المسرح المصري يراهن على تجارب الشباب

صعد في الستينات ثم راح ضحية ثقافة الاستهلاك

الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
TT

المسرح المصري يراهن على تجارب الشباب

الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل

مثلت حقبة الستينات زمن الصعود الأقوى للمسرح، وارتبطت بأسماء مبدعين كبار: مؤلفين، وفنانين ومخرجين، تركوا بصمة لا تزال مثيرة للدهشة والمتعة، لكن هذا الحراك ذبل وانطفأ مع التحولات التي طرأت على المجتمع، ودخوله في نفق سياسة الاستهلاك الشرهة، ليتراجع موقعه على الخريطة الثقافية مصرياً وعربياً.
«ثقافة» استطلعت في هذا التحقيق آراء مسرحيين، لمعرفة هل ثمة خطط ومشاريع لإخراج المسرح من الحالة المؤسفة التي يعيشها حالياً؟
في البداية، يقول الناقد المسرحي الدكتور عمرو دوارة: «على الرغم من المحاولات الجادة للتنمية الاقتصادية التي تشهدها بلادنا، فإن التنمية الثقافية للأسف ما زالت تأتي في الدرجة الأخيرة من الاهتمام، وبالتالي لا نجد أي اهتمام حقيقي من جانب الجهات المعنية بتقديم الدعم المناسب للفنون المسرحية، ومع ذلك شهدت المواسم المسرحية الأخيرة، خلال عامي 2017 و2018، عدة محاولات جادة لإنقاذ المسرح المصري من عثراته وأزماته المزمنة، بعدما حمل رايته جيل جديد من الشباب العاشقين له والمؤمنين بدوره. ويحسب لهؤلاء المسرحيين الشباب حماسهم الشديد، وتوظيفهم لجميع خبراتهم لجذب الجمهور مرة أخرى إلى المسارح. وبالفعل، علقت لافتة (كامل العدد) على شباك كثير من مسارح الدولة، وذلك في حين غاب النجوم عن المسرح، بتفضيلهم العمل بالدراما التلفزيونية، خصوصاً مع تقلص نشاط فرق القطاع الخاص، بل اختفاؤها بصورة شبه كاملة، والاكتفاء بتقديم بعض العروض بالفضائيات».

المسرح والشارع
ويفسر الدكتور دوارة انفصال المسرح حالياً عن هموم الشارع والشخصية المصرية، قائلاً: «هناك محاولات للتغلب على غياب مشاركات فرق القطاع الخاص، نظراً لارتفاع تكلفة إنتاج العروض المسرحية (كنتيجة لارتفاع أجور النجوم والدعاية وإيجار المسارح). ونتيجة لذلك، انتشرت ظاهرة مؤسفة أساءت كثيراً إلى المسرح المصري، وإلى مفهوم المسرح بصفة عامة، وهي ظاهرة مساهمة بعض القنوات الفضائية في إنتاج عروض للتصوير التلفزيوني، ثم تقديمها من خلال الشاشة الصغيرة فقط. والحقيقة أن النجاح التجاري لهذه التجربة، وزيادة الطلب على مثل تلك النوعية من العروض، قد دفع بعض الفنانين إلى استغلال الفرصة وتقديم بعض العروض المتواضعة جداً فنياً. وكشفت إعادة عرض هذه العروض مدى الإفلاس، ومدى تدني المستوى الفني لتلك العروض، التي لا يمكن أن تصمد أمام الزمن، ولا يمكن مشاهدة أي منها أكثر من مرة، فجميعها تعتمد على تقديم بعض القوالب الشعبية للكوميديا المرتجلة واللعب بالكلمات والقفشات اللفظية، والسخرية من بعض العاهات أو الأحداث الآنية، وذلك على النقيض من تلك الأشكال والقوالب الكوميدية الراقية التي تعتمد على حبكات جيدة، ومجموعة من المواقف الدرامية محكمة الصنع، التي قدمها المسرح المصري منذ عشرينات القرن الماضي، وكان على رأسهم الفنان الكبير نجيب الريحاني، وعلي الكسار، مروراً بمسرحيات فترة الستينات لكتاب الكوميديا الكبار، التي استطاعت تناول قضايا الإنسان المصري، وعبرت عن طموحاته وآماله من خلال قوالب فنية راقية».
ويرى د. دوارة أن «أزمة المسرح تتمثل فقط في أزمة الإدارة، وأن مصر ولادة فعلاً، وتتمتع بعدد كبير من الفنانين الموهوبين في جميع المجالات، ومن بينها الكتابة المسرحية، ولكن تبقى مشكلة الإدارة التي يجب عليها القيام بعملية الفرز الدقيق، ومنح الفرص للموهوبين فعلا فقط». ولكن ما يحدث في أرض الواقع، كما يضيف، يخالف ذلك «حيث يقتنص الفرص أنصاف الموهوبين أصحاب النفوذ، في حين تغلق أبواب النشر وفرص الإنتاج المسرحي أمام عدد كبير من أصحاب الموهبة الحقيقية والكفاءة. ومن خلال مشاركاتي ببعض لجان التقييم والتحكيم، تأكد لي وجود عدد كبير من كتاب المسرح الرائعين بمختلف الأقاليم المصرية، ولكن للأسف كثيراً ما يصيبهم الإحباط كنتيجة منطقية لاهتمام المسؤولين ببعض الأشكال والقوالب التجريبية فقط، وتسييدها وإتاحة الفرصة لإنتاجها على حساب تلك النصوص الرصينة التي يقومون بتجاهلها وإهمالها».
واعتبر دوارة أن تجليات المسرح البديل تكمن في تعاظم دور «هواة المسرح» بمصر، وهو الظاهرة الإيجابية التي تحتاج لمزيد من دعم جميع الجهات المعنية بالشباب، خصوصاً بعدما نجحت بعض فرق الهواة، لا سيما من الفرق الجامعية وفرق «الجمعية المصرية لهواة المسرح»، في جذب جمهور جديد لعروضهم المتميزة التي يحرصون على تقديمها لعدة ليال متتالية ببعض مسارح العاصمة والأقاليم، اعتماداً على دعم جمهورهم وإيرادات شباك التذاكر.
وأضاف: «لقد نجح (هواة المسرح) وعشاقه المغامرون في تحقيق التواصل مع جمهورهم عبر وسائل الاتصال الحديثة، وكذلك في التخلص من جميع القيود الرقابية، وأهمها لوائح ممارسة المهنة بنقابة المهن التمثيلية، وقوانين ضريبة الملاهي، وقبل كل ذلك فكرة ضرورة مشاركة النجوم لاجتذاب الجمهور. والملاحظات التي يجب تسجيلها في النهاية هي أن أغلب فعالياتنا ومهرجاناتنا المسرحية تعاني كثيراً من عدم التنسيق فيما بينها (سواء على مستوى مواعيد تنظيمها أو على مستوى تكرار بعض الأنشطة)، كما تفتقد للتخطيط السليم نظراً للاعتماد على القرارات الفردية والجهود العشوائية».
وطالب دوارة بضرورة وضع خطط قصيرة المدى، وأخرى طويلة المدى، والحرص على تنفيذ كل منها بكل دقة، مع ضرورة مراعاة الاهتمام بالخطاب الدرامي لتحقيق المشاركة في التنمية الاجتماعية بصورة فعالة، مما يتطلب أيضاً ضرورة تنظيم خطط للتجوال بجميع العروض لتحقيق فكرة العدالة الاجتماعية، وتوصيل دعم الدولة للجميع، ولن يتحقق ذلك بالطبع إلا من خلال الاختيار الدقيق للقيادات المسرحية، والاعتماد على أسلوب العمل الجماعي، من خلال لجان القراءة والمكاتب الفنية المتخصصة، مع تحقيق فكرة المتابعة والتقييم والتقويم بكل جدية وشفافية.

ثقافة الإنترنت
ومن جانبه، يقول الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل إنه تحول لكاتب روائي أخيراً، وصدرت روايته الأولى «المنفى والملكوت»، لتراكم الإشكالات الكبرى التي استقرت على الفن المسرحي في مصر خلال السنوات الماضية، ولم تنته بعد إصابة المسارح بالروتين الحكومي الذي يفرض نموذج «الطابور» على المبدعين وانتظار الدور، ما أدى إلى ترهل المشهد الإداري.
ويضيف إسماعيل: «لا توجد حركة مسرحية الآن في المسرح المصري، بمعنى أن الدولة لها توجه تنموي واضح في شتى المجالات، لكنها لا تلتفت لكتاب المسرح الذين أصابهم الاكتئاب حتى بحثوا في أكوام الأفكار عن الموضوعات العدمية لكتابتها، وهذا ترتب عليه أن مسرحنا الآن (غير وطني)، بمعنى أن الكاتب يكتب في فضاء ذاتي، بما يناسب حالته النفسية، وهذا لا يشكل حركة مسرحية وطنية إطلاقاً. والمثال الأقرب لهذه الفكرة أنتجته ثورة 1952، حينما كان المسرح هو ظهير الاشتراكية. وإن أسقطنا هذا النموذج على واقعنا المعاصر، سنجد أن مصر قامت بها ثورتان في فترة وجيزة، شارك فيهما أغلب المصريين، ومن بينهم بطبيعة الحال المسرحيون. ومع ذلك، لم يواكبها أي حراك مسرحي حقيقي يؤرخ ويوثق هذا الحدث التاريخي الجلل بشكل يليق».
ويتابع: «لا يمكن أن نتجاهل النقلة النوعية التي أحدثها الذكاء الإلكتروني واختزال المعلوماتية في جهاز صغير، حيث تربت أجيال متلاحقة على استخدام (الموبايل) للسفر حول العالم وهم في أماكنهم، وبالتالي أنتج هذا سهولة التلقي، وإلغاء كاملاً للخيال والمسافة بين الشباب والقراءة الجادة، فهناك ارتباط وثيق الصلة بين العادات القرائية التي تفرز إنساناً مثقفاً حقيقياً قادراً على التخيل وفن المسرح، وكلما ابتعد الجمهور عن القراءة، ابتعد بطبيعة الحال عن خشبة المسرح».
ولكن المخرج خالد جلال لا يتفق مع الآراء السابقة، فهو يرى أن فن المسرح ليس غائباً عن المشهد الثقافي المصري، مستشهداً بكم العروض المسرحية التي تعرض على مسارح الدولة، والتي «كسرت الدنيا» - على حد تعبيره - في القاهرة، وكذلك في باقي المحافظات.
ويقول عن ذلك: «إن المسارح في كل ربوع مصر تستقبل 3 آلاف عرض مسرحي في العام الواحد، أي أن المنتج الثقافي الذي يقدمه المسرح المصري هو الأكبر مقارنة بأي منتج ثقافي آخر، وهذا على مستوى العالم العربي، ولو كان هناك غياب للمسرح ما كانت وسائل الإعلام قد اهتمت بتسجيل العروض المسرحية وبثها على مدار الموسم». ويستشهد هنا بالفرق المسرحية التي كانت تقيم عروضها في مواسم محددة، وينجذب إليها الجمهور المصري والعربي، مثل العروض المسرحية التي كان يقدمها الفنان عادل إمام ومحمد صبحي وسهير البابلي ومحمد نجم وسمير غانم، وكان لها أثر بالغ في صناعة مشهد ثقافي يتصدره المسرح الخاص.
ويستدرك المخرج جلال بقوله: «ولكن مع تطور وسائل الإعلام والميديا، تراجع هذا النوع من العروض، وذلك يرجع إلى تكاليفها الباهظة، بدءاً من تأجير المسرح، مروراً بكل ما يخص العرض من تجهيزات، إضافة لأجور الفنانين المرتفعة التي لا يصمد أمامها سعر تذكرة العرض، خصوصاً أنها سوف تسجل وتذاع مما يقلص عدد الجمهور. وهذا التراجع الملحوظ ساهم في تأكيد وجود وانتشار مسرح الدولة، وذلك لأنه لا يعتمد في عروضه على أسماء الفنانين الكبار غالباً، لكنه يعتمد في الأساس على شباب المسرحيين. ومن هنا، علينا أن نعترف بأن خريطة المسرح في مصر قد تغيرت مع غياب هذه الفرق المسرحية، وبروز مسرح الدولة الذي جذب كتاباً كباراً في مراحل مختلفة، وكان وجود هذه الأسماء مؤشراً حقيقياً على محو البيروقراطية والروتين الثقافي».



غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها
TT

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً، وأكثر شبهاً بالشخص الذي تمنينا أن نصير إليه. وقد تنطوي رفوفنا الشخصية على مفارقة خفية، فنحن نستبق بالكتب زمناً لم نعشه بعد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقتناءً لنص فحسب، بل استثماراً رمزياً في ذات مؤجلة.

تمثل ظاهرة الهوس بشراء الكتب ومراكمتها قبل الوصول إلى قراءتها سلوكاً إنسانياً عابراً للجغرافيا، فتكتظ بها رفوف عشاق الورق في مدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نوعاً من الترف أو ضعفاً أمام إغراء العناوين والأغلفة، لكنها تخفي شبكة معقدة من الدوافع النفسية والجذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدراً للقوة، ويتجاور الرضا عن الذات مع إحساس بالانتماء إلى ذاكرة البشرية، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب.

قديماً اعتبر الملوك والأباطرة السيطرة على الفكر المكتوب ركيزة لتثبيت أركان الدولة واستعراض التفوق الحضاري أمام المنافسين. فأرسل آشوربانيبال رسله إلى أطراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلى مكتبته في نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المسمارية الموثقة للعلوم والسحر والمعتقدات الدينية، في تعبير واضح عن طموح السلطة إلى احتكار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعت أخبار التنافس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الحضارة الإسلامية اتسعت الظاهرة بفضل انتشار صناعة الورق، فتحول جمع الكتب إلى ممارسة مجتمعية وفردية واسعة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مجموعات خاصة كبرى، بينها مكتبة الفتح بن خاقان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهشت الرحالة والمؤرخين. ويُروى عن الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين للمبيت فيها وقضاء الليالي في مطالعة ما تيسر من كتبهم، كما ارتبطت وفاته في الرواية التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه.

مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات

أحدث اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخير من تحفة نادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مادة قابلة للاقتناء والتجميع الفردي على نطاق أوسع. وتطورت حينها فكرة جمع الطبعات الأولى، أو ما عُرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجساً جديداً لدى الأثرياء والمثقفين. وفي مطلع القرن التاسع عشر، صاغ الطبيب الإنجليزي جون فيريار والمؤلف توماس ديبدين مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطاً أرستقراطية في أوروبا، وشهدت تلك المرحلة مزادات صاخبة وتأسيس أندية متخصصة لهواة الكتب النادرة، من بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا.

تتداخل عوامل نفسية وفلسفية كثيرة في تفسير هذا السلوك القريب من الإدمان، ويأتي في مقدمتها مفهوم «المكتبة المضادة» الذي طرحه نسيم نيكولاس طالب متأملاً مكتبة الأديب الإيطالي أومبرتو إيكو، التي ضمت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قيمة المكتبة تتجسد بدرجة كبيرة في الكتب التي تنتظر القراءة؛ لأنها تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه، وتدفعه إلى التواضع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية.

وطور اليابانيون مصطلحاً بالغ الدلالة هو «تسوندوكو»، اشتقاقاً من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساساً بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقد يؤدي فعل الاختيار ذاته دوراً مهماً: التجول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم العودة إلى المنزل بكتاب جديد، كلها تفاصيل تصنع طقساً شخصياً يربط المعرفة بالمتعة والتوقع.

المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري

على مستوى آخر، يتجاوز الكتاب كونه نصاً مجرداً ليصبح كائناً مادياً متكاملاً. فرائحة الورق القديم الناتجة عن تحلل مركبات كيميائية مثل «اللجنين» تستثير الذاكرة العاطفية، فيما تصنع رسوم الغلاف ونوعية التجليد والملاحظات المدونة على الهوامش تجربة بصرية ولمسية ذات طابع خاص. هنا ترتقي علاقة الإنسان به من تلقي المعلومات إلى التفاعل الجمالي والحميمي مع أثر مادي يرافق صاحبه عبر مراحل حياته. لذلك ينظر بعض مالكي المكتبات الشخصية إلى رفوفهم بوصفها سيرة ذاتية موازية، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتحولات ذائقتهم ورحلتهم المعرفية عبر الزمن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعادة تنظيمها معنى قريباً من إعادة ترتيب الذاكرة والذات، كما تمنح مادته القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش ترك هناك، وأثر يد أمسكت الكتاب مطولاً يبقى على الورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملاً تاريخ قرائه السابقين.

يحمل هذا الشغف أيضاً وجهاً مظلماً حين يتحول الاقتناء إلى اندفاع مرضي يفضي إلى السرقة، وهو ما يُعرف بـ«الببليوكليبتومانيا». ومن أشهر الحالات حكاية ستيفن بلومبرغ الذي سرق أكثر من عشرين ألف كتاب نادر ومخطوطة من مئات المكتبات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الدولارات. وكشفت قضيته عن رغبة استحواذيّة محضة، فالمجلدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزاً يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول.

تكتسب الحيازة المادية للكتب المطبوعة أبعاداً وجودية متجددة في ظل الهيمنة المتصاعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية ملاذاً حصيناً أخيراً لصون الفكر البشري في مواجهة سيل النصوص الفائقة السرعة والآلية التوليد. ويمثل الكتاب الورقي في هذا العصر الرقمي الشديد التسارع وثيقة تاريخية ثابتة تحفظ الأفكار البشرية في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والتحوير الخوارزمي، معززة رغبة الإنسانية في التمسك برموز للأصالة والأثر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المجلدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة التواصل البشري المباشر مع المعرفة، صائنة طقوس القراءة البطيئة التي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعاً في الأتمتة الشاملة.


«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً
TT

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلاً رمزياً لمعاناتها مع الكتابة... تقول: «في كل لحظة كتبــتُ فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــكّ عنّــي حبســة الكتابــة، فكنــتُ أراقــب الأشــياء المتســاقطة وأكتبها، كأنّهــا وحدهــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولعــلّ الانقطاع، في بعــض الأحيــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة».

بهذه المكاشفة تفتتح الشاعرة ديوانها، كاشفة عن مأزق وجودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والواقع والعالم والأشياء من حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير من الشعراء والفنانين، ربما لأنهم لا يستعجلون قطف الثمرة، حتى تأخذ دورتها في النمو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضاً لأنهم ينفرون من ضجر الحياة وإيقاعها الصاخب المربك، ويفضّلون الجلوس على مقربة من أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويصقلون وجدانهم بالمزيد من المعارف والخبرات والرؤى الخاصة. من هنا نفهم أن الإهداء إلى «اللاأحد»، ليس نفياً مطلقاً ـ إنما فعل إثبات لوجود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين.

يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في 60 صفحة من القطع الصغير، وتركز الشاعرة فيه على الإيقاع الخاطف، في بناء الصورة الشعرية واصطياد المعنى، من تراكمات اليومي المعيش، والمهمش النافر من سكونية المتن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»:

«أشياء كثيرة تُمحى،

كيف تنجو قليلاً،

ظل الوقت يترقب طيفاً لا يشبهني

زاوية مضاءة في الأربعين

حالفها حظ مؤقّت

لا يخطئ الحدسَ والعدَّ

ولا قوانين الترتيب

وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا.

في الجهة الأخرى كنت

طفلة تراقص أحلامها

محمولة على إيقاع «جاز»

محمولة بضفيرتين

الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت،

عجلات تدور مع مجرات العظام

المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ».

يدور النص في فلك مشهد تبدو فيه الذات الشاعرة وكأنها تبحث عن حكمة ضالة، أو حقيقة هاربة، تواجه في مرآتها وعيها بذاتها وبالوجود. يتبدى ذلك من خلال المزج ما بين الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يقين الذات المنهكة، والتي تتمسك به حتى الرمق الأخير، وتعلن عنه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لقناص يتوارى خلف أروقة الحرب»، «يصيبني بالهلع».

يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صحيح أيضاً. وكلاهما يتلامس مع الواقع، يصبّ فيه ويأخذ عنه، في محاولة لتجديد الوعي بالوجود والشعر والحياة، نرى ذلك في نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه:

«كان الليل طويلاً يتمدّد في الشوارع،

الوقت ضائعٌ بين رفوف الذاكرة

يضيق الفجرُ

نور أنفاسي متقطّعٌ

وحدها العجوز شبه نائمة

تحركها أغصانُ شجرةٍ

لم يتبقَّ منها سوى كرسيٍّ هزاز

ما أجمل بياضُ شَعرها الرمادي

الزمن عائم هنا

والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي

وطفلة تستيقظ من بعيد

تجري مع الريح».

ببدو الخريف وكأنه الملاذ الأخير للذات، لتتخلص من محنتها؛ لذلك تتكرر رمزيته في أكثر من قصيدة، منها،«خريف وشاعر» صفحة 32، «الخريف ممكن» صفحة 34.، وهذه الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالتها، وجمعها ما بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فالأوراق لا تتساقط من الشجرة في الخريف، لتعلن ضمورها وذبولها، إنما لتجدد نموها وتضح في شرايينها حياة جديدة.

أضف إلى ذلك، أن دلالة الحلم تبدو أكثر فاعلية، وقدرة على فك عقدة الحبل المشدود بين الإمكانية والاستحالة، التي تشكل أيضاً بتضادها المعرفي أحد المعاول الفنية في الديوان. وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها:

«تتمدد الشوارع

يضيق الوقت

برغبة تلفظ أنفاسها

عند فجر أبيض

لعجوز تجهز قهوتها

وغانية عائدة تنفض غبارَ رجل

عن فستانها، وطفلة تستقبل يوماً جديداً على هذا الكوكب.

وذاكرة المرايا

حروف ابتلعها طفل

يمارس النطق كما تمارس الأحلام.

الحياة ممكنة

الحب ممكن أيضاً

ما لم تكتمل الرسالة

وسط ضجيج العالم

النوم بهدوء

يحتاج إلى أحلام محترقة».

تنحو اللغة في الديوان نحو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الذات على هذه الطرق، ولا تسعى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي على الصورة الشعرية ملمحاً جمالياً مغايراً للسائد والمألوف. ومن ثم، من الصعب أن نتأمل نصوص الديوان، في إطار بنية خاصة، بعيداً عن المرجعيات المعروفة، بخاصة في العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول، أو بين الرمز ومرموزه، كما أن حضور النص يظل مرهوناً بها، رغم أنه في الكثير من النصوص يملك العناصر والخبرة التي تساعده على كسر هذا الإطار، ليكون حراً ومستقلاً، من أبرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قصيدة النثر، واللعب على الخارج والداخل بروح من التجريب والمغامرة. ورغم ذلك، نحن أمام ديوان شيق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء على مستوى الرؤية، أو علاقة الشكل بالمضمون، التي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة.


بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين
TT

بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فيقرر بعد سنوات من الإقامة في فرنسا أن يعود إلى بلاده، وتحديداً إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل.

إنه أبكر بركاى الذي يستقبله صديقه جنكيز بين أزقة سوق دقيل ومقاهي شارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجاً غريباً من الحنين والخيبة. تفتح الرواية أبواب عاصمة تشاد لنرى كيف يعيش أبناؤها في غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنجمينا كمدينة مثقلة بالحروب الأهلية والبطالة والموت المجاني لكنها لا تكف عن إغواء أبنائها حتى وهم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد.

قام البناء الفني للعمل على تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي؛ الكتاب الأول: «الشتاء» والثاني: «الصيف» والثالث: «الخريف»، بحيث يتضمن كل باب عدداً من الفصول الداخلية تحمل أسماء عدد من الشخصيات الفاعلة في النص. تتميز لغة المؤلف بالصفاء والطابع الرائق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنجمينا، فالرفاهية الأوروبية يقابلها التوتر الأفريقي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلى هذا التوتر برغم خطورته، بسبب ما تحمله من حنين وذكريات.

وروزي جدّي روائي تشادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهي أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وفي عام 2016 تُوّج بجائزة «ابن بطوطة» لأدب الرحلة عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».

من أجواء الرواية نقرأ: «في ذلك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلى فرنسا، كنا صغيرين ولم تكن السعادة أكثر من عشرة ريالات في الجيب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتتجولان في أزقة سوق دقيل بكل فخر، بل كنت سعيداً حتى حين صارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غانماً بعد ضرب أحد أبناء الطبقة الوسطى على قفاه وأخذ ماله، لكن الحياة تغيرت ولم تعد الأمور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيراً ونحيفاً رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلاً متوسط الطول وأضخم ولديه عضلات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم).

بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلاً ضخماً وطويلاً وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيراً عدا أنني صرت أطول».