الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته

مخاوف من تحوّل الاقتتال بين أولاد سليمان والتبو في سبها إلى فتنة

الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته
TT

الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته

الصراع على الجنوب الليبي يفاقم أزماته

فتحت رصاصات عدة استقرت في أجساد ثلاثة من أبناء قبيلتي التبو وأولاد سليمان في مدينة سبها، عاصمة جنوب ليبيا، «أبواب جهنم» على المدينة. وأدى هذا الحادث إلى انهيار اتفاق مصالحة بين الطرفين، وحوّل عموم المنطقة إلى ساحة مفتوحة لصراعات مسلحة استخدمت فيها «قوات مرتزقة»، وذلك في ظل وجود أحاديث عن «مؤامرة وأطماع خارجية»، ومحاولات «انتهاز الفرصة» من بعض الأطراف السياسية في شرق ليبيا وغربها، لإعادة ترتيب المنطقة على قاعدة «ما لم تحسمه السياسة، يأتي بفوهة البندقية».
شهدت مدينة سبها، الواقعة على بعد 660 كيلومتراً، جنوب العاصمة الليبية طرابلس، اقتتالاً واسعاً، منذ مطلع فبراير (شباط) الماضي، على أكثر من مستوى، بين قبيلتي أولاد سليمان العربية والتبو غير العربية، التي «تساندها قوات من المعارضة الأفريقية»، قبل أن تدخل على خط المواجهة قوات من الجيش الوطني الليبي، وأخرى تابعة للمجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني»، في اشتباكات دامية خلّفت قتلى وجرحى، ونزوحاً جماعياً قسرياً لعشرات الأسر.
تعود جذور الأزمة إلى ما قبل سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، إلا أنها طفت على السطح عقب اندلاع الثورة الليبية عام 2011، حين تحوّلت مناطق جنوب ليبيا إلى ساحة مفتوحة يُحتكم فيها إلى قانون القوة والنفوذ القبلي. وعلى مدار السنوات السبع الماضية، ظل سكان تلك المنطقة، المتاخمة لحدود 3 دول أفريقية يشكون الإقصاء والتهميش، والغياب التام للدولة، مع حرص غالبية قبائلها على الاحتفاظ بـ«سلاح ردع» لحماية مكتسبات ما بعد القذافي، و«مواجهة الآخر» إذا استدعت الظروف ذلك.
واليوم، تواجه بعض قبائل الجنوب اتهامات بالاستفادة من الفوضى التي ضربت البلاد، والتربّح من تهريب البشر والسلاح والمخدرات والوقود. وبعد أكثر من سبع سنوات من انهيار النظام السابق، لا تزال مساحات واسعة من الأراضي على طول الحدود الليبية البالغ طولها 4300 كلم، من نواحٍ عدة، غير مضبوطة، بل ربما غير قابلة للضبط من دون حكومة موحّدة.

خلفية المواجهات القبلية
والحقيقة، أنه لم يكد يمضي عام واحد على الثورة الليبية، حتى اندلعت مواجهات ثأرية وعرقية دامية بين قبيلتي أولاد سليمان والتبو – الذين يمتدّون في تشاد والنيجر وشمال غربي السودان – في نهاية مارس (آذار) 2012، على أثر حادث قُتل فيه أفراد عدة من الجانبين، وعُرف وقتها بـ«قاعة الشعب»، مقر اجتماعات المجلس العسكري بمدينة سبها.
بعد ذلك تدخلت أطراف المصالحة، ورضي الجانبان بالتوقيع على الاتفاق - الذي حصلت «الشرق الأوسط» على صورة منه - لكن هذا الاتفاق لم يصمد أمام تجدد الاشتباكات التي أرجعها متابعون من الجانبين إلى خلافات بعضها «عرقي»، وبعضها الآخر يتعلق برغبة أولاد سليمان في «فرض سيطرتها على الأرض» مقابل إصرار التبو على الاستعانة بقوات من «المعارضة الأفريقية».
وما بين الماضي والحاضر، أرجع الدكتور علي قلمة مرصدي، وزير العمل والتأهيل السابق في حكومة «الوفاق الوطني»، أسباب تعقّد المشهد إلى «تعمد بعض الأطراف الخارجية والميليشيات المؤدلجة، المدعومة من الحكومات المتعاقبة، إشعال الفتنة بين القبيلتين منذ عام 2012». وقال مرصدي، الذي ينتمي إلى التبو، في حديث إلى «الشرق الأوسط»: إن «أولاد سليمان والتبو ضحيتان لصراع تغذيه جهات خارجية وأطراف داخلية، لتحقيق مصالح لبعض الدول، ومجموعة من مُتصدري المشهد السياسي»، مستدركاً «أولاد سليمان تتلقى دعماً بالمال والسلاح، ومساندة إعلامية ضد التبو». وفي مواجهة ذلك، قال السنوسي مسعود، رئيس مجلس حكماء قبيلة أولاد سليمان، إن قبيلته «لا تبتغي إلاّ الدفاع عن الأراضي الليبية»، نافياً أن تكون الاشتباكات التي شهدتها سبها «تستهدف الاستحواذ على السلطة في المنطقة، كما يتردد».

مقهى الناصرية والتدخلات الخارجية
لكن، وبعد أكثر من ست سنوات على حادث «قاعة الشعب» في مدينة سبها، مرّت العلاقات بين القبيلتين بتوترات شديدة، إلى أن جاءت اشتباكات «مقهى الناصرية» في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، لتنسف آخر اتفاق للمصالحة وُقّع في العاصمة الإيطالية روما في مارس 2017. وترجع تفاصيل هذه الواقعة، التي قتل فيها ثلاثة أشخاص في سبها، جراء أعمال انتقامية بين القبيلتين عندما أطلق مسلحون مجهولون النار على المقهى الذي يرتاده التبو؛ ما دفعهم إلى نصب نقطة تفتيش في المنطقة، ولدى مرور القائد العسكري مادي عمر، الذي تنحدر أصوله من قبيلة أولاد سليمان، أُطلق عليه النار وقتل على الفور، وهكذا دارت عجلة الانتقامات الثأرية. ورغم كل الجهود التي سارعت إلى احتواء التوتر بين القبيلتين، وصف المتابعون للأزمة في حديثهم مع «الشرق الأوسط» واقعة «المقهى» بأنها «الكاشفة لما يحدث في الجنوب من غليان، ونتيجة حتمية لتفاقم أزماته، وسقوطه من ذاكرة كل الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد». ويشير هؤلاء إلى أن الجنوب الليبي بات «بالفعل ملاذاً آمناً لفلول جماعات المعارضة التشادية والسودانية».

وجهتا نظر متناقضتان
إسماعيل بازنكة، أحد نشطاء قبيلة التبو، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه:: إن «المجموعات المعارضة موجودة على الأراضي الليبية منذ زمن بعيد، وكان القذافي يأويها لأهداف تتعلق بزعزعة استقرار بعض الدول والضغط عليها، ثم استعان بهم لقمع المتظاهرين في الثورة الليبية». وأضاف: «بعد الانقسام السياسي في 2014، كل الأطراف بدأت تستعين بالمرتزقة لتقوية موقفها العسكري وحسم الصراع لصالحها. وعندما قرّر المجتمع الدولي ودول جوار ليبيا ملاحقة مَن يأوي المرتزقة، تنصلت تلك الأطراف منها وألصقتها بالتبو».
غير أن مفتاح أبو خليل، عميد بلدية الكفرة، رأى أن «التدخلات الخارجية من بعض الدول الأوروبية تسعى لفصل الجنوب عن ليبيا»، وتابع في شرحه أسباب اندلاع مواجهات سبها الجارية: إن «الأزمة الكبرى تتعلّق بوجود عدد كبير من المسلحين غير الليبيين الذين دخلوا إلى أراضي ليبيا في أعقاب ثورة 17 فبراير، وهؤلاء هم أبناء عمومة قبيلة التبو في الجنوب، ولقد كونوا مجموعات مسلحة كبيرة تسعى إلى اقتطاع المنطقة تحت المسمّى العرقي الذي يضم القبائل الموجودة في دول الجوار».
وللعلم، انضم التبو مبكراً إلى الثورة ضد القذافي، في حين حافظت على ولائها للقذافي القبائل العربية في الجنوب التي كانت تتمتع بمكانة خاصة عنده، وعلى رأسها الزوي وأولاد سليمان... والقذاذفة طبعاً. ومن ثم، نتيجة لسرعة التحاق التبو بالثورة على القذافي، فإنها عملت منذ البداية على تأمين ما يكفي من التنازلات والتسويات لحماية مصالحها تحسباً لما تخبئه الأيام المقبلة.

المشهد الليبي الأوسع
من ناحية أخرى، لتفجير العلاقات بين أولاد سليمان والتبو، أبعاد أخرى تتعلق بالعنصرية والإقصاء، والتحكم في مقاليد الأمور، وهو ما يقول التبو – ذوو البشرة الداكنة – إنهم يعانون منه. إذ يتهم إبراهيم عثمان، المتحدث باسم حكماء التبو، «بعضاً من أبناء أولاد سليمان، بالسعي لبسط سيطرتهم على الأرض، وحكم سبها، والمنطقة الجنوبية بالكامل في محاولة للتخلص من التبو». وأوضح، أن بداية التوتر كانت «جنائية الطابع باعتداء أحد أفراد اللواء السادس (تابع لأولاد سليمان) على مقهى يرتاده شباب التبو في منطقة الناصرية، ثم توالت ردود الأفعال». و«ردود الأفعال» هذه بدت ظاهرة للمتابعين عند لجوء أفراد القبيلتين إلى «سلاح الردع» المُدخر لمثل هذه اليوم منذ رحيل نظام القذافي، والاحتكام إلى «قانون خاص» يعتمد على المدفع، والميليشيا، وقوات المرتزقة العابرة للحدود.
في هذه اللحظة، رأت القوتان المختلفتان سياسياً في شرق ليبيا وغربها، المتمثلتان في المشير الركن خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني، وفائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني»، ضرورة التدخل لوقف تغول القوى المتناحرة، وحجز مساحة على الأرض بعيداً عن مناكفات طاولات الحوار. وهكذا بدأ سباق محموم بينهما (الجيش الوطني والمجلس الرئاسي) بهدف السيطرة على الجنوب أولاً، وضم كل من الجانبين الكتائب المتقاتلة إلى صف قواته. وعليه؛ سعيا إلى توسيع نفوذهما هناك بضم اللواء السادس التابع لقبلية أولاد سليمان، الذي كان يطلق عليه في السابق «كتيبة فارس الصحراء»!
في العشرين من فبراير الماضي، بينما كانت الاشتباكات مستعرة بين أولاد سليمان والتبو، اتخذ حفتر قراراً بضم اللواء السادس مشاة وكل أفراده وعتاده وذمته المالية للقيادة العامة للجيش، وتعيين العميد أحميد العطايبي آمراً له. وشمل القرار إنشاء ثلاث كتائب، هي: كتيبة 205 دبابات بإمرة النقيب سعد عبد الوهاب علي بوعوينة، ومكان تمركزها سبها. وكتيبة 311 مدفعية بإمرة مقدم عبد السلام زيدان المهدي ومركزها أيضاً سبها، وكتيبة 183 مشاة بإمرة نقيب أمحمد عثمان عيسى. غير أن المفاجأة التي غيّرت موازين الطرفين، أن العطايبي رفض تكليف حفتر، وقال: إنه يتبع حكومة «الوفاق الوطني» في طرابلس. فأضطر حفتر إلى إصدار قرار آخر يقضى بإعفاء العطايبي من منصبه وتكليف العميد خليفة عبد الحفيظ خليفة آمراً للواء؛ الأمر الذي أحدث انشقاقاً في «كتيبة فارس الصحراء» (مقرها سبها)، فبات بعضها يقاتل مع الجيش الوطني وبعضها الآخر اصطف مع المجلس الرئاسي.
وكان سبق للعطايبي - قبل أن يُصدر قرار بشأنه - أن وصف ما يحدث في سبها بأنه «معركة بين قوات حفتر والقوات التابعة لحكومة الوفاق» دعمها انقسام المؤسسة العسكرية. وأردف في تصريحات لفضائية «التناصح» التابعة للمفتي السابق الصادق الغرياني، إن «اللواء السادس يمثل حكومة الوفاق الوطني». وقال: «إننا نقاتل من أجل ليبيا، وبهدف توحيد الليبيين، ونطالب حكومة المجلس الرئاسي بإدانة الهجوم على اللواء السادس التابع لها، وندعو جميع الثوار والأحرار بالتحرك والدفع باتجاه اللواء... فنحن في محرقة». وذهب العطايبي أبعد، متهماً في كلام تناقلته وسائل إعلام محلية حفتر، بـ«الوقوف وراء المعارك» و«جلبه مقاتلين مرتزقة من دول تشاد والنيجر والسودان»، واصفاً المعركة بأنها «معركة بين الشرق والغرب». الوزير السابق (في حكومة «الوفاق الوطني») علي قلمة قرصدي، اتهم في حديثه إلى «الشرق الأوسط» حكومة «الوفاق الوطني» بالانحياز بشكل واضح في دعم (أولاد سليمان) من خلال «شرعنة اللواء السادس التابع للقبيلة»، معبراً عن غضبه لـ«وصف المجلس الرئاسي لأفراد قبائل التبو المقاتلين بالمرتزقة»، حسب قوله. وتجدر الإشارة إلى أنه جرى تغيير اسم كتيبة «فارس الصحراء» إلى اللواء السادس، وكانت تضم «التوجيه الثوري» و«الحرس الثوري» و«مشروع النخيل» و«استراحة القائد» و«المسرح العسكري» و«صقور بومنيار» و«الحانوت العسكري». وأمام هذا الانقسام بين ولاءات «كتيبة فارس الصحراء» ساد الغموض معالم الاشتباكات في سبها؛ وهو ما دعا إبراهيم عثمان، إلى المطالبة «بسرعة إخلاء المدينة من كل التشكيلات المسلحة، وتشكيل منطقة عسكرية يكون آمرها محايداً، ومن خارج المنطقة الجنوبية، بجانب ضم العسكريين تحت لواء جيش منظم وبأرقام عسكرية». ويتابع المتحدث باسم حكماء التبو: إن «الميليشيات هي السبب الرئيسي، وكل ما يقع في منطقة نفوذ أولاد سليمان هم المسؤولون عنه»، مطالباً حكومة الوفاق بتحمل مسؤولياتها و«تجريم الميليشيات».
بجانب ما سبق، حذرت منظمة «الأمان» الليبية لمناهضة التمييز العنصري، المجلس الرئاسي من مغبة ما أسمته «شرعنته لأطراف الصراع» في سبها. واعتبرت أن ما يحدث هناك «ينذر بشبح وقوع كارثة إنسانية ضد المدنيين في الأحياء السكنية... الحروب الأهلية دائماً تبدأ بدعم الحكومات لأطراف الصراع». كذلك، انتقدت المنظمة موقف المجلس الرئاسي المؤيد لتحركات «الميليشيات المتمركزة بمقر كتيبة فارس الصحراء»، ورأت أن هذا يصب في مرتبة «التحيز لطرف دون الآخر وتأجيج للمشكلة». ومما يذكر، أن كتب التاريخ التي وُضعت في عهد القذافي تعترف بالأصول الأمازيغية للطوارق والليبيين الأمازيغ، بينما تتجاهل التبو كلياً. لكن بعد الثورة أدت التغيرات في حظوظ التبو لزيادة عداء العرب الليبيين الجنوبيين لهم، الذين كانوا ينظرون إلى التبو على أنهم غير ليبيين.

الوافدون الأفارقة
مع تفاقم الوضع في الجنوب، بدا أن القوتين العسكريتين في الشرق والغرب عازمتان على كسب المعركة. إذ بينما أعلن اللواء السابع مشاة التابع للمجلس الرئاسي، حالة النفير العام، وأرسل قوات إلى هناك تتألف من كتيبة دبابات ومدفعية ومشاة، وفرقة استطلاع، وأطلق عملية عسكرية حملت عنوان «بشائر الأمان» لردع «القوات الغازية»، أطلقت القيادة العامة للجيش الوطني عمليات مماثلة باسم «فرض القانون» في سبها تضمنت إرسال غرفة عمليات إلى قاعدة براك الشاطئ الجوية، بتجهيزات عسكرية ضخمة بينها مقاتلات. لكن أمام تعثر السيطرة على الأوضاع في الجنوب، ودخول أطراف خارجية على خط المواجهة، دعا الجيش الوطني الليبي «الوافدين الأفارقة» إلى «عدم الانجرار وراء الميليشيات الخارجة عن القانون، أو استغلالهم زعزعة أمن واستقرار الجنوب»، وطالبهم بـ«مغادرة ليبيا والعودة إلى بلدانهم الأصلية»، ومنحهم مهلة 9 أيام تنتهي في السابع عشر من الشهر الحالي، «قبل أن يستخدم القوة لإخراجهم بكل الوسائل العسكرية المتاحة جواً وبراً». كذلك، دعا الجيش أعيان ومشايخ مناطق الجنوب للاتصال بالغرفة الأمنية في المناطق العسكرية سبها، وأيضاً في أوباري وغات ومرزُق، ورفع الغطاء الاجتماعي عن كل من يساهم في حماية أو إيواء أو مساعدة الوافدين الأفارقة بأي شكل من الأشكال. وأمام تحذير حفتر للأفارقة، رأى الوزير السابق مرصدي، أن «القوات الأجنبية المتمثلة في المعارضة التشادية والسودانية، جرى استغلالها واستخدامها من قبل الحكومات الحالية والسابقة، وباتت تنتشر قي معظم مناطق الليبية بآلياتها وأسلحتها، وتصرف لها مبالغ مالية مقابل ذلك... إنهم يتحركون بحرية داخل ليبيا»!

مخاطر التهميش والتمييز
وتابع مرصدي، مذكراً بمشكلات وأزمات الجنوب، وما تمثله من مخاطر مستقبلية، كلامه لـ«الشرق الأوسط» موضحاً: «نعم الحكومات المتعاقبة مارست أنواعاً مختلفة من التهميش والتميز ضد الجنوبيين من خلال استخدام أدوات وأساليب وطرق مختلفة من بينها الإقصاء السياسي والإداري في تولي المناصب السياسية والإدارية العليا في الدولة». وأردف «مؤسسات الدولة تدار الآن بـ98 في المائة من كوادر من شرق البلاد وغربها، سواء كان ذاك في الحقائب السياسية أو التمثيل الدبلوماسي أو في المؤسسات الاستثمارية الخارجية والداخلية. أضف إلى ذلك غياب العدالة في توزيع الخدمات وفرص العمل والعلاج والدراسة في الخارج على الرغم مما يمتلكه الجنوب من الموارد الاقتصادية من النفط والغاز والمعادن والمياه الجوفية». ومن ثم، حذّر من أنه في حال عدم استدراك الأوضاع في الجنوب، فإن المنطقة، بشكل خاص، والبلاد عموماً، ستدخل مرحلة خطرة، قائلاً: «نعم، أخشى أن يتحول هذا الاقتتال إلى صراع عرقي بسبب انحياز بعض الحكومات في البلاد، وبعض وسائل الإعلام المحلية لطرف من طرفي الصراع؛ مما قد يسهم في تدويل ملف الجنوب».

حول واقع التبو في ليبيا
> يوصف التبو في ليبيا، بأنهم أكثر قرباً من حكومة طبرق (شرق البلاد)، في حين يعتبر خصومهم العرب والطوارق في فزان والكفرة أكثر قرباً من حكومة طرابلس، ويتهم الطوارق الفرنسيين بأنهم يفضلون التبو عليهم، وبأنهم يتساهلون أكثر مع حركة التهريب لدى التبو منه لدى الطوارق. وللعلم، على مقربة من الحدود الليبية توجد قاعدة عسكرية فرنسية في منطقة مداما النيجرية، وتبعد 70 كيلومتراً فقط عن أول نقطة حدود ليبية. وسبق لعميد بلدية سبها حامد الخيالي، اتهام المسؤولين عن هذه القاعدة بالتواطؤ مع مهرّبي البشر. هذا، ولا توجد في ليبيا بيانات إحصاء وافية عن الأعداد الإجمالية للتبو، لكنها تقدّر بـ350 ألفاً، وفق تقدير مركز كارنيغي لـ«الشرق الأوسط» عام 2012. وهم ينتشرون حالياً في جنوب شرقي ليبيا، بالإضافة إلى انتشارهم في شمال تشاد والنيجر، والواقع أن هذه القبيلة تسيطر بشكل فاعل على جزء كبير من المناطق الحدودية في الجنوب، التي تمتد من واحة الكفرة في أقصى الشرق إلى القطرون والويغ جنوبي سبها.
ووفق تقرير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لا تزال مسألة الجماعات المسلحة الأجنبية في ليبيا تشكل عاملاً مزعزعاً للاستقرار، في الجنوب الغربي والجنوب الشرقي، وضرب مثلاً بوقوع اشتباكات سابقة في بلدة أم الأرانب، (100 كيلومتر جنوب سبها)، بين أفراد من التبو ومتمردين من تشاد (قبيلة الزغاوة) ودارفور.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.