نظم ذكاء صناعي لإنتاج فيديوهات مزيفة

برامج «ديب فيك» تعرض مشاهد مفبركة

لقطة من تطبيق «فيك آب» لتغيير الوجوه في العروض الزائفة
لقطة من تطبيق «فيك آب» لتغيير الوجوه في العروض الزائفة
TT

نظم ذكاء صناعي لإنتاج فيديوهات مزيفة

لقطة من تطبيق «فيك آب» لتغيير الوجوه في العروض الزائفة
لقطة من تطبيق «فيك آب» لتغيير الوجوه في العروض الزائفة

تصور مشهداً لغرفة فيها كنبة حمراء، ونبتة في حوض، ولمسة من الفنّ الخفيف الذي نراه عادة على جدران عيادات الطبّ النفسي. وفي الغرفة، كانت توجد ميشيل أوباما، أو امرأة تبدو مثلها تماماً، ترتدي قميصاً بقصة مفتوحة من الأمام وملابسها الداخلية السوداء ظاهرة أسفلها، تتمايل بإغراء أمام الكاميرا وعلى وجهها ابتسامة واضحة. بعدها، بدأت شبيهة السيّدة الأولى السابقة تنزع ملابسها.
لقد عُرف مقطع الفيديو هذا الذي ظهر على شبكة الإنترنت على منصة «ريديت» باسم «ديب فيك» (deepfake)، (أي الزيف العميق): مقطع شديد الزّيف والواقعية في آن معاً، تمّ إنتاجه ببرنامج ذكاء صناعي، اسمه «فيك آب» (FakeApp) وضعت من خلاله صورة السيدة الأميركية الأولى السابقة على جسم ممثلة أفلام إباحية. وبدت النسخة المزيّفة حقيقية جداً، إلى حدّ أن الناس كانوا ليظنون أن المقطع حقيقي لولا معرفتهم بميشيل أوباما.
حتى وقت قصير، كانت أفلام الفيديو المفبركة على الكومبيوتر متوفرة فقط في شركات الإنتاج الهوليوودي أو للباحثين الذين يعملون بالتقنيات عالية التطور، إلى جانب بعض التطبيقات كـ«سنابشات»، التي تتضمن تقنيات بدائية للتلاعب بشكل الوجه.
- برامج التزييف
ولكن خلال الأشهر الأخيرة، بدأت مجموعة من الهواة اختبار أدوات أكثر فعالية، من بينها «فيك آب» (FakeApp)، وهو برنامج صمّمه مطوّر مجهول يستخدم برمجيات مفتوحة المصدر من إعداد «غوغل». يتيح «فيك آب» للمستخدمين تبديل وجوه حقيقية مجاناً وبسهولة، تاركاً خلفه بعض الآثار الطفيفة على التلاعب. يقول مطوّر هذا البرنامج إنّه ومنذ ظهور النسخة الأولى من هذا التطبيق على منصة «ريديت» في يناير (كانون الثاني)، تمّ تحميله أكثر من 120 ألف مرّة.
«ديب فيكس» واحدة من أجدد أشكال التلاعب الإعلامي الرقمي، التي تفتح مجالاً كبيراً للتضليل والأذى. ومن السهل جداً أن نتخيّل استخدام هذه التقنية لتشويه سمعة السياسيين، عبر إنتاج فيلم إباحي انتقامي أو توريط البعض بالجرائم، حتى أنّ المشرعين بدأوا يشعرون بالقلق من احتمال استخدام هذه التقنية في عمليات التخريب السياسي والبروباغاندا.
وأثارت تقنية «ديب فيكس» القلق والاستهجان حتى على المواقع غير الملتزمة أخلاقياً مثل «ريديت». فقد أثارت هذه التقنية الذعر أخيراً بعد أن كشف موقع «ماذربورد» المتخصص بالتكنولوجيا، أن الناس يستخدمونها لصناعة أفلام مزيفة للمشاهير. وبادرت مواقع كـ«بورنهاب» و«تويتر» وغيرهما فوراً إلى منع عرض هذه الأفلام، وأقفلت منصة «ريديت» عدداً كبيراً من مجموعات «ديب فيكس»، من بينها مجموعة تضمّ 100 ألف عضو على الأقلّ.
قبل إقفالها، استضافت هذه المجموعات مزيجاً من المستخدمين الذين يروجون لنصائح تعديل مقاطع الفيديو ويعرضون بعضاً من آخر أعمالهم المزيفة. وظهر إلى جانب فيديوهات مختلفة منشور بعنوان «إعادة بناء ثلاثي الأبعاد للوجه من زوايا إضافية».
دافع بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي على «ريديت» عن «ديب فيكس» وألقوا باللوم على وسائل الإعلام التي تبالغ في ادعاءاتها حول الضرر المحتمل لهذه التقنية، في حين نقل آخرون فيديوهاتهم إلى منصات أخرى، قبل إخضاعها لقوانين المنصة المتعلّقة بالأفلام الإباحية غير المسموحة، مقابل القليلين فقط ممن عبّروا عن مخاوف أخلاقية من توفير هذه التقنية حول العالم.
ولا تزال فئة صانعي أفلام «ديب فيك» حتى اليوم تعمل في الظلّ، ولكن تأثيرها العلني ينبئ بمستقبل غير مطمئن. ويقول كيفين روز، الخبير التكنولوجي من نيويورك الذي جرب نظم الذكاء الجديدة، إن أحد مستخدمي «ريديت» كتب يقول: هذا الأمر يتحوّل إلى حلقة من سلسلة «بلاك ميرور». فأثار هذا المنشور أسئلة مهمّة جداً في عمق النقاش حول «ديب فيك»؛ هل يمكن لصورة عارية للشخص «أ» أن تصبح صورة عارية للشخص «ب»، إن تمّ الاستبدال بوجه «أ» وجه «ب» بطريقة مثالية ودون أي أثر؟ بمعنى أشمل، ما الفرق بين الحقيقة والعرض على الإنترنت؟
بعدها، سجّل المستخدم خروجه من المنصة وهو يستهجن، قائلاً: «بالتوفيق للمتمردين».
- أفلام «ديب فيكس»
بعد رصد مستخدمي «ديب فيك» في ريديت لعدة أسابيع، قرّر كيفين روز أن يجرّب صناعة فيلم «ديب فيك» (آمن للعمل وذا محتوى غير إباحي) باستخدام وجهه. وقد بدأ الخبير بتحميل «فيك آب» واستعان بخبيرين تقنيين لمساعدته: الأول خبير تقني، والآخر هو مصمّم «ديب فيك» الذي تعرّف إليه عبر «ريديت»، الملقّب بـ«ديرب فيكس» (Derpfakes).
لا شكّ في أنّ «ديرب فيكس» لن يبادر أبداً إلى إعطاء اسمه الحقيقي بسبب طبيعة برنامجه المثيرة للجدل. بدأ هذا المطوّر بنشر فيديوهات «ديب فيك» على «يوتيوب» منذ بضعة أسابيع، وركّز على العروض الكوميدية كتقديم نيكولاس كيدج في دور سوبرمان. كما نشر حسابه بعض الفيديوهات التي تتحدّث عن صناعة البرنامج.
يمكن القول إن ما تعلّمه روز خلال الاختبار أن تطوير هذا البرنامج لم يكن بسيطاً، ولكنه في الوقت نفسه، ليس علماً معقداً.
ترتكز الخطوة الأولى في تطويره على العثور على، أو استئجار، كومبيوتر بقدرات متفوقة. يستخدم برنامج «فيك آب» مجموعة من أدوات التعلّم الآلي تعرف باسم «تينسور فلو» (TensorFlow)، المطوّرة من قبل قسم «غوغل» الخاص بالذكاء الصناعي، التي أطلقت للاستهلاك عام 2015. يعمل البرنامج على تعليم نفسه كيف يؤدي مهام التعرّف إلى الصورة عن طريق التجربة والخطأ. وكلّما كانت السرعة التشغيلية المتوفّرة قوية، عمل البرنامج بسرعة أكثر.
للحصول على سرعة أكبر، استخدم روز كومبيوتر خادماً يعمل عن بعد مستأجراً عبر منصة «غوغل» السحابية، وفّر له القوة التشغيلية الكافية لإنهاء العمل في غضون ساعات، بدل أن يستغرق أياماً أو أسابيع على جهاز اللاب توب.
وفور ضبط الخادم وتحميله «فيك آب»، انتقل إلى الخطوة التالية: جمع البيانات.
إنّ اختيار مصدر البيانات الصحيح مهمّ جداً، لأن عملية التلاعب تكون أسهل في مقاطع الفيديو القصيرة منها في المقاطع الطويلة، فضلاً عن أن المشاهد الملتقطة من زاوية واحدة تفضي إلى نتائج أفضل من المشاهد متعددة الزوايا. الجينات أيضاً تلعب دوراً مهماً، إذ كلّما كان شبه الوجوه أكبر، كانت النتيجة أفضل.
بعدها، التقط مئات من الصور لوجهه، وجمع صوراً لوجه أحد مشاهير التلفزيون غوسلينج من إحدى إطلالاته المتلفزة الأخيرة. يستخدم برنامج «فيك آب» هذه الصور لتدريب نموذج التعلّم الآلي، وتعليمه كيف يحاكي تعابير وجهه.
وبالمجمل، استخدم كيفن روز 417 صورة له، و1113 للشهير التلفزيوني. وحين أصبحت الصور جاهزة، ضغط «انطلق» على «فيك آب»، وبدأ التدريب، فامتلأت شاشة الكومبيوتر بصوره وصور الشهير في الوقت الذي كان فيه البرنامج يعمل على تحديد الملامح وأوجه الشبه. بعد نحو 8 ساعات، وبعد تدريب نموذجنا بنجاح، استخدم «فيك آب» لإنهاء وضع وجهه على جسد الشهير. كان مقطع الفيديو غير واضح وغريب، وظهر وجه الشهير الأصلي بشكل متقطع في الفيديو...« لقد كان بإمكان أي مشاهد أن يتعرّف إلى الشخص الأصلي في الفيديو الذي وضعت وجهي عليه».
ولكن النتيجة كانت أفضل في مقطع للممثل كريس برات، نجم فيلم «جوراسيك وورلد» الذي يجمع بين وجهه ووجه روز شبه أكبر. «في هذا الاختبار، استخدمت مجموعة أكبر من البيانات، ضمّت 1861 صورة لي، و1023 صورة للمثل، وتركت النموذج يعمل لليلة كاملة».
كرّر «ديرب فيكس» العملية مع فيديوهات لجيمي كيمل وليف شريبر، وكانت النتائج جيّدة في كليهما. وكمنتج خبير في أفلام «ديب فيك»، يملك «ديرب فيكس» دراية أكبر بالفيديوهات المصدر التي تعطي نتائج جيّدة، ويتمتع بخبرة أكبر أيضاً في مجال المزج والتبديل اللذين يجب أن يحصلا في آخر مراحل عملية «ديب فيك».
بشكل عام، تطلّبت تجربة الخبير كيفن روز برنامج «ديب فيك» 3 أيام وكلّفت 85.96 دولار في حسابات «غوغل كلاود بلاتفورم»، أي أنّ المبلغ لم يكن كبيراً أبداً كي يصبح شخصاً مشهوراً.
- سلاح ذو حدين
ماذا يقول مطوّر البرنامج؟ بعد التجربة، تمكّنت من الوصول إلى مطوّر «فيك آب» المجهول عبر عنوان بريد إلكتروني موجود على موقعه الإلكتروني. أردت أن أعرف ماذا يعني له أنّه طوّر أداة ذكاء اصطناعي متقدّمة، يتشاركها اليوم مع منتجي أفلام إباحية يواجهون تحديات أخلاقية.
فأجابني رجلٌ عرّف نفسه على أنه مطوّر برمجيات من ماريلاند، ولأنه لن يعطيني اسمه الكامل طبعاً، استعان بالحرف الأول منه فقط. فقال إنه طوّر «فيك آب» كتجربة مبتكرة، ولكنّه شعر بالأسف لأن مجموعات «ديب فيك» على منصة «ريديت» استخدمته لغايات سيئة.
يمكن أن نقول إن «فيك آب» برنامج معقد بعض الشيء وصعب الاستخدام، ولكنه سيشهد تطوراً سريعاً. وقال مطوّر البرنامج المجهول إن جميع الفئات سيمكنها أن تستخدم «فيك آب» في المستقبل لصناعة تأثيرات مميزة ضخمة في مشاريعها الخاصة.
وأضاف أن خوارزميات التعلّم المتعمق ستحظى بأهمية كبيرة في المستقبل، ليس في التطبيقات المستقلة فحسب، بل أيضاً كمكوّن فعال في كثير من المنتجات التقنية.
تنتشر المعلومات المغلوطة عبر الإنترنت، مهما كانت بسيطة الصنع، عبر عملية سلسة فور دخولها إلى قنوات النشر الاجتماعية. تحصل المعلومة المزيفة على مشاركات أعلى بكثير من تكذيب هذا الزيف.
قال هاو لي، أستاذ مساعد في علوم الكومبيوتر في جامعة «ساوثرن كاليفورنيا»، ومؤسس «بينسكرين»، شركة تستخدم الذكاء الصناعي لتطوير نماذج شخصيات ثلاثية الأبعاد: «ليس لدينا خيار. إن تفادي استخدام الذكاء الاصطناعي كسلاح لم يكن ممكناً، وهذا الأمر يتطلّب تغييراً سريعاً في الوعي العام».
وأضاف: «أنا أرى أن هذا هو الشكل المقبل للتواصل. أشعر بالقلق من فكرة استخدام الناس هذه التقنية لابتزاز الآخرين، أو القيام بأمور مسيئة. تجب توعية الناس إلى أن هذه الأمور يمكن أن تحصل».


مقالات ذات صلة

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

يوميات الشرق استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة قد يؤثر على الحياة اليومية (رويترز)

إدمان وسائل التواصل الاجتماعي يصيب الكبار أيضاً... فكيف نحد من استخدامها؟

تركزت معظم المخاوف بشأن إدمان وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، لكن البالغين أيضاً عُرضة لاستخدامها بكثرة لدرجة أنها قد تُؤثر على حياتهم اليومية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق تُستخدم «لينكد إن» مؤخراً كمنصة تعارف بعد أن ارتبطت بالمحتوى المهني والوظيفي (بكسلز)

الحب بتوقيت «لينكد إن»... من منصة مهنية إلى تطبيق تَعارُف ومواعدة

منصة «لينكد إن» المهنية ملاذٌ جديد للباحثين عن علاقات عاطفية والسبب المصداقيّة في مواصفات المستخدمين، والإرهاق من تطبيقات المواعدة.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين.

«الشرق الأوسط» (برلين)
تكنولوجيا تُظهر الدراسة أن تصور مستخدمي «واتساب» لسلوكهم في المراسلة غالباً لا يتطابق مع بيانات الاستخدام الفعلية (شاترستوك)

دراسة جديدة: استخدامك «واتساب» يكشف أكثر مما تعرف عن نفسك

الدراسة تكشف فجوة بين تصور مستخدمي «واتساب» لسلوكهم الرقمي وواقع بيانات الاستخدام، مؤكدةً أن الأنماط الفعلية أكثر دقة من الانطباعات الذاتية اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا التحول نحو المستندات متعددة الوسائط يعكس تغير توقعات المستخدمين في بيئات العمل والتعليم (شاترستوك)

«أدوبي» تتيح تحويل ملفات «PDF» إلى عروض تقديمية وبودكاست صوتي

«أدوبي» توسّع دور «PDF» بإضافة ذكاء اصطناعي يحوّل المستندات إلى عروض تقديمية وبودكاست، ما يعكس تحولاً نحو محتوى مرن متعدد الوسائط في العمل.

نسيم رمضان (لندن)

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
TT

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)

أحدث نموذج جديد للذكاء الاصطناعي، طوّرته «بايت دانس» الشركة الصينية المطورة لتطبيق «تيك توك»، ضجةً في هوليوود هذا الأسبوع، ليس فقط بسبب قدراته، بل لما قد يُحدثه من تغيير في الصناعات الإبداعية.

ووفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، يستطيع تطبيق «سيدانس» إنتاج فيديوهات بجودة سينمائية، مع مؤثرات صوتية وحوارات، بمجرد إدخال بعض النصوص.

وكانت انتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو يُزعم أنها صُنعت باستخدام «سيدانس»، وتضم شخصيات شهيرة مثل «سبايدرمان» و«ديبول».

وسارعت استوديوهات كبرى مثل «ديزني» و«باراماونت» إلى اتهام «بايت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية، لكن المخاوف بشأن هذه التقنية تتجاوز المسائل القانونية.

شعار شركة «بايت دانس» الصينية للتكنولوجيا (رويترز)

ما هو «سيدانس»؟ ولماذا كل هذه الضجة؟

أُطلق «سيدانس» في يونيو (حزيران) 2025 دون ضجة كبيرة، لكن النسخة الثانية التي صدرت بعد ثمانية أشهر هي التي أثارت ضجة كبيرة.

يقول يان ويليم بلوم، من استوديو «فيديو ستيت» الإبداعي: ​​«للمرة الأولى، لا أظن أن هذا يبدو جيداً للذكاء الاصطناعي، بل أظن أنه من عملية إنتاج حقيقية».

ويضيف أن نماذج الفيديو الغربية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد أحرزت تقدماً في معالجة تعليمات المستخدم لإنتاج صور مذهلة، لكن يبدو أن «سيدانس» قد جمع كل شيء معاً.

ومثل أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى يستطيع «سيدانس» إنشاء مقاطع فيديو من نصوص قصيرة، وفي بعض الحالات يبدو أن مجرد إدخال نص واحد ينتج مقاطع فيديو عالية الجودة.

وتقول مارغريت ميتشل، الباحثة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إن الأمر مثير للإعجاب بشكل خاص؛ لأنه يجمع بين النص والصورة والصوت في نظام واحد.

ويُقاس تأثير «سيدانس» بمعيار غير متوقع: مدى جودة إنتاجه لمقطع فيديو لويل سميث وهو يأكل معكرونة، حيث لا يقتصر دور «سيدانس» على ابتكار نسخة واقعية بشكل مذهل للنجم وهو يتناول طبقاً من المعكرونة، بل أنتج أيضاً مقاطع فيديو انتشرت كالنار في الهشيم لسميث وهو يقاتل وحشاً من المعكرونة، ويبدو كل ذلك وكأنه فيلم ضخم الإنتاج.

ويعتقد العديد من خبراء الصناعة وصنّاع الأفلام أن «سيدانس» يمثل فصلاً جديداً في تطوير تقنية توليد الفيديو.

ويقول ديفيد كوك، مدير استوديو للرسوم المتحركة في سنغافورة، إن مشاهد الحركة المعقدة التي ينتجها تبدو أكثر واقعية من منافسيه، ويضيف: «يكاد المرء يشعر وكأنه يستعين بمدير تصوير أو مصور سينمائي متخصص في أفلام الحركة».

الوعد والتحدي

واجه «سيدانس» مشاكل تتعلق بحقوق النشر، وهو تحدٍّ متزايد في عصر الذكاء الاصطناعي، ويحذر الخبراء من أن شركات الذكاء الاصطناعي تُعطي الأولوية للتكنولوجيا على حساب البشر؛ إذ تُطوّر أدوات أكثر قوة وتستخدم البيانات دون مقابل.

واشتكت كبرى شركات هوليوود من استخدام شركة «سيدانس» شخصيات محمية بحقوق الطبع والنشر مثل «سبايدرمان» و«دارث فيدر».

وأصدرت «ديزني» و«باراماونت» خطابات إنذار تطالب «سيدانس» بالتوقف عن استخدام محتواهما، كما تُجري اليابان تحقيقاً مع «بايت دانس» بتهمة انتهاكات حقوق الطبع والنشر، بعد انتشار مقاطع فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي لشخصيات «أنمي» شهيرة.

وقالت «بايت دانس» إنها تتخذ خطوات لـ«تعزيز الضمانات الحالية».

ولفتت «بي بي سي» إلى أن هذا ليس حكراً على الشركة الصينية. ففي عام 2023، رفعت صحيفة «نيويورك تايمز» دعوى قضائية ضد شركتَي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت»، مدعيةً أنهما استخدمتا مقالاتها دون إذن لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بهما. كما رفعت «ريديت» دعوى قضائية ضد شركة «بيربلكسيتي» العام الماضي، مدعيةً أن شركة الذكاء الاصطناعي قامت بجمع منشورات المستخدمين بشكل غير قانوني. وأثارت «ديزني» مخاوف مماثلة مع «غوغل».

وتقول ميتشل إنّ وضع علامات واضحة على المحتوى لمنع التضليل وبناء ثقة الجمهور في الذكاء الاصطناعي أهم بكثير من مقاطع الفيديو «الأكثر جاذبية».

وتضيف أنّه لهذا السبب يجب على المطورين بناء أنظمة لإدارة التراخيص والمدفوعات، وتوفير آليات واضحة للأفراد للاعتراض على إساءة الاستخدام. فعلى سبيل المثال، وقّعت «ديزني» صفقة بقيمة مليار دولار (730 مليون جنيه إسترليني) مع برنامج «سورا» من «أوبن إيه آي» ليتمكن من استخدام شخصيات من أفلامها.

ويقول شانان كوهني، الباحث في مجال الحوسبة بجامعة ملبورن، إنّ مطوري «سيدانس» كانوا على الأرجح على دراية بمشاكل حقوق النشر المحتملة المتعلقة باستخدام الملكية الفكرية الغربية، ومع ذلك خاطروا.

ويضيف: «هناك مجال واسع لتجاوز القواعد استراتيجياً، وتجاهلها لفترة من الوقت، واكتساب نفوذ تسويقي».

وفي الوقت نفسه، بالنسبة للشركات الصغيرة، يُعدّ «سيدانس» أداة بالغة الأهمية لا يمكن تجاهلها.

«بايت دانس»... الشركة الأم لـ«تيك توك» (أ.ف.ب)

ويقول كوك إن الذكاء الاصطناعي بهذه الجودة سيمكّن شركات مثل شركته من إنتاج أفلام كانت تكلفتها تفوق بكثير إمكاناتها الحالية.

وأعطى مثالاً بازدهار مقاطع الفيديو القصيرة والمسلسلات الدرامية القصيرة في آسيا، والتي تُنتج عادةً بميزانيات متواضعة - نحو 140 ألف دولار أميركي لما يصل إلى 80 حلقة، لا تتجاوز مدة كل منها دقيقتين.

وقد اقتصرت هذه الإنتاجات على الأعمال الرومانسية أو الدراما العائلية لخفض التكاليف؛ نظراً لقلة حاجتها إلى المؤثرات البصرية، لكن الذكاء الاصطناعي الآن قادر على «الارتقاء بالإنتاجات منخفضة الميزانية إلى أنواع أكثر طموحاً مثل الخيال العلمي، والدراما التاريخية، والآن الحركة».


البيت الأبيض: أميركا ترفض «بشكل قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي

مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

البيت الأبيض: أميركا ترفض «بشكل قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي

مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

صرَّح مستشار البيت الأبيض لشؤون التكنولوجيا مايكل كراتسيوس، الجمعة، بأن الولايات المتحدة ترفض «رفضاً قاطعاً» الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

وجاءت تصريحات كراتسيوس، رئيس وفد بلاده إلى «مؤتمر الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي، قبل بيان مرتقب للقادة يحدِّد رؤيةً مشتركةً لكيفية التعامل مع هذه التقنية المثيرة للجدل.

وقال في القمة التي تختتم أعمالها الجمعة: «كما صرَّحت إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب مراراً: نرفض رفضاً قاطعاً الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي».

وأضاف: «لا يمكن لاعتماد الذكاء الاصطناعي أن يُفضي إلى مستقبل أفضل إذا كان خاضعاً للبيروقراطية والسيطرة المركزية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد صرَّح، صباح الجمعة، بأن لجنة خبراء جديدة شكَّلتها المنظمة الدولية تسعى إلى «جعل التحكم البشري واقعاً تقنياً».

وأعلن غوتيريش تشكيل المجموعة الاستشارية في أغسطس (آب)، والتي تسعى إلى أن تكون على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ في مجال الاحتباس الحراري، وقد تمّ تأكيد أعضائها الأربعين.

و«مؤتمر الذكاء الاصطناعي» رابع تجمع دولي سنوي يُركّز على المخاطر والفرص التي تُتيحها قوة الحوسبة المتقدمة.

سوندار بيتشاي الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل» يتحدث خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (أ.ب)

وفي النسخة التي عُقدت العام الماضي في باريس، حذَّر نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، من «الإفراط في التنظيم» الذي «قد يقضي على قطاع قادر على إحداث تحوّل».

وفي نيودلهي، قال كراتسيوس: «إن النقاش الدولي حول الذكاء الاصطناعي قد تطوّر، كما تؤكده هذه القمة نفسها»، مُشيراً إلى تغيير اسم الاجتماع من «أمان الذكاء الاصطناعي» (AI Safety) إلى «تأثير الذكاء الاصطناعي» (AI Impact).

وأضاف: «هذا تطور إيجابي دون شك... لكن كثيراً من المنتديات الدولية، مثل الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، لا تزال تتسم بأجواء من الخوف».

وأضاف كراتسيوس: «علينا أن نستبدل الأمل بهذا الخوف»، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي قادر على «الارتقاء بمستوى معيشة البشرية وتحقيق ازدهار غير مسبوق».

ورأى أن «الهوس الآيديولوجي وتركيز الاهتمام على المخاطر، مثل قضايا المناخ أو العدالة، يتحوَّل إلى مُبرِّر للبيروقراطية وزيادة المركزية».

وتابع: «باسم الأمن، تزيد هذه الهواجس من خطر استخدام هذه الأدوات لأغراض استبدادية».

وقال كراتسيوس: «إن تركيز سياسة الذكاء الاصطناعي على الأمن والمخاطر التخمينية... يُعيق بيئة تنافسية، ويُرسخ هيمنة الشركات القائمة، ويعزل الدول النامية عن المشارَكة الكاملة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي».


غوتيريش: لجنة أممية تسعى لضمان «تحكم بشري» في الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش: لجنة أممية تسعى لضمان «تحكم بشري» في الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الجمعة، إلى «تقليل التهويل والخوف» بشأن الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى تشكيل لجنة خبراء دولية جديدة تسعى إلى «جعل التحكم البشري واقعاً تقنياً».

وأوضح غوتيريش أن الجمعية العامة للأمم المتحدة صادقت على تعيين 40 عضواً في هذه المجموعة، التي أُطلق عليها «الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي».

وقال خلال القمة حول الذكاء الاصطناعي في نيودلهي إن «الحوكمة القائمة على العلم لا تُعوق التقدم»، بل يمكن أن تجعله «أكثر أماناً وعدلاً وانتشاراً».

وأضاف: «الرسالة واضحة: تقليل التهويل والخوف، وزيادة الحقائق والأدلة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

أُنشئت هذه الهيئة الاستشارية في أغسطس (آب) الماضي، وهي تسعى لأن تكون مرجعاً في مجال الذكاء الاصطناعي، على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في مجال الاحتباس الحراري.

ومن المتوقع أن تنشر تقريرها الأول بالتزامن مع انعقاد الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في يوليو (تموز).

وتهدف الهيئة إلى مساعدة الحكومات في وضع قواعد للذكاء الاصطناعي، في ظل ما تُثيره هذه التقنية السريعة التطور من مخاوف عالمية بشأن فقدان وظائف والمعلومات المضللة والإساءة عبر الإنترنت، وغيرها من المشكلات.

وقال غوتيريش إن «ابتكارات الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة فائقة، تتجاوز قدرتنا الجماعية على فهمها بشكل كامل، فضلاً عن إدارتها». وأضاف: «إننا نندفع نحو المجهول». وتابع: «عندما نفهم ما تستطيع الأنظمة فعله وما لا تستطيع، سنتمكن من الانتقال من التدابير التقريبية إلى ضوابط أكثر ذكاءً قائمة على تقييم المخاطر».

وقدّم غوتيريش هذا الشهر قائمة بأسماء خبراء اقترحهم للانضمام إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بالذكاء الاصطناعي، ومن بينهم الصحافية الحائزة جائزة «نوبل للسلام» ماريا ريسا من الفلبين، والرائد في مجال الذكاء الاصطناعي الكندي يوشوا بنغيو.

وقال: «هدفنا جعل التحكم البشري حقيقة تقنية، لا مجرد شعار». وأكد أن ذلك «يتطلب مساءلة واضحة، بحيث لا يُعهد بالمسؤولية أبداً إلى خوارزمية».

ومن المتوقع أن يُصدر العشرات من قادة العالم والوزراء في وقت لاحق الجمعة بياناً يحدد ملامح التعامل العالمي مع الذكاء الاصطناعي، وذلك في ختام قمة استمرت خمسة أيام، وتركزت أعمالها على هذه التكنولوجيا.