة تخلو من أي صور شعرية بعيدة المنال. فهي تعبير تلقائي، في لحظة صادمة، لا يلجأ إلى التفنن والإغراب. الحيوانات المذكورة هنا (الكلب والجواد والفأر) كلها حيوانات مألوفة وليست كالحيوانات الأسطورية (عنقاء مغرب أو طائر الرخ أو الجواد بجاسوس الذي يطير أو القنطور الذي يجمع بين رأس رجل وبدن جواد). ويتكرر حرف النفي ذو المقطع الواحد (no). كما تتكرر كلمة «هيهات» (never) 5 مرات وهى من أشيع الكلمات في الحديث اليومي.

مثل آخر يضربه المؤلف هو شعر ت. س. إليوت في قصيدته «الأرض الخراب» (1922)، خاصة الحركة الثانية المعنونة «مباراة شطرنج». فمسرح القصيدة هنا مشرب من المشارب الرخيصة (pubs) التي تعج بها مدينة لندن وغيرها من المدن والبلدات والقرى البريطانية. إن المتكلم يتحدث إلى امرأة تدعى ليل، سرّح زوجها من الجيش، وهو الآن بصدد العودة إلى بيته. وينصحها المتكلم بأن تعنى بمظهرها، وأن تركب «طقم أسنان» جديداً حتى تحلو في عيني زوجها الذي قضى 4 أعوام في الخدمة العسكرية، وهو الآن يتطلع إلى قضاء وقت ممتع. ويحذرها المتكلم أنها إن لم توفر لزوجها هذا الوقت فسيبحث عن امرأة غيرها تلبي حاجاته. والمصطلح اللفظي الذي يستخدمه إليوت هنا، بعكس سبحاته الشعرية العالية في مواضع أخرى من القصيدة، مصطلح عامي دارج يعكس بيئة متواضعة وحظاً ضئيلاً من التعليم. ونجد إشارات إلى ظواهر من الحياة المعاصرة كأقراص منع الحمل، وما يمكن أن يكون لها من أثر في صحة المرأة:

«قالت هي تلك الأقراص التي تناولتها لأجهض طفلي

(كانت أماً لخمسة أطفال وقد كادت تموت يوم ولادة جورج الصغير)

وقد زعم الصيدلي أني لن ألبث أن أعود إلى حالتي الطبيعية

ولكنى ما عدت قط كما كنت».

يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة وفكرة قويتين، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية

مثال ثالث للشعر الذي يدنو من لغة الحياة اليومية هو و. هـ. أودن، الذي يصفه المؤلف بأنه «يذكرنا بالمجال المتاح أمام شاعر ذي عبقرية». ففي قصيدته المسماة «سأحصل على وظيفة» (1932) نقرأ:

«سأحصل على وظيفة في مصنع

سأعيش مع الأولاد العمال

سألاعبهم لعبة لوحة السهام في المشرب العام

سأشاركهم أحزانهم وأفراحهم

ولن أعيش في عالم ولى زمنه».

ويؤكد غريننغ أن الشعر يمكن أن يجد جمهوراً مهما جاء مخالفاً للتصورات التقليدية بما يجب أن يكون عليه من سمو وجلال: «يستطيع الشعر أن يجد سوقاً خاصة عندما يشتمل على قصة إنسانية قوية أو يعبر عن فكرة مستحوذة على الأذهان، وأحياناً بفضل كلماته الفعلية».

ومسيرة الشعر منذ النصف الثاني من القرن العشرين حتى يومنا هذا (عندنا كما عند غيرنا) تشهد بصواب نظرة غريننغ (وهو ذاته شاعر إلى جوار كونه ناقداً). فنحن حين نقرأ قصائد شاعر معاصر كالشاعر اليوناني يانيس رتسوس مثلاً (ترجم رفعت سلام قصائده إلى العربية) نجده يستوحي مفردات الحياة اليومية وينأى عن أي إغراب. وكذلك الشأن مع محمد الماغوط في قصائد نثره، كما أوضح دانيل بيهار في كتابه «الشعراء السوريون وحداثة اللغة المحكية»، أو صلاح عبد الصبور الذي يحدثنا أنه رتق نعله وشرب شاياً في الطريق ولعب دور نرد أو دورين، أو أحمد عبد المعطي حجازي الذي يتحدث بصوت بائع ليمون: «العشرون بقرش - بالقرش الواحد عشرون». ويبلغ هذا الاستخدام للغة الحياة اليومية أبعد نقطة له في شعر العامية المنحدر من ابن عروس إلى فؤاد حداد، وعبد الرحمن الأبنودي، وصلاح جاهين، مروراً ببيرم التونسي. إن البساطة ليست نقيض العمق. وفي الشعر مكان لكل تنوعات الخبرة الإنسانية من أعلاها إلى أدناها.


«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور
TT

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

«عطيل»... تراجيديا الغيرة العابرة للعصور

عن دار «الكرمة» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من مسرحية شكسيبر الشهيرة «عطيل»، ترجمة الدكتور محمد عناني «1939 - 2023» والملقب بـ«شيخ المترجمين العرب» نظراً لإسهاماته التي تجاوزت 130 كتاباً في هذا السياق.

يشير عناني في مقدمته النقدية التي يستهل بها ترجمته الكاملة، والمزودة بهوامش وشروحات مع ذكر القائمة التفصيلية للمراجع والمصادر، إلى أن العمل ينتمي إلى المسرح الشعري، وطابع الشعر هنا لا يقتصر على ظاهرة النظم، بل يتعداها إلى صلب الرؤية الفنية التي تستمد قوتها من طاقة الاستعارة بأشكالها التي تتراوح ما بين الصور الجمالية بشتى أنواعها والرمزية، إلى جانب ما يتمتع به فن الشعر من تكثيف في الصياغة والضغط في التعبير، وهو ما تؤكده خصوصية البناء المسرحي الفريد في «عطيل».

ويجمع الدراسون على أن شكسبير قد استقى الحبكة من قصة وردت في مجموعة من مائة قصة طويلة مقسمة إلى عشرات تحمل عنوان «القصص المائة»، ومؤلفها هو جوفاني باتستا جيرالدي تشنثيو، وتقع في العشرة الثالثة، وقد نشرها في البندقية باللغة الإيطالية عام 1566، كما نُشرت في باريس باللغة الفرنسية عام 1584 من ترجمة جابريل شائوي. ولم يستطع الباحثون أن يعثروا على ترجمة إنجليزية لها قبل عام 1753، وربما يكون أحد المترجمين قد أصدر لها ترجمة معاصرة لشكسبير فاطلع عليها قبل نفاد نسخها، وربما يكون قد أطلع عليها بالإيطالية بدليل وجود أصداء لفظية مباشرة في النص لتلك اللغة، وهو ما بينه الكثيرون، أو أن يكون قد قرأها بالفرنسية.

تتحدث القصة عن قائد مغربي يتخذ لنفسه زوجة من بنات مدينة البندقية، رغم معارضة والديها واسمها «دزدمونة» ويعيشان معاً زمناً طويلاً في سعادة، ثم يقرر مجلس الحكم في البندقية تغيير نظام حامية قبرص وإرسال المغربي «عطيل» قائداً لها، دون تحديد أسباب لتغيير القديمة. وبعد معارضة طفيفة يقبل المغربي أن تصحبه زوجته؛ فالرحلة يسيرة، والسفينة مأمونة ومتينة البناء.

وبعد الوصول يقدم تشنثيو ثلاث شخصيات أخرى أهمها «ياجو» الشرير الذي يشغل منصب حامل العلم، ويقع في حب «دزدمونة»، ويتمنى الظفر بها، ويحاول بشتى الوسائل إغواءها فلا يجد أذناً مصغية، فهي تحب المغربي حباً جارفاً ولا تتصور خيانته مطلقاً، وهنا يتساءل الشرير عن ذلك ويوحى إليه ذهنه الفاسد بأنها لم تتمنع عليه إلا لأنها تحب ضابطاً آخر هو «كاسيو»، ومن ثم يتحول الحب الذي يكنه لها إلى كراهية مرة.

يُقنع ياجو «عطيل» بأن زوجته خائنة، فيصر الأخير على طلب دليل عيني، ويرد «ياجو» قائلاً إنه كان يمكنه تحقيق مطلبه لولا أن الرجل قد فقد منصبه ولم يعد يأتي إلى منزل «عطيل»، ومع ذلك فهو يعده بتلبية طلبه بأن يأتي بدليل حاسم. ويتذكر «ياجو» أمر المنديل المغربي النادر الذي أهداه «عطيل» إلى زوجته ويسرقه ياجو بنفسه في أثناء زيارته مع زوجته وابنته الصغيرة لـ«دزدمونة»، ويرميه في منزل «كاسيو»؛ تمهيداً لاتهام الزوجة الغافلة البريئة بأنها أهدته ذلك المنديل.

يناقش «عطيل» مع «ياجو» أمر قتل زوجته والرجل الذي يتهمه بالخيانة معها، ويقرر من ثم تكليف الشرير بقتل الرجل وفعلاً يفاجئه «ياجو» ذات ليلة وهو خارج من منزل فتاة ليل، ويعاجله بضربة تكسر ساقه ولكن «كاسيو» يتحامل بشجاعة على نفسه وينهض للدفاع شاهراً سيفه فيفر «ياجو» في ظلام الليل، ويصيح «كاسيو» طالباً للنجدة، ويهتف قائلاً: «لقد قُتلت»، ثم يعود «ياجو» وسط الظلام ويواجه بالشرطة التي هرعت إلى مكان الحادث.

تعلم «دزدمونة» بما حل بـ« كاسيو» فتحزن حزناً عميقاً، ويرى «عطيل» أن ذلك دليل لا يقبل الشك على خيانتها، ويدبر له حامل العلم أمر قتلها، بحيث لا يتهم أحد بارتكاب الجريمة، ويتفقان على أن يضرباها حتى الموت بجورب مملوء بالرمال، وأن يسقطا سقف الغرفة الخشبي المتهالك عليها؛ حتى يبدو الحادث كأنه قضاء وقدر، وينجحان في تحقيق ذلك، ويعتري المغربي حزن شديد على زوجته، وكراهية عميقة لحامل العلم، لكنه لا يجرؤ على قتله فيفصله من منصبه.

هنا يدبر «ياجو» خطة لقتل المغربي فيقنع «كاسيو» بالعودة معه إلى البندقية ويقول له إن «عطيل» هو الذي ضربه بالسيف فكسر ساقه بدافع الغيرة، ثم قتل زوجته، ويتقدم «كاسيو» بالشكوى إلى مجلس الحكم، ويُستدعي «ياجو» شاهداً، ويؤيد كل ما ذهب إليه في دعواه، وتلقي الشرطة القبض على المغربي وتعيده إلى البندقية، حيث يتعرض للتعذيب حتى يعترف، لكنه يصر على الإنكار، فيصدر المجلس الحكم بالنفي المؤبد عليه، ولكن أسرة «دزدمونة» تقتله، ويواصل حامل العلم «ياجو» حياة الشر فيكون له المزيد من الضحايا، لكن يُقبض عليه في نهاية الأمر، ويعذّب حتى الموت.

ويشير الدكتور عناني إلى أن الانهيار السريع الذي يتسبب في النهاية المفجعة لا تبرره على المستوى الواقعي المحض نظرتنا إلى المسرحية بوصفها مأساة زوج يغار أو يشك في زوجته أو حتى مأساة بطل جندي مغوار وشاعر يمثل صورة «العاشق المحارب» التي ورثتها أوروبا من العصور الوسطى.

والفكرة هنا أن «ياجو» يشارك «عطيل» عدم انتمائه طبقياً إلى البندقية بوصفها دولة غنية تعتمد على التجارة وثراء الأعيان من ذوي الحسب والنسب، فضلاً عن امتياز البحارة المقاتلين أو الأفذاذ في صنعة الحرب من القادة والأعلام. و«ياجو» لا يتمتع بالثراء ولا الحسب والنسب، ولا هو من السادة، ولا يأمل حقاً في أن ينافس ابن المجتمع الراقي «كاسيو» الذي تلقى التعليم، ويتمتع بمزايا الأعيان من ذوي الشعر المهدل، ويحظى بإعجاب بنات الطبقة الراقية، ويعرف موقعه في السلم الاجتماعي فهو يغار غيرة حقد وحسد من «كاسيو» أولاً، ومن «عطيل» ثانياً.


سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا
TT

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

سيرة الفيلسوفة المصرية هيباتيا

في كتابه «سيرة النور والصمت – مصر والقطيعة الحضارية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يبدي الكاتب والباحث المصري محسن عبد العزيز اهتماماً خاصاً بتجربة الفيلسوفة المصرية القديمة هيباتيا بعدّها رمزاً تاريخياً فريداً من نوعه، لكنه لم ينل ما يستحق من الشهرة أو الذيوع رغم عمق المعاني التي يتضمنها.

كانت فاتنة الجمال، راجحة العقل، جامحة الخيال، نهلت من الفكر المصري ونزعته الصوفية وكانت من أكثر المعبرين عنه، كما قال عنها المؤرخ الأميركي الشهير ول ديورانت، إنها بزت جميع فلاسفة زمانها، ولما عُينت أستاذة للفلسفة هرع لسماعها عدد كبير من الناس من شتى الأقطار.

وقد بلغ من حبها للفلسفة أنها كانت تقف في الشوارع تشرح لكل من يسألها عن النقاط الصعبة في كتب أفلاطون وأرسطو ما أكسبها احترام الناس.

ولدت عام 370م وكان أبوها «ثينون» فيلسوفاً عمل بالفلسفة والجبر والهندسة، ثم مديراً لمكتبة الإسكندرية، أخذت عنه حب التفكير والفلك والرياضيات كما دربها على الخطابة والتدريس، وعندما كتب شرحاً لكتاب بطليموس اعترف بالدور الذي قامت به في تأليفه، كما كانت أبحاثها تشمل الفلك والرياضة وصنعت أجهزة لتقطير المياه وقياس منسوبها، كما صنعت «إسطرلاب» وجهازاً لقياس كثافة السوائل.

وفى الثلاثين من عمرها صدر الأمر الإمبراطوري بتعيينها أستاذة بالمكتبة، وغدت فيلسوفة من أتباع أفلاطون وتزعمت مدرسة «الأفلاطونية الجديدة» ذات النزعة الصوفية، وكانت بعثاً للفكر المصري القديم، تميزت به مدرسة الإسكندرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد، وازدهر على يد أفلوطين كآخر المدارس اليونانية الفلسفية الكبرى.

كانت تقول إن «من يقدر على خلع بدنه وتكسير حواسه ووساوسه وحركاته، يستطع الرجوع إلى ذاته والصعود إلى العالم العقلي، كما أن الامتناع عن الشهوات وعدم أكل اللحوم عوامل مساعدة لصفاء النفس، وعلى الإنسان أن يمارس العبادات لتطهير النفس والزهد، فقيمة الإنسان ليست في جمال ملامحه ولكن في جمال أخلاقه».

عدّها المتعصبون دينياً واحدة من ألد أعدائهم بسبب جمالها وروعة منطقها وحداثة أفكارها، فهجموا عليها في أثناء عودتها من إلقاء إحدى المحاضرات وأنزلوها من عربتها وجروها إلى منطقة نائية. وهناك جردوها من ملابسها، وأخذوا يرجمونها بقطع القرميد حتى قتلوها، بل أكثر من ذلك قطعوا جسدها إرباً، وحرقوا بعضه، كانوا يفعلون كل ذلك بمرح وحشي شنيع لتذهب أسطورة هيباتيا ضحية للصراع بين الفكر والعلم من ناحية، والتعصب الديني من ناحية أخرى وعمرها 45 سنة.

لم يعاقب الجناة على فعلتهم البشعة واكتفى الإمبراطور بتقييد حرية المتطرفين في الظهور أمام الجماهير، مع حرمان الوثنيين من المناصب العامة، وأغلق المعابد والمدارس لتنطفئ شعلة العلم في الإسكندرية وينطفئ دورها الحضاري، ويرحل أساتذتها إلى أثينا خوفاً من مصير هيباتيا.