فريدا كاهلو... أسطورة في الحياة وتواضع في فن الرسم

معرض فني كبير لها في صالات القصر الملكي وسط ميلانو

فريدا كاهلو - من المعرض
فريدا كاهلو - من المعرض
TT

فريدا كاهلو... أسطورة في الحياة وتواضع في فن الرسم

فريدا كاهلو - من المعرض
فريدا كاهلو - من المعرض

حادثة الاصطدام التي تعرضت لها الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو، التي يقام لها معرض فني كبير في صالات القصر الملكي وسط مدينة ميلانو الإيطالية، أثناء ركوبها حافلة الركاب التي كانت تستقلها، وهي شابة بعمر 18 عاماً عام 1925 مع زميل لها بعد خروجها من أحد المعاهد الطبية، كانت انعطافاً كبيراً في حياتها، فقد بدأت رحلة المعاناة الأليمة بسبب دخول قضيب معدني في عمودها الفقري مما أبقاها مكبلة بالجبس لمدة سنتين، إضافة إلى مرض شلل الأطفال الذي أصيبت به عندما كانت في السادسة من عمرها.
وكان والداها، وهما من المهاجرين اليهود الألمان، قد غادرا ألمانيا عام 1907 إلى هنغاريا حيث ولدت هناك عام 1907. وكان الأب، الذي أخذ عائلته ليهاجر من جديد باتجاه المكسيك عام 1910، مصوراً فوتوغرافياً ورساماً هيأ لها، بعد الحادث الذي جعلها حبيسة الفراش، حاملاً خشبياً يستند على فراشها لتمارس الرسم، وهي ترقد على ظهرها، وتحلق في مرآة معلقة بالسقف لترى حركات أصابعها وهي تمسك بالفرشاة وتضع على قماش الكانفس ألوانها التي أهداها لها والدها، حين كان يرسم قبل تفرغه للتصوير الفوتوغرافي. تركزت رسومها بالبورتريت الشخصي، بواقعية تحمل ضربات لونية تتسم بالقوة، إلا أن عملها الفني لا يتمتع بثراء لوني بقدر ما لهذه اللوحات من جمال أو محتوى إنساني أو علاقة بحياة إنسانة منكسرة، اعتمدت على إدخال الرموز الحيوانية التي كانت تدخل في الكثير من معتقدات الناس وقيمهم الاجتماعية آنذاك مثل الكلاب والقردة والببغوات وأحراش الغابات وحيوان الجدي. ورغم أن النقاد يصنفون أعمالها ضمن الاتجاه السريالي، إلا أنها تقول في سيرتها الذاتية: «لم أرسم أبداً أحلاماً، بل أرسم واقعي الحقيقي فقط».
في مجمل أعمالها التي وصلت أعدادها إلى مائة عمل فني، تبحث فريدا كاهلو، كما هو واضح في المعرض، عن الدهشة بمهارات سهلة تتمركز حول الذات وتتوزعها موضوعات أثيرة على الفنان نفسه، وهي المعاناة، والبحث عن أنوثة الجسد، والطابع المحلي الفلكلوري المكسيكي (المرأة، والأرض، والسياسة، والألم، والمرض). لقد ظلت فريدا كاهلو مأخوذة بالحماسة السائدة لدى الناس بمحبة فن الرسم الذي أكسب الأبنية جماليات متألقة وخيالاً إنسانياً عكس الحياة المكسيكية. وقد أنشأت هذه المشروعات الفنية ورشاً فنية متنقلة ومراكز لفن الجاليات وأماكن للعمران الفني الشعبي الحر، فازدهرت واتسعت حركة الفن التشكيلي في المكسيك في الثلاثينات بتأثير الفنانين، فنشأ اتحاد الفنانين ليضم نحو أربعة آلاف من المشتغلين بالفن حيث أنتجوا نحو 1300 رسم جداري على مدى خمس سنوات بالألوان والفسيفساء، لتكتسب العديد من الأبنية الشعبية حياة تألق وخيال إنساني تعكس طبيعة الحياة المكسيكية الضاجة بالألوان والحركة.
إلا أن فريدا كاهلو بعد أن تعافت بعد مرور فترة امتدت نحو عامين، تركت اهتماماتها بدراسة الطب لتتفرغ إلى الرسم، فانضمت عام 1928 إلى مجموعة فنية من الشباب المكسيكي لممارسة الرسم، وقد شجعها والدها على الالتقاء بأحد الفنانين الكبار، لتعرض عليه أعمالها لتقييم تجربتها، فسارعت إلى الالتقاء بالفنان ريفيرا الذي كان منشغلاً برسم واحدة من جدارياته وسط المركز التاريخي للعاصمة المكسيكية، حيث كان يحرص على الرسم على حوائط المباني الكبرى، وواجهاتها، لضمان ألا تتمكن الدولارات الأميركية من إخراج الأعمال الفنية من المكسيك إلى قاعات العروض الأميركية.
لقد كانت فترة ديمقراطية في الفن عكست الصراعات الديمقراطية ضد رجال الصناعة والتنظيمات الفاشية. وقد أتاحت الفرصة الأولى لعدد كبير من الرسامين المكسيكيين، ليرسموا لوحات على الجدران والتخلص من ضيق اللوحات المرسومة، وهي مثبتة على الحوامل، كما تخلصوا من جمهور جامعي التحف. وقد مكنت هذه الفترة التي دعمتها السلطات المكسيكية بعد الثورة الديمقراطية في 1910 - 1921 بإنجاز مجموعات من الرسوم الحائطية التي صورت على الأبنية العامة، ومن ثم فتح الباب أمام تيار من الفن الملحمي الذي يصور تاريخ الأمة وظروف حياة الناس وأشكال كفاحهم من أجل الحرية. ولم تقم قوة الفن على رعاية الحكومة وحدها، بل قامت أيضاً على ارتباطات الرسامين بالناس الذين كانوا يعيشون أشد ظروف الفقر والبؤس جوراً. وقد نظموا نقابتهم وهي نقابة العمال الفنانين والرسامين والمثالين المكسيكيين. وكان كل من الفنان ديغو ريفيرا وخوزيه كليمنت وألفارو سيكيروس على رأس المجموعة، فبنوا فنهم على التقاليد القديمة التي انتهجها الفن الهندي المكسيكي، جنباً إلى جنب الفنون الحفرية الشعبية التي تعود إلى بدايات القرن التاسع عشر، وكان هدفهم يتجلى في تثقيف الشعب وخلق ثقافة عميقة وغنية وديمقراطية. وقد مكنت هذه الموجة الجديدة عديداً من النساء من أن يعملن كفنانات. وقد كشفت هذه التوجهات الإنسانية في الفنانين، وفي أعمالهم، شيئاً من ثروة الثقافات القومية التي تجمعت لخلق ما يعد أكثر الأشياء إنسانية وديمقراطية في الحياة المكسيكية، وبرهنت من خلال سنوات قليلة على مقدار خصوبة ثروات الفن الخلاق بين أفراد الشعب، وعلى مقدار عمق تعطشهم للفن.
تزوجت فريدا كاهلو من الرسام المكسيكي دييغو ريفيرا في 21 أغسطس (آب) 1929، وقد كان عمرها 22 سنة بينما كان عمر ريفيرا 42 سنة، ونتيجة لطباعها الصعبة، ولخيانته لها مع أختها تطلقا عام 1939، ولكنهما تزوجا من جديد في عام 1940 في سان فرانسيسكو. يذكر أن كاهلو كانت لديها ازدواجية جنسية مما ترتب عليه حدوث المشاكل أثناء زواجها بدييغو ريفيرا.
هكذا تتحول هذه الفنانة من خلال أجهزة الإعلام التي ظلت تنفخ بصورتها وعلاقاتها بالقائد الشيوعي تروتسكي وبعدد من الفنانين والأدباء تحولت إلى واحدة من الأساطير في عالم الفن، ليس من خلال أعمالها الفنية المتواضعة، بل لشخصيتها المتمردة وسلوكها الحر الذي اتسم بالغرابة واللاالتزام بأخلاقيات وعادات وقيم مجتمعها.
ورحلت فريدا إلى باريس في منتصف الأربعينات لإقامة معرض لها في عاصمة النور، فوجدت أن شهرتها قد سبقتها، حيث كان يلاحقها الصحافيون والمصورون في كل مكان، كما حدث لها في الولايات المتحدة، وهما البلدان الوحيدان اللذان زارتهما خلال حياتها القصيرة.
في باريس التقت بعدد من المشهورين من كتاب وفنانين، وقابلت الكاتب الوجودي جان بول سارتر، واعتبرها أندريه بريتون، منظر السريالية، واحدة من أتباع مدرسته، كما أن الفنان الإسباني بابلو بيكاسو أبدى اهتماماً كبيراً بها فأهداها قرطاً مميزاً صنعه بنفسه رسمته في العديد من أعمالها الفنية التي اعتمدت في أغلبها على صورتها الذاتية، حيث صورت نفسها في أكثر من شكل؛ وكانت تقول: إن ذلك هو وسيلة غير واعية لتحدي الموت الذي كان يتربص لها منذ بداية حياتها.
في آخر أيام حياتها، كانت تصرّ على أن تنقل وهي مستلقية على ظهرها في السرير بعد أن اشتد عليها المرض، ولكن رغم وصية الطبيب بعدم مغادرة السرير حضرت حفل افتتاح معرضها في المكسيك في العام السابق مباشرة لرحيلها، وأصرت، بعنادها المعروف، على الخروج بكرسيها ذي العجلات إلى إحدى المظاهرات الصاخبة في العاصمة المكسيكية، حاملة لافتة تطالب بالسلام احتجاجاً على تدخل وكالة المخابرات الأميركية في غواتيمالا بعد حركة انقلاب عسكري دبرته مخابراتها. وحين عادت إلى بيتها أصيبت بالتهاب رئوي حاد ففارقت على أثره الحياة في 13 يوليو (تموز) من عام 1954، وقد خلدها الشاعر الشيلي الشهير بابلو نيرودا بقصيدة رثاء حفرت على شاهد قبرها، كما خلدتها بعدد كبير من الصور الفوتوغرافية المصورة وفنانة المسرح الإيطالية تينا مادوتي التي هاجرت مع عائلتها المعارضة للفاشية من إيطاليا إلى المكسيك، ومن ثم إلى الولايات المتحدة 1942.
ولا يزال رماد جثتها محفوظاً إلى اليوم في جرة من الخزف في منزلها السابق، الذي حوّل إلى متحف يضم عدداً من أعمالها الفنية ومقتنيات عديدة من حياتها الخاصة.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.