رابين كان يمكن أن ينقذ إسرائيل من نفسها

رابين كان يمكن أن ينقذ إسرائيل من نفسها

كاتب سيرته يقول إن قتلته الفعليين لم يُجلبوا للعدالة بعد
الخميس - 20 جمادى الآخرة 1439 هـ - 08 مارس 2018 مـ رقم العدد [ 14345]
لندن: ندى حطيط
تخيم لحظة اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق رابين (1922 – 1995)، على يد متطرف يميني خلال مهرجان للسلام في تل أبيب، على صورة الرجل في المخيال الجمعي، حتى كادت تطغى على إنجازاته وحضوره (المختلف) كرجل دولة من الطراز الأول في المشهد السياسي الإسرائيلي المتخم بكثير الشخصيات المنتفخة والمتهورة وقصيرة النظر، بل والفاسدة. هذا ما يذهب إليه إتمار رابينوفيتش في كتابه الجديد «إسحق رابين: الجندي.. القائد.. رجل الدولة)، الصادر حديثاً باللغة الإنجليزية عن مطبعة جامعة ييل في الولايات المتحدة.
رابينوفيتش الدبلوماسي والأستاذ المتخصص بالشؤون السورية في جامعة تل أبيب كان من المثقفين القريبين من رابين، وقد استدعاه لتولي إدارة المفاوضات مع الإدارة السورية بداية عقد التسعينات، ولذا فهو من القلائل الذين قد يكون بمقدورهم كتابة سيرة واقعية عن حياة رابين، وإنجازاته في الحرب والسياسة، وزمانه. وبالفعل، فإن رابينوفيتش نجح بوضع نص متين، رسم من خلاله صورة متكاملة عن رابين، عبر مراحل مهنته المتعاقبة، دون السقوط ضحية سهلة لفخ النهاية التراجيدية لحياته، التي تحولت في المجال العام إلى ما يشبه ثقباً أسود يمتص كل شيء آخر عنه.
لم يمتلك رابين شخصية كارزمية، لكنه بالتأكيد «ربّان محترفٌ وماهرٌ تثق بأنه سيصل بالسفينة إلى بر الأمان، مهما كانت الأنواء»، كما وصفه أحد الروائيين الإسرائيليين. وهو إن اشتهر بكونه من الحمائم في السياسة، فقد كان صقراً في الحرب، وعرف عربياً بأنه أحد أبطال التطهير العرقي عام 1948، وبسياسة كسر أطراف الأطفال الفلسطينيين لقمع الانتفاضة الفلسطينية 1987. وعلى الرغم من أنه ربما كان أكثر رؤساء الوزارة في إسرائيل استقلالاً، فإنه لم يدّع يوماً مكانة المُنظّر الاستراتيجي البارع، واعتمد دائماً في قراراته على نصح مجموعة من الخبراء التقنيين، لا السياسيين الثرثارين. ولم تمنعه شخصيته الانزوائية عن أن يكون القائد الذي يمد يده إلى أعدائه في العلن، وأن يكون «النجم» التاريخي لاتفاق السلام مع منظمة التحرير الفلسطينية، كما دخلت مصافحته لياسر عرفات كرمز لمرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر.
معالم سيرة رابينوفيتش عن رابين تتقاطع في مراحلها المتعاقبة لتقدّم نزوعه إلى الاستقلال وقوة الشكيمة والمباشرة كأهم جوانب شخصيته. فقد كان يعتبر أن رفيقه موشي ديّان «شديد التهوّر»، ولم يحب ثرثرته، وكثيراً ما انتقد طريقته المتحذلقة في التعامل مع الآخرين. وقد رفض الخضوع لهيمنة بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، على الشأن السياسي في الدولة العبرية، فانتهى بدلاً من الحصول على ترقيات مستحقة إلى أن أبعد في مهمة أكاديمية في إحدى كليات الضباط البريطانية. وقد وصف منافسه في حزب العمال الإسرائيلي شيمعون بيريز بأنه «مخادع لا يمل ولا يتعب»، وتجرأ على مواجهة نادرة مع اللوبي اليهودي الأميركي، عندما حاول الضغط عليه.
ولم يتمسك رابين بكرسي السلطة، كما زعماء إسرائيل الآخرين الذين كما لو مستهم لعنة الأجواء الديكتاتورية والحكم المستديم في الشرق الأوسط، فاستقال من رئاسة الوزراء عام 1977، عندما تبين له أن لزوجته حساباً في بنك أجنبي. وهو قبل ذلك بعام، أعد خطاب استقالة قبل أن يرسل قواته الخاصة إلى مطار عنتيبي لتحرير الطائرة المخطوفة، حال فشلت المهمة.
وعين رابين رئيساً لهيئة الأركان الإسرائيلية عام 1964، وقاد حرب إسرائيل في 1967 إلى ما عد نصراً عسكرياً حاسماً للدولة العبرية، لكنه في لحظة التتويج بطلاً لإسرائيل كان قلقاً على ما قد يعنيه ذلك النصر بالنسبة لمستقبل إسرائيل في قلب عالم عربي معادٍ ومهزوم، ومع مليونين من الفلسطينيين الذين تحولوا بعد تلك الحرب إلى ما يشبه قنبلة ديمغرافية موقوتة تهدد وجود التجربة الصهيونية برمتها.
وعين رابين فيما بعد سفيراً لإسرائيل في واشنطن، لكن تجربته مع أبا إيبان، وزير الخارجيّة الإسرائيلي وقتها، لم تكن مثاليّة، رغم نجاحاته الدبلوماسيّة الكثيرة. وقد تجاوزته رئيسة الوزراء غولدا مائير في ترقياتها بسبب موقفه من حركة الاستيطان داخل الأراضي العربية المحتلة، التي كان يراها سرطاناً في قلب المجتمع الإسرائيلي.
والتحق رابين بحزب العمال الإسرائيلي، الذي كان في تلك المرحلة أحد الحزبين الكبيرين في السياسة الإسرائيليّة، وصعد إلى قيادة الحزب بعد الفشل المتكرر لشيمعون بيريز في الانتخابات العامة، ليفوز من فوره بمنصب رئاسة الوزراء بانتخابات 1992.
يقول رابينوفيتش إن رابين استدعاه عند استلامه مهام الرئاسة لتقييم إمكان التفاوض مع الجانب السوري بداية، وقبل الانتهاء إلى التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية، وعرض على الأميركيين إمكانية التخلي نظرياً عن مرتفعات الجولان السورية المحتلة مقابل اتفاق سلام مع سوريا، رغم أنه يعلم أن حزبه لن يسانده في ذلك المسعى، وأن أغلبية مستوطني الجولان كانوا من ناخبيه. لكن الأميركيين، وفق رابينوفيتش، لم ينجحوا في الاستفادة من تلك الإمكانية في إقناع دمشق بالدخول في مفاوضات جادة تفتح الباب نحو توقيع معاهدة سلام دائمة بين الطرفين. وبدا السوريون وقتها، كما يقول المؤلف، «عنيدين ومعنيين بالمواقف المعلنة أكثر من سعيهم للوصول إلى تسوية». وهكذا، لم يُترك لرابين سوى المسار الفلسطيني لتحقيق اختراق، وهو ما توج لاحقاً باتفاق أوسلو، والمصافحة التاريخيّة مع عرفات أمام الرئيس الأميركي بيل كلينتون في حديقة البيت الأبيض، 13 سبتمبر (أيلول) 1993.
ويأتي الجزء الأخطر من الكتاب بتغطيته لعملية الاغتيال التي أودت بحياة رابين في نوفمبر (تشرين الثاني) 1995 على يد متطرف يميني إسرائيلي. ويقول رابينوفيتش إن القتلة الفعليين لم يتم جلبهم للعدالة، رغم القبض على «المعتوه» الذي أطلق الرصاص، ويضيف أن تغييب رابين لم يكن ليحصل لولا تآمر تيار يميني واسع ضد جهود السلام التي كان يبذلها، لا عن ضعف منه ولكن لإنقاذ مستقبل إسرائيل، وضمان ديمومتها على المدى البعيد. وهو يشكك في إمكان تنفيذ عملية من هذا النوع ضد رئيس وزراء الدولة العبرية الأشهر عالمياً في تنظيم حماية حديدية لقياداتها. وكان رابين حينها ضحية مناخ كراهية مرتفع النبرة من قبل اليمين الإسرائيلي المتطرف، لقي قبولاً من قطاعات واسعة بين الإسرائيليين الذين اعتبروه قد قدم تنازلات من أراض مقدسة عند «الشعب» اليهودي، ولا شك أن تغييبه يفسر على نحو كبير انعطاف المزاج الإسرائيلي العام بشدة نحو اليمين والتشنج.
كتاب رابينوفيتش عن هذا السياسي الإسرائيلي المختلف الطراز يأتي في مرحلة حرجة من تاريخ المنطقة، وفي وقت لا تبدو فيه القيادة الإسرائيليّة الحاليّة المشلولة بتهم الفساد والمحسوبيات والتمسك بالسلطة بقادرة على طرح الأسئلة الأخلاقيّة والاستراتيجية اللازمة بشأن المسار التاريخي للدولة العبريّة، وإلى أين تتجه - ناهيك عن تقديم الإجابات عن تلك الأسئلة؛ إنّه انعدام تام في الخيال السياسي، وأفق مغلق، ولا أحد في إسرائيل اليوم لينقذها من نفسها، فقد قتلت آخر رئيس وزراء لها كان يفكر بهذا الأمر.
كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة