قصص كثيرة لا ترى النور... والمعوقات مادية وقانونية

مدير تحقيقات مكتب الصحافة الاستقصائية لـ «الشرق الأوسط» : ليس هناك عصر ذهبي لمهنة المتاعب

من مقر «واشنطن بوست» عام 1971 ولحظة محورية للصحافة الاستقصائية  تجمع الثنائي بن برادلي وكاثرين غراهام اللذين نشرا أوراق البنتاغون (غيتي)
من مقر «واشنطن بوست» عام 1971 ولحظة محورية للصحافة الاستقصائية تجمع الثنائي بن برادلي وكاثرين غراهام اللذين نشرا أوراق البنتاغون (غيتي)
TT

قصص كثيرة لا ترى النور... والمعوقات مادية وقانونية

من مقر «واشنطن بوست» عام 1971 ولحظة محورية للصحافة الاستقصائية  تجمع الثنائي بن برادلي وكاثرين غراهام اللذين نشرا أوراق البنتاغون (غيتي)
من مقر «واشنطن بوست» عام 1971 ولحظة محورية للصحافة الاستقصائية تجمع الثنائي بن برادلي وكاثرين غراهام اللذين نشرا أوراق البنتاغون (غيتي)

يعود بنا فيلم «ذا بوست» إلى الولايات المتحدة في سبعينات القرن الماضي. ومن صالة تحرير صحيفة الـ«واشنطن بوست» يحيي توم هانكس وميريل ستريب، أحداث بطولة الثنائي بين برادلي وكاثرين غراهام. مشروع استقصائي ضخم دفع بالصحافيين إلى خوض معركة غير مسبوقة بين الحكومة والسلطة الرابعة لنشر «أوراق البنتاغون» التي كشفت تورط واشنطن في حرب فيتنام، إلى العالم.
شاهد هذا العمل المميز العديد من الزملاء في الأوساط الصحافية والإعلامية. وترك مرارة في فمهم. تحسروا على وضع الصحافة الاستقصائية اليوم، وتمنوا لو أنّهم عايشوا تلك الحقبة الذهبية.
ماريون جونز، الصحافي البريطاني يختلف مع زملاء المهنة في الرأي، قائلاً: «قد يعتقد من شاهد (ذا بوست)، أنّ ذلك العصر كان العصر الذهبي للصحافة، إنّما ليس هناك من عصر ذهبي لهذه المهنة ولا لحظة بطولية واحدة». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «حتى في تلك الفترة، كان النشر متفاوتا ما بين التحقيقات العظيمة، ومئات الأخبار التي لا داعي لها».
إذن، وفق جونز، فإن الصحافة الاستقصائية لم تمت. بل يرى أيضاً أنّ بعض جوانبها تحسّن اليوم، لسهولة الحصول على المعلومات في عصر الإنترنت. وفي ذلك يقول: «في يومنا هذا، لو كان لدى صحافي شاب قصة جديرة بالنشر، فلدى أبرز المؤسسات الإعلامية القابلية للاستماع إليه. الأمر الذي لم يتسنّ لي عندما كنت صحافياً شابا مهما كانت قصصي مهمة».
جونز صحافي استقصائي متمرّس. تدرج مهنيا في «بي بي سي» منذ تسعينات القرن الماضي. كانت الهيئة شاهدة على نجاحات تحقيقاته الاستقصائية، وإخفاقاته القانونية؛ لكنه قرّر قبل عامين أن ينهي رحلته معها للالتحاق بمكتب الصحافة الاستقصائية في العاصمة البريطانية. التقيته في مقرها اللندني الذي تأسس عام 2010، من قبل نخبة من صحافيي أهم المطبوعات البريطانية. مقابلة قصيرة لضيق وقته وكثرة مهامه، والسّبب صغر كادره (15 صحافيا تقريبا). لكنّني استرقت من خلالها نظرة إلى داخل العمل الاستقصائي «الذهبي».
يرى جونز أنّ عمله مع «بي بي سي» كان مختلفا عن تجربته منذ التحاقه بمكتب الصحافة الاستقصائية. ويقول: «الأمر الرائع في انضمامك إلى مؤسسة إعلامية بضخامة الـ(بي بي سي) هو أنّك تعمل إلى جانب مئات الناس الذين بإمكانك التعاون معهم واستشارتهم وإجراء (عصف ذهني) لبلورة الأفكار والمبادرات والمشاريع». ويضيف: «لكن الأمر السيئ في (بي بي سي) هو أنّ هناك طبقات عديدة من الإدارة والتراتبية التي تقيّد الموظفين، فعلى سبيل المثال أثناء عملي ضمن برنامج (بانوراما) كان هنالك 3 مديرين أعلى رتبة من رئيس تحرير البرنامج، وكانوا يتمتّعون بصلاحية تامة لمراجعة نصوص الحلقات والتعليق عليها. الأمر الذي يعتبر معطلا للعمل». ويستطرد شارحا: «أمّا هنا في هذا المكتب، فلدينا مدير ومجلس إدارة يجتمع نحو كل 6 أسابيع ما يسهل العمل. لكن وللأسف ليست لدينا الموارد التي تمتلكها الـ(بي بي سي)، ولكنّنا ننمو بكادرنا ومواردنا كلما زاد التمويل».
التمويل. مشكلة طالت الصحافة ككل، لكنّ أكبر ضحاياها كانت التحقيقات الاستقصائية. وعن ذلك يقول الصحافي البريطاني: «هذا النوع من الصحافة مكلف، فالعديد من القصص لا ترى النور بعد العمل عليها لأسباب متعددة». ويضيف: «قد يواجه الصحافي مشاكل قانونية أو يصطدم بحائط ويصبح غير قادر على تحصيل الحقائق لإثبات فرضيته، أو قد توقفه المطبوعة أو الشركة الإعلامية التي يعمل لديها لصعوبة القصة وتكلفتها العالية». لهذا السبب، خفضت المنابر الإعلامية والصحف من طواقم الصحافة الاستقصائية بما فيها الـ«بي بي سي»، وفق جونز.
تأسس المكتب في محاولة لإعادة إحياء الصحافة المهنية الحرّة. ويؤكد جونز أنّه من خلال المشاريع المتنوعة التي يعمل عليها المكتب، يهدف إلى كشف سقطات الأنظمة والشركات العالمية. وقد تُعدّ «أوراق حرب العراق» من أبرز إنجازاته التي استطاع جمعها ونشرها فترة تعاونه مع ويكيليكس. وتعتبر أكبر تسريبات لوثائق عسكرية في التاريخ (نحو 400 ألف تقرير)، كشفت عن انتهاكات الجيش الأميركي للمساجين، فيما شملت المشاريع الأخرى تحقيقات في ضربات الطائرات دون طيار (درونز) وحصيلة للضحايا، إلى جانب تحقيق آخر حول الانتهاكات في أفغانستان. ويقول: «استطاعت تحقيقاتنا أن تحتل الصفحات الأولى في الجرائد البريطانية، وقد تصدّرت قصصنا هذه الصفحات ثلاث مرات خلال الأشهر الثلاث الماضية».
ويكشف جونز أنّ المكتب يتعاون مع «غوغل» حالياً، في مبادرة لدعم الصحافيين المحليين عن طريق نشر بيانات ليستفيدوا منها.
وعن تعاون المكتب مع المنابر الإعلامية يقول: «في البدايات كنا نتواصل لنشر تحقيقاتنا في الصحف، لكنّنا الآن في طور التوسع ولدينا علاقات جيدة مع قنوات بريطانية، ونعمل على نحو خمسة مشاريع مرئية، منها فيلم وثائقي». ويضيف: «الصحافة المكتوبة كما عهدناها، لم تعد موجودة في يومنا هذا، وقد يحتل سبق صحافي ما، حيّزاً على الصفحة الأولى، لكن معظم من سيقرأه سيقوم بذلك من خلال الموقع الإلكتروني». ويردف موضحاً: «من فوائد نشر الخبر على الصفحة الأولى، أنّ قنوات مثل (بي بي سي) تغرّد هذه الصفحات لأبرز المطبوعات فتصل إلى ملايين الناس». ويؤكد أنّ «الإعلام الاستقصائي يشهد تغيرات في طريقة تقديمه للناس، ويجب أن يضمّ المحتوى مقاطع فيديو من قلب الحدث مثلا أو تصويرا خفيا مع النص والصور».
لا تزال التحقيقات الصحافية تعتمد على معلومات من المبلغين (whistle blowers). ويقول جونز: «فادنا العديد من المبلغين في خوض تحقيقات مهمة آخرها كان فضيحة استثمارية، لكن الأمر الأهم يبقى حماية هوية المبلغين والحفاظ على ثقتهم».
ولكن ماذا عن المعلومات الكاذبة؟ يرد جونز: «للمكتب إجراءات شديدة لتدقيق الحقائق والمعلومات، إذ تمر التحقيقات التي يُمل عليها، في أصعب آلية للتدقيق، تفاديا لنشر الأكاذيب». ويضيف: «عملت في (بي بي سي) في برنامج نيوز نايت وبانوراما كما عملت مع العديد من الصحف العالمية، إلا أن عملية فحص الحقائق في مكتبنا هي الأكثر اجتهادا من أي مكان آخر».
يطمح جونز خلال السنوات المقبلة إلى أن يشهد المكتب نموا وتطويرا، وأن يتوسع كادره، ولكن ليس بعدد هائل، لكي يستطيع الإبقاء على آلية عمله الحالية. ويقول: «لا أعتقد أنّنا سنصبح اسماً مألوفاً للناس، لكنّنا وصلنا إلى مرحلة أصبحنا معروفين في الأوساط الصحافية ونريد أن يسمع صوتنا صناع القرار».
لمكتب الصحافة الاستقصائية اللندني استعداد للتعاون مع الجميع، ومحتواه متوفر لكل من يريد نشره، حسب جونز. ولكن يستطرد قائلاً: «يهمنا معرفة من يموّل المنابر الإعلامية». ويختتم بقوله: «أهم قواعدنا أنّنا لا نتلّقى الدّعم المالي من أي جهة حكومية، لأن ذلك قد يضر بمهنيتنا ويؤثر على محتوانا».
 


مقالات ذات صلة

«غضب حقوقي» في تونس إثر إقرار الحكم بإدانة صحافي

شمال افريقيا الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)

«غضب حقوقي» في تونس إثر إقرار الحكم بإدانة صحافي

أقرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، في جلستها المنعقدة، مساء الجمعة، الحكم الابتدائي القاضي بإدانة الصحفي محمد بوغلاب، مع تأجيل تنفيذ العقاب البدني.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم أرشيفية لصحافي الجزيرة أنس الشريف الذي أقر الجيش الإسرائيلي  بقتله في غارة على غزة أغطس الماضي (أ.ب) play-circle

128 صحافياً قتلوا في أنحاء العالم في 2025

قُتل 128 صحافياً في كل أنحاء العالم في العام 2025، أكثر من نصفهم في الشرق الأوسط، وفقاً لإحصاء نشره الاتحاد الدولي للصحافيين الخميس.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق «ماسبيرو» يحظر «البلوغرز» (الهيئة الوطنية للإعلام)

هل تحد «مقاطعة» الإعلام التقليدي أخبار مشاهير «السوشيال ميديا» من انتشارهم؟

أثار قرار «الهيئة الوطنية للإعلام» و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» بالامتناع عن تغطية أنشطة مشاهير «السوشيال ميديا» وأخبارهم تساؤلات عدة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق النجمة الفرنسية بريجيت باردو لدى وصولها إلى مطار كينيدي في نيويورك عام 1965 (أ.ف.ب)

وفاة الأسطورة الفرنسية بريجيت باردو عن 91 عاماً

أعلنت مؤسسة بريجيت باردو، اليوم (الأحد)، عن وفاة أسطورة السينما الفرنسية بريجيت باردو، عن عمر ناهز 91 عاماً.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق خلال آخر ظهور للثنائي في خطوبة نجلهما (فيسبوك)

«طلاق» عمرو أديب ولميس الحديدي يخطف الاهتمام بمصر

تصدر خبر طلاق الإعلامي عمرو أديب والإعلامية لميس الحديدي «التريند» في مصر بعد وقت قصير من إعلان الخبر، وتأكيده عبر وسائل إعلام محلية.

أحمد عدلي (القاهرة )

إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
TT

إعلام ما بعد النزاعات... هدوء التغطية يطرح أسئلة المسؤولية

قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)
قوات تابعة لـ«الدعم السريع» في مدينة الفاشر بإقليم دارفور (أ.ف.ب)

بينما يبرز الإعلام لاعباً أساسياً في ساحات الحروب، ينقل الأحداث ويؤطر سردياتها، وسط اتهامات بتأجيجه للنزاع في حين، ومساهمته في إشعاله بآخر، فإن دوره بعد أن تضع الحرب أوزارها ويخفت ضجيج القنابل والمدافع يظل محل تساؤل؛ ولا سيما مع ما يلاحَظ من هدوء -وربما تراجع - الاهتمام بمناطق نزاعات عدة مع أولى إشارات السلام.

وشدد خبراء على «أهمية دور الإعلام في بناء رأي عام لإنهاء النزاع»، ولكن هذا الدور «يجب ألا ينتهي بوقف الحرب»، وأشاروا إلى «دور إنساني في كشف حجم الكارثة، ومساعدة الفئات المهمشة حتى لا تتكرر النزاعات مرة أخرى».

هذا الدور أشارت له دراسات عدة، قالت إن «الإعلام الذي لعب دوراً في تأجيج العنف أحياناً، يُفترض أن يتحول إلى أداة للسلام بعد وقف الحرب، ويقدم محتوى يعزز التفاهم المتبادل»، حسب دراسة نشرها موقع «PolSci Institute» في سبتمبر (أيلول) الماضي.

أستاذة الإعلام في مصر، الدكتورة حنان الجندي، قالت إن «وسائل الإعلام تلعب دوراً مهماً في فترات الحروب والنزاعات وما بعدها»، موضحة لـ«الشرق الأوسط» أن «الإعلام مهم في نقل الأحداث على الأرض، وإبراز تداعيات الحرب على الإنسان، لربط الجمهور بما يحدث، وتكوين رأي عام يسهم في وضع حد لتلك النزاعات».

وأشارت إلى أنه «في ظل كثرة المخاطر التي يتعرض لها الصحافيون في مناطق النزاع، اتجهت وسائل إعلام عدة للاعتماد على المواطنين الصحافيين في التغطية الميدانية بديلاً عن الصحافي المحترف، ما أثَّر على جودة التغطية».

امرأة فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ولفتت أستاذة الإعلام إلى «تراجع التغطية الإعلامية للوضع في غزة، بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رغم أن المعاناة في غزة لم تنتهِ، ما يثير تساؤلات بشأن أسباب تراجع الاهتمام، هل رغبةً في التعتيم؟ أم نقلاً لاهتمام الجماهير إلى مناطق نزاع أخرى؟».

وأشارت دراسة نشرتها جامعة كولومبيا الأميركية عام 2000 إلى «ما تكتسبه الحروب من قيمة إخبارية بالنسبة لوسائل الإعلام، بسبب آثارها الأمنية على الجمهور»، وقالت إن «الصراع بمثابة (الأدرينالين) في وسائل الإعلام. ويتم تدريب الصحافيين على البحث عن الخلافات، والعثور على الحرب التي لا تقاوَم الرغبة في متابعتها. وإذا صادف أن كانت الحرب مرتبطة بهم، فإن الحماس يزداد لتغطيتها».

من جهته، أكد عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، خالد القضاة: «أهمية الإعلام في تغطية الحروب والنزاعات»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الصحافي هو أول من يدخل ساحة النزاع وآخر من يخرج منها»؛ مشيراً إلى أن «دوره لا ينتهي بوقف الحرب».

وأوضح أن «الإعلام بعد الحرب يلعب دوراً مهماً في كشف حقيقة ما جرى، والانتصار للفئات الضعيفة والمهمشة، وتوفير بيئة مناصرة لهم، وضمان عدم تكرار النزاع مرة أخرى»، إضافة إلى «دوره في إبراز حجم الجرائم التي وقعت خلال النزاع، والمساهمة في عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب». وقال: «للإعلام دور مهم في الانتصار للإنسان بعد وقف النزاعات».

وهنا تبرز «صحافة السلام» التي يعرِّفها العالمان جيك لينش وآنابيل ماكغولدريك، بأنها «عندما ينتقي المحررون والمراسلون ما تجب الكتابة عنه، وكيفية ذلك، ما يخلق فرصاً للمجتمع كله للنظر في الأمور وتقييمها، وتجنب اتخاذ ردود فعل عنيفة تجاه الصراعات، وذلك اعتماداً على تحليل النزاعات لتحديث مفاهيم التوازن والعدالة، والدقة في إعداد التقارير».

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

وفعلاً، أكد الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، يوشنا إكو، أن «أحد الأدوار الرئيسية لوسائل الإعلام في مراحل ما بعد وقف النزاعات، هو الإسهام في المصالحة، وتحقيق العدالة الانتقالية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن من واجب وسائل الإعلام العمل على تحديد ودعم قوى وأنصار السلام، بدل تأجيج نيران الانقسام بين أطراف النزاع».

وأضاف أن «دور الإعلام في عملية التعافي بعد الحروب يُمكن أن يكون أكثر نجاحاً إذا تحلَّى بعض الصحافيين بمزيد من الدقة، والحذر في اختيار مفرداتهم، مع مراعاة الحساسية العالية للقضايا الجوهرية التي كانت -أصلاً- من أسباب اندلاع النزاع».

ووفق مركز «صحافة السلام العالمي» في جامعة بارك بولاية ميزوري الأميركية، فإن دور الإعلام بعد الحروب يتركز في «خلق جو يفضي إلى السلام، ويدعم مبادرات السلام وصانعيها، من دون المساس بالمبادئ الأساسية للصحافة الجيدة؛ حيث تمنح صحافة السلام صانعي السلام صوتاً، وتجعل مبادرات السلام وحلول اللاعنف أكثر وضوحاً وقابلية للتطبيق».

من جانبه، أشار الصحافي المصري، المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، إلى «هدوء التغطية الإعلامية بشكل ملحوظ بعد انتهاء الحروب»، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز على مناطق النزاع يتراجع بمجرد انتهاء الأحداث الساخنة، أو تحوُّل النزاع إلى مرحلة طويلة الأمد أو مُجمَّدة؛ حيث يُظهر هذا التباين أن التغطية لا ترتبط بالضرورة بحجم الكارثة إنسانياً؛ بل تتأثر بالجاذبية الجيوسياسية للنزاع، مما يؤدي إلى تضاؤل سريع في الاهتمام بعد انتهاء مرحلة القتال النشط، كذلك ينتقل الاهتمام لملفات أخرى قد تستجد على الساحة، وهي التي بدورها تأخذ اهتمام الجمهور أكثر، أو ما يعرف بـ(الترند الجديد) وهكذا».

وأكد أن «دور الإعلام بعد وقف النزاعات لا بد من أن يركز على الإجابة عن أسئلة تتعلق أكثر بما وراء الأحداث، والحل السياسي، والمستقبل، ومحاولة معرفة ما سيحدث، مع الاهتمام بالجوانب الإنسانية لنقل حجم الكارثة، ودعم جهود التعافي، وبناء السلام»؛ مشيراً إلى أن «الصحافي دوره عادة ما يكون محفوفاً بالمخاطر والتحديات؛ لكنه دور لا غنى عنه في الموازنة بين التراجع الطبيعي في الاهتمام والضرورة الإنسانية والمجتمعية».


ترشيحات «يوتيوب» للمُستخدمين تجدد مخاوف بشأن «جودة المحتوى»

شعار "يوتيوب" (د ب آ)
شعار "يوتيوب" (د ب آ)
TT

ترشيحات «يوتيوب» للمُستخدمين تجدد مخاوف بشأن «جودة المحتوى»

شعار "يوتيوب" (د ب آ)
شعار "يوتيوب" (د ب آ)

أثارت دراسة حديثة مخاوف لدى صُناع المحتوى الأصلي، بعدما أشارت إلى أن خوارزمية «يوتيوب» تقوم بترشيح مقاطع فيديو للمُستخدمين الجُدد مُنتجة بأدوات الذكاء الاصطناعي. ووصفت هذه المقاطع بأنها «منخفضة الجودة» صُممت أساساً لحصد المشاهدات وتعظيم العوائد. وتفتح نتائج الدراسة باب التساؤلات حول «جودة المحتوى».

الدراسة التي نشرتها صحيفة «الغارديان» البريطانية، نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قدَّرت نتائجها أن «نحو 20 في المائة من مقاطع الفيديو المُرشحة للمُستخدمين الجدد على (يوتيوب) تندرج ضمن محتوى منتج بالذكاء الاصطناعي». ووفقاً للتقديرات: «حصدت هذه القنوات مجتمعة أكثر من 63 مليار مشاهدة، و221 مليون مشترك، وتُدر عائدات سنوية تقارب 117 مليون دولار».

خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي بالمملكة العربية السعودية، أسامة عصام الدين، يرى أن «ترشيح (يوتيوب) لمقاطع فيديو مُنتجة بالذكاء الاصطناعي يعود بالأساس إلى اهتمامات الجمهور الفعلية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الذكاء الاصطناعي في النهاية أداة يمكن تطويعها لإنتاج محتوى جيد أو مضلل... وخوارزميات (يوتيوب) ليست سوى انعكاس لتفاعل الجمهور، ما دام الناس يتفاعلون مع هذا النوع من المقاطع؛ خصوصاً المحتوى الذي تكون فيه فكرة أو قصة أو جانب ترفيهي؛ حيث سيستمر في الظهور ضمن الترشيحات».

وأشار عصام الدين إلى أن كلمة «مزيَّف» لا يمكن تعميمها على جميع الفيديوهات المنشأة بالذكاء الاصطناعي، فكثيرون من صُناع المحتوى والشركات المتخصصة يقدمون محتوى معززاً بالذكاء الاصطناعي؛ لكن بـ«جودة عالية، ولا يسبب ضرراً»، ويوجد في المقابل «نوع آخر سيئ جداً، وقد يسبب ضرراً للمستخدمين». وتابع بأن «يوتيوب» لا تصنف كل محتوى الذكاء الاصطناعي على أنه رديء، ولكن هناك معايير أخرى تحدد الجودة. وأوضح أن «(يوتيوب) لديها سياسات تتعلق بالذكاء الاصطناعي، ولكنها لا تحظر الذكاء الاصطناعي بالكامل، وهناك قنوات وفيديوهات منشأة بالذكاء الاصطناعي تحقق مئات الملايين من المشاهدات، وما زالت موجودة لأنها لا تخالف قوانين المنصة».

وبرأي عصام الدين، فإن «إنشاء لقطات محددة أو صور يصعب إنتاجها بالطريقة التقليدية باستخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض إبداعية وإمتاع المشاهد، لا يخالف خوارزميات (يوتيوب)، ولا يعد تهديداً للمحتوى الأصلي».

من ناحية ثانية، تشير بيانات نشرتها «كابوينغ» -وهي منصة أميركية متخصصة في تحرير وإنشاء الفيديو عبر الإنترنت- إلى أن «هذه القنوات القائمة على مقاطع فيديو مُنشأة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، موزعة عالمياً، وتحظى بمشاهدة ضخمة، وهي تمتلك ملايين المشتركين. ففي إسبانيا وحدها يتابعها 20 مليون شخص. كما أن قنوات الذكاء الاصطناعي تمتلك 18 مليون متابع في مصر، و14.5 مليون في الولايات المتحدة، و13.5 مليون في البرازيل».

نواف المرشد، مدير المحتوى الرياضي في منصة «جاكو» السعودية، يرى أن توصيات «يوتيوب» للمسُتخدمين الجدد خلال العامين السابقين شهدت بعض التراجع، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن التوصيات باتت تُبنى وفقاً لما يشاهده المُستخدم بالفعل، من دون الانتباه لجودة المحتوى: «وهذا ما يفسر ما يحدث الآن من مزاحمة مقاطع الذكاء الاصطناعي للمحتوى المصنوع والأصلي، بالإضافة إلى ترويج بعض المقاطع التي عنوانها لا يعكس ما بداخلها».

وأضاف المرشد: «على (يوتيوب) مراجعة خوارزميات التصفح لإبراز الجودة مناصفة مع الأكثر انتشاراً، وإلا فسيكون الأمر سلبياً للمشاهد وصانع المحتوى». وأشار إلى أن «إحدى المشكلات التي يواجهها صُناع المحتوى الجيد هي النمط غير الواضح الذي تتعامل به (يوتيوب) مع الذكاء الاصطناعي، سواء في إنشاء مقاطع فيديو، وكذلك دورها في رقابة المحتوى».وحسب تجربته في مجال صناعة المحتوى الرقمي، أشار المرشد إلى «شكوى صُناع المحتوى وشعورهم المتكرر بعدم الأمان»، وأوضح: «هناك تخوف من قبل صُناع المحتوى من عدم وضوح قوانين النشر كما كانت في السابق، ولا سيما أن بعض القنوات على (يوتيوب) تتبع معايير النشر على المنصة وقد تفاجأ بقرار الإغلاق، في حين أن المحتوى المعزز بالذكاء الاصطناعي والذي قد يشوبه بعض التزييف، وجد طريقه على المنصة، وحقق أرباحاً لافتة».

هذا، وقال ناطق باسم «يوتيوب» في حديث لـ«الغارديان»، إن «الذكاء الاصطناعي التوليدي أداة، ومثل أي أداة يمكن استخدامها لصنع محتوى مرتفع الجودة أو منخفض الجودة. وما زلنا نركز على ربط مُستخدمينا بمحتوى مرتفع الجودة، بغض النظر عن كيفية صنعه. ويجب أن يلتزم كل المحتوى المرفوع على (يوتيوب) بإرشادات مجتمعنا. وإذا وجدنا أن محتوى ما ينتهك سياسة من السياسات، فإننا سنقوم بحذفه».


الإعلام الترفيهي صناعة شاقة تزدهر في أيام السلم

برامج المسابقات والألعاب تتصدر المشهد المرئي الترفيهي (الشرق الأوسط)
برامج المسابقات والألعاب تتصدر المشهد المرئي الترفيهي (الشرق الأوسط)
TT

الإعلام الترفيهي صناعة شاقة تزدهر في أيام السلم

برامج المسابقات والألعاب تتصدر المشهد المرئي الترفيهي (الشرق الأوسط)
برامج المسابقات والألعاب تتصدر المشهد المرئي الترفيهي (الشرق الأوسط)

يجذب الإعلام الترفيهي مختلف الشرائح الاجتماعية عبر برامجه الفنية وبرامج المسابقات والألعاب، فيساهم في تبديد هموم المواطن، ويمنحه جرعة أكسجين يتنفّس من خلالها بعيداً عن قتامة نشرات الأخبار التلفزيونية.

استطاع لبنان أن يترك بصمة لا تُنسى في هذا المجال، وكان السباق إلى ابتكار وصناعة برامج ناجحة لا تزال حاضرة في ذاكرة اللبنانيين. فمنذ عقود، أسّست أسماء إعلامية لهذا النوع من البرامج، وما زال تأثيرها واضحاً، من بينها برامج مثل «استوديو الفن» و«نادي النوادي » و«الأول على الـLBC» وغيرها. وكما كان للمخرج الراحل سيمون أسمر دور محوري، كذلك شكّل الراحل رياض شرارة ركناً أساسياً في بناء الإعلام الترفيهي. وإذا ما سألت أيّ لبناني عمّا يختزنه من ذكريات حول هذه البرامج، يستحضر هذين الاسمين، بعدما تحوّلا إلى أيقونتين في مجالهما. ولا يزال صنّاع الترفيه يستلهمون من تجربتهما حتى اليوم.

وفي مرحلة لاحقة، برزت أسماء أخرى أسهمت في تطوير هذا النوع من المحتوى، كالمخرج أنطوان قهوجي، والمنتجتين رولا سعد وجنان ملّاط، فقدموا سلسلة برامج تثقيفية وفنية طبعت زمن التسعينات، بينها «ستار أكاديمي» و«الشاطر يحكي» و«يا ليل يا عين» و«الرقص مع النجوم».

أمّا اليوم، فيشهد الإعلام الترفيهي تحوّلات لافتة، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً أساسياً في صناعتها. فباتت المقاربة تركّز أكثر على التفاعل المباشر مع المشاهد. ولم تعد فكرة البرنامج محصورة في مذيع وميكروفون واستوديو، بل تحوّل الإعلام الترفيهي إلى منصّات متنقّلة تنشط في المناسبات والأعياد. ورغم التراجع الذي شهده الترفيه الإعلامي في السنوات الأخيرة، فإنّه يعود اليوم بزخم ملحوظ، متصدّراً شاشات التلفزة عبر منافسات حادّة تهدف إلى جذب أكبر شريحة ممكنة من الجمهور.

مدير كلية الإعلام الفرع الأول رامي نجم (الشرق الأوسط)

الإعلام الترفيهي... القوة الناعمة

يخيَّل للبعض أن الإعلام الترفيهي لا يشكّل مادة مرئية ذات قيمة. غير أنّه في الواقع مساحة أساسية يلتقي فيها الجمهور مع محتوى خفيف وسهل، يخفّف من وطأة الضغوط اليومية ويؤمّن فسحة تواصل إنساني واجتماعي لا تقلّ أهمية عن باقي الأشكال الإعلامية.

ونشهد اليوم دخولها إلى نشرات الأخبار نفسها، إذ خصّصت لها فقرات صغيرة تأتي في نهاية النشرة لتكون بمثابة مسك الختام.

ويعدّ هذا النوع من البرامج القوة الناعمة والخفية لجذب الإعلانات التجارية. وتدر الربح للمحطة التلفزيونية.

رامي نجم: طلابنا يهوون الترفيهي

الإعلامي عماد موسى (الشرق الأوسط)

ويمتهنون الإخباري

يشير مدير كلية الإعلام والتوثيق الفرع الأول في بيروت، الدكتور رامي نجم، إلى أنّ الإعلام الترفيهي يملك خصائص متعدّدة؛ فهو يشبع عين المشاهد ويؤمّن له حاجته الطبيعية إلى التسلية والترفيه. أما بالنسبة لطلّابه، فيصنّف علاقتهم بهذا النوع من الإعلام على الشكل الآتي: «هم يتابعون برامج التسالي، ويتحمّسون لها. لكن عندما يحين وقت اختيارهم المهني، يتّجه معظمهم نحو الإعلام الإخباري. فهم يرون أنّ مستقبلهم كإعلاميين يجب أن يبدأ من بوابة نشرات الأخبار والحوارات واللقاءات السياسية، إضافةً إلى كتابة المقالات المرتبطة بهذا المجال. بالنسبة لهم، الإعلام الترفيهي ليس هدفاً مهنياً أساسياً، لأنّ الاستوديو ومكتب تحرير الأخبار يشكّلان البيئة الأنسب لمهنة الغد». ويضيف الدكتور نجم أنّ البرامج الترفيهية «تصنع نجومها بسرعة، وتُعرف في وقت قصير نظراً لمتابعتها المكثّفة من الجمهور». ويشرح: «لا نفاجأ أحياناً حين نسأل مراهقاً عن الإعلامي مارسيل غانم، فيجهل مسيرته المهنية، فيما يكون على دراية أكبر بأسماء مثل هشام حداد، كارلا حداد، طوني بارود، نظراً إلى حضورهم الواسع في البرامج الترفيهية».

رالف معتوق من أبرز الأسماء اليوم في عالم الإنتاج الترفيهي في لبنان (الشرق الأوسط)

برامج الألعاب والتسلية... صدارة ومنافسة

لا شك أن البرامج الترفيهية شهدت تراجعاً ملحوظاً إثر أزمات متلاحقة شهدها لبنان، فانشغل الإعلام المرئي كما المسموع والمكتوب بتغطية انعكاسات هذه الأزمات على المواطن. وبلغت ذروة هذا التراجع خلال «ثورة 17 أكتوبر» (تشرين الأول). ومن بعدها أصيبت بشلل تام بعيد الأزمة الاقتصادية وانفجار بيروت.

مؤخراً، لوحظ عودتها إلى الشاشة الصغيرة بقوة من خلال برامج الألعاب والتسلية، والفن. وصار اللبناني ينتظر الأعياد والمناسبات لمتابعة هذا النوع من البرامج التي تعود عليه بربح الجوائز ولا سيما المالية منها.

فبرزت برامج تقدم جوائز قيّمة كـ«سيارة الأحلام» وأثاث المنزل والأدوات الإلكترونية ومبالغ مالية. ومن أحدثها «أكرم من مين» على شاشة «إل بي سي آي». و«مع وديع» على قناة «الجديد». و«أنت وحظّك» على محطة «إم تي في» المحلية. وهناك أخرى ترتكز على حوارات فنية مثل «ذا ستايدج» الذي قدّمته الإعلامية كارلا حداد عبر شاشة «إل بي سي آي» ولقي نجاحاً كبيراً.

رالف معتوق: التحديات والمفاجآت أساسية

في زمن ندر فيه بروز شخص مبدع في إنتاج البرامج المسلّية، لمع اسم رالف معتوق الذي يعدّ اليوم من أبرز وأهم صنّاع المحتوى الترفيهي على الشاشة الصغيرة في لبنان. فقد رسّخ مكانته بوصفه واحداً من أكثر المنتجين تأثيراً، فملأ فراغاً امتدّ لعقود.

واتّخذ معتوق من محطة LBCI منصّة ثابتة لإطلاق أفكاره الإبداعية، فبثّ فيها دماً شبابياً وقدّم أعمالاً تحمل طابعاً مختلفاً يقوم على الإبهار والبريق الحديث، ما جعل بصمته حاضرة في كل إنتاج يوقّعه. واتّبع في صناعة المحتوى الترفيهي قاعدة ذهبية ترتكز على ثلاثة عناصر: التحدّي، والمنافسة، والمفاجأة. وقد ارتدت برامجه هذا الأسلوب، فحقّقت أعلى نسب مشاهدة على شاشة «المؤسسة اللبنانية للإرسال». وبات اسمه يُستشهد به عند إجراء مقارنات بين البرامج.

واستطاع معتوق إدخال فكره الإبداعي في برامج أخرى، سواء عبر البث المباشر أو من خلال التغطيات الخاصة للزيارات الرسمية إلى لبنان، وكان من أحدث هذه التغطيات زيارة البابا ليو الرابع عشر. ونجح من خلال هذه البرمجة في مزج العناصر الترفيهية مع الأحداث الرسمية، ما أضفى طابعاً جديداً على أسلوب التغطية الإعلامية اللبنانية.

يقول معتوق لـ«الشرق الأوسط»: «في الإعلام الترفيهي يجب اغتنام اللحظة التلفزيونية (TV moment). وتكمن قوة الابتكار في إجراء معادلة حسابية سريعة ترتكز على سرعة البديهة. والأهم هو التمتع بالحسّ الترفيهي الجذاب، فتحضّ المشاهد على التسمّر أمام الشاشة بصورة لا شعورية».

ويرى معتوق أن الإعلام الترفيهي يشهد اليوم ولادة جديدة. «لقد شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة. أنا شخصياً أربطه بحالة الاستقرار التي تعيشها البلاد. فكلما كانت طاغية على المشهد السياسي والأمني، أسهمت في نضج هذا النوع من البرامج».

يعترف معتوق بأن البرامج الترفيهية تتطلب في معظمها ميزانية ضخمة، لكنه يقول إنها في مرات كثيرة تهدر في المكان الخطأ. ويتابع: «الترفيه الحديث يعتمد على قربه من الناس، حيث يشعرون بأنهم يخوضون تجربة من قلب الحدث. فتلامس مشاعر النوستالجيا والحنين والتجدد في آن. كما أن ثقافات الشعوب تلعب دوراً أساسياً. نحن مثلاً شعب يملّ بسرعة، ولذلك إرضاؤه مهمة صعبة تتطلب الجهد. كما أننا نعاني من غياب نجوم للبرامج الترفيهية، بعضهم لم يجدد هويته، وآخرون توجهوا إلى إعلام من نوع آخر. وأحياناً تلجأ هذه البرامج إلى ممثل أو ممثلة كي تملأ الفراغ. فصنع نجم لبرنامج ترفيهي أمر صعب وشاق».

عماد موسى: عنصر الدهشة أساسي في الإعلام الترفيهي

يمتلك الإعلامي عماد موسى خبرة واسعة في إعداد محتوى البرامج الترفيهية. وفي حديثه مع «الشرق الأوسط»، يقارن بين الماضي والحاضر قائلاً: «المشاهد اليوم يحب عنصر الإبهار بشكل قاطع. فإذا قدّمنا نسخة من برنامج قديم وناجح مثل (نادي النوادي) بالصيغة القديمة نفسها، فلن يحقق النجاح ذاته. لكن المشاهد يتقبّل برنامجاً حديثاً يشبه السابق ويعتمد على عنصر الإبهار، كما في (يلّا ندبك) على شاشة MTV». ويضيف موسى: «حتى برامج الألعاب والمسابقات، إذا غاب عنها عنصر الدهشة، يصبح محتواها ضعيفاً وهزيلاً».