جنون الابتكار يعود إلى لندن

تصاميم تصرخ وتتمرد على المألوف لتصل إلى شرائح الشباب

ألكسندر ماكوين  -  إي.توتز  -  جي.دبيلو. اندرسن
ألكسندر ماكوين - إي.توتز - جي.دبيلو. اندرسن
TT

جنون الابتكار يعود إلى لندن

ألكسندر ماكوين  -  إي.توتز  -  جي.دبيلو. اندرسن
ألكسندر ماكوين - إي.توتز - جي.دبيلو. اندرسن

هناك فريقان في بريطانيا هذا الأسبوع. فريق مهووس بكرة القدم ويتابع مباريات كأس العالم في البرازيل بنهم، وفريق ليس لديه الوقت الكافي لمتابعتها، أو غير مهتم بها، لأنه يفضل عليها الموضة وفنونها. وإذا كان الفريق الأول محبطا بسبب أداء بريطانيا في البرازيل، فإن الثاني منتعش وكله آمال في موسم حافل بالفنون مع شيء من الجنون. منذ اليوم الأول لانطلاقته، نجح مصممو لندن الشباب في تكسير رمادية السماء بالكثير من الابتكار، في تصاميم يمكن تسويقها بسهولة لشريحة الشباب المواكب للصرعات أولا وأخيرا. أما الرجل العادي أو الكلاسيكي، فكان له نصيب، لكن مع خياطي سافيل رو والمصممين المخضرمين، مثل بول سميث أو بيوت أزياء مثل بيربيري وألكسندر ماكوين، تعرف أن لغتها يجب أن تكون عالمية. الشريحة الأولى، أي المصممين الشباب، استلهموا الكثير من ثقافة الشارع، مع ومضة حنين إلى الماضي حين كانت لندن تغلي بالإبداع وتُنعت بالجنون لجنوحها إلى السريالي ولو على حساب المضمون. والحقيقة أن المتابعين فوجئوا من جرعة الجرأة الزائدة في بعض العروض، لأن الاعتقاد السائد أن لندن روضت جنون شبابها وشطحاتهم المبالغ فيها، لكن ما تبين أنهم مسكونون بعظمة الإبداع، وإحداث الصدمة. وهذا ما طبع الأيام الأولى من الأسبوع، الذي تأرجح بين هذه الشطحات والرغبة في اختراق الأسواق العالمية ومخاطبة شرائح الشباب تحديدا، ولسان حالهم يقول بأن لندن لا تعني فقط «سافيل رو» وتقنيات التفصيل التقليدية التي لا يعلى عليها، بل أيضا موضة شبابية قد لا تعتمد بالضرورة على بدلات مفصلة أو مكونة من ثلاث قطع، لكن يمكن أن تشمل قطعا منفصلة تتمتع بروح «سبور» تعكس أسلوبهم وتعبر عن تطلعاتهم للوصول إلى شرائح واسعة. رغم الجنون والصرعات التي تجسدت في تنورات و«تي - شيرتات» تغطي نصف البطن وما شابه، أكدوا أنه لا خوف على لندن من جنوحهم لتأنيث خزانة الرجل بأي شكل، وأنهم أهل لترسيخ مكانتها بصفتها عاصمة للموضة الرجالية المبتكرة من الطراز الأول. لهذا، ليس غريبا أن الكثير منهم لا يزال يثير انتباه مجموعات عالمية مثل «إل في إم إتش» وغيرها ممن تستعين بهم لقيادة بيوت أزياء مهمة تملكها، وليس أدل على هذا من المصمم آيرلندي الأصل، جي دبليو أندرسون، الذي يعد من نجوم لندن الشباب، إلى جانب توليه مهمة المصمم الفني لدار «لويفي» الإسبانية. أندرسون، مثلا، قدم تشكيلة تختلف تماما عما يمكن أن يقدمه لـ«لويفي» التي كانت في يوم من الأيام الدار المفضلة لملوك أوروبا والطبقات الأرستقراطية. فهي هنا تضج بالحيوية وثقافة الشارع اللندني، تغلب عليها قمصان مقلمة وياقات على شكل ورود، وكنزات مطبوعة برسومات تحملك إلى أجواء البحر. لا شك في أنها لن تروق للكل، كونها جريئة وشبابية إلى حد يصعب على الكل أن يرى نفسه فيها، لكنه كان يدرك ذلك، مما يفسر تقديمه مجموعة أخرى مفصلة، تبرز قدراته في هذا المجال وترسخ مكانته كمصمم يتقن فنه. كانت هناك كنزات بألوان محايدة وأخرى على شكل سترات مفتوحة يمكن تنسيقها بسهولة مع قطع كلاسيكية أخرى للتخفيف من جرأتها الزائدة.
الأسترالي الأصل، ريتشارد نيكول، مصمم آخر أتحفنا في اليوم الأول من الأسبوع الرجالي بتشكيلة واضحة من حيث التصاميم والألوان، استحضرت إلى حد ما الموجة اليابانية التي اكتسحت الأسواق في العقد الماضي. استعمل فيها أقمشة خفيفة جدا والكثير من القطع المنفصلة. بعد عرضه، صرح المصمم الشاب بأن «الفكرة كانت أن أحافظ على بصمتي الخاصة التي يعرفني الناس من خلالها، لكن في إطار جديد»، مضيفا أنه أراد كل قطعة أن تدخل خزانة الرجل وتشكل جزءا مهما فيها، لأنها غير معقدة، ويمكن ارتداؤها بالطريقة التي تناسب الرجل، سواء نسقها مع حذاء رياضي أو مع سترة مفصلة على المقاس.
من جهته، قدم المصمم كريستوفر شانون، تشكيلة أكثر مرحا وشقاوة، وتكشف في بعض جوانبها أنها مسكونة ببعض الجنون الفني، لا سيما عندما تلعب على الجانب الذكوري وتجعله محط سؤال أحيانا. حتى الألوان هادئة، حقنها بطبعات متفجرة ولافتة للنظر، بحيث لا يمكن أن تمر مرور الكرام، ومن ثم تناسب شابا في مقتبل العمر يميل إلى الاستعراض وليس فقط التميز.
لكن، إذا كنت تعتقد أنها جريئة، فإنها حتما ستبدو معقولة بعد تشكيلة الهولندية أستريد أندرسون، التي كانت صادمة. فقد شطحت المصممة بخيالها لتعيد ترجمة فكرة الـ«سبور» وثقافة الهيب هوب بطريقة جد أنثوية، حيث اقترحت أن يلبس الرجل في ربيع وصيف 2015 ما يشبه الفساتين الطويلة المستوحاة من الكيمونو، و«تي شيرتات» قصيرة تبرز البطن وأخرى شفافة، و«شورتات» قصيرة من الساتان. كل ما في هذه التشكيلة يذكرنا بتلك التي قدمتها في الموسم الماضي، لربيع وصيف 2014، الأمر الذي يجعلنا نتساءل أنها لو لم تعرف نجاحا تجاريا لما عادت إليها لربيع وصيف 2015؛ فما لا يختلف عليه اثنان أن هناك فئة كبيرة من الرجال يحبون استعراض عضلاتها المفتولة بشكل علني ومكشوف.
وفي الوقت الذي قد تثير فيه هذه الصور حفيظة الزبائن الكلاسيكيين لجرأتها واستخدامها لغة لم يتعودوها، فإن الصورة الميدانية في قاعات العروض، تحكي قصة مختلفة تماما. فأغلبية الحضور هم من الشباب، الذين يتنافسون على جذب الأنظار، سواء من خلال الألوان المتضاربة أو التصاميم المبتكرة أو قصات الشعر الغريبة، فضلا عن الإكسسوارات التي من شأنها أن تجعل كل امرأة تحسدهم عليها وترغب فيها. بمجرد أن تنظر إلى هذا الحضور، ينتابك شعور بأن المصممين يعرفون تماما نوعية زبائنهم، وأنهم ليسوا في برج عاجي لا يسمع نبض الشارع وتطلعات الشباب.
فهذه الشريحة تؤكد أن عصر الرجل «الداندي» أو المتأنق الذي يهتم بكل تفاصيل مظهره قد عاد بقوة، وإن بصورة مختلفة تعبر عن ثقافة جديدة تشجع على التعبير عن الذات والأهواء بشكل علني ومقبول، في الغرب على الأقل.



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.