مايكل ريد: أميركا اللاتينية تقدم أفضل الأمثلة على صعود الزعماء الشعبويين وهبوطهم

مؤلف «القارة المنسية» في حديث لـ «الشرق الأوسط»

مايكل ريد
مايكل ريد
TT

مايكل ريد: أميركا اللاتينية تقدم أفضل الأمثلة على صعود الزعماء الشعبويين وهبوطهم

مايكل ريد
مايكل ريد

اتسمت السنوات العشر الأخيرة من عمر قارة أميركا اللاتينية بقدر كبير من الاضطراب والفوضى، ورغم ذلك كان عقداً امتاز بالتحول في المشهد العام لأحوال القارة، وكانت وتيرة ومقدار التغيير الذي شهدته القارة مثيراً للدهشة، وربما الإعجاب، لدرجة دفعت مايكل ريد إلى إعادة إصدار نسخة جديدة، منقحة ومزيدة، من كتابه «القارة المنسية: التاريخ الجديد لقارة أميركا اللاتينية»، الذي ألفه عن تلك المنطقة عام 2007.
وهذا الإصدار الأخير من كتاب ريد، الخبير في شؤون أميركا اللاتينية لدى مجلة «الإيكونوميست»، لا يتعلق فقط بشؤون التأريخ أو الاقتصاد، وإنما هو عبارة عن دليل أساسي يساعد القراء والمهتمين على تفهم هذه القارة مترامية الأطراف، من برية باتاغونيا المتجمدة في أقصى جنوب القارة حتى الحدود الأميركية المكسيكية في الشمال، وما بينهما من أماكن وأقاليم. وهو من الكتب المهمة والضرورية للغاية، حيث إنه يحمل بين دفتيه كثيراً من التفاصيل الدقيقة عن كل دولة من الدول التي تشكل في مجموعها هذه المنطقة المتنوعة بشكل يدعو للاندهاش.
ويغطي الكتاب التطورات المهمة التي مرت بالقارة الكبيرة خلال العقد الماضي، من صعود الديمقراطية في عدد من البلدان، وانحدارها في بلدان أخرى. والمعالم التاريخية المميزة، مثل اتفاقية السلام في كولومبيا بين الحكومة وحركة «فارك» اليسارية المتمردة، في أعقاب خمسين عاماً من الصراع المدني المسلح، إلى جانب وفاة زعيم الثورة الكوبية فيدل كاسترو، وكذلك وفاة تلميذه الفنزويلي النجيب هوغو شافيز، الذي لا يزال نظام حكمه المستبد قابضاً على السلطة في البلاد بقبضة من حديد.
وفي هذا الحوار معه، يحاول مايكل ريد، الذي سيشرف على مؤتمر من تنظيم مجلة «الإيكونوميست» وغرفة التجارة العالمية في دبي الشهر المقبل، بشأن منطقة الشرق الأوسط وقارة أميركا اللاتينية، تفسير أغلب التعقيدات المتعلقة بقارة أميركا اللاتينية، والتحديات الكبيرة التي تواجهها في مستقبلها المنظور:

> عن أي شيء يدور كتابكم؟ وما هو توصيفه في نظركم؟
- كتابي هو محاولة لشرح كيف وجدت قارة أميركا اللاتينية، التي صارت مستقلة من الناحية السياسية (في أغلب أجزائها) قبل قرنين من الزمان، تحت رعاية النظام الدستوري الليبرالي، أن الديمقراطية والتنمية مهمتان من الصعوبة بمكان. وأحاول أن أعبر أيضاً عن اعتقادي أن الفترة الراهنة توفر أفضل الفرص الممكنة التي سنحت لتلك المنطقة لإنجاز أهدافها وبلوغ غاياتها.
ويستعرض الكتاب، في معرض محاولته لشرح وتفسير الصعوبات والتحديات والإمكانات، مختلف المناقشات حول أسباب إخفاق قارة أميركا اللاتينية في اللحاق بركب البلدان الديمقراطية المتقدمة، وهو يلخص السجل التاريخي للقرنين الماضيين من هذه الزوايا، ويبحث في تفاصيل التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها القارة خلال العقود الأربعة المنقضية.
> في رأيك، كيف سيساعد كتابك القارئ الأجنبي على فهم بلدان أميركيا اللاتينية في هذه المرحلة بالذات؟
- آمل أن يوفر الكتاب مقدمة يمكن الاعتماد عليها عن تلك المنطقة من العالم، فهو يتضمن كثيراً من التقارير الإخبارية، فضلاً عن المزيد من التحليلات الممنهجة.
ولقد حاولت بلوغ حد الاتزان بين التعميمات الصحافية، آخذاً بعين الاعتبار الخصوصيات المتعلقة بالبلدان الرئيسية في تلك القارة التي تتميز بكثير من التنوع بأكثر مما يشير إليه مظهرها الخارجي للعالم.
> من أين تنبع أهمية أميركا اللاتينية للعالم في رأيك؟
- أعتقد أن قارة أميركا اللاتينية تحظى بالأهمية على الصعيد العالمي نظراً لأنها تحاول إنجاح التجربة الديمقراطية، في الوقت الذي لم تعد فيه هذه التجربة تحقق نجاحاً يُذكر على مستوى العالم. كما تحاول القارة في الوقت نفسه التغلب على تحديات التفاوت الرهيب في الدخل والثروة والسلطة.
ولقد أمسكت قارة أميركا اللاتينية بزمام الريادة في استخدام أدوات السياسات العامة الجديدة لمكافحة الفقر، مثل التحويلات النقدية المشروطة، التي تم اعتمادها على نطاق واسع ومنذ فترة طويلة في أماكن أخرى من العالم. كما تعد قارة أميركا اللاتينية مهمة للقراء الأجانب، من واقع أنها تقدم أفضل الأمثلة عن صعود وهبوط الزعماء الشعبويين.
> مع ذلك، لم تنل أميركا اللاتينية كثيراً من الاهتمام مقارنة بقارة أفريقيا!
- أعتقد أن هناك قدراً لا بأس به من التجاهل قد نال قارة أميركا اللاتينية نظراً لأنها لا تشكل أي مستوى من التهديدات الاستراتيجية على الولايات المتحدة الأميركية، أو على أوروبا، بسبب أن اقتصادات القارة لم تحقق النمو الكبير الذي حققته بلدان شرق آسيا، ولأن (وهذا من حسن الحظ أيضاً) القارة لم تعاني ويلات الحروب والمجاعات التي كابدتها قارة أفريقيا، وجعلتها مصدراً من مصادر تأنيب ضمير العالم المعاصر، ولأن الاستعمار سحب أذياله منحسراً عن أميركا اللاتينية في عهود مبكرة أيضاً مقارنة بقارة أفريقيا.
> كيف يمكن توصيف قارة أميركا اللاتينية في الآونة الراهنة؟
- تتصارع قارة أميركا اللاتينية في الوقت الراهن مع نهاية الطفرة السلعية الأساسية الكبيرة (والتزاماً للدقة المتناهية، كان لذلك تأثيره الكبير على أميركا الجنوبية من المكسيك أو أميركا الوسطى). ومن أجل مواكبة النمو الاقتصادي السريع، تحتاج المنطقة إلى زيادة كبيرة في الإنتاجية. ومن الناحية السياسية، ظل الأداء الديمقراطي جيداً إلى درجة معقولة (مع استثناءات واضحة في فنزويلا ونيكاراغوا، التي تحول نظام الحكم فيها إلى الديكتاتورية، فضلاً عن كوبا بطبيعة الحال، التي لا تزال تحتل موقعاً متقدماً في الدفاع عن الشيوعية). غير أن السياسات الديمقراطية قد تلطخت كثيراً بفضائح الفساد، ووباء العنف في كثير من بلدان القارة.
كذلك مجتمعات قارة أميركا اللاتينية تغيرت بقدر كبير خلال القرن الحالي، فلقد انخفضت معدلات الفقر في القارة، واتسعت رقعة الطبقة الوسطى، وأصبح سكان القارة أفضل تعليماً وأكثر صحة واستنارة وثقافة عما كانت عليه الأوضاع في الماضي، وهم يرغبون في المزيد من الخدمات العامة الجيدة من الحكومات، كما يرغبون في وجود قيادات سياسية جديدة أكثر خضوعاً للمساءلة.
> ما بلدان أميركا اللاتينية التي ينتظرها مستقبل أفضل؟
- هذا سؤال مثير للاهتمام. تقترب شيلي من أن تصبح من الدول المتقدمة.
وللفرار مما يصفه البعض بأنه «فخ الدخل المتوسط»، يتعين على شيلي تحسين الإنتاجية، وتعزيز مهارات القوة العاملة في البلاد، وتنويع مصادرها الاقتصادية، بعيداً عن الاعتماد المفرط على النحاس، وتحسين نظام الضمان الاجتماعي في البلاد. ولقد أدركت السيدة ميشيل باشليت، رئيسة البلاد، تلك الحقيقة، ولكن كثيراً من الإصلاحات التي نفذتها رجعت بنتائج سيئة للغاية.
وتقع على عاتق خليفتها، الرئيس سيباستيان بينيرا، مسؤولية محاولة إعادة شيلي مرة أخرى إلى مسار النمو الاقتصادي السريع، مع معالجة القضايا الأخرى العالقة.
ومن مناحٍ مختلفة، من شأن الأرجنتين وكولومبيا وبيرو أن يسيروا على خطى شيلي، وكذلك البرازيل التي نظراً لمساحتها وتنوعها تعد بالكثير في المستقبل، ولكن الحكومات الأخيرة قد ارتكبت كثيراً من الأخطاء الفادحة، ويتعين عليها السيطرة على الرأي العام، والإنفاق التقاعدي، ومحاولة زيادة مستوى الفعالية التي تعمل بها الحكومة.
وتعتبر المكسيك لغزاً في حد ذاتها، فعلى الرغم من سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تجاهها، فهناك كثير من الإمكانات والآفاق الواعدة في مستقبل المكسيك، ولكن يتحتم عليها أولاً ترسيخ سيادة القانون في البلاد.
> ربما كان من أهم حوادث السنوات العشر الماضية وفاة هوغو شافيز.. كيف أثرت هذه الحادثة على قارة أميركا اللاتينية؟
- كان شافيز يعتبر نفسه زعيماً إقليمياً وعالمياً. بيد أن إرثه في فنزويلا كان كارثياً، فلقد كانت فنزويلا في سبعينات القرن الماضي من أغنى دول قارة أميركا اللاتينية، واليوم صار 80 في المائة من سكان البلاد تحت خط الفقر، وفقاً لمسح موثوق فيه أجرته 3 جامعات في البلاد.
وأعتقد أن كثيراً من سكان القارة يدركون أن شافيز يقدم نموذجاً لكيفية «عدم العمل»، غير أن ذلك لا يعني أن جاذبية الشعبوية قد تلاشت تماماً في تلك المنطقة.



مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.