مكاسب «داعش» في العراق حصيلة سنوات من الإعداد

كتيبات للتنظيم يعود أحدها إلى عام 2007 حددت رؤيته واستراتيجيته

مكاسب «داعش» في العراق حصيلة سنوات من الإعداد
TT

مكاسب «داعش» في العراق حصيلة سنوات من الإعداد

مكاسب «داعش» في العراق حصيلة سنوات من الإعداد

عندما اجتاح مسلحون إسلاميون مدينة الموصل العراقية الأسبوع الماضي، وسرقوا من المصارف مئات الملايين من الدولارات، وفتحوا أبواب السجون وحرقوا مركبات الجيش، حياهم بعض السكان وكأنهم محرِّرون، بينما ألقوا الحجارة على الجنود العراقيين المنسحبين.
استغرق الأمر يومين فقط لكي يصدر مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام فتاوى بتنفيذ أحكام الشريعة التي سيحكمون بموجبها، وانتقوا بعض رجال الشرطة وموظفي الحكومة لإعدامهم من دون محاكمات.
وبدا أن الاجتياح السريع لتنظيم الدولة، الذي يضم بضعة آلاف من المقاتلين، في الموصل ونحو الجنوب أخذ الكثير من المسؤولين العراقيين والأميركيين على حين غرة. لكن كانت المكاسب بالفعل تحقيقا لاستراتيجية استغرقت أعواما من بناء الدولة التي كانت الجماعة تعلن عنها بنفسها.
ويقول براين فيشمان، الباحث في مكافحة الإرهاب في مؤسسة «أميركا الجديدة»، في إشارة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق»، الاسم السابق للجماعة التي انبثق عنها تنظيم داعش: «ما نراه في العراق اليوم يشكل بطرق متعددة قمة ما كان يسعى إليه تنظيم الدولة الإسلامية في العراق منذ تأسيسه في عام 2006».
وفي الوقت الحالي، في حين يدرس الرئيس أوباما شن غارات جوية وتقديم مساعدات عسكرية أخرى لمنع تقدم المسلحين في العراق، تشير دراسة تاريخ الجماعة من خلال وثائقها الخاصة إلى أنها أكثر طموحا وفاعلية مما تصور المسؤولون الأميركيون عندما خفضوا من حجم التدخل الأميركي في الحرب.
وضع التنظيم، الذي اشتهر بالفوضى التي أثارها، أهدافا واضحة بالسعي إلى إقامة «دولة الخلافة الإسلامية»، التي تضم المناطق السنية في العراق وسوريا. بل وأصدرت تقارير سنوية ضخمة لتوثيق ما تحرزه من تقدم نحو تحقيق أهدافها.
وتحت قيادة أبو بكر البغدادي، الذي أمضى فترة في معتقل أميركي، أظهر التنظيم أنه يتسم بعنف لا هوادة فيه وتشدد في تطبيق أهدافه الدينية، لكنه براغماتي على نحو بارد في تشكيل التحالفات والاستحواذ على الأراضي والتخلي عنها. وفي تناول استراتيجيته، وصف فيشمان التنظيم بـ«أميبا حكومية، تنقل باستمرار مناطق سيطرتها عبر المساحات الغربية في العراق»، مع إعادة نشر قواته.
في عام 2007، نشر التنظيم كتيبا يوضح فيه رؤيته للعراق. واستشهد باتجاهات العولمة وكذلك القرآن الكريم في مواجهة أفكار حديثة للدولة بصفتها صاحبة السلطة المطلقة على الأرض. وأشار فيشمان إلى أن الكتيب يمثل «الوثائق الفيدرالية» لما يعرف الآن بتنظيم داعش.
بموجب هذه الرؤية، يتفوق الدين على تقديم الخدمات. وفي إشارة إلى المواطنين الخاضعين لسيطرة التنظيم، ينص الكتيب على أن «تحسين أوضاعهم أقل أهمية من حال دينهم». ومن أهم الواجبات التي يضطلع بها التنظيم، وفقا للكتيب، هو ما يقوم به التنظيم باستمرار: تحرير السنة من السجون. ويقول فيشمان: «عندما تعود لقراءته، تجد كل شيء فيه. لقد نظموا أنفسهم أخيرا».
وتذكر تقارير سنوية أحدث صدورا، من بينها تقرير نشر في نهاية شهر مارس (آذار) ويحتوي على أكثر من 400 صفحة، بالتفاصيل الدقيقة النجاحات التي أحرزها التنظيم، من خلال هجمات انتحارية وسيارات مفخخة وعمليات اغتيال في ميدان المعركة.
ويوضح آخر تقرير صدر عن التنظيم، وفقا لما كتبه أليكس بيلغر، المحلل في معهد دراسات الحرب، «أن قيادة (داعش) العسكرية تمارس مهام القيادة والسيطرة على الساحة الوطنية منذ مطلع عام 2012 على الأقل»، وأن التنظيم «يقوم بوظيفته كقوة عسكرية وليس شبكة إرهابية».
ورغم أن بداية التنظيم كانت في محاربته للأميركيين في العراق، فإن نجاحه بعد انتهاء الاحتلال كان يلقى إغفالا أو استهانة من المسؤولين الأميركيين. وفي منتصف عام 2012، في حين تعززت قوة التنظيم وأظهرت بيانات الأمم المتحدة أن وقوع الضحايا المدنيين في العراق يزداد، كتب أنتوني جيه بلينكين، مستشار الأمن القومي، لنائب الرئيس جوزيف بايدن قائلا إن العنف في العراق وصل إلى «أدنى مستوى في التاريخ».
يرجع ذلك إلى حد ما إلى أن التوقعات المستقبلية الخاصة بالتنظيم بدت محدودة في نهاية فترة الاحتلال الأميركي. وفي أثناء الحرب الطائفية التي بدأت في عام 2006، تسبب الجهاديون في استعداء الشعب بسبب وحشيتهم، وعانوا من هزائم على يد مقاتلي القبائل الذين انضموا إلى حملة مكافحة الإرهاب، وأجبروهم على التراجع من غرب العراق إلى مناطق محيطة بالموصل.
لكن مع اندلاع الحرب الأهلية عبر الحدود في سوريا منذ ثلاثة أعوام، رأى التنظيم فرصا جديدة للنمو وقام بـ«غزو سوريا من الموصل قبل غزو الموصل من سوريا بفترة طويلة». واكتسب التنظيم قوة في سوريا من خلال تنفيذ منهج ذي شقين: شن هجمات استراتيجية من أجل الاستيلاء على موارد مثل مخابئ الأسلحة وآبار النفط ومخازن الحبوب، في حين تجنب خوض المعارك الطويلة مع قوات الحكومة. وفي العراق، انهارت مقاومة الحكومة في الكثير من المناطق التي كانت تستحوذ عليها.
وفي حين كان التطور الذي وقع في الموصل مفاجئا، كان التنظيم يعزز قبضته على الرقة في سوريا، منذ أكثر من عام، وعلى الفلوجة في غرب العراق منذ ستة أشهر.
في شهادة أمام الكونغرس في شهر فبراير (شباط)، ذكر المسؤول الرفيع في الاستخبارات العسكرية، اللفتنانت جنرال مايكل تي فلين، أن الجماعة «من الممكن أن تسعى إلى الاستيلاء على أراض في العراق وسوريا لإظهار قوتها في عام 2014».
وحاليا بعد أن انتقل التركيز إلى العراق، أصبح قرار إدارة أوباما عدم تسليح الثوار السوريين المعتدلين في البداية عرضة لانتقادات المعارضين الذين يقولون إن سياسة الابتعاد سمحت للمتطرفين بالنمو. وكانت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، التي دافعت عن تسليح الثوار السوريين، قد صرحت الأسبوع الماضي في نيويورك في ضيافة مجلس العلاقات الخارجية قائلة: «لم تعد المشكلة خاصة بسوريا فقط الآن. لم أعتقد مطلقا أنها مشكلة سوريا. كنت أرى أنها مشكلة إقليمية. ولكن لم أستطع أن أتوقع المدى الذي ستصل إليه قدرة (داعش) في الاستيلاء على مدن في العراق ومحاولة محو الحدود وإقامة دولة إسلامية».
كما صرح مسؤول أميركي في مكافحة الإرهاب يوم الجمعة الماضي بأنه «يبدو أن الجماعة تستفيد من استراتيجية إقليمية تنظر إلى سوريا والعراق بوصفهما ميدان معركة قابل للتبادل، مما يسمح لها بتحويل الموارد والقوى البشرية سعيا إلى تحقيق أهداف عسكرية».
ويتصل صعود التنظيم مباشرة بالإرث الذي خلفه الأميركيون في العراق؛ فقد كانت السجون الأميركية أرضا خصبة للقادة الجهاديين لتجنيد آخرين، وجامعات افتراضية يلقنون فيها مجنديهم آيديولوجيات متشددة. وانتقل زعيم التنظيم، البغدادي، الذي يُعتقد أنه حصل على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية من جامعة في بغداد، إلى سوريا، وفقا للحكومة الأميركية التي أعلنت عن مكافأة قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه.
وتعرض التنظيم إلى النبذ رسميا من تنظيم القاعدة في مطلع العام الحالي، بعد أن أصدر زعيم القاعدة أيمن الظواهري أوامره له بالانسحاب إلى العراق وترك العمليات في سوريا إلى الجماعة المحلية التابعة لـ«القاعدة»، ألا وهي «جبهة النصرة». أدى الانشقاق إلى تولد خصومة مريرة بين الجماعتين مع تنافس الدولة الإسلامية في العراق والشام مع «القاعدة» على الموارد والمكانة في المجتمع الجهادي الدولي.
في سوريا، ركز التنظيم في الأساس على الاستيلاء على الأرض التي خرجت بالفعل عن سيطرة الحكومة، لكنها تخضع لسيطرة ضعيفة من جماعات الثوار الأخرى. ولكن في العراق، استغل التنظيم انتشار خيبة الأمل في حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي بين السنة من أجل التحالف مع جماعات مسلحة سنية، مثل تلك الجماعة التي يقودها مسؤولون سابقون في حزب البعث الذي كان يتزعمه صدام حسين.
رغم أن كثيرا من تلك المجموعات، ومن بينها البعثيون وميليشيات القبائل الأخرى، بدا أنها تتعاون مع «داعش» بسبب وجود عدو مشترك، فإن التنظيم والموارد التي يتمتع بها «داعش» قد تجذبهم إلى تحالف أطول بقاء، مما يجعل من الأصعب على حكومة المالكي إعادة فرض سيطرتها.
ويقول حسن أبو هنية الخبير الأردني في شؤون الجماعات الإسلامية: «الأمر بالغ الخطورة هو أن كل هذه القوى لديها حاليا الهدف ذاته. أما (داعش)، فقد استطاع الاستفادة من انتشار الغضب وترسيخ هويته على أساس محاربة الشيعة».
* خدمة «نيويورك تايمز»

 



الجيش اليمني... صمود بمحيط مدينة تعز وتقدم في الجوف

مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

الجيش اليمني... صمود بمحيط مدينة تعز وتقدم في الجوف

مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني في الجبهة الغربية لمدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)

حافظت القوات الحكومية اليمنية على مواقعها في جبهات مدينة تعز المحاصرة، وتمكنت، بمساندة المقاومة الشعبية، من كسر هجوم حوثي عنيف في جبهة الأقروض جنوب شرقي المدينة، بالتزامن مع استعادة مواقع عسكرية ومرتفعات استراتيجية شرق مدينة الحزم، مركز محافظة الجوف، في تطور ميداني يهدف إلى التقدم نحو المدينة.

وفي مقابل هذا الثبات في تعز والتقدم في الجوف، وسّع الحوثيون تحركاتهم العسكرية باتجاه مديرية المقاطرة شمال محافظة لحج، وتمكنوا، رغم الغارات الجوية والخسائر التي تكبدوها، من السيطرة على قلعة المقاطرة التاريخية والتوغل في مناطق ومرتفعات مهمة، بينها منطقة النفق ومواقع مطلّة على عقبة هيجة العبد، بعد مواجهات ضارية مع القوات الحكومية.

وحسب مصادر محلية، لا تزال القوات الحكومية، بمساندة «قوات العمالقة» و«درع الوطن»، تسيطر على أجزاء واسعة من المديرية، وتمكنت من صد هجمات وتدمير أرتال تعزيزات حوثية في أسفل العقبة وسائلة سوق الربوع، بينما تواصل شن هجمات مضادة لاستعادة المواقع التي سيطرت عليها الجماعة وسط الدفع بتعزيزات ومقاتلين قبليين لمواجهة التمدد الحوثي.

جبهات مدينة تعز صامدة أمام حصار الحوثيين وهجماتهم منذ نحو 4 أسابيع (أ.ف.ب)

وتتركز المواجهات في جنوب مدينة تعز وجنوبها الشرقي على جبهات الأقروض وكحلان وفي الضباب غرب المدينة، حيث تمكنت القوات المسلحة، بمساندة المقاومة الشعبية، من كسر هجوم حوثي عنيف في جبهة الأقروض، وسط استمرار المواجهات والغارات الجوية التي استهدفت تجمعات للجماعة في هذه الجبهات.

وامتدت الغارات الجوية، الأحد، إلى مناطق في محافظتي ذمار والحديدة، بينها مديرية باجل، كما استهدفت مواقع حوثية في هيجة العبد وطريق الصحى جنوب غربي تعز، في إطار العمليات الجوية المرافقة للمعارك البرية.

وفي المقابل، تركز الهجوم الحوثي على مديرية المقاطرة شمال لحج، حيث سيطرت الجماعة على قلعة المقاطرة التاريخية، وتوغلت في منطقة النفق وعدد من المرتفعات المطلة على عقبة هيجة العبد.

أهمية المقاطرة

تكتسب هذه التطورات أهمية عسكرية بالنظر إلى موقع جبال المقاطرة وقلعتها المشرفة على طريق نقيل هيجة العبد وطريق الكربة، وهما من المسارات الحيوية التي تربط تعز بالمناطق الجنوبية.

وتتيح السيطرة على القلعة مراقبة التحركات في محيط هذه الممرات وتهديد حركة المرور عبرها، مما يثير مخاوف من اتساع القيود العسكرية على الطرق المؤدية إلى تعز، وتعميق عزل المدينة التي تعاني أصلاً من الحصار الحوثي.

في الصورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية شمالي محافظة لحج (إعلام محلي)

ولا تقتصر أهمية المرتفعات على تأمين الطرق المحلية؛ إذ تفتح السيطرة عليها مجالاً للتقدم باتجاه مديرية طور الباحة، كما تمنح إشرافاً جغرافياً على قاعدة العند العسكرية في محافظة لحج.

وتشكل المقاطرة، بحكم موقعها الجبلي، عمقاً للممرات المتصلة بالساحل الغربي وباب المندب، كما أن السيطرة على مرتفعاتها تتيح تأمين خطوط التقدم والحد من فرص الالتفاف العسكري، فضلاً عن التأثير على حركة القوات والإمدادات في المنطقة الممتدة باتجاه رأس العارة جنوبي مضيق باب المندب.

تقدم ميداني في الجوف

وفي تطور ميداني موازٍ، أعلنت القوات المسلحة اليمنية، ممثلةً بالفرقة الأولى طوارئ، استعادة مواقع عسكرية ومرتفعات استراتيجية شرق مدينة الحزم، عقب معارك عنيفة انتهت بفرار عناصر الحوثيين من مواقعهم في محيط جبال دحيضة.

قوات الجيش اليمني حققت تقدماً شرقي مدينة الحزم مركز محافظة الجوف (إعلام عسكري)

وقالت القوات إنها سيطرت على مخازن أسلحة وذخائر تركتها الجماعة خلفها، ودمرت آليات ومدرعات قتالية، مضيفة أن المواجهات أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من الحوثيين والقبض على آخرين.

وعلى الصعيد الإداري والعسكري، أصدر مجلس القيادة الرئاسي، الأحد، قرارين جمهوريين بتعيين اللواء حسين العجي علي العواضي محافظاً لمحافظة البيضاء، واللواء أمين علي العكيمي محافظاً لمحافظة الجوف، مع تعيين الأخير قائداً لمحور الجوف.


أفراح الزوبة: أمن البحر الأحمر يبدأ باستعادة الدولة اليمنية

وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
TT

أفراح الزوبة: أمن البحر الأحمر يبدأ باستعادة الدولة اليمنية

وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)
وزيرة الخارجية اليمنية خلال مشاركتها في حوار المنامة 2026 (سبأ)

ربطت وزيرة الخارجية اليمنية، أفراح الزوبة، أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب باستعادة مؤسسات الدولة اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي، محذرة من أن استمرار دعم الجماعات المسلحة وتقويض سلطة الحكومات الوطنية يحولان الأزمات الداخلية إلى تهديدات عابرة للحدود، تطال أمن المنطقة والملاحة الدولية والتجارة العالمية.

وقالت الزوبة إن الحديث عن أمن إقليمي مستدام لا يمكن أن ينفصل عن وجود يمن آمن ومستقر، مؤكدة أن تداعيات الانقلاب على الدولة اليمنية تجاوزت حدود البلاد لتطال أمن دول الجوار والممرات البحرية والمصالح الدولية. ودعت إلى ترجمة التضامن الدولي مع اليمن إلى خطوات عملية تعالج مصادر التهديد، وفي مقدمتها وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية إلى الجماعات المسلحة.

وفي كلمة ألقتها خلال الجلسة العامة الثالثة لحوار المنامة 2026، تحت عنوان «أسس الأمن الإقليمي»، وضعت الوزيرة استعادة الدولة اليمنية في صلب معادلة الأمن الإقليمي، محددة أربعة مرتكزات لتحقيق الاستقرار، تشمل احترام سيادة الدول وتعزيز مؤسساتها الوطنية، وتقديم الدبلوماسية والحوار على المواجهات، وتوسيع مفهوم الأمن ليشمل الاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة والغذاء وحماية المدنيين ومكافحة الإرهاب والتهريب، إلى جانب حماية الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (أ.ف.ب)

وشددت على أن أي تسوية تتعلق باليمن ينبغي أن تقودها الدولة اليمنية وتصون سيادتها ومرجعيات الحل السياسي، وتفضي إلى استعادة مؤسساتها وحصر السلاح وقراري الحرب والسلم بيدها، معتبرة أن دعم الجماعات المسلحة التي تنازع الحكومات سلطتها يقوض فرص الاستقرار ويطيل أمد الصراعات.

مدخل الاستقرار

في رسالتها أمام المشاركين في حوار المنامة، أكدت أفراح الزوبة أن الحكومة اليمنية تمضي في معركة استعادة الدولة، وأنها لا تطلب من أحد القتال نيابة عنها، لكنها تتطلع إلى إسناد شركائها وتعزيز قدرات مؤسساتها وإنفاذ حظر توريد الأسلحة ووقف تدفقها إلى الجماعات المسلحة.

وشددت على ضرورة إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وفق المرجعيات الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2216.

وقالت إن اليمن المستقر قادر على استعادة دوره في محيطيه العربي والإقليمي، ليكون شريكاً في حماية أمن المنطقة وممراتها البحرية والتجارة الدولية، معتبرة أن اليمنيين وهم يدافعون عن دولتهم يدافعون، في الوقت نفسه، عن أمن المنطقة ومصالح العالم.

وزيرة الخارجية اليمنية مع نظيرها البحريني (سبأ)

وفي سياق تحذيرها من امتداد التهديدات إلى المجال البحري، استشهدت الزوبة بتقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة، مشيرة إلى ما أورده تقرير عام 2024 بشأن تلقي الحوثيين أسلحة ومساعدة تقنية وتدريباً ودعماً مالياً من إيران وجماعات مسلحة عراقية و«حزب الله».

كما لفتت إلى ما تضمنه تقرير الفريق لعام 2025 من معلومات عن تنامي التعاون بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية في مجالات تهريب الأسلحة والتدريب وتبادل الخبرات العسكرية، محذرة من خطورة تشابك الجماعات المسلحة مع شبكات الجريمة المنظمة، وداعية إلى تعزيز تبادل المعلومات وتجفيف مصادر التمويل ومراقبة مسارات انتقال السلاح والخبرات عبر الحدود.

وأكدت أن أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب لا ينفصل عن استقرار اليمن، وأن حماية الساحل والممرات البحرية تبدأ بمعالجة مصادر التهديد على اليابسة، ووقف تدفق السلاح والتمويل، ومكافحة شبكات التهريب، وتعزيز قدرات الدول الساحلية مع احترام سيادتها.

تركيز على الدعم الدولي

على هامش حوار المنامة، نقلت الزوبة هذه الملفات إلى مباحثاتها الثنائية مع مسؤولين بريطانيين وكنديين ومصريين وأميركيين وخليجيين وأتراك، في تحرك ركز على تعزيز الدعم الدولي لمؤسسات الدولة اليمنية وتوسيع التعاون الأمني والبحري ومواجهة مصادر تسليح الحوثيين.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزيرة بحثت مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ستيفن دوتي، تطورات الأوضاع الميدانية والإنسانية، واستعرضت استمرار الحصار الحوثي على تعز وتدهور الخدمات الأساسية، إلى جانب الانتهاكات التي يتعرض لها موظفو الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المحتجزون لدى الجماعة.

أفراح الزوبة خلال لقائها مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (سبأ)

وتوقف اللقاء عند وفاة الموظف الأممي محمد الشامي أثناء احتجازه لدى الحوثيين، بعد أكثر من عامين على اختطافه، في واقعة أعادت تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه العاملين الدوليين في مناطق سيطرة الجماعة.

كما تناول الجانبان التعاون الأمني والبحري، بما في ذلك بناء قدرات خفر السواحل وحماية المنشآت الحيوية، وتكثيف الجهود الدولية لمواجهة مصادر تسليح الحوثيين والحد من تدفق الأسلحة إليهم. وأكد الوزير البريطاني استمرار دعم بلاده للحكومة اليمنية ومؤسسات الدولة، وأهمية تبادل المعلومات والتنسيق مع الشركاء الدوليين.

وفي مباحثاتها مع وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، بدر عبد العاطي، ركزت أفراح الزوبة على التطورات في البحر الأحمر ومخاطر التصعيد الحوثي على أمن الملاحة، مستعرضة استمرار حصار تعز واستهداف المطارات في اليمن والمملكة العربية السعودية، وما تمثله هذه الاعتداءات من تهديد للمدنيين والطيران المدني والأمن الإقليمي.

وأكد الجانبان أهمية صون أمن الممرات البحرية الدولية وتكثيف الجهود الإقليمية والدولية لاحتواء التوترات، بينما جدد الوزير المصري موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه، ومساندة الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار.


نقص حاد في الوقود والمياه والأدوية يهدد سكان تعز

أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
TT

نقص حاد في الوقود والمياه والأدوية يهدد سكان تعز

أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)
أزمة مياه خانقة يواجهها سكان تعز بسبب الحصار المفروض على المدينة (رويترز)

دخل الحصار الحوثي المفروض على مدينة تعز اليمنية أسبوعه الرابع، وسط ازدياد القيود على وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية، وإغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية نقصاً حاداً في الوقود والمياه والأدوية، بينما تتسع موجات النزوح وتتراجع قدرة المنظمات الإغاثية على تلبية الاحتياجات المتصاعدة للسكان.

وتواجه شاحنات المساعدات الإنسانية عراقيل حوثية متكررة عند نقاط التفتيش، رغم حصولها على التصاريح اللازمة، في ظل إغلاق الجماعة معظم الطرق التي تربط المحافظة بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، حيث توجد مخازن الإمدادات في عدن.

ولم تسلم الطرق الالتفافية الواقعة في مناطق التماس من القيود، فيما أسهمت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطرق في إبطاء حركة النقل وتأخير وصول الإمدادات إلى المحتاجين.

وتشير بيانات المنظمات الإنسانية إلى تجاوز عدد النازحين 300 ألف شخص، فرّ معظمهم من جراء القتال في تعز وعلى امتداد الساحل الغربي. كما تنذر موجة النزوح الجديدة التي بدأت من محافظة لحج في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي باستمرار اتساع نطاق الأزمة الإنسانية وارتفاع أعداد المتضررين.

مظاهرة حاشدة من سكان مدينة تعز تنديداً بالحصار الحوثي (إعلام محلي)

وتتفاقم الأوضاع داخل مدينة تعز ومحيطها مع استمرار استهداف الأحياء السكنية بالقذائف المدفعية، وفرض قيود مشددة على الوصول إلى عدد من المناطق. وفي موازاة ذلك، تواجه المرافق الصحية نقصاً حاداً في الوقود والمياه والأدوية، فيما لا تزال إمدادات إنسانية مخصصة للمدينة عالقة في انتظار السماح بوصولها، بالتزامن مع صعوبات متصاعدة تواجه الأسر النازحة الراغبة في مغادرة المحافظة.

وفي أحدث مؤشر على التكلفة البشرية للقتال، قالت «مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان» إنها وثقت 263 ضحية مدنية، بين قتيل وجريح، حتى 27 أكتوبر الماضي، بينهم 67 قتيلاً. وبلغ عدد الأطفال بين الضحايا 97، أي نحو نصف إجمالي القتلى، في مؤشر على حجم المخاطر التي يتعرض لها القُصّر من جراء استمرار الأعمال القتالية.

استجابة محدودة

على صعيد الاستجابة الإنسانية، استهدفت المرحلة الأولى من المساعدات، عبر «آلية الاستجابة السريعة»، 207 آلاف و480 نازحاً، تسلمت غالبية الأسر منهم حصصها الإغاثية. ومع ذلك، فلا يزال نحو 9 آلاف أسرة مسجلة تنتظر الحصول على المساعدات؛ بسبب اضطراب سلاسل الإمداد وإجراءات التصاريح وتدهور الوضع الأمني، وهي عوامل تعرقل عمليات النقل والتوزيع.

أما المرحلة الثانية من الاستجابة، فلا تزال بعيدة عن تلبية الاحتياجات الفعلية. فعلى الرغم من وصول المساعدات النقدية الطارئة إلى معظم الأسر التي استكملت عملية التحقق من بياناتها، فإن تغطية المساعدات الغذائية لم تصل إلا لما يزيد قليلاً على نصف تلك الأسر، في حين ظلت خدمات المأوى والمياه والإصحاح محدودة للغاية مقارنة بأعداد المحتاجين.

الحوثيون يستهدفون بشكل متكرر أحياء مدينة تعز بالقذائف المدفعية (إعلام محلي)

وبدورها، لم تصل خدمات التغذية العلاجية إلا إلى جزء ضئيل من الفئات المستهدفة؛ مما يزيد هشاشة الأسر المقيمة في مواقع النزوح المكتظة، ويرفع تعرضها للمخاطر الصحية، خصوصاً مع تفشي وباء الكوليرا وتدهور ظروف الإيواء والصرف الصحي.

ولا تقتصر التداعيات على نقص الغذاء والخدمات الأساسية؛ إذ تشير تقارير الشركاء الإنسانيين إلى ازدياد حالات انفصال أفراد الأسر، والمخاطر المرتبطة بمخلفات الحرب والمتفجرات، فضلاً عن ارتفاع التهديدات المتعلقة بالطرد والعنف القائم على النوع الاجتماعي. كما أدى إغلاق 5 مساحات آمنة مخصصة للنساء والفتيات إلى تقليص فرص حصولهن على خدمات الحماية والدعم.

ورغم القيود الأمنية وصعوبات الوصول، فإن منظمات وطنية ودولية تواصل تقديم الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة، بما يشمل الرعاية الصحية والمياه والمأوى والمساعدات النقدية، إلى جانب أنشطة التعامل مع الألغام ومخلفات الحرب في مناطق الساحل الغربي.

تعليق الدراسة

في امتداد لتداعيات الوضع الأمني على الحياة اليومية، جددت «لجنة الطوارئ» بمحافظة تعز تأكيد استمرار قرار تعليق الدراسة ومنح إجازات مؤقتة في المديريات الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حتى صدور إشعار رسمي آخر، محذرة من أي محاولات لاستئناف العملية التعليمية خارج التوجيهات المعتمدة.

وقالت «اللجنة» إن أي دعوة لاستئناف الدراسة، أو إلزام الطلاب والكوادر التعليمية والإدارية الحضور، خلافاً لقراراتها السابقة، يمثلان مخالفة صريحة للتعليمات الرامية إلى حماية الأرواح وصون الحقوق.

سكان في تعز المحاصرة خلال تشييع مدنيين وعسكريين قتلوا بقصف حوثي (رويترز)

وأبدت «اللجنة» قلقها إزاء معلومات عن ضغوط تمارسها الجماعة الحوثية على مديري المدارس والمعاهد وقيادات فروع الجامعات والكليات لاستئناف الدراسة، رغم استمرار المخاطر الأمنية، محذرة من استغلال المؤسسات التعليمية في عمليات التجنيد والاستقطاب والتعبئة الطائفية.

وحمّلت «اللجنة» الحوثيين وكل من يتواطأ معهم المسؤولية عن هذه الضغوط وما قد ينجم عنها من تعريض الطلاب والموظفين للخطر، مؤكدة أن تعليق الدراسة لا يمس الحقوق التعليمية للطلاب أو الحقوق القانونية والوظيفية والمالية للعاملين في القطاع.

كما حذرت بأن تشغيل المؤسسات التعليمية خارج الأطر المعتمدة قد يعرض المسؤولين للمساءلة القانونية والإدارية، بما في ذلك تعليق صرف المستحقات المالية للمتورطين في مخالفة التعليمات. ودعت القياداتِ التعليميةَ إلى التزام القرار والإبلاغ عبر وسائل آمنة عن أي ضغوط أو تهديدات.