الميدان بروايتين... سوريا بعيون وطنية وأجنبية

هادي العبد الله
هادي العبد الله
TT

الميدان بروايتين... سوريا بعيون وطنية وأجنبية

هادي العبد الله
هادي العبد الله

«الصحافي المواطن». مصطلح أُملي علينا. عند سماعه نتخيل شاباً أو شابة في الميدان وبيديهما جوال. يوثقان كل ما من حولهما على مواقع التواصل. قد «تستعير» الفضائيات العالمية مقاطع صوّراها. أو قد تختار صحيفة ما استضافتهما لشهادات من الأرض أحياناً. مصطلح قد لا يكون منصفاً، قد يهمل «الإنسان» الذي يختار تلك المهنة لحب الاطلاع ومعرفة الحقيقة. أو قد تختاره هي عندما تحوّل محيطه إلى ميدان. يعود بنا عام 2012 إلى بدايات الثورة السورية. هادي العبد الله من حمص اختارته الصحافة وراح يوثق المظاهرات والانتهاكات إلى العالم. سونيل باتيل بريطاني جذبته الأنباء من سوريا إليها فاختار أن يتعلم الصحافة من على أرضها. قد تكون طرق الصحافيين قد تقاطعت وهما لا يعرفان. أسئلة وجهتها لهما لأحاول استكشاف الاختلافات في تجربتيهما. قيمهما متشابهة، لكن المواطن وراء الصحافي مختلف.

ثورة شعبية في مدينته حمص، خلقت شغفاً عند هادي العبد الله لنقل صوت مواطنيها إلى العالم. لم تعد سوريا بالنسبة لهادي وطنه فحسب، بل تحولت إلى ميدان ومسؤولية. لجأ إلى مداخلات القنوات الفضائية، وفضاء التواصل الاجتماعي لتوثيق كل ما يحدث حوله، وسرعان ما تحول إلى صحافي. اختارته منظمة «مراسلون بلا حدود» صحافي العام في 2016 فطلب منها تدريباً صحافياً. وبعد 7 سنين من التغطية، و5 إصابات يرتدي هادي سترة الصحافية في صباح كل يوم لإكمال مهمة اختارته هي. ويحاول أن يتجرد من مشاعره وانتمائه للأرض، لإيصال صوت شعبه.
> تقول إن الصحافة اختارتك. ما المقصود؟
أنا بالأصل خريج كلية تمريض. تعينت معيداً في جامعة البعث بفرع حماة. في بداية الثورة في سوريا شاركت بأول مظاهرة في مدينتي حمص، وتعرضت المظاهرة لإطلاق نار، وسقط شهداء وجرحى، وصار فيها أحداث كثيرة. وقمت بإسعاف عدد من الجرحى. وعندها أصبحت لدي رغبة إبلاغ العالم ماذا يحدث في حمص لأول مرة يطالب سكانها بحريتهم. وكنت أبحث عن طريقة لنشر ذلك. فقررت إرسال رسالة نصية لقنوات كانت تنشر شهادات الناس العاديين. وأصبحت أرسل أكثر من أخبر، حتى تواصلت معي هذه القنوات وطلبوا مني المشاركة في برنامج حواري. يومها شاركت باسم وهمي «عبد الرحمن» وبعد بفترة كشفت هويتي. فاضطررت إلى تغيير اسمي من جديد، وحتى تغيير صوتي. وبعد مداخلات عدة بصفتي شاهد عيان من حمص، انتقلت من مرحلة الشاهد العيان إلى مرحلة الناشط السياسي. وبعدها بفترة انتقلت من مرحلة الناشط السياسي إلى مرحلة الصحافي المواطن أظهر أمام الكاميرا. وفي منتصف عام 2015 ارتديت الدرع الزرقاء، وأصبحت أسمّي نفسي صحافياً وزادت مسؤوليتي وحصرت أن أكون دقيقاً. وبدأت العمل بمعايير مهنية.
> هل رأيت الموت بعينيك؟
حياتي دائماً في خطر. خطر الموت، خطر التهديد بالاعتقال، بالخطف، تهديد عائلتي وغيرها. وأصبت خمس مرات خلال 7 سنوات من التغطية. المرة الأولى بالقصير. كانت طائرة تحلق بالجو فصعد إلى سطع البناية لتصويرها، وسقط الصاروخ أمامي مباشرة. على منزل ابن عمي. انفجر شريان في أنفي جراء ضغط الانفجار. الإصابة الثانية كانت في القصير أيضاً، حيث اخترقت شظية رجلي. والثالثة في مهين بريف حمص الشرقي. وكان زميلي طراد معي وقتها، واستطاع تصوير لحظة الإصابة عندما اخترقت شظية رأسي وقطعت جزءاً منها.
أما الإصابة الرابعة، فكانت في جسر الحاج بحلب في يونيو (حزيران) 2016، سمعنا عن مجزرة هناك فخرجنا لتوثيقها. وأثناء تصويرنا وصلتنا أنباء أن الطيران المروحي سيقذف فوقنا. فاحتمينا في منطقة أخرى حتى اختفت المروحيات من السماء. فعدنا لتصوير آثار القصف الجديد، ودون أي سابق إنذار انهمرت علينا ستة براميل من الطيران المروحي. وامتلأ الموقع بالدمار والدخان وكان معي المصور خالد العيسى، أصيب بشظية في جبينه وأنا أصبت بشظية في رأسي.
الإصابة الخامسة بعدها بيومين كنا في مشفى ميداني في حلب، وعند عودتنا انفجرت بنا عبوة ناسفة على باب المنزل، واستشهد بها خالد، وأنا أصبت بإصابات بليغة في رجلي، وكانت واحدة مهددة بالقطع. وأصبت ببطني. ثم نقلت على تركيا للعلاج الذي استغرق 5 شهور.
> إذن، تنام وتحت وسادتك مسدس؟
نعم. تعرضنا لاعتقال من قبل «جبهة النصرة»، وكان هناك تهديد بأن يتكرر الاعتقال، وأن تتم مداهمة مكتبنا. وأيضاً كانت هناك تسريبات أن «داعش» كان يخطط باختطافنا واصطحابنا إلى الرقة. أنا وصديقي رائد. وعندما أصبح موضوع الاعتقال والاختطاف حقيقياً خفنا منه أكثر من الموت. ورأينا أن الحل الوحيد لأنه لم تكن لنا جهة تحمينا – لو طلبنا الحماية من فصيل لأصبحنا تابعين له ونحن صحافيون مستقلون - اضطررنا إلى أن نحمي أنفسنا بأنفسنا. وفترة من الفترات أصبحنا نضع المسدسات تحت وساداتنا عند النوم تحسباً للاختطاف والمداهمات.
> ما مدى اعتمادك على التواصل الاجتماعي في تغطيتك الميدانية؟
«السوشيال ميديا» كانت المتنفس الوحيد للناشطين السوريين في بدايات الثورة السورية. نظام الأسد منع الصحافيين المستقلين من الدخول وبدأ يروج لرواية واحدة أن ما يحدث في سوريا مؤامرة كونية. فكان لا بد من أن نوضح للناس ما يحدث حقيقة في سوريا. لا يزال الاعتماد عليها كبيراً إلى اليوم طبعاً. في العام الأول كان الاعتماد الأكبر على تطبيق «سكايب» أكثر من «فيسبوك» و«تويتر». كنا نشكل مجموعات دردشة من الناشطين لجمع الأخبار، وكنا نعيد نشرها وصياغتها وإرسالها للمحطات. وبعدها تطور الأمر وانتقلنا إلى «فيسبوك» و«تويتر». واعتمدت عليهم بشكل كبير؛ لأنني كنت رافضاً أن أكون تابعاً لقناة معينة رغم العروض. ضحيت بالعروض والتأمين الطبي والرواتب لأكسب استقلاليتي واصل إلى أكبر عدد من الناس في تغطيتي عبر وسائل التواصل، التي هي متاحة للقنوات لإعادة عرضها.
> كيف ممكن مقارنة تجربتك الميدانية بتجربة صحافي أجنبي؟ هل تعاني من مشكلة الانجراف بمشاعرك أكثر منه؟
تجربتي تختلف تماماً مع تجربة أي صحافي أجنبي في سوريا. أحبهم وأقدرهم لمخاطرتهم بأرواحهم لنقل الحقيقة من الأرض. لا أحد يشكك في روايتهم أو في مصداقيتهم مثلما يحصل معنا. لكن في الوقت ذاته هم معرضون لخطر أكبر لأنهم «لقمة» جيدة جداً للفصائل المتشددة التي كانت تخطف وتقتل الصحافيين أو تفاوض عليهم وتبيعهم. الصحافيون الأجانب كانوا قادرين على أن يحافظوا على هدوئهم وعلى استقلاليتهم، على خلاف الصحافيين السوريين أصحاب الوجع. أنا صاحب وجع كنت، ولا سيما في سنواتي الصحافية الأولى أجد صعوبة في التعامل باستقلالية مع الموضوع. التجرد كان تحدياً خلال عملي الميداني على عكس الأجانب. الكثير منهم يتأثر ويبدي تعاطفاً، لكن احتفظ باستقلاليته. مع التدريب أصبحت أفضل في هذا المجال.
> لو استطعت تغطية أحداث في دول ثانية هل ستفعل ذلك ولماذا؟
بكل تأكيد. أينما سنحت الفرصة لإيصال أصوات المظلومين فأكيد سأكون متواجداً هناك. أنا من حمص وغطيت هناك، ثم تنقلت لتغطية الأحداث في مناطق أخرى، وليس لدي تعصب تجاه مدينتي ولا تجاه سوريا، المهم هو إيصال صوت المظلومين.
اختار الشاب البريطاني سونيل باتيل أن يترك مأمن منزله اللندني ويسافر إلى سوريا ليتعلم الصحافة من الميدان. بعد رحلة شاقة، وصل إليها في عام 2012 وقضى أسبوعين لن ينساهما أبداً. بدأ رحلته من إدلب. قضى ستة أيام عند عائلة سوريا لم تعد هناك اليوم. الحرب أجبرتها على اللجوء إلى النمسا. ثم أثمر لقاءه بعناصر من الجيش السوري الحر مغامرة في جبل الزاوية. وكانت محطته الأخيرة في حلب قبل أن تجبره محاولة لاغتياله على الفرار. سونيل غطى بدايات العنف وشهد على عشرات القصص الإنسانية. وعند عودته قرر توثيق تجربته في مقال طويل نشره موقع «فايس» الإخباري وتفاعل معه العالم الغربي. جوازه البريطاني ضمن أمانه، لكن الذعر الذي شهده تبعه إلى لندن.

> «ذهبت إلى سوريا لأتعلم كيف أكون صحافياً»... هذا عنوان مقالك الذي لخص تجربتك الميدانية في سوريا ونشره «فايس»، ما سبب اختياره؟
لا يمكن للإنسان أن يستحق لقب الصحافي إلا في الميدان. سافرت أولاً إلى فلسطين، ثم إلى إقليم كردستان وتركيا وأمضيت وقتاً في مخيمات اللاجئين أستمع لقصصهم. وتعرفت على رجل كندي في مقهى بكردستان وكانت لديه علاقات مع من يعملون على الحدود. وساعدونا بالدخول إلى سوريا من حدود إدلب. دخلت هناك ونيتي جمع أكبر عدد من قصص الناس على الأرض في المناطق المحاصرة بسوريا. لم أتلقَ تدريباً، بل رميت بنفسي إلى خطوط النار. وبرأيي كانت هذا الطريقة الوحيدة التي أتاحت لي فرصة جمع القصص الميدانية. لكنني لا أنصح بها للآخرين لشدة خطورتها. وهذا ما كتبته في قصتي.
> خلال تجربتك الميدانية، هل تعرضت لموقف كاد أن يودي بحياتك؟
جرى استهداف سيارة الأجرة التي كنا فيها يوماً. كانت تجربة مرعبة بالفعل. لكن الضربة لم تنجح في تفجير سيارتنا فنجونا. رأيت الموت بعينَي. ورأيت حزناً ومعاناة من الشعب. وأكثر ما أتعب نفسيتي هو أنني لم أقو على مساعدتهم. السوريون لا يريدون الشفقة، بل يريدون أن يحكي العالم قصتهم لتتحقق العدالة.
> ما كان الموقف الأصعب الذي مررت به هناك؟
بعد أحد التفجيرات سارعنا للمشفى ورأينا الجرحى. وكان هناك أم وأب يبكيان ابنهما العشريني الذي قضى. الموقف أفجعني. واصطفت جثث هامدة خارج المشفى على الأرض لكبار وصغار مكفنة بالملاءات البيضاء، وامتلأت الأرض بالدماء. وعلا بكاء هستيري من أهاليهم والأطباء والممرضين. كان معنا صحافيون آخرون وقتها غطوا الأحداث في ليبيا وحتى هم كانوا مفجوعين وقالوا إنهم لم يروا مشهداً بهذه الوحشية من قبل. الموقف فطر قلبي وربط لساني، لن يترك المشهد ذاكرتي أبداً.
> في مقالك أيضاً تقول إن معظم القصص التي حصلت عليها لم تر النور. هل لجأت لـ«السوشال ميديا» عندها؟
صحيح. كانت لدي قصة عن استهداف النظام لأحد مقرات الجيش الحر، لكن رفضت كل من «الغارديان» و«الاندبندنت» نشرها لأنني لم أكن مؤمّناً أو مرخصاً. ورفضت صحف أخرى نشر قصصي لأن الأفضلية كانت لقصص مراسليهم هناك. حاولت اللجوء لمواقع التواصل الاجتماعي لنشرها، لكن كان تحدياً كبيراً وقتها لأن الإنترنت كان غير متاح. والأمر تغير اليوم. في وقتها كنت اذهب لمقهى، المكان الوحيد الذي يوفر التغطية. وعندما كنا في حلب كانت هنالك مدرسة حوّلها الجيش الحر مقراً، لهم وكانت لديهم غرفة للصحافيين يدأب فيها المراسلون المحليون والأجانب للوسائل الإعلامية المعروفة. لكن لنا نحن الصحافيين المستقلين لم تسنح لنا الفرصة لاستخدام الغرفة إلا لأوقات وجيزة نحو 20 دقيقة في اليوم فقط. وحاولت نشر بعض الأخبار على «فيسبوك». وفي يوم من الأيام جرى استهداف هذا المقر وأصبحنا بلا مأوى؛ فهربنا مع مراسلين من «رويترز» خارج سوريا إلى تركيا.
> أنت مواطن بريطاني اتخذ قراراً بالذهاب إلى سوريا للتغطية الميدانية. هادي العبد الله مواطن سوري جعلت منه الحرب صحافياً. قد تختلف تغطيته عن تغطيتك كونه من أهل البلد. ما رسالتك له؟
نحن بشر في نهاية الأمر وتحركنا المشاعر. الكثير من الصحافيين يختارون المهنة لتعلقهم بالقضايا الإنسانية. أقول له إن ارتباط مشاعره بالأحداث أمر لا مفر منه، والأهم تغطية الحقائق رغم تلك المشاعر. من خلال متابعتي لتغطية للناشطين السوريين أرى أنها تتسق مع الحقيقة على الأرض، رغم ارتباطهم بالأرض والناس. وغرضهم إبلاغ العالم بالفظائع التي تحدث في بلدهم. الأمر الإيجابي بكوني بريطانياً هو أنه لعب طوق نجاة ينقذني من أن اعلق هناك. وهذا أمر مؤسف لأنهم عالقون هناك وهم شجعان جداً. هناك الكثيرون في بريطانيا اليوم لا يعرفون حقاً ما يحدث في سوريا، رغم التغطية والشهادات من المواطنين. ويغضبني الأمر أنهم مستعدون تصديق شهادتي ولا يعتمدون على الشهادات من مواطني الأرض. ما يفعله هذا الناشط وغيره أمر نبيل ومدعاة للفخر؛ لأنهم رغم المخاطر يستمرون في التغطية لكشف الحقائق ودورهم مهم جدا.ً أحسده لشجاعته.
> هل تفكر في العودة للتغطية من الميدان (في سوريا)؟
بكل صراحة، نظراً لكل ما يحدث هناك حالياً لا أفكر في العودة. سيكون من الصعب جداً الدخول. وأعتقد أن مهمة رواية القصص ونقل الأخبار اليوم مسؤولية على عاتق الناشطين السوريين. لو ذهبت أنا اليوم وأنا لا أتكلم العربية، سأكون عالة عليهم عوض أن أساعدهم، وستكون حياتي معرضة للخطر وخروجي صعباً. أفكر في أهلي ولا أريد أن أرجع لهم في كفن لو ذهبت.



حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».


أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية، إلا أن خبراء عدَّوا هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها.

للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنياً ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لتحرير الفيديو. وترمي التحديثات إلى «تبسيط» تجربة صناعة المحتوى، وتعزيز قدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات التي تركّز على الجوانب البصرية، ما يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية.

مراقبون رأوا في ذلك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مع استراتيجية «الحدائق المغلقة»، وهي أنظمة رقمية مغلقة تُسيطر على كل جزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق من دون الحاجة إلى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار.

وفي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين».

أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الفيديو هو «لغة منصات التواصل الجديدة»، وأضاف «صارت تتشكل المنصات اليوم من مقاطع الفيديو والخوارزميات التي تعرض اهتمامات المستخدمين، بعيداً عن المسمى الأساسي الذي نشأت عليه هذه المنصات (التواصل الاجتماعي)». وتابع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً».

واعتبر عصام الدين أن «المنصة تريد محتوى يبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، ولذلك فهي تقلل وصول أي محتوى يضم روابط تُخرج المستخدم من المنصة، حتى إن كانت روابط فيديو؛ ولذا حاولت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى».

ثم أشار إلى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن في أدنى مستوياته التاريخية، فالمستخدمون، خصوصاً الشباب، صاروا يريدون استهلاك المحتوى الذي لا يتطلب منهم قراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئاً على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلك الاستهلاك بالتركيز الكامل».

وقال من ثم: «الأخبار لا تزال مُحركاً؛ لكن تغير الدور... ويظل ما يميز الخبر النصي المكتوب اليوم هو استخدامه مرجعاً، ليس للمتابع فقط؛ بل حتى لخوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تستخدمه مصدراً لها».

من جهة ثانية، تحدّث شون سايمون، مدير الهندسة في فريق «ثريدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فضلاً عن رصد يومي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمتطلبات صناع المحتوى المتغيرة، لضمان نجاح التجربة وجذب مزيد من المستخدمين وصناع المحتوى». قال المحاضر والباحث في الإعلام الرقمي، محمد صلاح عبد الموجود، إن «التحوّل نحو الفيديو بات ضرورة للناشرين»، وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «صحافة الفيديو بدأت عنصراً تكميلياً، لكنها باتت منصة أساسية للنشر، لا سيما مع اتجاه جميع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهذا الاتجاه ليس وليد قرار، إنما استراتيجية متكاملة بدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتمياً اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه».

عبد الموجود أشار إلى تقرير «الأخبار الرقمية لعام 2026» الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن «أكثر من 50 في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلاً من قراءتها، خاصة الفئات العمرية الشابة. ولذا يجب على المؤسسات الصحافية مواكبة هذه التغيرات في غرف أخبارها، من خلال توفير المعدات والأجهزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل النصوص إلى مقاطع فيديو جاذبة، ما يوفر الوقت والمجهود داخل غرف الأخبار، وأيضاً يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة».

ووفق عبد الجواد، فإن توجه «ميتا» وجميع المنصات نحو الفيديو انعكاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقاً لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية».


لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».