مؤشرات على أزمة عقارية في لبنان إثر تجميد القروض المدعومة حكومياً

مؤشرات على أزمة عقارية في لبنان إثر تجميد القروض المدعومة حكومياً

الاستثمار في القطاع يتخطى 15 مليار دولار... والأسعار تراجعت 20% في أربع سنوات
الأربعاء - 26 جمادى الآخرة 1439 هـ - 14 مارس 2018 مـ رقم العدد [ 14351]
بوادر أزمة جديدة في القطاع العقاري اللبناني مع توقعات بخسائر للمطورين
بيروت: نذير رضا
يدخل لبنان في أزمة عقارية جديدة، مع استنفاد مصرف لبنان حزم الدعم المالية التي قدمها على مدى السنوات السبع الماضية لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصاد، حيث توقف الدعم الحكومي، حتى الآن، لقروض السكن، مما يدفع الراغبين بشراء العقارات للحصول على قروض تجارية من المصارف، وهم ما يرتب نسبة عالية من الفوائد عليها.

ورغم الجمود الذي طال قطاع العقارات في السنوات الماضية بعد الأزمة السورية، فإن دعم مصرف لبنان أعاد الحركة إليها، إثر تخصيصه 60 في المائة من رزم الدعم السنوية التي خصصها لرفد الاقتصاد اللبناني، لصالح قطاع السكن، وهو ما تخطى الـ4 مليارات دولار خلال السنوات السبع.

ومع توقف الدعم الآن، تلوح أزمة جديدة في الأفق، ستراكم خسائر المطورين في القطاع العقاري الذي يسجل استثمارات في هذا الوقت تتراوح بين 15 و20 مليار دولار.

ولا تنفي الباحثة في الاقتصاد اللبناني فيوليت غزال بلعة أن وقف القروض السكنية سيؤثر على حركة العقارات في لبنان والاستثمار فيها، بالنظر إلى أن الطلب «سينكفئ»، مشيرة في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المصرف اتخذ خطوات جريئة خلال السنوات السبع الماضية بثت حركة في السوق العقارية رغم الجمود، بفضل القروض السكنية المدعومة منه، موضحة أن المصرف المركزي «كان يضخ سنوياً خلال السنوات السبع الماضية رزمة دعم للاقتصاد اللبناني تبلغ مليار دولار، 60 في المائة منها لقروض الإسكان بهدف مساعدة القطاع العقاري، الذي سيثبت استقراراً اجتماعياً على ضوء أن السكن يعتبر عاملاً أساسياً في تثبيت الاستقرار الاجتماعي».

واتخذ مصرف لبنان قراره بضخ جرعات دعم في الاقتصاد اللبناني على شكل قروض مدعومة منه في القطاعات الاقتصادية لدعم الاقتصاد، وأهم تلك القروض كان قرض السكن الذي نال حصة كبيرة من جرعات الدعم، علماً أنها ليست من مهامه، بل من مهام الحكومة. لكن هذه الحزم استنفدت وانتهت الآن، بعدما فاق الطلب القدرة.

واتخذ قرار خلال الشهرين الماضيين بإيقاف تسليف القروض المدعومة عبر الهيئة العامة للإسكان ومصرف الإسكان، وهما أبرز مؤسستين تدعمان القروض السكنية، مما أنتج أزمة استدعت التحرك السياسي على أعلى المستويات.

ورغم مؤشرات الأزمة المترتبة على القيود المفروضة على القروض السكنية المدعومة، لا يرى النقيب السابق لخبراء التخمين العقاري في لبنان شربل قرقماز أنه من المبكر الحديث عن أزمة، مشيراً إلى أنه «في حال طالت التعقيدات، ستنتج أزمة»، مستنداً إلى أن «الرئيس ميشال عون وحاكم مصرف لبنان أعطيا توجيهات لإعادة تسيير عجلة القطاع عبر القروض، وهناك إرادة لإعادة تفعيل هذا الجانب الاقتصادي».

وقال قرقماز لـ«الشرق الأوسط» إن «القطاع العقاري كان مجمداً، قبل أن تساهم قروض الإسكان في إنشاء حركة»، مضيفاً: «باعتقادي، لا مصلحة لأحد بتوقيف القروض، والدورة الاقتصادية تبدأ من البناء وتحرك الكثير من القطاعات. كل الأطراف ملزمة بإيجاد حلول، لأن الجميع يعرفون مخاطر توقف القطاع العقاري»، معرباً عن اعتقاده أن «المؤتمرات الدولية التي تعقد لأجل لبنان تبشر بالخير». وقال: «أنا متفاءل. عشنا أزمات أكثر من هذه الأزمة وقطعناها. والحلول تسير بالاتجاه الصحيح».

وإذ طمأن الرئيس اللبناني ميشال عون في جلسة الحكومة الأخيرة إلى «معالجة مسألة القروض السكنية»، أشار إلى أنه طلب من حاكم مصرف لبنان «لقاء المسؤولين المعنيين في المصارف والمؤسسات المقرضة لوضع حل متكامل يضمن استمرارية هذه القروض وفقا للقواعد والأصول المحددة».

غير أن الاتفاقات بين السلطة السياسية ومصرف لبنان، توصلت إلى حل يقضي بصرف القروض التي حازت ملفاتها على موافقة من المؤسسات المعنية بدعم قروض الإسكان، من غير أن تؤخذ طلبات جديدة. وإذ أكدت فيوليت غزال أن الطلبات الجديدة تأثرت بتجميد القروض، قالت إن هذا الأمر «قد تنتج عنه أزمة جمود مرة أخرى، لأن الحل الذي اعتمد في السابق كان مؤقتاً، ومصرف لبنان ليس مسؤولاً عن السياسة السكانية التي تعتبر من مسؤولية الحكومة». وقالت: «سنشهد انكماشاً في الواقع العقاري»، لافتة إلى أن التراجع «وصل إلى 30 في المائة»، وأن الأسعار «انخفضت نحو 20 في المائة» خلال 4 سنوات.

وتمنح مؤسسة الإسكان القروض عبر المصارف، وهي الخيار الأمثل بالنسبة للبنانيين الذين يستفيدون من تقديمات تنفرد بها، كأن تدفع عنه قيمة الفوائد خلال الـ15 عاما الأولى، ليعود في الـ15 عاما التالية بدفعها، وإعفاءه من تسجيل المنزل وبدل الرهن وفكّه، وبدل قيمة الطوابع المالية.

ويقول المواكبون لعمليات البيع والشراء إن المصارف التي وافقت على صرف القروض لأصحاب الطلبات المنجزة «استدعت المشترين لتغيير عقود البيع الأولى»، إذ أوضح بيار فرنسيس، مدير مكتب تسويق عقاري في منطقتي المتن وكسروان في جبل لبنان، أن أحد المصارف «فرض عقداً جديداً يتضمن فوائد أعلى من الاتفاق السابق».

ويؤكد العاملون في قطاع العقارات أن القيود التي فرضت مؤخراّ على القروض المدعومة للإسكان والمعمول بها منذ عام 1999 بموجب بروتوكول التعاون بين المؤسسة ومصرف لبنان وجمعية مصارف لبنان، ستضاعف الأزمة العقارية التي تعاني جموداً منذ ثلاث سنوات على الأقل.

ويقول فرنسيس لـ«الشرق الأوسط» إن الأزمة «في الأصل موجودة، حيث تتوفر مئات الشقق في منطقة المتن وكسروان وحدها، وبعضها موجود من 4 سنوات من غير أن تُباع»، مشيراً إلى نمط جديد بدأ يعتمده المطورون العقاريون في سبيل مقاربة الأزمة، وهو أسلوب الإيجار التملكي»، والمقصود به دفع إيجار سنوي لمدة ثلاث سنوات على أن تُحسم المبالغ المدفوعة وتعتبر دفعة من ثمن العقار حين ينجز المشتري معاملات السكن.

وإذ يشير فرنسيس إلى أن التجار متوسطي الحال باتوا يركزون على بناء الشقق الصغيرة التي تتراوح مساحتها بين 100 و160 متراً للتماهي مع القدرات الشرائية، يؤكد أن قسماً من المطورين العقاريين الميسورين وكبرى الشركات العقارية «بدأت تستثمر في أسواق قبرص حيث تعد أكثر إنتاجاً».

وبحث وفد من مجلس إدارة «جمعية مطوري العقار - لبنان» مع رئيس مجلس الإدارة المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان المهندس روني لحود الأسبوع الماضي في السبل الممكنة لمعالجة القيود التي فرضت أخيراً على القروض المدعومة. ولفت لحود إلى «الانعكاسات السلبية المترتبة ليس على مستوى القطاع الإسكاني والعقاري فحسب، إنما على أكثر من 38 قطاعا تتأثر بعملية الإقراض ونتائجها والتي ساهمت وما زالت في حجم الحركة الاقتصادية وعلى الاقتصاد اللبناني برمته وعلى الوضع المعيشي والاجتماعي لفئة واسعة من اللبنانيين».

وأقر المجتمعون بـ«خطورة أي توجه لوقف عمليات الإقراض في شكلها وآليتها المعتمدة اليوم، وأهمية التنسيق بين الطرفين المؤسسة والجمعية، وكل من يعنيهم الأمر وما يمكن القيام به لمواجهة آثار هذه المعضلة وإنهاء هذه المرحلة بأقل الخسائر الممكنة ووقف انعكاساتها على مختلف هذه القطاعات.

وعن الأسباب التي حالت دون تراجع الأسعار بشكل قياسي إثر تراجع الطلب، قالت غزال إن «المطور العقاري وشركات البناء ما زالوا يأملون بأن يحصل انفراج. هذه الآمال عقدت العام الماضي إثر انتخاب الرئيس عون والاتفاقات التي ساهمت بتشكيل حكومة، لكن هذا الانفراج لم يحصل فعلياً»، لافتة إلى أن المستثمرين «يعتبرون أنهم ليسوا على استعداد لتجرع خسارات كبيرة، وهم قادرون على تحمل الجمود إلى أجل مسمى». وأشارت إلى أن «الكتلة المالية المجمدة بالسوق العقارية تتخطى الـ15 مليار دولار، علماً أن حجم القطاع العقاري اللبناني يصل إلى 20 مليار دولار»، مؤكداً أن حجم القطاع «يمثل ثقلاً على الاقتصاد في حال جموده في ظل ارتفاع التكلفة على القروض التي تضاعفت 2 في المائة إثر الأزمة السياسية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي».

وقالت: «الاستقرار السياسي والأمني مطلوب لإراحة الاقتصاد. أي هزة سياسية تؤثر على الاقتصاد، وترفع منسوب المخاطر، ولا حل إلا بتثبيت المناخ السياسي واستقراره، فحين يتلمس المتعاملون انفراجاً فعلياً بالسياسة، سينعكس ذلك على التداول الاقتصادي».
لبنان العقارات

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة