الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر

مسؤولون يروون قصة استيلاء الميليشيات على الأراضي والشركات والاستثمار في لبنان ودول غربية

الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر
TT

الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر

الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر

كان 2003 علامة فارقة في مسيرة الميليشيات الحوثية، إذ شهد ذلك العام تردد السفير الإيراني لدى اليمن إلى محافظة صعدة، ولقائه قيادات ما يعرف بـ«أنصار الله»، وإعطاء طهران الميليشيات إشارة البدء بالانتشار والتوسع الاقتصادي في محافظة صعدة تنفيذاً لمخططهم، ثم التمدد تدريجياً بعد أن حصلوا على أموال من دولتين، إحداهما عربية، حسبما أفاد به مسؤولون يمنيون لـ«الشرق الأوسط».
وبعد عام واحد من ذلك التاريخ، سرعت الميليشيات من تنفيذ ما أوعز لها، فبدأت بتنفيذ مراكز وشراء أراضي بشكل واسع في المدينة. وفي ذلك العام، لم تكن إيران الممول الوحيد للحوثيين، بل كانت هناك دول أخرى، منها قطر، أرسلت أموالاً على شكل «معدات مختلفة»، سلمت إلى قيادات الحوثيين في إطار ما يعرف بـ«غسل الأموال».
هذا التحرك، في ظل الأوضاع الاقتصادية التي كان يعيشها اليمن عام 2004، أسهم بشكل مباشر في توسع الحوثيين ونمو اقتصادهم، عبر شراء الأراضي بمساحات مختلفة وشاسعة، ثم إنشاء مؤسسات عبر موالين لهم في محافظات متعددة، خصوصاً في المناطق الساحلية، حتى يتسنى لهم نقل ما يصلهم من بضائع ومعدات عسكرية إلى مسقط رأسهم في صعدة.
ونظراً للوسائل التي اتبعتها الدول الممولة للحوثيين، لا توجد إحصائيات رسمية بعد مرور 14 عاماً عن المبالغ التي تسلمتها قيادات الميليشيات، أو التي استولت عليها بعد العملية الانقلابية في اليمن، إلا أن تقديرات مسؤولين يمنيين تشير إلى أنها تتجاوز مليارات الدولارات في القطاعين العام والخاص، إذ سيطرت على شركات نفط يتجاوز دخلها السنوي ملايين الدولارات، وهو ما مكن الميليشيات، بدعم من طهران، من الاستثمار خارجياً، وتحديداً في لبنان وعدد من الدول الغربية.

- بداية الطريق مع السفير الإيراني
وقال هادي طرشان، محافظ صعدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن صعدة شهدت مطلع 2003 تردد السفير الإيراني على المحافظة بشكل لافت، ولقائه قيادات حوثية، ويبدو أن تلك اللقاءات كانت تمهد للقيام بعمل ما. وطيلة هذا العام، لم نلمس تغيراً جذرياً في تحركات الميليشيات على الأرض، إلا أننا بدأنا مع مطلع 2004 نلمس ظهور مراكز تتبع الحوثيين داخل المدينة، يطلق عليها «الشباب المؤمن»، نسبة إليهم قبل أن يطلقوا على أنفسهم «أنصار الله».
وأضاف أن هذه المراكز بدأت تنتشر حتى وصلت إلى المديريات التابعة لصعدة، وكان إنشاء هذه المراكز يجري بدقة عالية، إذ عمدت الميليشيات إلى بنائها قرب المدارس الحكومية بمختلف مراحلها، وكانوا يعتمدون في إنشاء هذه المراكز على طراز حديث وبنايات كبيرة، مما أسهم في استقطاب الطلاب، إضافة إلى أن هذه المبالغ كانت مؤشراً على أن لدى الجماعة مبالغ طائلة تنافس بها الحكومة آنذاك، بقدرتها على إنشاء مثل هذه الأبنية مقارنة بمدارس الحكومة.
ولفت طرشان إلى أن هذه الخطوة في إنشاء المراكز، بعد توفر الأموال، كانت بداية لإيجاد ميليشيات مدربة متوافقة مع طروحاتهم، خصوصاً أن الميليشيات في ذلك الوقت كانت تقدم العطايا للمنتسبين، والدعم الكامل لمن يلتحق بمراكزها. ومن هنا، بدأ التخطيط في 2004 للتوسع الاقتصادي عبر شراء أراض في مواقع حساسة، خصوصاً تلك التي تطل على المواقع الحكومية العسكرية، ومساحات كبيرة من الأرضي على أطراف المدينة.
وأفاد طرشان بأن الحوثيين نجحوا في صعدة، وبدأوا بالتفكير في المديريات القريبة من المدينة، ومنها حجة والمناطق الساحلية مثل ميدي. وشهدت تلك الفترة إقدام الحوثيين على شراء أراض مختلفة، من حرض إلى ميدي، وجرى تأمين هذه المناطق من الساحل إلى ميدي. ومن خلالها، جرى تمويل الميليشيات بشكل كبير، سواء بالمال أو السلاح، وبدأ إيرانيون وغيرهم يتوافدون إلى تلك المناطق. وتابع: «رغم الحراك الاقتصادي الملموس للميليشيات، وتوسعها بشكل كبير، مع دخول أجانب إلى تلك المدن، خصوصاً صعدة، فإن الحكومة في تلك الفترة كانت تتغاضى وتتهاون مع كل ما يجري من تغيرات على الأرض، خصوصاً أن المشاريع كانت كبيرة وتخدم شرائح المجتمع، وغالبيتها تجارة في الغذاء والزراعة».
وأشار محافظ صعدة إلى أن الأموال لم تكن ترسل من إيران فقط، إذ إن أموالاً كانت ترسلها قطر لقيادات الحوثيين، عبر المنافذ القريبة من صعدة، بطريقة غير مباشرة، ومنها معدات ثقيلة مختلفة، وأغذية على شكل غسيل أموال، وتابع: «تلك الأموال كان يصعب كشفها لأنها تدخل بطرق سليمة، في إطار شراء البضائع من الدول، وتتسلم الميليشيات الإرساليات التي تحتاجها في البناء أو الزراعة».

- التوسّع ونهب الدولة
بعد هذه المرحلة، بدأت الميليشيات الحوثية توسيع نشاطها، لتشمل إقليمي تهامة وآزال، وكان ذلك مدروساً ومخططاً له. ووفقاً لمحمد عسكر، وزير حقوق الإنسان اليمني، فإن الحوثيين بدأوا، بعد عام 2004، بالتوسع في العقارات والقطاع التجاري، وشكلوا «الذراع الاقتصادية» قبل العملية الانقلابية، بدعم كبير من إيران وعدد من الدول التي تسير في فلكها.
واستطرد عسكر أن توسع الحوثيين في العقار والمؤسسات التجارية أوجد لهم مصادر مالية في الداخل، إضافة إلى ما يصل من طهران، وهذا ساعدهم في الانتشار، إلى أن جاءت اللحظة المناسبة للانقلاب على الشرعية عام 2014، حين نهبوا بشكل سريع كل مدخرات الشعب اليمني، المتمثلة في نحو 5 مليارات دولار، ونحو ترليوني ريال يمني من البنك المركزي، كما استولت الميليشيات على الصناديق السيادية، وصندوق التقاعد الذي يقدر بنحو 7 مليارات ريال، وصندوق وزارة الدفاع الذي يتجاوز عشرات المليارات، ومدخرات هيئة التأمينات التي تتجاوز 10 مليارات ريال يمني.
وأضاف أن الميليشيات الحوثية، بعد هذه العملية، سارعت بغسل هذه الأموال عبر شراء أعداد كبيرة من المؤسسات والشركات التجارية التي فر ملاكها نتيجة الأحداث، وما تبعها من أعمال عنف في العاصمة صنعاء، بعد أن تلقوا تهديدات مباشرة لبيع أصولهم وممتلكاتهم في عدد من المحافظات.
وقال عسكر: «هذه الأموال، مع ما يصلهم من خارج اليمن، مكنت الحوثيين من تخطي الحدود للاستثمار في الخارج، وبطريق متعددة، عبر أتباعهم، إذ توجد للميليشيات استثمارات في الضاحية الجنوبية ببيروت، واستثمارات متنوعة في عدد من الدول الغربية، وهذه الاستثمارات تكون رافداً لهم في حال جفت منابع الأموال في الداخل، ليتمكنوا من إكمال ما خططوا له في فرض سيطرتهم بشكل كامل على مفاصل الدولة الاقتصادية».
وأكد وزير حقوق الإنسان أن هذه القضية، وكيفية استيلاء الحوثيين على القطاع الاقتصادي، ستكون ضمن أولويات الوزارة، وسيتم طرحها في دورة جنيف المقبلة، التي سيتمحور ملفها حول اقتصاد الحرب الذي أسسه الحوثيون، وسبب معاناة الشعب اليمني عبر فرض الإتاوات ونهب الممتلكات العامة والخاصة.

- تدمير البنية التحتية
خلال 14 عاماً، جرى تدمير البنية التحتية للاقتصاد اليمني، إذ نفذت الميليشيات أعمالاً عبثية في القطاعات الحيوية التي كانت تدر أموالاً طائلة على الحكومة اليمنية في تلك الفترة، وفي مقدمتها قطاع النفط الذي يديره في الوقت الراهن أشخاص غير مؤهلين وضعوا في تلك المواقع بحكم قربهم من القيادة الحوثية، كما جرى تدمير البنك المركزي، وضرب قطاع الزراعة عقب الاستيلاء على كثير من الأرضي تحت تهديد السلاح، فيما يعد قطاع السياحة، الذي يشكل 5 في المائة من الدخل السنوي لليمن، أحد أكثر القطاعات المتضررة.
وسجل قطاع السياحة أدنى مستوياته بعد عام 2015، المقدر بنحو 300 مليون دولار، وهي عوائد مالية لمغتربين عادوا لبلادهم، ولم يكن هناك سياح أجانب، فيما لم يسجل عام 2016 - 2017 أي مداخيل مالية، سواء من السياح الأجانب أو العائدين، بسبب سيطرة الميليشيات على كثير من المواقع الأثرية في تهامة وآزال، وفرار كثير من المنظمات الإنسانية داخل المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات، الأمر الذي دفع بكثير من دول العالم إلى دعوة رعاياها إلى عدم السفر لليمن.
ونتج عن هذا التحول الاقتصادي، وسيطرة قلة على المال العام والخاص، فجوة كبيرة داخل المجتمع اليمني الذي هُجر من المناطق الرئيسية قصراً، وأصبح غير قادر على مواجهة أعباء الحياة اليومية، بعد أن رفعت الميليشيات أسعار النفط ومشتقاته، وأسعار المواد الغذائية التي استولت عليها من المنظمات الإنسانية، أو تلك التي كانت تصل عبر ميناء الحديدة لتجار يمنيين، كما أنشأت الميليشيات أسواقاً سوداء في مختلف المدن التي تقع تحت سيطرتها، وفرضت رسوماً على جميع التحويلات المالية التي تصل للمدنيين.
وأكد معمر الإرياني، وزير الإعلام اليمني، لـ«الشرق الأوسط»، أن الميليشيات الحوثية تعمل بشكل ممنهج لضرب الاقتصاد اليمني، بإيعاز من إيران، وبهدف إرباك المجتمع الدولي الذي يسعى لتقديم المساعدات في المقام الأولى للمواطنين، بعيداً عن الأعمال العسكرية التي تنفذها الميليشيات. وفي الجانب الآخر، تكون هي المتحكم في اقتصاد الدولة، وحالياً في مناطق سيطرتها.
ولفت الإرياني إلى أن الميليشيات عمدت، مع فرض سيطرتها على صنعاء، إلى الاستحواذ على شركات النفط، في خطوة للتحكم في تصريف ما يرد للمدينة من مشتقات النفط، ثم أنشأت شركات مالية متخصصة تصرف وتحول الأموال، وهذه الشركات كانت تدار بواسطة الحوثيين، بحكم المبالغ التي تحول من اليمنيين المغتربين لأهاليهم في الداخل. وفتح استيلاء الميليشيات الحوثية على أصول وممتلكات رجال أعمال وشركات عائلية في صنعاء الباب للتواصل خارجياً باسم هذه المنشآت، والحصول على حاجتها من السلع التي تبيعها في الأسواق السوداء، كما عمدت إلى رفع أسعار الغاز، الذي يصل إلى صنعاء وعدد من المدن في إقليم تهامة بشكل كبير ومبالغ فيه، مقارنة مع ما يباع في المدن المحررة، المقدر بنحو 1200 ريال، ليباع بنحو 5 آلاف ريال، وهي مبالغ لا يستطيع المواطن تحملها، في ظل الأوضاع التي فرضتها الميليشيات، من السطو على الأجور ورفع الأسعار.
وقال وزير الإعلام اليمني إن الحكومة ناشدت المجتمع الدولي سرعة التدخل، وأن يقوم بدوره، خصوصاً فيما يتعلق بميناء الحديدة، الذي يدر أموالاً طائلة على الميليشيات من خلال الإيرادات وفرض الضرائب الجمركية التي تذهب للقيادات الحوثية، ولا تنفق بما يخدم المدنيين. وحتى الآن، لم نجد أي استجابة لوقف الهدر المالي الذي تستولي عليه الميليشيات بشكل مباشر.

- التحالف العربي يعيد التوازن للاقتصاد اليمني
منذ اللحظات الأولى التي تشكل فيها التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن، بطلب من الرئيس عبد ربه منصور هادي، حمل التحالف على عاتقه إعادة التوازن لليمن، ومعالجته من الخراب الذي خلفته الميليشيات في قطاعات الاقتصاد الرئيسية كافة. وسارع التحالف لتقديم الدعم والمساعدة لجميع قطاعات الدولة التي دمرتها الميليشيات، والتي شملت الصحة والبيئة والاقتصاد، وأنفقت السعودية أكثر من 8 مليارات دولار خلال عامين، في شكل مساعدات إنسانية وإغاثية وتنموية وحكومية، كما أودعت أخيراً ملياري دولار في البنك المركزي اليمني لحماية العملة المحلية.
ووفقاً لمسؤولين يمنيين، يعول على هذه الوديعة في رفع المعاناة عن الشعب اليمني، ومساعدته على مواجهة الأعباء الاقتصادية جراء معاناته من جرائم وانتهاكات الميليشيات الحوثية التي تنهب مقدرات الدولة، وتستولي على إيرادات المؤسسات الحكومية، بما في ذلك بيع المشتقات النفطية وتحصيل الأموال.


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.


«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين وفد «حماس» الذي وصل إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء، من أجل بحث المضي قدماً في تنفيذ وقف إطلاق النار المتعثر من قبل حرب إيران، وفق مصدر فلسطيني مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وبينما تطالب «حماس» بإنهاء المرحلة الأولى قبل البدء في نظيرتها الثانية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق كاملاً، تتمسك إسرائيل بـ«نزع السلاح»، فليس أمام الوسطاء سوى التحرك نحو سد الفجوات، وفق المصدر ذاته.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجولة الحالية من المحادثات تأتي بعد تباينات عديدة بشأن إطار ميلادينوف، وتعول فيها «حماس» على ضمانات واضحة، «وإلا فسنكون أمام مرحلة خطيرة تسعى لها إسرائيل لشن هجمات جديدة على القطاع تحت ذريعة نزع السلاح، وهو ما يتطلب تدخل الوسطاء بمقاربة وحلول وسط سريعاً».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

وقبيل انطلاق المحادثات أثيرت روايات بشأن محددات ومخرجات محتملة للمحادثات، لا سيما من إسرائيل الغائبة عن الاجتماع والمحادثات التي تتكرر للمرة الثانية خلال أسبوع بالقاهرة.

وأفادت قناة «كان» الإسرائيلية، الجمعة، بأن «حماس» تشترط لأي حديث عن السلاح إنهاء الاحتلال بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ورفع الحصار، رافضة الربط بين الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبين المطالب الأمنية الإسرائيلية والدولية.

وبالتزامن، نقلت وكالات عن مصدر قيادي في «حماس» قوله إن «الحركة ستعرض على الوسطاء قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، والتي تريد فيها إسرائيل و(مجلس السلام) نزع سلاح المقاومة في غزة، تنفيذ كامل البنود التي وردت في اتفاق المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات».

امرأة تجلس مع طفلين في حين يزحف رضيع بالقرب من خيمتهم بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور حسام الدجني، قال إن الفترة الماضية شهدت فجوة لا تزال كبيرة بين الرؤى الدولية ومطالب الفصائل الفلسطينية، والزيارة الحالية تأتي لردم الفجوة الكبيرة التي نتجت منذ تسليم ميلادينوف ورقته التي سُربت لوسائل الإعلام، مؤكداً أن «رؤيته تحقق رغبات تل أبيب بشكل كامل عبر ربط كافة الملفات بنزع السلاح، دون التطرق لأي مقاربة سياسية أو أفق للانسحاب الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «التحركات الفلسطينية الحالية تسعى لإيجاد حالة منطقية ومقبولة ضمن رؤية متكاملة تنسجم مع تطلعات السلام، دون جعل سلاح المقاومة شماعة لإفشال المبادرات، خاصة مع إصرار الجانب الإسرائيلي على اقتران تسليم السلاح بإنهاء الصراع دون مقابل سياسي حقيقي».

وشدد الدجني على ضرورة وضع رؤية متكاملة تربط حل معضلة السلاح بحل القضية الفلسطينية ككل، مع توفير ضمانات دولية لحماية الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول ببدء المرحلة الثانية دون تطبيق المرحلة الأولى، كما لا يمكن قبول صورة الانتصار التي ينشدها نتنياهو والمتمثلة في تسليم المقاومة سلاحها مقابل إعادة الإعمار فقط، فهذا طرح لا يمكن قبوله فلسطينياً».

وحول غياب إسرائيل عن هذه الاجتماعات، أكد الدجني أن إسرائيل «تغيب عن الصورة، لكنها موجودة في جوهر الأحداث، وواضح تأثيرها على إطار ميلادينوف الذي لا يحمل أي التزام جاد للانسحاب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن ما يُثار في الإعلام الإسرائيلي حول اجتماع ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» تحديداً، والحديث عن رفض الحركة لما طُرح، هو طرح غير صحيح، وهو جزء من إعلام إسرائيلي يجب الانتباه له وعدم الانسياق معه.

ويرى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قدّمت رؤية واضحة لتنفيذ خطة السلام بشكل سليم، وأبدت استعداداً للالتزام بما تم الاتفاق عليه، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالمرحلة الأولى، وهو ما يعرقل الانتقال إلى المراحل التالية، لافتاً إلى أن ميلادينوف لم يُقدّم أي خطة جديدة، بل طرح محاولات للالتفاف على جوهر «خطة السلام»، في إطار حالة من التهييج والتضليل الإعلامي.

فلسطينيون بجوار جثث ذويهم الذين قُتلوا خلال غارة جوية إسرائيلية شرق مخيم المغازي للاجئين (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الاجتماع دون موقف معلن من «حماس» سوى حديث الناطق باسم «القسام»، أبو عبيدة، الذي أكد قبل أيام أن «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحق شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال. وما لم يستطع العدو انتزاعه منا بالدبابات والإبادة، لن ينتزعه منا بالسياسة وعلى طاولة المفاوضات».

وحسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، فإنه حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة.

وفيما يخص إمكانية موافقة «حماس» على إطار نزع السلاح، أوضح الدجني أن الحركة قد توافق فقط في حال وجود رؤية سياسية واضحة، أما تسليم السلاح كمدخل للاستسلام فهو أمر مستبعد. وأضاف أنه «في قضية السلاح، لا قرار لـ(حماس) ولا لـ(فتح) ولا لأي فصيل بعينه، هذا قرار وطني يتحمل مسؤوليته الجميع؛ لأنه يخص أجيالاً قادمة وليس مرحلة تاريخية، والمقاومة المسلحة مشروعة بالقانون الدولي»، داعياً إلى «معالجة جذر المشكل المتمثل في الاحتلال هي السبيل الوحيدة للوصول إلى سلام عادل وشامل».

ويعتقد المدهون أن «حماس» ما زالت معنية بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الوسطاء، ودوراً عربياً أكثر لمنع أي تصعيد بهذه المرحلة الخطيرة، محذراً من أن أي عدوان على غزة في هذه المرحلة يُعد جريمة وتصعيداً خطيراً بحق شعب أعزل التزم بالتهدئة، وخاصة أن «حماس» فعلت ما عليها لتجنب استئناف الحرب.


حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended