المسرح المصري يراهن على تجارب الشباب

صعد في الستينات ثم راح ضحية ثقافة الاستهلاك

الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
TT

المسرح المصري يراهن على تجارب الشباب

الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل
الناقد المسرحي عمرو دوارة - المخرج المسرحي خالد جلال - الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل

مثلت حقبة الستينات زمن الصعود الأقوى للمسرح، وارتبطت بأسماء مبدعين كبار: مؤلفين، وفنانين ومخرجين، تركوا بصمة لا تزال مثيرة للدهشة والمتعة، لكن هذا الحراك ذبل وانطفأ مع التحولات التي طرأت على المجتمع، ودخوله في نفق سياسة الاستهلاك الشرهة، ليتراجع موقعه على الخريطة الثقافية مصرياً وعربياً.
«ثقافة» استطلعت في هذا التحقيق آراء مسرحيين، لمعرفة هل ثمة خطط ومشاريع لإخراج المسرح من الحالة المؤسفة التي يعيشها حالياً؟
في البداية، يقول الناقد المسرحي الدكتور عمرو دوارة: «على الرغم من المحاولات الجادة للتنمية الاقتصادية التي تشهدها بلادنا، فإن التنمية الثقافية للأسف ما زالت تأتي في الدرجة الأخيرة من الاهتمام، وبالتالي لا نجد أي اهتمام حقيقي من جانب الجهات المعنية بتقديم الدعم المناسب للفنون المسرحية، ومع ذلك شهدت المواسم المسرحية الأخيرة، خلال عامي 2017 و2018، عدة محاولات جادة لإنقاذ المسرح المصري من عثراته وأزماته المزمنة، بعدما حمل رايته جيل جديد من الشباب العاشقين له والمؤمنين بدوره. ويحسب لهؤلاء المسرحيين الشباب حماسهم الشديد، وتوظيفهم لجميع خبراتهم لجذب الجمهور مرة أخرى إلى المسارح. وبالفعل، علقت لافتة (كامل العدد) على شباك كثير من مسارح الدولة، وذلك في حين غاب النجوم عن المسرح، بتفضيلهم العمل بالدراما التلفزيونية، خصوصاً مع تقلص نشاط فرق القطاع الخاص، بل اختفاؤها بصورة شبه كاملة، والاكتفاء بتقديم بعض العروض بالفضائيات».

المسرح والشارع
ويفسر الدكتور دوارة انفصال المسرح حالياً عن هموم الشارع والشخصية المصرية، قائلاً: «هناك محاولات للتغلب على غياب مشاركات فرق القطاع الخاص، نظراً لارتفاع تكلفة إنتاج العروض المسرحية (كنتيجة لارتفاع أجور النجوم والدعاية وإيجار المسارح). ونتيجة لذلك، انتشرت ظاهرة مؤسفة أساءت كثيراً إلى المسرح المصري، وإلى مفهوم المسرح بصفة عامة، وهي ظاهرة مساهمة بعض القنوات الفضائية في إنتاج عروض للتصوير التلفزيوني، ثم تقديمها من خلال الشاشة الصغيرة فقط. والحقيقة أن النجاح التجاري لهذه التجربة، وزيادة الطلب على مثل تلك النوعية من العروض، قد دفع بعض الفنانين إلى استغلال الفرصة وتقديم بعض العروض المتواضعة جداً فنياً. وكشفت إعادة عرض هذه العروض مدى الإفلاس، ومدى تدني المستوى الفني لتلك العروض، التي لا يمكن أن تصمد أمام الزمن، ولا يمكن مشاهدة أي منها أكثر من مرة، فجميعها تعتمد على تقديم بعض القوالب الشعبية للكوميديا المرتجلة واللعب بالكلمات والقفشات اللفظية، والسخرية من بعض العاهات أو الأحداث الآنية، وذلك على النقيض من تلك الأشكال والقوالب الكوميدية الراقية التي تعتمد على حبكات جيدة، ومجموعة من المواقف الدرامية محكمة الصنع، التي قدمها المسرح المصري منذ عشرينات القرن الماضي، وكان على رأسهم الفنان الكبير نجيب الريحاني، وعلي الكسار، مروراً بمسرحيات فترة الستينات لكتاب الكوميديا الكبار، التي استطاعت تناول قضايا الإنسان المصري، وعبرت عن طموحاته وآماله من خلال قوالب فنية راقية».
ويرى د. دوارة أن «أزمة المسرح تتمثل فقط في أزمة الإدارة، وأن مصر ولادة فعلاً، وتتمتع بعدد كبير من الفنانين الموهوبين في جميع المجالات، ومن بينها الكتابة المسرحية، ولكن تبقى مشكلة الإدارة التي يجب عليها القيام بعملية الفرز الدقيق، ومنح الفرص للموهوبين فعلا فقط». ولكن ما يحدث في أرض الواقع، كما يضيف، يخالف ذلك «حيث يقتنص الفرص أنصاف الموهوبين أصحاب النفوذ، في حين تغلق أبواب النشر وفرص الإنتاج المسرحي أمام عدد كبير من أصحاب الموهبة الحقيقية والكفاءة. ومن خلال مشاركاتي ببعض لجان التقييم والتحكيم، تأكد لي وجود عدد كبير من كتاب المسرح الرائعين بمختلف الأقاليم المصرية، ولكن للأسف كثيراً ما يصيبهم الإحباط كنتيجة منطقية لاهتمام المسؤولين ببعض الأشكال والقوالب التجريبية فقط، وتسييدها وإتاحة الفرصة لإنتاجها على حساب تلك النصوص الرصينة التي يقومون بتجاهلها وإهمالها».
واعتبر دوارة أن تجليات المسرح البديل تكمن في تعاظم دور «هواة المسرح» بمصر، وهو الظاهرة الإيجابية التي تحتاج لمزيد من دعم جميع الجهات المعنية بالشباب، خصوصاً بعدما نجحت بعض فرق الهواة، لا سيما من الفرق الجامعية وفرق «الجمعية المصرية لهواة المسرح»، في جذب جمهور جديد لعروضهم المتميزة التي يحرصون على تقديمها لعدة ليال متتالية ببعض مسارح العاصمة والأقاليم، اعتماداً على دعم جمهورهم وإيرادات شباك التذاكر.
وأضاف: «لقد نجح (هواة المسرح) وعشاقه المغامرون في تحقيق التواصل مع جمهورهم عبر وسائل الاتصال الحديثة، وكذلك في التخلص من جميع القيود الرقابية، وأهمها لوائح ممارسة المهنة بنقابة المهن التمثيلية، وقوانين ضريبة الملاهي، وقبل كل ذلك فكرة ضرورة مشاركة النجوم لاجتذاب الجمهور. والملاحظات التي يجب تسجيلها في النهاية هي أن أغلب فعالياتنا ومهرجاناتنا المسرحية تعاني كثيراً من عدم التنسيق فيما بينها (سواء على مستوى مواعيد تنظيمها أو على مستوى تكرار بعض الأنشطة)، كما تفتقد للتخطيط السليم نظراً للاعتماد على القرارات الفردية والجهود العشوائية».
وطالب دوارة بضرورة وضع خطط قصيرة المدى، وأخرى طويلة المدى، والحرص على تنفيذ كل منها بكل دقة، مع ضرورة مراعاة الاهتمام بالخطاب الدرامي لتحقيق المشاركة في التنمية الاجتماعية بصورة فعالة، مما يتطلب أيضاً ضرورة تنظيم خطط للتجوال بجميع العروض لتحقيق فكرة العدالة الاجتماعية، وتوصيل دعم الدولة للجميع، ولن يتحقق ذلك بالطبع إلا من خلال الاختيار الدقيق للقيادات المسرحية، والاعتماد على أسلوب العمل الجماعي، من خلال لجان القراءة والمكاتب الفنية المتخصصة، مع تحقيق فكرة المتابعة والتقييم والتقويم بكل جدية وشفافية.

ثقافة الإنترنت
ومن جانبه، يقول الكاتب المسرحي بهيج إسماعيل إنه تحول لكاتب روائي أخيراً، وصدرت روايته الأولى «المنفى والملكوت»، لتراكم الإشكالات الكبرى التي استقرت على الفن المسرحي في مصر خلال السنوات الماضية، ولم تنته بعد إصابة المسارح بالروتين الحكومي الذي يفرض نموذج «الطابور» على المبدعين وانتظار الدور، ما أدى إلى ترهل المشهد الإداري.
ويضيف إسماعيل: «لا توجد حركة مسرحية الآن في المسرح المصري، بمعنى أن الدولة لها توجه تنموي واضح في شتى المجالات، لكنها لا تلتفت لكتاب المسرح الذين أصابهم الاكتئاب حتى بحثوا في أكوام الأفكار عن الموضوعات العدمية لكتابتها، وهذا ترتب عليه أن مسرحنا الآن (غير وطني)، بمعنى أن الكاتب يكتب في فضاء ذاتي، بما يناسب حالته النفسية، وهذا لا يشكل حركة مسرحية وطنية إطلاقاً. والمثال الأقرب لهذه الفكرة أنتجته ثورة 1952، حينما كان المسرح هو ظهير الاشتراكية. وإن أسقطنا هذا النموذج على واقعنا المعاصر، سنجد أن مصر قامت بها ثورتان في فترة وجيزة، شارك فيهما أغلب المصريين، ومن بينهم بطبيعة الحال المسرحيون. ومع ذلك، لم يواكبها أي حراك مسرحي حقيقي يؤرخ ويوثق هذا الحدث التاريخي الجلل بشكل يليق».
ويتابع: «لا يمكن أن نتجاهل النقلة النوعية التي أحدثها الذكاء الإلكتروني واختزال المعلوماتية في جهاز صغير، حيث تربت أجيال متلاحقة على استخدام (الموبايل) للسفر حول العالم وهم في أماكنهم، وبالتالي أنتج هذا سهولة التلقي، وإلغاء كاملاً للخيال والمسافة بين الشباب والقراءة الجادة، فهناك ارتباط وثيق الصلة بين العادات القرائية التي تفرز إنساناً مثقفاً حقيقياً قادراً على التخيل وفن المسرح، وكلما ابتعد الجمهور عن القراءة، ابتعد بطبيعة الحال عن خشبة المسرح».
ولكن المخرج خالد جلال لا يتفق مع الآراء السابقة، فهو يرى أن فن المسرح ليس غائباً عن المشهد الثقافي المصري، مستشهداً بكم العروض المسرحية التي تعرض على مسارح الدولة، والتي «كسرت الدنيا» - على حد تعبيره - في القاهرة، وكذلك في باقي المحافظات.
ويقول عن ذلك: «إن المسارح في كل ربوع مصر تستقبل 3 آلاف عرض مسرحي في العام الواحد، أي أن المنتج الثقافي الذي يقدمه المسرح المصري هو الأكبر مقارنة بأي منتج ثقافي آخر، وهذا على مستوى العالم العربي، ولو كان هناك غياب للمسرح ما كانت وسائل الإعلام قد اهتمت بتسجيل العروض المسرحية وبثها على مدار الموسم». ويستشهد هنا بالفرق المسرحية التي كانت تقيم عروضها في مواسم محددة، وينجذب إليها الجمهور المصري والعربي، مثل العروض المسرحية التي كان يقدمها الفنان عادل إمام ومحمد صبحي وسهير البابلي ومحمد نجم وسمير غانم، وكان لها أثر بالغ في صناعة مشهد ثقافي يتصدره المسرح الخاص.
ويستدرك المخرج جلال بقوله: «ولكن مع تطور وسائل الإعلام والميديا، تراجع هذا النوع من العروض، وذلك يرجع إلى تكاليفها الباهظة، بدءاً من تأجير المسرح، مروراً بكل ما يخص العرض من تجهيزات، إضافة لأجور الفنانين المرتفعة التي لا يصمد أمامها سعر تذكرة العرض، خصوصاً أنها سوف تسجل وتذاع مما يقلص عدد الجمهور. وهذا التراجع الملحوظ ساهم في تأكيد وجود وانتشار مسرح الدولة، وذلك لأنه لا يعتمد في عروضه على أسماء الفنانين الكبار غالباً، لكنه يعتمد في الأساس على شباب المسرحيين. ومن هنا، علينا أن نعترف بأن خريطة المسرح في مصر قد تغيرت مع غياب هذه الفرق المسرحية، وبروز مسرح الدولة الذي جذب كتاباً كباراً في مراحل مختلفة، وكان وجود هذه الأسماء مؤشراً حقيقياً على محو البيروقراطية والروتين الثقافي».



من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.