السفير الأميركي لدى اليمن: تجار الحرب يزدادون ثراء كل يوم

قال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن «التحالف» بقيادة السعودية يشارك بلاده مكافحة الإرهاب

ماثيو تولر («الشرق الأوسط»)
ماثيو تولر («الشرق الأوسط»)
TT

السفير الأميركي لدى اليمن: تجار الحرب يزدادون ثراء كل يوم

ماثيو تولر («الشرق الأوسط»)
ماثيو تولر («الشرق الأوسط»)

«عندما أنظر للوضع بشكل عام في اليمن، فهناك طموح إيراني، تبحث خلاله طهران لنفسها عن موطئ قدم في اليمن، وأعتقد من المنطقي جداً أن ترى السعودية هذا إشكالاً أمام الطموحات الإيرانية». بهذه الإجابة يصف السفير الأميركي لدى اليمن ماثيو تولر المسألة الخارجية للصراع في اليمن، رغم أنه يعتقد في الوقت نفسه أن الحرب داخلية بامتياز، وأن أطراف الحرب ليسوا اثنين وحسب، بل مجموعة تتنافس السلطة المطلقة للهيمنة على اليمن، وهناك أمراء حرب تزداد ثرواتهم يومياً في اليمن.
وشدد تولر على أن الحوثيين مهما حاولوا أن يوجدوا دعماً لهيمنة إيران على المشهد (في اليمن) «فإنهم لن يجدوا متعاطفاً في هذه الوظيفة»، ويقصد المبعوث الأممي.
يوم الرابع من مارس (آذار) الحالي، حضر السفير في تمام التاسعة والنصف صباحاً إلى فندق ماريوت كورت يارد قرب الحي الدبلوماسي في الرياض. استحضر أربع سنوات من المتابعة تفاصيل اليمن والمنعطفات التي تزداد تعقيداً كلما اقتربت أي حلول، وأجرى مع «الشرق الأوسط» حديثاً عن مختلف القضايا المتعلقة بالملف اليمني.

جهود واشنطن للحل
«قلتم قبل أشهر إن الولايات المتحدة ستلعب دوراً أكبر في دفع الحل في اليمن؟ هل ما زالت الجهود نفسها، أم زادت، أم نقصت؟». يجيب السفير على ذلك بالقول: هذا العام سيمثل مزيداً من الفرص، لدينا تأثير على الحكومة الشرعية، وأعتقد إذا استطعنا استخدام هذا التأثير، وأيضاً الوسائل التقنية لمساعدة الشرعية والقيام بهذا الدور بنجاح؛ فإن هذا سيساعد الأطراف المختلفة على الانتقال إلى أرضية مشتركة، فالصراع دمر كثيراً من المؤسسات الاقتصادية، وإذا استطعنا مساعدة مؤسسات مهمة مثل البنك المركزي ووزارة المالية على أن يلعبا دوراً مستقلاً لا يتأثر بالسياسة فإننا سنكون ساعدنا البلاد. رأينا ماذا حصل لليمنيين الذين عانوا كثيراً نتيجة هذا الصراع. وإذا استمعت إلى الدعاية الحوثية في وسائل إعلامهم، فإنهم يزعمون أن كل ذلك حدث بسبب السعودية؛ لذلك، فأنا أعتقد أنه علينا تسليط الضوء على مجالين مهمين، الإنساني والاقتصادي، وهما مجالان لم يتلقيا بعد نصيبهما الكافي من الانتباه، وهما مرتبطان ببعضهما بعضاً، ونتيجة للصراع فقد وجد اقتصاد حرب، وبالتالي فهناك عناصر جديدة تستغل أجزاء مهمة جداً من اقتصاد البلاد، وهم يزدادون ثراءً كل يوم، ويحرمون الناس رواتبهم، أو أولئك الذين كان لديهم أنشطة اقتصادية أخرى، وهؤلاء حرمهم أمراء الحرب من هذه الفرص الاقتصادية.
يضيف تولر: المشكلة الفساد المالي الموجود في مناطق سيطرة الحوثيين شمالاً، وأيضاً المناطق التي تهيمن عليها الشرعية لم تسلم من الفساد المالي والإداري، وعلينا جميعاً، من يريد مساعدة الشرعية العمل على أن يكون أداء الحكومة الشرعية أفضل مما مضى.
المجال الآخر الذي تأثر في الاقتصاد بسبب الصراع، هو أن الاقتصاد اليمني كان يعتمد على تصدير الغاز والنفط، وكذلك التحويلات المالية التي يرسلها اليمنيون في الخارج وأساساً من السعودية، والتحويلات المباشرة من دول في الخارج مثل السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، وفقدان هذه الموارد نتج منه بشكل أساسي انخفاض سعر الريال اليمني؛ مما زاد الأمر صعوبة للمستوردين الذين يستوردون السلع والوقود؛ لذلك أعتقد مرة أخرى إذا استطعنا العمل مع شركائنا لمساعدة الشرعية في تحسين أدائها ومواجهة التحديات، حتى وإن كان الصراع قائماً، فإن هذا يكون أمراً إيجابياً للبلاد، وأعتقد هذا الأمر سيمنح المواطنين اليمنيين الشعور بأن الحكومة فعلاً تعمل لصالحهم.

«عرفان» لم يكتمل
يعترف الدبلوماسي الأميركي بأنه خلال سنته الأولى اليتيمة حتى الآن التي أدى فيها عمله من داخل اليمن قبل الحرب وقبل أن تتعلق عمليات السفارة في صنعاء، كان سيمنح الحوثيين «عرفاناً» (وهي الترجمة العربية الأقرب إلى الكلمة الإنجليزية «كريديت»)، وذلك إزاء ادعائهم عندما دخلوا صنعاء بأنهم «يريدون محاربة النخبة الفاسدة في اليمن». لكن العرفان لم يكتمل. يقول تولر: اتضح أنهم أصبحوا أسوأ من النخبة الفاسدة التي زعموا أنهم يريدون محاربتها».
ويؤمن بأن اليمن بلد لا يستحق أن يكون فقيراً، ويلقي باللوم على قيادات وميليشيات تتاجر بفقر اليمنيين ودمائهم ومستقبلهم.

التحالف ومكافحة الإرهاب
يؤكد تولر التعاون القائم بين الولايات المتحدة «مع دول التحالف وخصوصاً السعودية والإمارات» في مكافحة الإرهاب باليمن، ويقول: «عملنا معهم للتخلص من الإرهابيين في. وعملنا مع السعودية والإمارات على تدريب وتوفير المعدات والدعم للقوات اليمنية للتخلص من القاعدة»، لكنني أقول بطبيعة الحال إن السنوات الأربع الماضية كانت فترة مفيدة لتنظيم «القاعدة في جزيرة العرب»، مرجعاً ذلك إلى «ضعف السلطة المركزية للدولة، ونمو التيارات الطائفية والمذهبية، وبالتالي ازدياد تدفق الأسلحة للبلاد، وكل هذه عوامل تساعد القاعدة على النمو لليمن».
ولا يخفي السفير قلقه «العميق» من استغلال إيران لليمن. وذلك في إطار إجابته عن مدى الخشية من «تحول المشروع الإيراني الذي يمثله الحوثيون إلى نسخة أخرى من تنظيم القاعدة الإرهابي على غرار ما حدث في أفغانستان، فشعاراتهم هي الموت، وأفكار القتل باسم الدين تتطابق في هذه الحالة»؛ إذ قال: بالفعل لدي قلق عميق. فهذه منطقة تريد إيران أن تستغل عبرها المجتمع اليمني، وبالتالي بعض المناطق المتخلفة والمعزولة عن العالم أيضاً.

تنمية الاقتصاد والمساعدات
شهد الحديث إسهابا عن أن اليمن لا يستحق أن يكون أفقر بلد في منطقة الشرق الأوسط: «فقد أصاب البلاد الوهن داخل المؤسسات الحكومة والعسكرية، وكذلك الحال بالنسبة للفساد المالي والإداري رغم وجود الكثير من الثروات الطبيعية التي يمكن أن تحسّن معيشة البلاد، فلديها سكان جادون في العمل، وهناك حدود مع دول مثل السعودية وعمان؛ وهذا قد يوفر مناخاً مواتياً لأن يتم إيجاد فرص تجارية كبيرة، وهناك أيضاً البحر الأحمر والسواحل ومضيق باب المندب، وموانئ قد تكون من أفضل الموانئ في العالم؛ الأمر يتمثل في قادة ومتطرفين يريدون استغلال البلاد ضد الفقراء».
ويتذكر تولر أن القلق ساوره في البداية عند تشكيل التحالف العسكري بقيادة السعودية في عام 2015، حيث اعتقد أن هذه الخطوة «قد تنعكس سلباً وتطيل أمد الحرب في البلاد»، لكنه يستدرك بأنه وجد التحالف بقيادة السعودية «لديه وجه آخر من العملة»، في إشارة إلى أهمية اليمن بالنسبة للسعودية، التي قال: إنها لا تستطيع أن تتجاهل الملف اليمني. يضيف: إذا كان مهماً الجانب العسكري للسعودية، فإنه أيضاً بالقدر ذاته من الأهمية بالنسبة للمملكة وحلفائها أن يكون اليمن مستقراً ومزدهراً، وإلا ستجد السعودية نفسها مسحوبة إلى معارك ومواجهات داخل اليمن».
ويشير الدبلوماسي الأميركي إلى ترحيب بلاده بجهود السعودية «المتجددة المهتمة بالأوضاع الإنسانية والاقتصادية لليمن».

ما يجدر ترقبه من المبعوث الجديد؟
قبل التحدث عن ذلك، يقول السفير: أرجو أن أشير إلى أننا سنفتقد إسماعيل ولد الشيخ أحمد (المبعوث الأممي السابق)؛ إذ كان رجلاً متفانياً جداً في عمله الذي أداه، وهذا يشهد به كل من عمل مع الرجل رغم تعرضه لانتقادات حادة، لكن هذا الأمر واستمرارية الصراع ليس نتيجة لقلة الجهود التي بذلها. «وعندما يتم التوصل إلى حل فإن نواة هذا الحل ستكون نتيجة للجهود التي بذلها إسماعيل وفريقه وسابقيهم». ويزيد: نرحب بتعيين مبعوث أممي جديد؛ على أساس أن هذا سيوفر فرصة لنظرة تنعش الأمور، وبالتالي قد يشكل نواة نحو حل للقضايا العالقة. لكن، لا يوجد سحر أو عصا سحرية أو رصاصة فضية تحل القضايا العالقة. وجوهر المشكلة في اليمن هو الصراع على السلطة بين الأطراف اليمنية المختلفة.
والأطراف ليسوا مجرد اثنين، بل هم مجموعات متنوعة، وفي النهاية للتوصل إلى حل دائم يتطلب الأمر من جميع المجموعات التخلص من طموحها للهيمنة الكاملة على جميع اليمن.
ثم يعود ليقول: متفائل بأننا نرى تقدماً في العام الحالي 2018، وليس لأن هناك مبعوثاً أممياً جديداً، لكن آمل أن الأطراف المختلفة أدركت بأن استمرار صراع كهذا حقيقة هو يدمر البلاد ومستقبلهم في العيش داخلها.

جهود موازية
«...لكن هل تدعم الولايات المتحدة أي مبادرات أو مبادئ أو تمهيد موازية لجهود الأمم المتحدة، خصوصاً أن هناك حديثاً عن مبادرة أو أفكار قادمة من الشرق؟». يرى تولر هنا أن «هذه الجهود من الممكن أن تشجع وأن تكون مفيدة، ولا سيما إذا كانت من لاعبين دوليين لديهم اتصالات مع مختلف الأطراف اليمنية، في الشمال والجنوب، سواء في الحكومة الشرعية أو الحوثيين أو أتباع صالح»، ثم يضيف: «مع استثناءات بسيطة جداً، أعتقد أن هناك توافقاً دولياً تاماً حول الحل العام في اليمن منذ عام 2011، وفي عموميته فإن مجلس الأمن الدولي واللاعبين داخله لديهم توافق على الحل في اليمن. إذا نجح المبعوث الأممي الجديد في إقناع الأطراف إلى العودة للمفاوضات؛ فإن هذا سيكون من المفيد جداً له.

تقنيات خليفة ولد الشيخ
«تناهى إلى مسامعنا نبأ مفاده أن المبعوث الجديد سيبدأ بتقنيات مختلفة عن ما كان يفعله إسماعيل ولد الشيخ أحمد، حيث سيبدأ من الطرف الحوثي وينتهي بالشرعية. فكيف تقرأون ذلك؟ يقول تولر: أعتقد أن إسماعيل بذل كل الجهود الممكنة التي كان يستطع بذلها للاجتماع مع الحوثيين ونقاشهم، لكن في النهاية إذا كان الحوثيون يسعون إلى أن يجدوا دعماً من إسماعيل لدعم هيمنة إيران على المشهد فإنهم لن يجدوا متعاطفاً في هذه الوظيفة. ثم تساءل: هل تطور الحوثيون منذ العام 2014 وما تلاه من أحداث بعدها كمشاورات الكويت وما قبلها، وهل أصبحوا أكثر نضجاً للتعامل مع هذه القضية؟... وأجاب على تساؤله بالقول: إذا طرأ عليهم نضج سياسيي أكثر من ذي قبل، وإذا كانوا مستعدين لتقديم تنازلات فإن الفرصة ستكون جيدة للحل.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.