أساطير من زمن خامل

أساطير من زمن خامل

«حكايات الحسن والحزن» الرواية الأولى لأحمد شوقي علي
الأحد - 16 جمادى الآخرة 1439 هـ - 04 مارس 2018 مـ رقم العدد [ 14341]
عزت القمحاوي
في «حكايات الحسن والحزن» الرواية الأولى للكاتب المصري أحمد شوقي علي، نطالع عالم الفقراء المعروف اصطلاحاً بـ«عالم المهمشين».
لطالما تناولت الرواية العربية، والمصرية خصوصاً هذا العالم، حيث يعيش الناس كفاحهم المرير بين ميلاد خطر على يد قابلة، وانسحابهم الكسير في نهاية الرحلة. بطولات يومية من فرط كثرتها وعاديتها تصبح غير مرئية حتى لمن يجترحونها؛ فهم يعيشون ببساطة دون أن يدركوا قيمة بطولاتهم؛ حيث الحياة فخ يجب التعايش معه حتى النهاية.
الكتابة عن حياة كهذه فخ آخر، نجت منه بعض الكتابات، بينما ذهبت كتابات كثيرة إلى النسيان؛ لأنها مثقلة بروح التعاطف السياسي حيناً، وبروح الطرافة أحياناً، دون عبرة ما.
وفي الرواية الجديدة الصادرة عن دار الآداب ببيروت، يطل خطر طرافة الروايات الشفاهية من الكلمة الأولى في العنوان «حكايات»، بينما يقدم المعطوفان «الحسن والحزن» وعداً بذلك التعاطف الذي تعرفه الواقعية الاشتراكية.
وفي متن الرواية، نرى ذلك العالم الذي لا ينطوي على شيء فذ: كامل شاب يتيم أخنف، ينطق اسمه خامل؛ فصار ذلك اسمه المعتمد من الآخرين. يهرب خامل من قريته عبر بحر النيل إلى مكان خالٍ هو «أرض الجوافة»؛ خوفاً من عمه الطامع في الميراث، وفي موجات القص نتعرف على من تركهم خامل وراءه: أمه «مسعدة» التي تسعد الآخرين دون أن يسعدها أحد، والأختان إخلاص وسيدة، والأخ الصغير الذي ولد باسم جابر في ليلة واحدة مع جابر آخر هو ابن الجارة، وقد اتفقت الجارتان أن تسميا ولديهما باسم واحد، لكن الطفل الآخر مات صبياً؛ فتطيرت مسعدة وغيرت اسم ابنها إلى سالم.
يشرع المهاجر في بناء بيته وتأسيس حياته، لكي يتمكن من جمع شمل أسرته، وتمضي الحكايات بطقوس والميلاد ووقائع الحب والغيرة، ومفاوضات الزواج المعتادة في عالم متقشف كهذا، حيث يمكن لملعقة ناقصة عن المتفق عليه في جهاز العروس أن تحول دون إتمام الزواج.
القارئ الذي سينتظر أفراحاً في هذه الحكايات لن يعثر عليها إلا متقشفة ومرتجلة وسط الأحزان، والذي سينتظر أعمالاً خارقة ووقائع حاسمة تصل بالحكايات إلى نهاية لن يجد سوى الدوران اللانهائي في حياة أسرة عادية ليس في عالمها أي إبهار، لكنه سيكتشف بعد أن يختبر لعبة الكاتب، جدوى المضي معه في الرحلة دون أن ينتظر شيئاً أكثر من متعتها، ومشاركة أبطال هذه الرواية في قبول هذا العالم الذي لا يكتمل حتى يتقوض، وفي التصالح مع ضعف الإنسان الفاني في مواجهة قدره العاتي، حيث «كل شيء قريب... الموت والحياة... المقبرة والقابلة. كذلك العودة أو الرحيل ـ الرواية ص 133».
الذي ينقذ هذا العالم من عادية وقائعه المعروفة لغالبية القراء، هو حشد من تقنيات سردية تزيح العادي صوب العجائبي.
تستفيد الرواية من تقنيات سرد «ألف ليلة وليلة» والقص الشعبي، فنرى توالد الحكايات والزمن الدائري الذي يوصل بداية الحكاية بنهايتها، وهناك التأسيس العجائبي لهذا العالم الواقعي منذ البداية؛ فقبل أن يتعرف القارئ على «خامل» سيرى «غريب» الإنسان الذي تحول إلى جن أو توهم ذلك، وحيداً في أرض الجوافة ينتظر جنية أحلامه، وفي انتظارها يسلي نفسه بحكاية خامل، وهكذا يقوم غريب بدور الراوي في الرواية، وتقوم حكايته مع الجنية مقام القصة الإطار في «ألف ليلة وليلة». ومثلما خلقت الرغبة الدموية لشهريار حكايات الليالي، خلقت أشواق غريب للحب عالم خامل وأسرته بأجيالها الثلاثة، وكما تحافظ الليالي على قارئها بانتظار مصير شهرزاد كل ليلة، تتوالى أحلام غريب بالجنية في فصول قصيرة كفواصل بين الحكايات. خامل إذن وعائلته وعالمه، يمكن أن يكون موجوداً، ويمكن أن يكون وهماً، غير موجود إلا في حلم غريب الذي صنعه على شاكلته، تحكمه الهواجس. بعد أن ضيَّع أمانة من المال أودعها عنده آخرون رأى في المنام أن عمه سيدبر له مكيدة تمكن الدائنين من الفتك به؛ فهجر قريته هرباً إلى أرض الجوافة؛ موطن العفاريت التي استوطنها في زمان ما رجال مستوحدون، يحلمون بظل الأنثى، ويحاولون الإنجاب من الأنثى الوحيدة المتاحة: الجوافة.
وتتولى اللغة الخاصة جداً شحن النص بالشجن، وتمكنه من الإمساك بالقارئ، وإقناعه بقبول التحدي الجمالي، دون أن ينتظر شيئاً.
تستفيد لغة الرواية من الكتب المقدسة والشعر والموال ومن زجل الرثاء (الكثير على الموتى) بما تتضمنه هذه الأساليب من فصاحة وعامية وإعادة تأكيد المؤكد بالتكرار، ثم لا يلبث الكاتب أن يعيدنا إلى لغة الحياة اليومية بمفردة يدسها بشكل مباغت فيعيد السرد إلى واقعيته: «أشرت إلى نجمتين بصدرها، وقلت هذه لوزة وتلك بندقة. قالت لِمَ؟ قلت لأن لوزة بها حسنة فهي لوزة، وبندقة ليس بها حسنة فهي بندقة. قالت: يا سلام! ـ الرواية ص 27».
هكذا، تتولى اللغة إسباغ مذاق الغرائبي والأسطوري على وقائع عادية، حتى لتوشك أن تخلق لغريب جنية تهيؤاته وتجعل لـ«رئيسة» زوجة خامل جمال دولثينيا حبيبة دون كيخوتي.
مصر Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة