فهد بن سعود الدغيثر.. نموذج فريد في الانضباط ومدرسة مستقلة في الإدارة

لا يذكر معهد الإدارة العامة في السعودية إلا ويظهر اسمه.. و«فكر» كلمة السر في عمله

فهد الدغيثر والزعيم اللبناني كمال جنبلاط
فهد الدغيثر والزعيم اللبناني كمال جنبلاط
TT

فهد بن سعود الدغيثر.. نموذج فريد في الانضباط ومدرسة مستقلة في الإدارة

فهد الدغيثر والزعيم اللبناني كمال جنبلاط
فهد الدغيثر والزعيم اللبناني كمال جنبلاط

في عام 1965م أصدر مجلس الوزراء السعودي برئاسة نائب رئيس المجلس آنذاك الأمير (الملك) خالد بن عبد العزيز قرارا يقضي بتعيين الأستاذ فهد بن سعود الدغيثر مديرا عاما لمعهد الإدارة العامة، خلفا للأستاذ محمد أبا الخيل، الذي تعين وكيلا لوزارة المالية والاقتصاد الوطني، بعد أن أدار المعهد طيلة ثلاثة أعوام ونصف العام، شهدت بدايات التأسيس ووضع الأسس العامة للمعهد. هذه الثقة التي نالها الدغيثر جعلته يواصل عمله الإداري الذي تميز به وعرف عنه، وليضع بصمة لا يمحوها الزمن في التاريخ الإداري السعودي بقطاعيه العام والخاص، إذ أدار بجدارة وفي وقت مبكر من عمره مصلحة الإحصاءات العامة، ثم معهد الإدارة العامة مدة 14 عاما، وتولى الإشراف على مصلحة الجمارك ونقلها نقلة إدارية شهد له بها الجميع.

في القطاع الخاص، أدار الدغيثر بكل همة واقتدار الشركة العقارية السعودية، التي ولدت في حضنه وترعرعت على يديه في فترة الطفرة الأولى، والتي قدمت لمدينة الرياض نماذج راقية ومشرفة بمشاريعها الإسكانية والتجارية، مما سيأتي تناوله في هذه السيرة، التي تطرحها «الشرق الأوسط» بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل الرجل الإداري الكبير، الذي خسره وطنه إداريا فذا في حياته، قبل أن يخسره برحيله الأخير إلى جوار ربه.

* المولد والنشأة

* ولد فهد الدغيثر في حي «الشرقية» أحد الأحياء التي كانت تشكل الرياض القديمة، وذلك في عام 1936م. وهو ينتمي إلى عائلة كبيرة وعريقة ذات تاريخ وشأن في أحداث منطقة العارض وما جاورها منذ ثلاثة قرون. وكان جده عبد الله أحد قادة الدولة السعودية الثالثة ومن الرجال المقاتلين الذين شاركوا الملك عبد العزيز ملحمة التأسيس والتوحيد والبناء، فقد شارك في عدة معارك، من أهمها «البكيرية»، وتوفي عام 1955م ودفن بجوار الملك عبد العزيز، في مقبرة العود.
وكان والده سعود الدغيثر وجيها من وجهاء مدينة الرياض ومن الجلساء المقربين للأمير (الملك) سعود بن عبد العزيز، وكان نائب رئيس المجلس البلدي في أول تشكيل له، وقد اهتم سعود الدغيثر بأبنائه وحرص على تعليمهم وتأهيلهم لما فيه خدمة الوطن، وسيرة فهد ومنجزاته وأعماله تعكس هذا الاهتمام، حيث أدخله والده بدءا في معهد أنجال ولي العهد، ثم بعث به إلى مدرسة تحضير البعثات في مكة المكرمة، وكانت مقصدا لطالب العلم الذي كان يرغب في مواصلة تعليمه في الآداب والعلوم الشرعية، لكن فهد لم يَرُق له المقام في هذه المدرسة، فكان طموحه أن يتعلم اللغة الإنجليزية وأن يدرس العلوم الطبيعية، لذلك حزم أمره وصمم على مغادرة دار التوحيد بعد أن أمضى فيها شهورا، وتوجه إلى لبنان، الساحرة حينذاك، التي تضم في سهولها وجبالها عددا من الطلاب السعوديين، ممن يدرسون الطب والهندسة والسياسة والإدارة والاجتماع وغيرها من تخصصات لم تكن موجودة في بلادهم السعودية. انضم فهد الدغيثر فور وصوله إلى لبنان إلى المدرسة المتوسطة والثانوية التابعة للجامعة الأميركية في بيروت. ويذكر زميله في الدراسة الأستاذ تركي الخالد السديري أن فهدا كان جادا في دراسته، ولم يكن يلعب معهم كرة القدم، كان فقط يشتري الصحف والمجلات ويقرأها بنهم شديد.
بعد أن تخرج في الثانوية التابعة للجامعة الأميركية في بيروت عام 1951م قرر أن يواصل دراسته الجامعية في الجامعة الأميركية في القاهرة وليس بيروت، كأنما أراد أن يتنفس هواء الحرية في بيروت ويستنشق عبيرها في مرحلة الشباب الباكر، وأن يظفر بما بقي من مجتمع الثقافة والآداب والفنون في القاهرة قبل أن ينحسر مجده، ذاك حينما كانت القاهرة تعيش أعز وأرقى فتراتها ليبرالية وتنويرا وإشعاعا حضاريا.
وصل فهد الدغيثر إلى القاهرة وانتظم في الجامعة الأميركية متخصصا في الاقتصاد، وقد نال الشهادة في عام 1955م وخلال سنوات دراسته الجامعية عايش في القاهرة وشاهد مسرحها الثقافي العربي الكبير، الذي اتسع لكل آمال المهاجرين وقاصديها من طلبة ودارسين، فكان لتعليمه الأولي في لبنان ودراسته الجامعية في القاهرة الأثر الكبير في تكوين شخصيته، بما عرف عنها لاحقا من صرامة وجدية، وحزم وعزم في العمل الإداري، مع روح شابة مرحة رافقته طيلة المسيرة، وتواضع جم كبير، لا يدركه إلا من تعامل معه عن قرب.
بعد عودته من القاهرة توجه فهد الدغيثر إلى العمل في مؤسسة النقد العربي السعودي بوظيفة «باحث اقتصادي» وفي المؤسسة المصرفية الكبرى، تعرف على طبيعة العمل الإداري والمالي، وما يواجهه من تحديات وما يتطلبه من تحديث وتطوير في أنظمته. ولا شك أنه حقق نجاحات في مؤسسة النقد جعلت الشيخ عبد الله بن عدوان وزير الدولة للشؤون المالية والاقتصاد الوطني، يصدر قرارا بتاريخ 18 - 5 - 1380هـ (1960م) بنقل خدمات الموظف فهد الدغيثر، الذي يعمل في المرتبة الرابعة في مؤسسة النقد إلى الإدارة العامة للشؤون الاقتصادية في وزارة المالية والاقتصاد الوطني بالمرتبة ذاتها، وبراتب شهري قدره ألف ومائتا ريال. في هذا الموقع الإداري الجديد، وضع فهد الدغيثر أولى خطواته للمساهمة الإدارية الوطنية الفذة، حينما أسندت إليه إدارة الدراسات الاقتصادية في وزارة المالية والاقتصاد الوطني، ثم بعد عامين أصبح مديرا عاما لمصلحة الإحصاءات العامة وهو في الـ27 من عمره، وفي هذه المصلحة قام الدغيثر بعمل أول تعداد للسعوديين والمقيمين، غير أن هذا الإحصاء المبكر لم يفصح عنه، بل بقي رقما خاصا لدى المصلحة، وكان السبب في عدم الإفصاح عنه هو ما أظهرته الأرقام من قلة عدد السكان حينذاك!

* إلى معهد الإدارة

* بعد أن أسس الدغيثر مصلحة الإحصاءات العامة ووضع أسسها وأنظمتها، ومارست دورها في إجراء أول تعدد سكاني تحت إشرافه، ودع هذه المصلحة إلى معهد الإدارة العامة للعمل مساعدا للمدير العام الشيخ محمد أبا الخيل، وذلك في عام 1964م لأشهر معدودات، ليصبح بعدها وفي السنة ذاتها مديرا عاما لمعهد الإدارة العامة ولمدة 14 عاما، ارتبط المعهد باسمه واقترن به حتى بعد أن غادره، إذ لا يذكر المعهد اليوم إلا ويذكر الدغيثر، فهو المؤسس الثاني للمعهد وباني أنظمته، ومؤسس مكتبته الشامخة، الفريدة والمتميزة في العالم العربي.
جاء تأسيس معهد الإدارة العامة استجابة لتوصيات شركة «فورد» الأميركية التي استقدمتها الحكومة السعودية لدراسة الوضع الإداري المتدني، وتقديم الحلول الممكنة في الإصلاح الإداري والمالي وتطوير القوى العاملة في الدولة، فكان ثمة توصيات مهمة في هذا الجانب منها إنشاء المعهد ومشروع إنشاء أجهزة حكومية خارج عباءة البيروقراطية وغيرها. وقد أصدر الملك سعود عام 1960م مرسوما ملكيا بالموافقة على نظام المعهد، الذي من أبرز مهامه رفع كفاية موظفي القطاع العام وتدريبهم، والمساهمة في التنظيم الإداري للحكومة وإجراء البحوث الإدارية وغيرها. وقد ربط المعهد ماليا وتنظيميا بوزارة المالية والاقتصاد الوطني، وكان من حسن حظ المعهد وحظ مديره العام أن تولى رئاسة المجلس لمدة 13 عاما الأمير مساعد بن عبد الرحمن، وزير المالية والاقتصاد الوطني، والمدرسة الإدارية الفذة والمؤسس الأول والحقيقي لمعهد الإدارة العامة والحاضن والداعم للمواهب والكفايات الإدارية السعودية، فكان وجوده على رأس مجلس الإدارة خير داعم للمدير العام كي ينطلق نحو تنفيذ وتحقيق الأهداف العامة للمعهد دون أي عوائق، وهذا ما وجده محمد أبا الخيل ثم فهد الدغيثر في سنواته التي قضاها مديرا عاما للمعهد، حيث شهد المعهد في فترة إدارة فهد الدغيثر توسعا كبيرا وتنظيما جديدا نتيجة لتنوع البرامج التي جرى استحداثها والإدارات التي جرى إنشاؤها، فقد استُحدثت إدارة مستقلة لمكتبة المعهد وإدارة خاصة بمركز الوثائق كما جرى تأسيس مركز اللغة الإنجليزية ومركز البحوث والاستشارات الإدارية، الذي يمد خدماته واستشاراته ليس للجهات الحكومية السعودية فحسب، بل إلى عدد من دول الخليج وكثير من المنظمات العربية والإسلامية. كما جرى في عهد الدغيثر استحداث إدارة البرامج الإعدادية وإدارة البرامج العليا ومركز الوسائل السمع بصرية. كما جرى إنشاء برنامج خاص في المعهد يقدم دورة مكثفة في الأنظمة السعودية، مدته سنتان لخريجي كليات الشريعة، بحيث يتمكنون من العمل بعد البرنامج مستشارين قانونيين في الوزارات. يقول غازي القصيبي: «طلب مني الصديق الأستاذ فهد الدغيثر أن أشرف على هذا البرنامج. كانت المهمة تحديا مثيرا إلى أبعد الحدود، وقد أعطاني فهد كل الصلاحيات المطلوبة ووقف معي في كل خطوة من الطريق. وضعت مفردات المنهج بالتشاور مع عدد من المختصين، واتفقت مع بعض الزملاء السعوديين على التدريس فيه. سافرت إلى القاهرة للتعاقد مع أساتذة جامعيين مصريين. كان البرنامج يقتصر على تدريس الأنظمة السعودية المطبقة في البلاد، ولم تكن له أي علاقة بقوانين أجنبية غير إسلامية، إلا أن بعض الأخوة الكرام المشتغلين بالعلوم الشرعية لم يتمكنوا من فهم طبيعة البرنامج وتصوّروه مقدمة لتطبيق القوانين الأجنبية الوضعية في المملكة. كنت خلال الإعداد للبرنامج قد اجتمعت بعدد من هؤلاء الإخوة، ولاحظت هذا القلق، وتحدثت عن البرنامج بإسهاب، وتصورت أنني نجحت في إزالة مخاوفهم. حقيقة الأمر أنني لم أنجح في هذا المسعى». ورغم أن غازي القصيبي لم ينجح في مسعاه، فإن البرنامج أخذ طريقه بفضل جهود الدغيثر، الذي لم يتراجع ولم يتضعضع له كاهل أمام تلك المطالبات والنداءات التي شوهت صورة البرنامج وعملت جهدها على إيقافه. واليوم، فإن أغلب المستشارين القانونيين في وزارات الدولة هم من خريجي هذا البرنامج، الذي أسسه الدغيثر قبل تأسيس قسم القانون في جامعة الملك سعود بسنوات، فكان أن سد البرنامج فراغا كبيرا في قطاع الاستشارات القانونية والمحاماة في أجهزة الدولة المختلفة. كما اهتم الدغيثر ببرنامج الابتعاث لموظفي ومدربي المعهد، حتى إنه في سنة من السنوات كان عدد المبتعثين من معهد الإدارة يفوق عددهم ممن ابتعثتهم وزارة المعارف، حينما كانت هي المسؤولة عن الابتعاث.
كان فهد الدغيثر حازما وحاسما في إدارته للمعهد، يأتي للمعهد في ساعة مبكرة جدا، وكان يسبق موظفي المعهد في الحضور، ليبدأ بتفقد قاعات التدريب بنفسه ثم يزور الموظفين وأعضاء هيئة التدريب في مكاتبهم، ويكتب لكل موظف غير موجود في مكتبه ورقة صغيرة: «صباح الخير.. فهد الدغيثر»، وينصرف! ويذكر الدكتور هلال العسكر، أحد أعضاء هيئة التدريب في المعهد، أنه حضر ذات يوم إلى المعهد مبكرا وقبل بدء الدوام بساعة، فوجئ بأن مدير عام المعهد في حديقة المعهد يقلم أشجارها! فسأله: أنت يا صاحب المعالي من يقلم الأشجار؟ أين العمال؟ فرد عليه: كلنا عمال! فباشر الدكتور هلال العمل معه من الساعة السادسة والنصف إلى السابعة والنصف، موعد بدء الدوام!
كان الدغيثر عمليا إلى أبعد حد، لا تستهويه المظاهر، ولا يحبذ لبس المشالح، لذلك كان كثيرا ما يكون في مكتبه أو في اجتماعاته أو في جولاته الصباحية حاسر الرأس، وقد فوجئ الشاب إبراهيم المنيف حينما تقدم إلى مكتب المدير العام طالبا وظيفة في منتصف الستينات ووجد الدغيثر من دون غترة أو عقال. يقول المنيف: «هذه ظاهرة أراها لأول مرة لمدير عام مسؤول دون غترة وعقال! لا شك أنه أبهرني بلطفه وأسئلته الذكية عن تمكني من اللغة الإنجليزية. أذهلني تواضعه وسرعته في اتخاذ القرار الذي قدمه باتصاله مع مدير عام الشؤون المالية والإدارية صالح العمير، الذي وجهني إلى مدير شؤون الموظفين محمد الطويل، وفي اليوم نفسه توجهت لإجراء الفحص الطبي في مستشفى الشميسي».
وذات مرة في أواخر الستينات كان فهد الدغيثر يرأس اجتماعا في المعهد، وكان كعادته حاسر الرأس، وإذا بسكرتيره يخبره همسا بأن الأمير نايف بن عبد العزيز قدم إلى المعهد في زيارة خاصة، ولم يكن الأمير نايف وقتها قد تعين نائبا لوزير الداخلية، فما كان من فهد الدغيثر إلا أن نزل مسرعا ليستقبل ضيفه الذي قدم دون موعد مسبق، فاستقبل الدغيثر الأمير نايف دون غترة وعقال! واعتذر له بأنه كان في اجتماع لإدارة المعهد، فقال له الأمير نايف إنني جئت لزيارتكم نظرا لما سمعته عن المعهد من تميز في برامجه، وإنني أرغب الانضمام إلى برنامج اللغة الإنجليزية، فأخذه الدغيثر إلى مدير برنامج اللغة الإنجليزية، الذي شرح له البرنامج ومدة كل دورة، فعرض الأمير نايف على الدغيثر الانصراف إلى عمله إن أراد، فانصرف الدغيثر ليواصل اجتماعه.
لذلك كان المعهد طيلة وجود الدغيثر نموذجا فريدا في الانضباط. كانت فلسفته الإدارية أنه لكي تضبط حضور موظفيك، عليك أن تحضر مبكرا وتخرج بعدهم! يقول الدكتور المنيف عن تلك المرحلة: «أعتقد جازما أنه لم يأتِ قائد إداري مماثل له، من حيث قدراته الإدارية المميزة، التي أسست جذورا في معهد الإدارة العامة في التركيز الشديد على الوقت والالتزام به بشكل لافت، فالحضور والدوام وبدء المحاضرة يكون بالدقيقة، ودون تأخر لأي أستاذ أو طالب مهما كانت الظروف. هذه ظاهرة أسسها فهد الدغيثر وبقيت من بعده، واستدامت بكل تجذر دون منازع».
كان معهد الإدارة العامة في عهد فهد الدغيثر أول جهة حكومية تطبق نظام المكاتب المفتوحة في أغلب إداراته، خاصة المكتبة. يقول الدكتور المنيف، الذي تولى إدارة مكتبة المعهد: «ساهمت سيدة فاضلة أميركية شابة تحمل الماجستير في علم المكتبات وزوجة أحد الخبراء الاقتصاديين من لبنان، بوزارة المالية آنذاك، بالعمل معي في المكتبة المفتوحة دون سواتر أو قواطع، وضمن فريق العمل. كانت هذه السيدة تحضر يوميا إلى مكتبة المعهد بملابسها العادية وفستانها القصير، وتعمل معنا أنا وزملائي أحمد المعجل وعبد الله العوهلي ومصطفى السدحان وعبد الرحمن الجويرة، بمكاتبنا المفتوحة أمام جميع مرتادي المكتبة، الذين كان عدد كبير منهم من العاملين في المعاهد الدينية العليا. أتذكر جيدا أن أحد كبار المديرين وأصبح وكيلا لوزارة العدل لاحقا ممن كان ببرنامج اللغة الإنجليزية، والإدارة المتوسطة بوظيفة مدير عام، يتردد يوميا على المكتبة حينذاك، لم يقل شيئا ولم أسمع منه أو من غيره أي ملاحظة أو تعليق على وجود هذه السيدة معنا».
من الإسهامات المهمة لفهد الدغيثر في معهد الإدارة بناء وتأسيس مكتبة المعهد وتزويدها بكل المراجع الخاصة في الاقتصاد وعلم الإدارة باللغتين، العربية والإنجليزية، حتى غدت المكتبة فريدة من نوعها في العالم العربي، ومعلمة ثقافية في مدينة الرياض يزورها ضيوف الدولة من سياسيين وغيرهم، وقد تعرضت المكتبة لهجوم عنيف من عدد من المتشددين في منتصف السبعينات بوصفها تضم كتبا شيوعية وقد شكلت لجنة أبطلت تلك الادعاءات.
وطيلة عمل الدغيثر في إدارة المعهد كان يضع على مكتبة لوحة مكتوب عليها كلمة واحدة فقط، هي: «فكر»! وبإجمال فإن المحامي محمد الهوشان يوجز دور معهد الإدارة ودور قائده الدغيثر، بقوله: «ما كان للإدارة الحكومية أن تصل إلى ما وصلت إليه من تطور، لولا هذا المعهد العتيد، الذي أرسى قواعده الفقيد».

* في الجمارك أيضا

* أثناء انهماك فهد الدغيثر في عمله في معهد الإدارة العامة وفي ذروة إنتاجه وعطائه، خاصة بعد أن تحسنت موارد الدولة في مطلع السبعينات الميلادية، وزادت ميزانية المعهد عما كانت عليه من قبل، كلفه الأمير مساعد بن عبد الرحمن وزير المالية والاقتصاد الوطني بالعمل مشرفا عاما على مصلحة الجمارك العامة، إضافة إلى عمله مديرا عاما لمعهد الإدارة العامة، وذلك نتيجة لما كانت تشهده مصلحة الجمارك من مشكلات مالية وإدارية تفاقمت عبر السنين، فلم يجد الأمير مساعد بدا من تكليف الدغيثر، الذي نهض بالمعهد وأوقفه على قدميه صرحا إداريا، فقبل الدغيثر التحدي الكبير وتوجه إلى مصلحة الجمارك العامة، محملا بخبرته الإدارية الكبيرة وبحزمه وعزمه وصرامته المعهودة وعدم مجاملته لأي أحد، مهما كان، على حساب العمل والنظام.
في فترة زمنية وجيزة نهضت مصلحة الجمارك العامة من سباتها، وانحلت مشاكلها المالية والإدارية، وأصبحت نموذجا من نماذج الإدارات الحكومية المميزة، حيث أعاد الدغيثر هيكلتها وأرسى فيها قواعد وأنظمة للعمل الإداري المنظم، ولم يستثن أحدا من نظام الجمارك طيلة عمله مشرفا عليها.

* إلى القطاع الخاص

* مع كل هذه الإنجازات الإدارية الفذة التي برع فيها الدغيثر على مدى 20 عاما من العمل الحكومي، ورغم تفانيه ووطنيه التي شهد له بها الجميع، إلا أنه آثر الخروج من العمل الحكومي برغبته واختياره، رغم إلحاح الكثيرين عليه من أصدقاء وزملاء، ورغم ما يمثله خروجه من خسارة كبرى في الإدارة السعودية، الذي كان هو أحد بناتها ومرسيي دعائمها، ورغم أنه عرض عليه - كما يقول أصدقاؤه - العمل وزيرا للصحة، إلا أنه قد عزم أمره بالرحيل، فكان له ذلك في عام 1978م.
ويعلل الأستاذ تركي الخالد السديري سبب خروج الدغيثر من العمل الحكومي بأنه نتيجة للتحولات التي طرأت على المشهد المحلي، من الناحية الإدارية والمالية، حيث جرى في عام 1975م تشكيل مجلس وزراء جديد خرج منه الأمير مساعد بن عبد الرحمن وزير المالية والاقتصاد الوطني، والذراع اليمنى للملك فيصل بن عبد العزيز في تنفيذ مشروع الإصلاح الإداري، إضافة إلى الصعود الكبير في أسعار النفط، وبالتالي الارتفاع غير المعهود في واردات الميزانية، وكان لهذه التحولات أثر سلبي على مسيرة برنامج الإصلاح الإداري، إذ بحكم الوفرة المالية أصبح التركيز يجري على الجانب الكمي على حساب النوعية.
يقول الأستاذ تركي الخالد السديري: «أهملت في هذا المضمار البدائل التنظيمية الأفضل لتنفيذ تلك المشاريع، وخاصة ما له صلة بحسن الأداء في غالبية ما كان يبذل من أنشطة إدارية وفنية ذات الصلة بما يدور ضمنها بتلك المرحلة»، حيث أخذ برنامج الإصلاح الإداري في التراجع بصورة تدريجية، وجرى الاستغناء عن خبراء مؤسسة «فورد». يضيف السديري قائلا: «تابع الأخ فهد عن كثب هذه التحولات بحكم صلته الوثيقة بالبرنامج وما كان يمكن أن يحققه في مراحل أخرى مقبلة، لو استمر على ذات المنوال، وفي ضوء ذلك اختار الأخ فهد النأي بنفسه نهائيا عن مسؤوليات العمل الرسمي عندما طلب إحالته للتقاعد».
ورغم أنه تقاعد وغادر العمل الحكومي، فإنه أرسى دعائم مؤسسة إدارية فريدة، كان لها طلابها المخلصون، الذين تأثروا به واقتفوا أثره، منهم على سبيل المثال مطلب النفيسة ومحمد الطويل وصالح العمير وعبد الرحمن أبو حيمد وحمد الرشودي ومنصور عبد الغفار وحمد الشاوي وعبد الرحمن الشقاوي، وغيرهم ممن تسنموا مناصب إدارية قيادية عالية في الإدارة السعودية.
وكانت الحكومة السعودية قد أسست الشركة العقارية السعودية في عام 1976م، وقد أصدر ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء آنذاك الأمير (الملك) فهد بن عبد العزيز قرارا بتعيين الأستاذ فهد الدغيثر رئيسا لمجلس إدارة الشركة ورئيسا تنفيذيا لها. ومن أبرز أهدافها تملك الأراضي وتطويرها وإقامة المباني السكنية والتجارية وشراء وإنتاج المواد والمعدات اللازمة للبناء وبيعها وتأجيرها. وجرى طرح عدد من أسهمها في السوق المالية، وقد مكث الدغيثر عشرة أعوام في هذه الشركة حققت خلالها كثيرا من المنجزات والقفزات المتتالية، ومن أبرز المشاريع التي وقف الدغيثر عليها بنفسه وأشرف على قيامها مشروع عقارية الستين، وكذلك مشروع بناء 1500 وحدة سكنية في العليا مع مشروع عقارية العليا رقم 1 وعقارية العليا رقم 2. كما جرى تنفيذ عقارية الستين الثانية، وتنفيذ عدد من الوحدات السكنية في حي السفارات، وكذلك مشروع شارع الضباب، وغيرها من مشاريع.
وفي منتصف الثمانينات، قرر الدغيثر أن يتفرغ لنفسه ولأبنائه، فغادر الشركة العقارية بعد أن بناها بنفسه وتعهدها بالرعاية والاهتمام، وظل حتى انتقاله إلى جوار ربه (صيف 2012م) موئلا ومقصدا لأصدقائه ومحبيه والمعجبين به يستقبلهم في منزله في حي النموذجية، وانهمك في القراءة المتنوعة، ويحتفظ بمكتبة منزلية قل نظيرها. وطيلة مسيرته تزوج مرتين؛ الأولى مضاوي الدغيثر، وبعد فراق تزوج الجوهرة آل الشيخ، وأنجب من الأبناء والبنات زياد وعماد وفؤاد وسعود وبدر وعبد الله ونوف وفدوى. وقد درس جميع أبنائه في الجامعات الغربية على نفقته الخاصة رافضا ابتعاثهم على نفقة الحكومة كي لا يأخذوا مقاعد هناك من الشباب السعوديين هناك من يستحقها أكثر منهم! وحينما كان ابنه زياد يدرس في أميركا مطلع الثمانينات تعرف إلى شاب سعودي يدرس على حسابه الخاص، فرغب هذا الشاب من زياد أن يطلب من والده أن يسعى له بإلحاقه بالبعثة السعودية، فجرى له ذلك خلال أقل من أسبوع! واليوم ورغم ضخامة برنامج الملك عبد الله للابتعاث، إلا أنه ابنه عبد الله يدرس في جامعة جنوب كاليفورنيا على نفقة والده، للسبب ذاته، وهو أن لا يأخذ مقعدا هناك من هو هناك أولى منه به!
إن سيرة ومسيرة فهد الدغيثر يختصرها صديقه أمير نجران الأسبق الأستاذ فهد الخالد السديري بقوله: «كان عملاقا في نزاهته، متمكنا في حسن إدارته، ضالعا في الخبرة والموهبة الاقتصادية، وكلما تذكرت إنسانيته ووفاءه وكرمه زادت الحسرة عليه».



مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
TT

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثي «أنصار الله» إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسماء المدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكاناً لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم.

وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة، شرعت في إنشاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المدرسة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جديدة تحمل اسم «مدارس شهيد القرآن»، منظومةً بديلة.

سطو وتمدد

ترافق ذلك بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلاً التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية جديدة محل التعليم الرسمي.

ولم يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، بل امتد أيضاً إلى عدد من المساجد المهمة كالجامع الكبير في ذمار وما يعرف بالمدرسة الشمسية، وكذلك جامع الفردوس في حي سعوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن».

تلاميذ في باحة مدرسة مدمرة في صنعاء وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن أكثر من مليوني طفل يمني وأكثر من 170 ألف أستاذ باتوا خارج التعليم (غيتي)

في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان على امتداد المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المدن وعواصم المحافظات فحسب، خصوصاً أنها تعتمد مشروعاً تعبوياً مغلقاً. فيعيش الطلاب في بيئة داخلية توفر لهم السكن والمعيشة والمستلزمات، وفي الوقت نفسه تغرس فيهم هوية فكرية مرتبطة بالجماعة، وهو ما يتجلى في انتقاء هذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في 3 مارس (آذار) 2024، أعلنت سلطات الحوثيين عن تخرج ثلاثة آلاف طالب من شبكة مدارس «شهيد القرآن» الداخلية.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سنتين فقط من العمل المغلق للجماعة داخل تلك المدارس، فإنه سيبدو كبيراً جداً مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس الذي بدأت ملامحه تتضح في عام 2022.

وتتحدث وسائل إعلام الجماعة عن أن تأسيس هذه المدارس بدأ عام 2022، بمدرسة واحدة في العاصمة، ثم مدرسة في كل محافظة، قبل أن تنتشر بوقت قياسي خصوصاً في العاصمة صنعاء.

وبحسب بعض المعطيات، فإن التجربة استلهمت من «حزب الله» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كانت جماعة الحوثي لا ينقصها هذه الأفكار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويمكن العثور في خطابات مؤسسها حسين الحوثي على أفكار تتضمن مشروعاً تعليمياً، كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المدارس «تُعد جزءاً من مشروع الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية».

هياكل إدارية غير معلنة

اتخذت الجماعة الاسم الرسمي لمدارسها (مدارس شهيد القرآن الثانوية للعلوم الشرعية)، دون الإفصاح عن المزيد من المعلومات حول قرار الإنشاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد في عدم ذكر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدراً لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تصوراً واضحاً عن تلك المنشآت.

فعلى سبيل المثال، يشير أحد الإعلانات الذي ورد في صفحة الإدارة التعليمية لمديرية السبعين على «فيسبوك» عن «قرار جمهوري» بإنشاء تلك المدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخرى وما إذا كان هناك قرار جمهوري فعلاً، يتبين أن لا معلومات دقيقة.

أيضاً هناك أخبار أن لهذه المدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بدر الدين الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي.

طفل يمني يعبر الشارع قرب آلية عسكرية (إ.ب.أ)

وبالمثل يمكن العثور على معلومات تتعلق بتلك المدارس في الإعلان الذي أوردته ثانوية العلوم الشرعية التابعة لجامعة دار العلوم الشرعية عن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن.

أيضاً هناك «الإدارة العامة للمدارس الثانوية للعلوم الشرعية»، التي يبدو أنها إدارة مستجدة في وزارة التربية ويديرها القيادي في الجماعة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المدارس، حيث ستكون هذه الإدارة حاضرة في عدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلاً تتبع تلك الإدارة، حيث قد يبدو الأمر شكلياً هنا وهناك.

وفوق كل ذلك يأتي اسم «التعبئة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظيفته الأساسية تعبئة المجتمع واستقطاب الشباب والموظفين، وتنظيم دورات عسكرية وآيديولوجية، ويتبع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والجهات الدينية. هذا الجهاز حاضر بقوة أيضاً في المدارس، حيث عادة ما تتم الإشارة إلى حضور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك التدشين. وذلك نمط معتمد لدى كل من «حزب الله» اللبناني والفصائل الموالية لإيران في العراق كما أنه نموذج عملت عليه إيران نفسها داخلياً لسنوات طويلة.

لا رقابة رسمية

يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل في إحدى مديريات محافظة صنعاء، وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم.

وبحسبه، فإن إدارة هذه المدارس مرتبطة بمكاتب أنصار الله الثقافية والتربوية، وليست خاضعة للرقابة التعليمية التقليدية.

كذلك تتلقى مدارس «شهيد القرآن» دعماً مباشراً من جماعة الحوثيين «أنصار الله» عبر مكاتبها الثقافية والتربوية. أما المصادر المحتملة لذلك الدعم فهو موارد الجماعة (جبايات، دعم داخلي)، ومساهمات إجبارية من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها.

وبينما لا توجد بيانات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي من صندوق الزكاة ومن الهيئة العامة للتعبئة، ما يعكس طبيعة ارتباطها المباشر بالمؤسسات العقائدية والمالية للجماعة.

طفلان يبيعان الحلوى خلال تظاهرة مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

شروط القبول والاستقطاب

مع بداية كل عام دراسي، وتحديداً من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الجماعة موسماً دراسياً ضاربة عرض الحائط بشيء اسمه الموسم الدراسي الشتوي المعتمد عالمياً، يتم الإعلان عن فتح باب الالتحاق للطلاب الذين أنهوا المرحلة الأساسية، بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وأن يجتازوا مقابلات شخصية واختبارات قبول دقيقة تتضمن معايير تتعلق بالالتزام العقائدي، والاستعداد للتفرغ الكامل لعامين كاملين دون انقطاع.

وتعدّ المميزات المعروضة للطلاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنشطة يومية مكثفة تُعرّف بأنها «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولاً دراسية، جامعاً، وقاعات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة.

في الوقت الحالي تعمل مدارس «شهيد القرآن» أساساً على مستوى التعليم الثانوي (ثلاث سنوات)، وليس على مرحلتي الابتدائي أو الإعدادي، لكنها مشروع يتوسع تدريجياً وقد أعلنت الجماعة نيتها أن يشمل لاحقاً مراحل دراسية أخرى.

ويمنح الطلاب المتخرجون في تلك المدارس شهادات اعتراف مباشر من «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهي مؤسسة تابعة أيضاً للجماعة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعلام، الإدارة، الدراسات الإسلامية، الشريعة والقانون، إضافة إلى قبول خريجيها في الجامعات الحكومية والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة.

أطفال يمنيون في صنعاء (غيتي)

برنامج صارم وترغيب للأساتذة

على الرغم من غياب المعلومات التفصيلية وعدم وجود برنامج مُعلن يوضح آلية التعليم داخل مدارس شهيد القرآن، فإن تصريحات مديري بعض الفروع تكشف ملامح يومٍ دراسي مُنهك يمتد من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء.

يقول أحمد الكرشمي، المشرف الثقافي في مدرسة شهيد القرآن في بني الحارث – صنعاء، إن اليوم يبدأ عند الساعة الرابعة فجراً، حيث يتجمع الطلاب لأداء طقوس الاستغفار وصلاة الفجر جماعة، ثم يجلسون في حلقات لقراءة القرآن الكريم حتى السادسة صباحاً. بعدها يتناولون الإفطار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بدء الحصص الدراسية الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً.

وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عصراً، يبدأ البرنامج العقائدي المكثّف الذي يشمل دراسة «الملزمة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفلام وبرامج وثائقية تُنتجها الجماعة كجزء من عملية «التثقيف الإيماني» المستمر. ويمتد هذا الإيقاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومعزولة عن الأسر، باستثناء الإجازات الطويلة، في إطار منظومة تعليمية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الطلاب وترسيخ الولاء العقائدي.

لا يتوقف الاستقطاب عند الطلاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتبهم وفرص عملهم، يلجأ العديد منهم إلى العمل في مدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لبرامج تثقيفية عقائدية تشمل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مع توجهات الجماعة قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة وبرامج غير صفية

تكشف الأنشطة التي تُنفَّذ داخل مدارس شهيد القرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بين الطلاب وقيادات الجماعة ورموزها العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لزيارة قبر حسين بدر الدين الحوثي في مران، وضريح صالح الصماد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُتلت في الحرب، وتُقدَّم هذه الزيارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة.

كما تحيي المدارس سنوياً مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، عبر فعاليات خطابية ومسيرات وعروض مسرحية يجسّد فيها الطلاب مشاهد قتالية باستخدام أسلحة غير حقيقية، في محاكاة درامية لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب.

بحسب مدير مدرسة «شهيد القرآن» في أمانة العاصمة عبد الله سمينة، فَإنَّ «هذه المدرسة تطبق نموذجَ المدرسة الداخلية؛ وإلى جانب تعليمِها للمواد الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية تهتم أَيْـضاً بجوانبِ التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب».

ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خرجوا من المدرسة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الأنشطة في المدارس ليست عشوائية، بل جزء من برنامج تعبوي متكامل.

وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والظهور أمام الكاميرا، ويشاركون في تمثيل مشاهد قتالية، ويخضعون لأنشطة أمنية مثل لعبة (كشف الجاسوس)... كل شيء في المدرسة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم».

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

من الفصل إلى العرض العسكري

للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأسلحة، كما يحدث أن تنظم مدرسة ما عرضاً عسكرياً لطلابها، كما فعلت مدرسة شهيد القرآن للعلوم الشرعية بمحافظة ريمة بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025.

وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري للمدرسة نفسها، حيث تمتلئ الفصول والساحات بصور قيادات الجماعة وشعاراتها وعبارات طائفية مرتبطة بالهوية الإيمانية، ما يجعل الطالب محاطاً بشكل دائم بالرموز والرسائل التي تسعى الجماعة إلى غرسها في وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكرياً وروحياً».

طلاب ينسحبون تحت الضغط

صادق (اسم مستعار)، أحد طلاب تلك المدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بأن التعليم في منطقته أصبح «عقائدياً بالكامل». تحدّث إلينا صادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحاً أن اليوم الدراسي لم يعد قائماً على ست حصص كما يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تتضمن «محاضرات تثقيفية» داخل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً.

يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الطلاب الإجابة يضربه ضرباً شديداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور».

ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الصبر، الجهاد، الولاية»، مؤكداً وجود تسرّب كبير للطلاب بسبب الضغط النفسي والبرامج المفروضة.

تظاهرة شبيبة تابعة للحوثيين تأييداً لإيران وحزب الله في العاصمة صنعاء (أ ف ب)

أجيال برؤى متناقضة

وجود هذه المدارس يخلق ازدواجية بين التعليم الرسمي (المعترف به وطنياً ودولياً) والتعليم الموازي، ما يضع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية.

ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تصريحات ملقنة لطلاب منخرطين في تلك المدارس، وهي تصريحات تكشف مدى التعبئة التي تجعل من المدارس الأخرى متهمة في نظرهم بأنها لا تقدم علماً ولا وعياً حقيقيين. هذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماماً على التعليم الرسمي.

كأن يقول أحدهم مثلاً إن «المدارس الأخرى تبني جيلاً غير متماسك وغير واعٍ ومعرض للخطر والاستهداف».

هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلاً حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله.

فالتعليم الذي يفترض أن يكون فضاءً للتفكير والنقد وبناء المستقبل، جرى اختزاله بمنصة تعبئة، تُقصي الآخر وتعيد هندسة وعي الأجيال على مقاس مشروع عقائدي، ستكون كلفته باهظة على البلد ومستقبله.


«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.