السودان يطلق بورصة للعقارات بعد غياب 20 عاماً

السودان يطلق بورصة للعقارات بعد غياب 20 عاماً

خبراء ومحامون لـ {الشرق الأوسط}: البورصة أكبر ضامن للبيع والشراء وسلامة المستندات
الأربعاء - 5 جمادى الآخرة 1439 هـ - 21 فبراير 2018 مـ رقم العدد [ 14330]
يشكل العقار في السودان أحد أهم الاستثمارات في المنظومة الاقتصادية للبلاد
الخرطوم: سيف اليزل بابكر
أطلق السودان أول من أمس بورصة للعقار لتنظيم السوق وضبط عمليات الشراء والبيع، وذلك بعد غياب تام للسوق المنظمة طيلة العشرين عاماً الماضية، التي قضتها البلاد تحت وطأة الحصار الأميركي والعقوبات الاقتصادية، التي رفعت عنه في قبيل أربعة أشهر فقط.
وفي حين يشكل العقار في السودان أحد أهم الاستثمارات في المنظومة الاقتصادية للبلاد، ويوصف بأنه أفضل استثمار طویل الأجل، فإن سوقه تواجه تحديات كبرى، فهي بحاجة إلى رساميل ومواعین ومحافظ تمويلية كبیرة، وثبات في السياسات الاقتصادية، التي تعد أكبر مسبب للضبابية التي تعاني منها السوق حاليا. بسبب سياسات تقلب سعر الدولار أمام الجنيه السوداني، التي أدخلت جميع الأسواق في أزمة تعاني منها حتى الآن مجتمعات المال والاقتصاد وجميع عموم المواطنين.
ووفقاً للقرار الذي أصدرته وزارة العدل السودانية أول من أمس، سيتم تأسيس مؤسسة حكومية تنظم عمل البورصة العقارية المرتقبة، والتي ستكون كضامن في عمليات البيع والشراء لجميع أنواع العقارات والمباني والمزارع، بما في ذلك ضمان وسلامة المستندات التي تتداول بين البائع والمشتري، وضمان حقهما في التعامل العقاري تجاريا وبيعا.
وقيام بورصة للعقار، وفقا لخبراء ومحامين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أمس حول مستقبل المشروع، من شأنه قفل الباب تماما أمام التلاعب والتزوير في المستندات والخرائط والعقود التي يشتهر بها سوق العقار في السودان حاليا، وتسببت في عمليات شراء وبيع عقارات مختلة، أحدثت ربكة، وضعت سوق العقار في خانة الاستثمارات الأكثر مخاطرة. وتشهد المحاكم السودانية يوميا نزاعات في الأراضي وعمليات البيع، بسبب التزوير والمخالفات، والتي أودع بسببها عشرات المحامين السودانيين في السجون.
وشكل غياب السوق العقارية المنظمة في السودان، أكبر التحديات للنمو والتطور، رغم تعدد القطاعات العقارية النشطة في البلاد مثل قطاعات السكن والمكاتب والفنادق، لكن يعتبر حجمها أفضل من أسواق عربية أخرى، رغم صغر حجم السوق.
كما تعتبر السوق العقارية في السودان سوقا واعدة للاستثمار، كما وصفها الأمين العام لاتحاد العقاريين العرب خلال زيارته للخرطوم بداية العام الجاري، للتحضير لقيام أول مؤتمر للاستثمار العقاري العربي، المقرر عقده في الخرطوم في أبريل (نيسان) المقبل.
ومن أكبر مسببات غياب السوق العقارية المنظمة في السودان، العقبات التي تواجه الاستثمار العقاري، وزیادة الأسعار دون مبررات، وارتفاع تكلفة السكن ومواد البناء، وشح المعلومات عن كمیة المعروض من السكن مقابل الطلب، وعدم وجود بنى تحتية في المناطق الریفیة في الولایات، واختلاف سعر الدولار الذي تستورد به مستلزمات البناء.
وعما ستحققه البورصة العقارية المرتقبة من ملاذ آمن للمتعاملين والمواطنين في عمليات الشراء والبيع، وإضفاء قيمة مضافة لقطاع العقارات في السودان، والدور الذي ستلعبه في زيادة مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي للبلاد، قال لـ«الشرق الأوسط» أمس محمد كمال جار النبي المدير العام لشركة العروة الوثقى للتنمية العقارية في شارع الجمهورية في قلب العاصمة السودانية الخرطوم، إن فكرة قيام البورصة العقارية صائبة، باعتبار أن البورصة تعني قيام مؤسسة حكومية محايدة، تمتلك كل المعلومات والمستندات حول الأراضي في السودان.
وكذلك ستحقق البورصة العقارية، وفقا لجار النبي، الذي تعتزم شركته تدشين مبان مكتبية استعدادا لدخول مستثمرين بأعداد كبيرة بعد رفع الحصار الأميركي، الثقة في أرقام وسجلات البيع والشراء والمستندات التي تتم بها العملية، حيث ستتيح للطرفين التأكد من المعاملة من داخل مقر البورصة.
ولم يغفل جار النبي حالة السوق والظروف التي تمر بها، ويقول إن إعلانها أتي في وقت تعاني فيه السوق من الضبابية، لكنها ستوقف الاحتيال والأعمال غير الشرعية التي تتم في هذه السوق، شارحا الضبابية الحاصلة بأنها تتمثل في الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، حيث دفعت تلك الظروف أن تشهد الأسعار ارتفاعات بمعدل يومي، بل يشهد اليوم الواحد ارتفاعا بنحو 3 مرات.
ورهن جار النبي نجاح قيام البورصة العقارية باستقرار سعر الصرف الجنيه السوداني مقابل الدولار، حيث يواجه المشترون والبائعون موجة من عدم الثقة في السوق، وأصابهم رعب داخلي، ضارباً المثل، بعملاء لديهم، وبعد أن قرروا البيع وحصلوا على موافقات بالأسعار التي يطلبونها لعقاراتهم، سرعان ما غيروا قراراتهم بسبب الضبابية الحاصلة، وكثرة تداول الشائعات بأن السعر يمكن أن يزيد في المستقبل في حالة تراجع الدولار أمام الجنيه. وكشف جار النبي أن سوق البيع والشراء للعقارات في السودان تمر حاليا بربكة أوقفت عمليات البيع والشراء بسبب أن الناس تتخوف من البيع والشراء، وهم لا يعلمون أي سعر جديد سيعلنه البنك المركزي غدا.
وشرح جار النبي ما يدور في السوق بقوله: «لدينا مخاوف شديدة ونحتاج في عملنا للتأكد من صحة المعاملة والمستندات في كل عملية يجريها أصحاب المكاتب العقارية والشركات، وتستنزف طاقة كبيرة بدءا بطول زمن المعاملة إلى أكثر من أربعة أيام، وتحمل تكلفة محامين للتأكد من الجهات المعنية من سلامة أوراق المعاملة».
وحول مساهمة البورصة العقارية والدور الذي يمكن أن تلعبه في زيادة مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي للبلاد، يقول محمد كمال جار النبي إن البورصة ستضمن سلامة ورقة عقارية وتضمن للبائع والمشتري حقه بضمان الجهة الحكومية التي ستتولى أمرها، وسيشعر المتعاملون باستقرار نفسي واطمئنان، مطالبا الجهاز التنفيذي بتعميم وتنوير وتوعية المشتغلين في السوق والمستفيدين بالبورصة العقارية الجديدة.
ويرى خبير الأراضي الدكتور فيصل عبد الله، المحامي المستشار القانوني لأول اتحاد للعقارين في السودان، الذي أسس عام 2008، ثم أغلقت أبوابه بسبب الضبابية في السوق في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن فكرة بورصة العقارات في السودان ستعمل على تثبيت أسس جديدة لتحديد أسعار الأراضي، على نحو يجعل الاستثمار والمعاملات العقارية قائمة على قاعدة أساسية للبيع والشراء، تتحرك صعوداً وهبوطاً، وفقا للقيمة الحقيقية، التي تتقاطع الأسعار فيها ما بين سعر مصلحة الأراضي وسعر السوق والسماسرة، وبين أسعار المسجل العام ووزارة الاستثمار، والاتحاد العقاري القومي.
وأشار الدكتور فيصل إلى أنه يمكن قيام بورصة للعقارات في السودان، خاصة أن السنوات الأخيرة شهدت دخول شركات كبيرة في مجال الاستثمار والمعاملات العقارية، على قاعدة أساسية، مفادها أن الاستثمار العقاري بات هو الأنجح لكل مستثمر.
ويضيف المحامي فيصل المتخصص في قضايا الأراضي في المحاكم السودانية بجانب تخصصه في الإعلام الفضائي، أن المسجل التجاري العام دائماً ما يبحث عن السعر الحقيقي لأرض ما، وقد لا يهتدي إلى سعر حديث بفضل البورصة، خاصة أن تحديد السعر الواقعي لأي أرض مهم للجهاز القضائي للحكم في قضايا يكثر فيها الخلاف بسبب السعر.
واختتم المحامي فيصل شرحه حول جدوى البورصة العقارية، وقال إنها ستحقق العدالة وتخدم الاستثمار والتنمية، باعتبارها الكيان الذي سيعمل على إزالة مخاوف وتساؤلات المستثمر، مطالبا بأن تتضمن البورصة عرض أسعار حقيقي لعروض أسعار أسهم الشركات العقارية، وأن تتضمن البورصة المعلومات المالية الأخرى الخاصة بالأسعار عموما، وأسعار الشقق السكنية للمدن الكبيرة في السودان والأراضي الخالية وغيرها، وهو ما يضمن للمجتمع منع التلاعب بأسعار الأراضي، صعوداً وهبوطاً، حيث سيصبح ذلك مستحيلا في ظل قيام البورصة المرتقبة.
تجدر الإشارة إلى أن السودانيين لديهم عادات وثقافة لشراء العقارات لحفظ أموالهم، وازدهرت هذه الثقافة خلال الشهرين الأخيرين بعد ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه، وبلغ مستوى 40 جنيها للدولار بداية منتصف الشهر الماضي، ثم انكمشت الفجوة السعرية بين السعر الرسمي والموازي الأسبوع الماضي، حيث بلغ في السوق السوداء 32 جنيها، والرسمي داخل بنك السودان المركزي 31.5 جنيه.
وأدى هذا الوضع إلى عدم رغبة المستثمرين والمواطنين في الاحتفاظ بأي العملتين، والاستفادة منها في العقارات، حيث لا يمر على العقار أو الأرض شهر، وتجده محتفظا بسعره أو يزيد محققا أرباحاً عالية لصاحبه.
كما تجدر الإشارة إلى أن السودان سيشهد انتعاشا في سوق البناء والتعمير في البلاد، بعد الركود وعزوف قطاع المقاولين عن المشاريع الجديدة، بسبب الزيادات التي طرأت على مواد البناء أخيرا، حيث من المنتظر أن يكون بنك السودان المركزي قد أصدر قرارا بفك التمويل العقاري لشريحة المغتربين السودانيين العاملين بالخارج. وهو القرار الذي تنتظره سوق المقاولات والإسكان في السودان، منذ وقف تمويل البنوك المحلية لمشاريع التطوير العقاري والإسكان عام 2004، ما ترك أثراً بالغاً في سوق العقار في البلاد، ورفع التكلفة وسعر المتر في الخرطوم إلى مستويات قياسية عالمية.
السودان أخبار السودان

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة