شاعرات «إنستغرام» و«يوتيوب» يُسقطن الشعر في متاهات الاستهلاك

شاعرات «إنستغرام» و«يوتيوب» يُسقطن الشعر في متاهات الاستهلاك

يتابعهن مئات الألوف من المعجبين
الثلاثاء - 11 جمادى الآخرة 1439 هـ - 27 فبراير 2018 مـ رقم العدد [ 14336]
لندن: ندى حطيط
لا يصعد الشعر في العالم الأنغلوفوني إلى صدارة الجدل الثقافي العام أغلب الأحايين إلا للأسباب الخطأ. فهو ظلّ دائماً نموذجاً من صنعة أدبيّة رفيعة تتطلب موهبة مبهرة وامتلاك ذخائر معرفية وثقافية متينة قبل أن تتدفق منها قصائد إنْ سَمَت بروح كاتبها فإنها ما إن تُنشر حتى تعيد تعريف معاني الكلمات كما نوارس تحلّق في فضاء دائرة ضيقة من المتلقين -ذوي حساسية شعرية- حيث تكتمل حياة النص وحركته الإبداعية عن طريق القراءة.
ذلك كلّه تغيّر كما في لحظة سهو وتخلٍّ، إذ تسّرب إلى فضاء الشِّعر بتغاضٍ من أو تآمُر حراس بوابات المؤسسة الثقافيّة البريطانيّة، مجموعة مدّعيات شعر ركبن موجة انتشار الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، ليقدّمن لجمهور غير مثقف، نَزِق ومتدنِّي الذائقة الأدبيّة نوعاً من ترصيفات متلاحقة للكلمات عن مشاعرهن اللحظيّة يقرأنها حيّة على «يوتيوب» أو ينشرنها على حساباتهن في «إنستغرام» أو «فيسبوك» مع صور ذاتية كثيرة، تبدو منفردة أو بمجموعها أقرب إلى الثرثرة اليوميّة الفارغة التي في نهار عادي لا تكاد تقولها حتى تنساها.
وكما العهد بجمهور الإنترنت حيث تغريدات أو تعليقات أو صور «نجمات» ضحلة من عالم الإعلام أو الغناء أو الموضة أو حتى اللاشيء –كما الكارديشيانيات بطلات تلفزيون الواقع– وهن يستعرضن جزءاً من انحناءات أجسادهن تحظى بمتابعات الملايين -بينما لا يكاد مثقف جاد أن يسعد بأكثر من عشرة أو عشرين تعليقاً أو تنويهاً بمقالة أنفق في كتابتها سحابة أسبوعه!– فإن هذه المجموعة من مدّعيات الشعر صرن يتمتعن بمتابعة مئات الألوف، بل وربما الملايين من المعجبين.
وبالطبع فإن تجّار الكُتب الكبار من أساطين الرأسماليّة المعاصرة كانوا سريعين كعادتهم دوماً في التقاط هذا النمط الاستهلاكي الجديد المتجرئ على قدس أقداس الأدب، فأوحوا إلى قسم من حراس المؤسسة الثقافيّة الأنغلوفونيّة أنْ تبنّوا هؤلاء المدّعيات، وتاجروا بحضورهن الساطع على مواقع التواصل الاجتماعي لبيع تفاهاتهن معلبة في أغلفة دواوين شعريّة مربحة لجمهور مستهلك أوسع بكثير من قاعدة القرّاء التقليديين للشِّعر.
وبالفعل استدعى ناشر مرموق في نيوزلندا إحدى هؤلاء المدّعيات وأقنعها بجمع حطام المعاني التي نشرتها على حسابها في «إنستغرام»، وقدّمها في طبعة أنيقة ملونّة كشعر معاصر تحت عنوان «حليبٌ وعسل». وبالفعل تجاوزت مبيعات هذا «الحليب والعسل» المليون نسخة، وقفز إلى مراتب عليا في قوائم بيع الكتب –وهي مكانة يندر أن يصلها ديوان شعري جاد– محققاً عوائد تجاوزت عدة ملايين من الجنيهات لناشره وصاحبة نصوصه.
خلطة «الحليب والعسل» العجائبية المربحة هذه، أيقظت مشاعر جشع ناشر بريطاني مرموق، فاستدعى بدوره مجموعة من «صاحبات البوح» الإنجليزيّات، واشترى منهن حقوق طبع شخابيطهن اليوميّة ليدفع بها مغلفة كدواوين مطبوعة تباع في كل ركن من أركان الشعر المعاصر داخل مكتبات البلاد الكبرى. وكما «حليب وعسل» باع ديوان «برقوق» -لمدّعية شعر أخرى- عدّة مئات من ألوف النسخ في وقت قصير رغم سعره المرتفع نسبياً –10 جنيهات إسترلينيّة– وهزالة محتواه باتفاق الجميع تقريباً، لتتوالى من بعده «الدواوين» حتى كادت تتحول إلى نهر جارف يغيّر المفهوم المألوف للشِّعر.
لقد نجحت مقامرة تجار الكتب بأيقونات «إنستغرام» و«يوتيوب» نجاحاً مدوياً، وصارت مصنّفات «الشِّعر» ربما لأول مرّة في التاريخ المعروف مصدر ربحٍ وفير تتنافس عليه بيوتات النشر الكبرى، وهو أمر متوقع لا يصح ربما انتقادهم عليه من حيث المبدأ، فهكذا هي شكل الحياة في العالم الرأسمالي، ومن العبث انتظار غير ذلك. لكن المأساة اكتملت بالفعل عندما تبارى صحافيون معروفون في صحف البلاد الكبرى (التليغراف والغارديان والسكوتسمان وغيرها) بالإشادة بعلب الثّرثرة المغلّفة شعراً هذه، مسبغين عليها المديح بوصفها «أصواتاً شعريّة جديدة» و«تجارب مختلفة» و«نصوصاً تتسم بالشفافيّة والمباشرة وانعدام التعقيد»، لتلحق بهم المهرجانات الأدبيّة –وما أكثرها في بريطانيا- والإذاعات والتلفزيونات متسابقة على استضافة تلك «النجمات» اللواتي «غيّرن مزاج استهلاك الشّعر» ليتحدثن عن تجاربهن!
ولعله كان من سوء طالع نجمة «يوتيوب» هولي ماكنش –صاحبة ديوان «البرقوق»– أن اقترحت مجلة «PN» البريطانّية الرصينة وأهم المطبوعات الدوريّة المعنيّة بالشعر في العالم الأنغلوفوني، على الشّاعرة والناقدة الأدبيّة المعروفة ربييكا واتس كتابة مراجعة لـ«برقوقها» المزعوم شعراً. كانت تلك الدّعوة لواتس بمثابة القشّة التي قصمت ظهر البعير بشأن ظاهرة الشّعر الملفّق هذا، فرفضت بشدّة أن تمنح «البرقوق» شرف مراجعته على صفحات مجلّة أدبيّة محترمة، وكتبت بدلاً من ذلك مقالة لاذعة في نقد ظاهرة صعود هاويات الشعر الآتيات من الفضاء السايبري، معتبرةً أنهن نقيض للفهم المعرفي، وتجرؤ أثيم على أساسيات صنعة الشعر «بعد وقت كنا نعدّ فيه الشعر تحديداً آخر حصون الأدب في مواجهة خواء وتدني ورثاثة ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي»، وأن إنقاذ الحضارة من البرابرة، ووقف المدّ الشعبوي في السياسة –الترمبيّة وما شابهها- يبدأ من تجرؤ النقد الأدبي على القيام بواجبه في تجريد الغثاء من فرصة ارتداء ثوب الشِّعر. وسخرت واتس بشدّة من صاحبة «البرقوق» ناقلة منه مقاطع ضعيفة تثير الغثيان، لكنّها وجهت سهام نقد أشد إلى الشاعر دون باترسون، محرر كتب الشعر لدى دار «بيكادور للنشر»، الذي سمح بنشر ذلك «البرقوق»، معتبرة أنّه بسلوكه يناقض تماماً التحذير الذي أطلقه في محاضرته عن «مستقبل مظلم للشعر»، والتي ألقاها قبل عقد تقريباً عند تسلمه جائزة «إليوت للشعر»، محذراً من هبوط مستوى الأعمال الجديدة، وخطورة ذلك على روح البشريّة في عصر قادم.
ولم تكد تلك المقالة ترى النور (عدد أغسطس (آب) الماضي – والمقالة متوفرة للتحميل على موقع المجلّة)، حتى انفجر نقاش متسع غير مسبوق في الأوساط الثقافيّة والأدبيّة، قسم المعنيين بالشِّعر إلى فسطاطين متقابلين لا منطقة وسطاً بينهما: مجموعة من القلقين على حال الشعر الذين كتبوا رسائل كثيرة للمجلّة، ونشروا مقالات، بالصحف وتعليقات في غرف الدردشة الأدبيّة على الإنترنت أيدوا فيها ما ذهبت إليه الشاعرة واتس، معتبرين أن النقد الأدبي تحرّك أخيراً لوقف ظاهرة سقوط الشّعر في متاهات الاستهلاكيّة التي يروّج لها بعض كتاب الصفحات الثقافيّة لمصلحة التجار. وفي مواجهة هؤلاء كانت الأعلى صوتاً ربما هولي ماكنش التي اعتبرت عبر نص سوقي على حسابها في «إنستغرام» أن «استخدام التعابير الجذلة في مقالة ربييكا لا مانع منه، كل الأمر هو محاولة القول بأنني غبيّة، وشعري سيئ، وأن على (بيكادور) ألا تتورط بنشر مثل هذه القمامة، لكن هي لم تقل ذلك بوضوح وغلّفت غيظها مني بتعابير منمقة!». وبخبث أكثر تبعها باترسون –محرر «بيكادور»– الذي وإن اعترف بضحالة شِعر ماكنش مقارنةً بالشعر الكلاسيكي، لكنّه قال إن قوانين واتس في الاعتراف بالشِّعر ليست مقدّسة، وإن شعراء مبرزين في الثقافة البريطانيّة مثل تي سي إليوت، وآردن وغيرهما، إنما بدأوا تجاربهم الشعريّة من تحدّي المدارس الأدبيّة التقليديّة في أزمانهم. وهو لم ينكر موقفه الذي أطلقه خلال محاضرة تسلمه جائزة «إليوت»، لكنّه قال إنه غيّر رأيه بعد مشاهدته كيف استعادت ماكنش ورفيقاتها تقاليد الشعر المحكيّ وكسبت للشعر جمهوراً أوسع بكثير من الجمهور العادي، غامزاً قناة واتس بأن دعا المولى لها بالاستفادة من الشعبيّة التي كسبتها بعد مقالتها الانتقاديّة لماكنش لبيع نسخ أخرى من دواوينها هي!
الجَدَل ما زال مستمراً بالطبع، وقلّما تجد مجلّة أو ملحقاً ثقافياً يصدر في بريطانيا هذه الأيام دون مقالة أو أكثر في تأييد واتس أو مهاجمتها. لكن لا شيء سيغيّر بالطبع من حقيقة أن هذا الهراء الذي يُنشر تحت غطاء الشعر اليوم هو أشبه «بموت للقارئ، وصعود للمستهلك»، يأتي على حساب الثقافة الرّفيعة لمصلحة مجموعة قليلة من قططٍ سِمان تعدّ أرباحها وتشكر المولى على حسن حظّها.
Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة