فيروس الإنفلونزا يهدد الملايين كما فعل عام 1918

توقعات وتقديرات بعد مرور قرن على «الإنفلونزا الإسبانية» المميتة

مستشفى أميركي يعالج الإنفلونزا الإسبانية
مستشفى أميركي يعالج الإنفلونزا الإسبانية
TT

فيروس الإنفلونزا يهدد الملايين كما فعل عام 1918

مستشفى أميركي يعالج الإنفلونزا الإسبانية
مستشفى أميركي يعالج الإنفلونزا الإسبانية

ضربت الإنفلونزا أوروبا عندما كانت تشتعل فيها حرب كبيرة مستعرة، خلفت 20 مليون قتيل خلال 4 سنوات.
وفي عام 1918، وفي غضون 15 شهراً فقط، قتلت الإنفلونزا ضعف الرقم الوارد أعلاه، أو ربما 5 أضعاف. وعلى الرغم من أن حرب الإنفلونزا هذه أصبحت طي النسيان، فإنها عُرفت بـ«أكبر محرقة طبية في التاريخ».

فيروس قاتل

يعتقد الخبراء أن ما يتراوح بين 50 و100 مليون شخص لقوا حتفهم في ذلك الوقت، وأن ثلثيهم تقريباً توفوا خلال 10 أسابيع من خريف 1918.
ولم يسبق أن مات هذا العدد من الناس، وبهذه السرعة، بسبب مرض معيّن.
وفي الولايات المتحدة وحدها، توفّي نحو 675 ألف شخص في عام واحد تقريباً آنذاك. ويطابق هذا الرقم نفسه عدد الذين توفوا بسبب مرض نقص المناعة المكتسبة خلال 40 عاماً. وقد قالت آن شوشات، نائبة مدير مراكز مكافحة الأمراض واتقائها، في ندوة عقدت أخيراً حول الوباء الذي تفشى عام 1918: «لا بدّ أنكم تفكّرون في السوء الذي شهده عام 1918، وتظنون أن التكنولوجيا الطبية الحديثة كفيلة بإنقاذنا، ولكن الإنفلونزا هي أسوأ الكوابيس التي قد تراود كاتب لأحد أفلام هوليوود. صحيح أنّ الأدوات التي نملكها اليوم تفوق ما كان متوفراً في الماضي، ولكنها أدوات غير مثالية».
قبل مائة عام مضت، واجه ثلث سكان العالم الموت بسبب ما عُرف بالإنفلونزا الإسبانية، وحصل الفيروس على اسمه بعد أن أصاب ملك إسبانيا ألفونسو الثالث عشر، ورئيس وزرائه، وعدداً من وزراء حكومته، وأدّى إلى انهيارهم.
وقد تسببت هذه الإنفلونزا في شلّ الحياة: فأفرغت الشوارع، وأقفلت المعابد وقاعات البلياردو والصالونات والمسارح، وعجز صناع التوابيت في ذلك الوقت عن مواكبة ارتفاع الطلب، مما أدّى إلى حفر مقابر جماعية لدفن الموتى. كما اختبأ الناس في منازلهم خوفاً من التقاط المرض والموت.

عدوى تنفسية مراوغة

بدأت عدوى الإنفلونزا الإسبانية في القسم الأعلى من الجهاز التنفسي، ومن ثمّ امتدّت إلى الرئتين، وأدّت إلى التهاب رئوي ناتج عن عدوى جرثومية أو فيروس. ولكن كيف قتل المرض هذا العدد الهائل من الأشخاص البالغين الأصحاء؟ لقد هاجم هذا النوع من فيروس الإنفلونزا الذي اجتاح الأجسام جهاز المصابين المناعي بقوة شديدة، فكانت هذه القوة السبب في قتلهم.
واقتبس المؤرخ جون م. باري، صاحب كتاب «الإنفلونزا العظيمة»، عن أحد أطباء الجيش وصفه للمشهد في أحد مستشفيات ماساتشوستس: «بعد نقل المصابين إلى المستشفى، بدأت معاناتهم مع حالة متقدّمة من الالتهاب الرئوي الحادّ لم نشهد مثيلاً لها قبلاً. وبعد ساعتين على دخولهم إلى المستشفى، ظهرت بقع حمراء على عظام الوجنتين. وبعدها بساعات قليلة، تجاوز اللون الأزرق الأذنين، وغطّى الوجه بالكامل... ثمّ كان الموت مصير المرضى خلال الساعات القليلة التالية... الأمر فظيع».
لا تعطي الإنفلونزا صورة محددة وهدفاً مستقراً للجهاز المناعي في الجسم، بل إنها تستطيع تغيير شكلها إلى هيئة تبدو بريئة أمام خلايا الدم البيضاء والأنزيمات التي من المفترض أن تشنّ حرباً ضدها.
وهذا ما يفسر سبب اعتماد لقاح الإنفلونزا بشكل عشوائي بناءً على أفضل توقعات العلماء حول الذريّة المقبلة من المرض، التي غالباً ما تظهر كل 6 أشهر. فقد قدرت مراكز مكافحة الأمراض واتقائها هذا العام من أن اللقاحات المضادة للإنفلونزا، التي ستصدر، ستكون أقل فعالية بنسبة 30 في المائة.
وعام 1918، لم تكن اللقاحات المضادة للزكام موجودة، ولكنها لم تكن لتغير شيئاً حتى لو وُجدت. فبعد «لمسة الإنفلونزا» التي أثبتت قدرتها القاتلة في مناطق عدّة خلال فصل الربيع، تحولت الإنفلونزا إلى مرض مميت.
وبعد قرن، تطور العلم وتحول إلى مهنة طبية تنتج أدوية عجائبية وإجراءات جراحية لم يكن أحد ليتخيلها في 1918.

«لمسة الإنفلونزا»

ولكن «لمسة الإنفلونزا» لا تزال حتى اليوم تتسبب في موت 646 ألف شخص حول العالم كل سنة، 56 ألف شخص منهم في الولايات المتحدة وحدها. ومنذ عام 1918، شهد العالم انتشار الإنفلونزا كوباء عالمي 3 مرات. والوباء هو انتشار مرض معدٍ بشكل سريع بين عدد كبير من الأشخاص، ثمّ يتحول لاحقاً إلى وباء عالمي.
ويبدو أن العلم لا يزال عاجزاً عن السيطرة على المرض، وأن تطوير لقاح موحّد قادر على محاربة جميع ذريّات المرض لن يحصل أبداً في المدى القريب.
وقد حذّر أنطوني فوسي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض، في ندوة حول وباء عام 1918، فقال: «بعد 100 عام على وباء 1918 القاتل، لا نزال ضعافاً، ودون لقاح شامل، إذ يمكن لأي فيروس أن يتحول إلى كارثة عالمية».
هل يمكن لسيناريو 1918 أن يعيد نفسه؟ قال دانييل سوسين، نائب رئيس مراكز مكافحة الأمراض واتقائها للتأهب، في منتدى لمجلس العلاقات الخارجية: «من الواضح أنه بات لدينا قدرة أكبر على الاستجابة، ونتوقع استجابة أكثر فعالية لفيروس شبيه بالإنفلونزا الذي انتشر عام 1918، إلا أننا قد نواجه ذريّات أخطر وأكثر قدرة على الانتشار».
ويعتبر نظام التبليغ العالمي الذي يرصد الذريّات الناشئة من الفيروس من أبسط إجراءات الحماية المطبقة. ففي حال ظهر نوع جديد من الإنفلونزا الشبيه بوباء 1918، سيعمل هذا النظام على تحذير دول العالم من تأثيره المميت المحتمل.
وكان جيفري توبينبيرجر وآن ريد أول باحثين تعقّبا تسلسل جينوم فيروس الإنفلونزا الذي تسبب بوباء 1918 العالمي. وقال توبينبيرجر، العالم المتخصص في الفيروسات من المعهد الوطني للحساسية والأمراض، إن الأهمية ليست في فهم وباء 1918 كظاهرة تاريخية فحسب، بل كنموذج لما قد يحصل في المستقبل.

آلاف الضحايا من نيويورك إلى القاهرة

> في خلال 10 أسابيع، قتلت الإنفلونزا 20 ألفاً من سكان مدينة نيويورك، وتسبّبت في يتم 31 ألف طفل. ولم يتفق المؤرخون حتى اليوم على البقعة الجغرافية التي ظهر فيها هذا المرض للمرة الأولى: هل أتى من الصين، أم ظهر في المعسكرات البريطانية شمال فرنسا، أم في أرياف كنساس في أميركا؟ ولكن الأكيد هو أنه انتشر في جميع أنحاء العالم بين ليلة وضحاها.
مع نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، توفي 50 ألف شخص في جنوب أفريقيا، حيث بلغ عدد الوفيات بالإنفلونزا الإسبانية 600 حالة في اليوم الواحد، بعد أن بلغ الوباء ذروته. وفي مصر، وصل عدد الوفيات إلى 41 ألفاً في القاهرة والإسكندرية بحلول يناير (كانون الثاني).
وفي تاهيتي، جالت عربات النقل شوارع بابيتي لجمع الجثث، وعملت محارق الموتى ليلاً ونهاراً لترميدها.

* خدمة «بلومبيرغ»



الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه

الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه
TT

الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه

الدم يكشف ما تعجز الجينات عن تشخيصه

أظهرت دراسة دولية أن تحليل نحو 1500 بروتين في الدم -بالتزامن مع البيانات الجينية- يمكن أن يساعد في كشف الأسباب المحتملة للأمراض النادرة التي عجز تسلسل الجينوم وحده عن تشخيصها، وذلك من خلال توضيح التغيرات الجينية غير المؤكدة، وتحديد جينات مرشحة قد تكون مسؤولة عن المرض.

وشارك في الدراسة التي نشرت في دورية «Science Translational Medicine» في 9 سبتمبر (أيلول) 2026 باحثون من جامعة كوين ماري في لندن، ومعهد برلين للصحة في مستشفى شاريتيه، ومؤسسة «جينومكس إنغلاند»، حيث حلّلوا عينات دم لأشخاص ظلوا دون تشخيص جيني بعد خضوعهم للفحوصات ضمن مشروع «100 ألف جينوم». وتشير النتائج إلى أن دمج علم البروتينات مع التحليل الجيني قد يوفر أداة إضافية لتحسين تشخيص الأمراض النادرة، وكشف حالات يصعب تفسيرها بالاعتماد على المعلومات الجينية وحدها.

عندما تعجز الفحوصات الجينية عن تقديم إجابات

أحدث تسلسل الجينوم والإكسوم تحولاً كبيراً في تشخيص الأمراض النادرة، إلا أن العديد من المرضى لا يزالون يواجهون صعوبة في معرفة الأسباب الكامنة وراء حالاتهم الصحية. ومن أبرز التحديات التغيرات الجينية المعروفة باسم المتغيرات ذات الدلالة غير المؤكدة (VUS) variants of uncertain significance.

وتُكتشف هذه المتغيرات أثناء الفحوصات الجينية، لكن العلماء لا يمتلكون بعد أدلة كافية لتحديد ما إذا كانت مسؤولة عن مرض المريض.

بروتينات الدم توفر مصدراً إضافياً للمعلومات

وقد توفر بروتينات الدم مصدراً إضافياً للمعلومات، إذ تعكس العمليات البيولوجية التي تحدث داخل الجسم. ويمكن أن تشير المستويات المرتفعة أو المنخفضة بشكل غير معتاد لبروتينات محددة إلى أن تغيراً جينياً يؤثر في وظيفة أحد الجينات.

وقالت الدكتورة جوليا كاراسكو - زانيني من معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة بجامعة كوين ماري في لندن -والمؤلفة الأولى للدراسة- إن الجمع بين قياسات البروتينات والبيانات الجينية قد يوفر طبقة إضافية من الأدلة لفهم المتغيرات الجينية.

وبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن تغيرات جينية إضافية، يمكن لهذا الأسلوب أن يساعد الباحثين على تفسير المعلومات الجينية المتاحة بالفعل.

إشارات البروتينات لتفسير الحالات الغامضة

وأظهر البحث أن الجمع بين البيانات الجينية وقياسات البروتينات كان مفيداً بصورة خاصة لدى بعض المرضى المصابين بتوسع الشعيرات النزفي الوراثي (HHT) hereditary hemorrhagic telangiectasia، وهو اضطراب وراثي نادر يؤثر في الأوعية الدموية. وساعد هذا النهج في حل حالات ظلت دون تشخيص بعد التحليل الجيني.

كما أسهمت قياسات البروتينات في تحديد تغيرات جينية ربما لم تلتقطها الأساليب التقليدية المستخدمة في تحليل بيانات تسلسل الجينوم. وحقق الباحثون أيضاً في إمكانية الاستعانة بمستويات البروتينات غير المعتادة للكشف عن جينات لم يثبت بشكل قاطع بعد أنها تسبب أمراضاً نادرة محددة.

ومن بين الأمثلة جين TIE1 الذي يؤدي دوراً في وظائف الأوعية الدموية. فقد حدد العلماء متغيراً جينياً نادراً في هذا الجين لدى مريض يعاني من اضطراب وراثي غير مفسر في القلب، إلى جانب انخفاض استثنائي في مستويات بروتين TIE1 في دمه.

ووجد الباحثون المتغير الجيني نفسه لدى والد المريض الذي كان يعاني من الحالة ذاتها، بينما لم يُكتشف لدى المشاركين الآخرين في مشروع «100 ألف جينوم». كما أظهرت تجارب مخبرية إضافية باستخدام خلايا مأخوذة من المريض انخفاضاً ملحوظاً في مستويات بروتين TIE1 وإشاراته، مما قدم دعماً إضافياً للعلاقة المحتملة.

ومع ذلك شدد الباحثون على أن هذه النتيجة تمثل ارتباطاً مرشحاً بين الجين والمرض، ولا تؤكد أن جين TIE1 هو السبب المباشر للحالة. ولا تزال هناك حاجة إلى أدلة إضافية لإثبات هذه العلاقة.

مصدر أقل تدخلاً للحصول على المعلومات البيولوجية

وتتمثل إحدى المزايا المحتملة لهذا النهج في اعتماده على عينات الدم التي قد توفر بديلاً أكثر سهولة لبعض الأساليب المخبرية التي تتطلب أخذ خزعات من الجلد، وزراعة خلايا مأخوذة من المرضى.

وقال البروفسور داميان سميدلي من معهد ويليام هارفي للأبحاث في جامعة كوين ماري في لندن -وأحد المؤلفين المشاركين في الدراسة- إن قياسات البروتينات قد تساعد الباحثين على تحديد التغيرات الجينية الأكثر احتمالاً للتأثير في صحة المريض، وتوجيه عمليات بحث أكثر تركيزاً.

لكن هذا الأسلوب يواجه قيوداً مهمة. فالتقنيات الحالية تقيس جزءاً فقط من البروتينات التي يشفرها الجينوم البشري، كما أن بعض البروتينات المرتبطة بالأمراض لا يمكن اكتشافها بشكل موثوق في الدم.

إضافة إلى ذلك، لا تؤدي جميع المتغيرات الجينية المسببة للأمراض إلى تغيير مستويات البروتينات الموجودة في مجرى الدم. ولذلك لا تستطيع هذه التقنية حتى الآن تقديم إجابات لجميع المرضى الذين يعانون من أمراض نادرة غير مشخصة.

نحو تشخيص أكثر شمولاً

ويرى الباحثون أن التطورات في مجال علم البروتينات المعروف باسم «البروتيوميات» proteomics قد تجعل هذا النهج أكثر فائدة عند دمجه مع تسلسل الجينوم. والبروتيوميات هي الدراسة الشاملة لجميع أصناف وأنواع البروتينات، خاصة ما يتعلق ببنية البروتين، ووظائفها.

وقالت البروفسورة كلوديا لانغنبرغ -مديرة معهد أبحاث الرعاية الصحية الدقيقة بجامعة كوين ماري في لندن- إن البيانات الجينية توفر معلومات عن المخطط البيولوجي للجسم، بينما يمكن لقياسات البروتينات أن تقدم صورة عن كيفية عمل هذا المخطط داخل جسم المريض.

ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية تشمل أعداداً أكبر من المرضى، ومجموعات سكانية أكثر تنوعاً، ونطاقاً أوسع من الأمراض النادرة. كما يهدف العلماء إلى زيادة عدد البروتينات التي يمكن قياسها، وتحسين حساسية الاختبارات، وتطوير نطاقات مرجعية دقيقة لتفسير النتائج.

ورغم أن تحليل بروتينات الدم لا يُعد بديلاً عن تسلسل الجينوم في الوقت الحالي، فإن النتائج تشير إلى إمكانية أن يصبح أداة مكملة مهمة تساعد الباحثين على اكتشاف إشارات بيولوجية قد تظل مخفية، وتقرّب بعض المرضى من الوصول إلى تشخيص طال انتظاره.


تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية
TT

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

تساؤلات حول فوائد المكملات الغذائية والاختبارات الصحية المنزلية

أدى ازدهار مجال الصحة والعافية إلى ظهور مجموعة واسعة من المنتجات الاستهلاكية تَعِد بتحسين الصحة والسعادة، إلا أن الطبيب والإعلامي زاند فان توليكن يتحدث مع غريس ويد عن ثلاثة اتجاهات يجب الحذر منها، ويشير إلى أسبابها.

في عام 1893، قتل راعي البقر كلارك ستانلي أفاعي الجرس في معرض شيكاغو العالمي، ثم قام بغليها وبيع الدهون المستخلصة منها كمنشط لعلاج العديد من المشاكل الصحية، ما أدى إلى ظهور قصة «زيت الأفعى» الشهيرة. قد تبدو هذه الحيلة أقل إقناعاً اليوم، ومع ذلك، أصبح التمييز بين الدجل والطب أكثر صعوبة؛ إذ تتنافس الإرشادات الصحية الآن مع قطاع صناعة منتجات الصحة والعافية غير المحددة المعالم، التي تعززها إذاعات المؤثرين ووسائل التواصل الاجتماعي.

رحلة لفهم عالم الصحة

في كتابه «اجعلني بصحة جيدة: رحلة لفهم عالم العافية المُربك» Make Me Well: A quest to understand the confusing world of wellness، يُحقق الطبيب والإعلامي زاند فان توليكن Xand van Tulleken في هذه الصناعة غير الخاضعة للتنظيم القانوني إلى حد كبير. ويُوضح الأشياء التي تُحافظ على صحة الناس، والأشياء التي لا تُحافظ عليها.

• غريس ويد: ما «العافية» تحديداً؟

- زاند فان توليكن: تُعنى العافية بكيفية شعورنا: تحسين الأداء، وتحسين وظائف الجسم، وربما تقليل خطر الإصابة بالأمراض. لكن ممارسات تأمين العافية لا تقع في إطار الرعاية الصحية.

• إن قطاع صناع منتجات العافية الحديثة يحاول جاهداً طمس الحدود بين الصحة والعافية. ولكن ما الفرق؟

-الفرق أن العافية تعدُّ بمثابة تحسين الصحة. وقد دفعني تعمد هذا القطاع طمس الحدود بين الصحة والعافية، والالتباس الحاصل، لكتابة «اجعلني بصحة جيدة».عادةً ما تنطوي جوانب الصحة على مشكلة مُحددة وقابلة للقياس، بينما تُعنى الرعاية الصحية بالوقاية من حالات مُعينة أو علاجها. أما العافية فتركز على أهداف يصعب قياسها: الشعور بتحسن، وتحسين الأداء، وتحسين المظهر.

باستثناء الادعاءات الخاضعة لرقابة صارمة - مثل قدرة فيتامين سي على تقليل التعب - لا يُمكن لقطاع صناعات العافية الادعاء بأن المنتجات تُعالج مشاكل طبية. مع ذلك، لا تمنع قواعد الإعلان المؤثرين من تقديم آرائهم على أنها نصائح.

وبينما يحمي قطاع الرعاية الصحية «الحد الأدنى»، محافظاً على صحة الناس ضمن النطاق الطبيعي، يروج قطاع الصحة والعافية لـ«الحد الأقصى»، داعياً إياهم إلى تخيل أفضل نسخة من أنفسهم.

• هل توجد منتجات صحية تُحسّن الصحة؟

- بالتأكيد. لقد فحصتُ المكملات الغذائية، والأجهزة القابلة للارتداء، والاختبارات التجارية. تُشبه هذه المنتجات الأدوية، ولكن بالنسبة لمعظمها، تختفي الأدلة الداعمة عند التدقيق. وهذه المنتجات ليست مُصممة لعلاج الأمراض أو تشخيصها، ولا تتطلب عموماً أي دليل على فاعليتها أو سلامتها؛ لأن الشركات المصنعة تتجنب الادعاء بأنها تُقدم أي فائدة طبية.

والمشكلة أنه لا يزال بإمكان الشركات الإيحاء بفوائد صحية عبر قنوات أقل خضوعاً للتدقيق: فقد لا تحمل العبوة أي ادعاء، بينما يُمكن لمقدم بودكاست أن يُعلن عنه.

• هل هناك أي ضرر من تجربة هذه المنتجات، كالفيتامينات مثلاً؟

- نعم، الفيتامينات ضرورية، لكن الأصحاء عادةً لا يحتاجون إلى مكملات غذائية. وقد شكل قبول فكرة أن المكملات الغذائية لا تُفيد الأصحاء تحدياً لمعتقداتي الشخصية (بصفتي طبيباً).

كان الأطباء يعتقدون سابقاً أن المكملات الغذائية آمنة، وأن السيطرة على فائض العناصر الغذائية أمرٌ سهل. إلا أن تجارب سريرية واسعة النطاق أُجريت في العقد الثاني من الألفية الثانية أظهرت أن الفيتامينات المتعددة لا تُقلل الوفيات الناجمة عن الأمراض الخطيرة، بينما زادت بعض مكملات مضادات الأكسدة معدل الوفيات بنسبة تتراوح بين 4 و16 في المائة، وذلك بحسب نوعها وجرعتها.

قد تُسهم مكملات مضادات الأكسدة في حماية الخلايا السرطانية من التلف. يبقى سبب عدم تسبب الفواكه والخضراوات في نفس المخاطر غير واضح؛ إذ يبدو أن الجسم يُعالج العناصر الغذائية في الأطعمة الكاملة بطريقة مختلفة.

لا تزال الفيتامينات علاجات قيّمة لحالات النقص المُشخّصة، بما في ذلك نقص فيتامين بي في مرض البري بري beriberi ونقص فيتامين دي في الكساح.

يُعدّ الاشتباه في نقص أي عنصر غذائي من اختصاص الرعاية الصحية. فالطبيب لا يُعالج نقص الحديد فحسب، على سبيل المثال، بل يبحث أيضاً عن أسباب أخرى مثل أمراض الأمعاء، وفقر الدم الخبيث، وعدم انتظام الدورة الشهرية، وهي أسئلة لا يُبدي مروجو المكملات الغذائية أي دافع لطرحها.

فحوصات منزلية وتقنيات قابلة للارتداء

• ماذا عن الفحوصات المنزلية؟ يبدو أنها ستكون مفيدة، وليست ضارة للكشف عن حالات النقص والأمراض.

- تُغطي الفحوصات التجارية السرطان، وانقطاع الطمث، والهرمونات، ومستويات الفيتامينات. مع ذلك، قد لا يُسفر الفحص الشامل دون وجود دواعٍ طبية عن إنقاذ الأرواح، بل قد يُؤدي إلى تدهور صحة الأفراد.

في تجربة سريرية فنلندية واسعة النطاق لاختبارات الدم للكشف عن سرطان البروستاتا، لم يتم تأكيد سوى ثلث النتائج الإيجابية تقريباً عن طريق الخزعة. قد يُؤدي إجراء الاختبارات دون وجود دواعٍ أخرى للشك، إلى إجراء فحوصات ضارة، وتلف الأعصاب، وقلق لا داعي له.

يُجري الأطباء الاختبارات بعد تقدير احتمالية إصابة الشخص بالمرض. ويعتمد تفسير النتائج على الأعراض والتاريخ المرَضي والسياق.

لستُ ضدّ الاهتمام بالصحة العامة، إنما أرغب فقط في توفير الوقت والمال للناس، ومنحهم حرية القيام بما يهمهم.

• وماذا عن التقنيات القابلة للارتداء؟

- ساعتي الذكية معي هنا، ورغم أنني أشك في مدى فائدة هذه البيانات المتعلقة بمعدل ضربات قلبي ومستويات التوتر والنوم، فإنني لا أعتقد أنها أضرتني.

تُبسّط الأرقام التي توفرها الأجهزة القابلة للارتداء تعقيدات الحياة إلى نتيجة مطمئنة. مثلاً على دراجة التمرين، أعرف معدل ضربات قلبي ومستوى قوتي بدقة، بينما لا توفر التجارب العادية مقياساً موضوعياً مماثلاً.

قد تُشجع الأجهزة القابلة للارتداء على التركيز المفرط على البيانات، أو السعي وراء عدد الخطوات، أو الاعتماد على التمارين الرياضية. وبالنسبة لمعظم الناس فإنها ببساطة تُقدم أرقاماً، ولا يوجد دليل على أنها تُحسّن لياقة المستخدمين.

مع ذلك، أؤيد توسيع نطاق الوصول إلى المعلومات الصحية الشخصية. مثل موازين الحمام؛ إذ يمكن للأجهزة القابلة للارتداء أن تُظهر ما إذا كان الأمر يسير في اتجاه مفيد بشكل عام.

يبدأ الخطر عندما تقوم الأجهزة الاستهلاكية بفحص الأمراض. على الرغم من أن بعض الأجهزة القابلة للارتداء مُعتمدة كأجهزة طبية، فإن الأطباء وشركات الصحة يستخدمونها بشكل مختلف تماماً. قد يكون جهاز مراقبة الغلوكوز منقذاً لحياة مرضى السكري، لكن مستخدمي تطبيقات الصحة والعافية قد يعتبرون ارتفاعات سكر الدم الطبيعية خطيرة. ولكي يتجنبوا هذه الارتفاعات فإنهم قد يندفعون للابتعاد عن الفاكهة والبقوليات والحبوب الكاملة، والتوجه نحو تناول المزيد من الجبن واللحوم، ما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

اختبرتُ إحدى خدمات التغذية الشخصية مرتين في الوقت نفسه، باستخدام جهازين لمراقبة الغلوكوز، وعينات براز متطابقة، وعينات دم من كل ذراع، وبيانات شخصية متطابقة. أظهرت الخدمة نتائج مختلفة لسكر الدم والميكروبيوم، ونصائح غذائية متضاربة، ما يشير إلى عدم موثوقية النتائج.

خرافات صحية

• إذا كانت صناعة الصحة والعافية مليئة بالخرافات، فلماذا برأيك ازداد الاهتمام بها بشكل كبير في السنوات الأخيرة؟

- يتحمل القطاع الطبي جزءاً من مسؤولية ازدياد الاهتمام بالصحة والعافية. قد يكون الوصول إلى الرعاية الصحية صعباً؛ فحتى في المملكة المتحدة، المواعيد نادرة وقصيرة بسبب قلة عدد الأطباء.

كما أن الرعاية الصحية لا تلبي احتياجات بعض الفئات، وخاصة النساء والأقليات، الذين قد يجدون صعوبة في الحصول على العلاج المناسب.

يُظهر انقطاع الطمث هذه الفجوة بوضوح: ينفق المستهلكون مليارات على المكملات الغذائية، بينما لا يحظى البحث العلمي إلا بتمويل ضئيل نسبياً.

تنفق الولايات المتحدة نحو 57 مليون دولار سنوياً على أبحاث انقطاع الطمث، وهو مبلغ أقل بكثير من المطلوب وهو 100 مليون دولار، بينما لا يُسجّل الإنفاق في المملكة المتحدة أصلاً، وهو في الواقع ضئيل جداً.

عندما تشتدّ أعراض انقطاع الطمث ويبدو العلم غير مهتم، يصبح اللجوء إلى «منتجات العافية» أمراً مفهوماً. قد تبدو الرعاية الصحية أبوية ومُقيّدة، بينما تُوفّر العافية شعوراً بالسيطرة.

كما أن الطب يُعبّر عن عدم اليقين بصدق. وهنا يُقدّم المُكمّل الغذائي وعوداً بإمكانية حدوث شيء ما؛ بينما قد يُوضّح الطبيب أن الدواء يُقدّم فقط تقليلاً محدوداً للمخاطر المُستقبلية وله آثار جانبية.

• ما نصيحتك لمن يرغبون في تحسين صحتهم؟

- استشر مُختصّي الرعاية الصحية قبل شراء مُنتجات العافية. احرص على حضور الفحوصات المُوصى بها، واعرف ضغط دمك، وتناول الخضراوات؛ فهذه الأساسيات البسيطة تُحسّن الصحة.

يجب أن تتجاوز مُنتجات الصحة. يُمكن أن يأتي الشعور بالرضا من المجتمع، والعائلة، والصداقة، والنمو الشخصي. أنا لست ضد منتجات العافية؛ أريد أن يوفر الناس وقتهم وأموالهم ويركزوا على ما يهم حقاً.

ابحث عن شيء تحبه - فنون قتالية، حياكة، رقص، أو صناعة فخار - وانخرط فيه بشغف. قد يكون هذا أنجع وسيلة للحفاظ على صحتك. لا بأس بممارسة التعديل الحيوي كهواية، لكن لا تتوقع أن تُطيل المنتجات، أو المكملات الغذائية، أو العلاجات الخاصة، أو برامج الخلايا الجذعية، عمرك.

* مجلة «نيو ساينتست»

ـ خدمات «تريبيون ميديا»

من حيلة فوائد «زيت الحية» إلى إذاعات المؤثرين لا تتوقع أن تُطيل المنتجات عمرك


خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين
TT

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

خريطة ثلاثية الأبعاد تكشف أسرار اللوزتين

تكشف دراسة علمية جديدة عن تفاصيل غير مسبوقة حول الطريقة التي يُنظِّم بها الحمض النووي خلايا الجهاز المناعي بعدما نجح باحثون في رسم أول خريطة ثلاثية الأبعاد على مستوى الخلية لجينوم اللوزتين البشريتين.

ويأمل العلماء أن تساعد هذه الخريطة التي تصف التنظيم المعقد للمادة الوراثية داخل آلاف الخلايا في فهم الطريقة التي تتطور بها المناعة ولماذا يمكن أن تتحول بعض العمليات المناعية الطبيعية أحياناً إلى مصدر للطفرات المرتبطة بالسرطان. ونشرت الدراسة في مجلة «Science» في 23 يوليو (تموز) 2026، وأجراها فريق بحثي من كلية الطب بجامعة ييل في الولايات المتحدة بقيادة عالم المناعة ديفيد شاتز من قسم البيولوجيا المناعية بالتعاون مع عالم الوراثة سيوان (ستيفن) وانغ من قسم علم الوراثة في الكلية نفسها.

«معكرونة» داخل نواة الخلية

ورغم أن الحمض النووي في خلايا الجسم يمكن أن يصل طوله إلى نحو مترين، فإنه يجب أن يُحشر داخل نواة مجهرية؛ ولذلك لا يكون الحمض النووي مستقيماً، بل يلتف وينثني ويتشابك في بنية معقدة تشبه بحسب الباحثين «كرة ضخمة من المعكرونة». لكن هذه الفوضى الظاهرية ليست عشوائية، فطريقة طي المادة الوراثية وتنظيمها تختلف من نوع خلية إلى آخر ويمكن أن تحدد أي الجينات تعمل ومتى تعمل ومدى نشاطها.

ولفهم هذا التنظيم استخدم فريق وانغ تقنية تصوير متقدمة طورها في مختبره تُعرف باسم التصوير المتعدد لبنى النوكليوم Multiplexed Imaging of Nucleome Architectures (MINA) وتتيح التقنية تصوير الحمض النووي (دي إن إيه) DNA والحمض النووي الريبي RNA والبروتينات داخل الخلايا، وهي لا تزال في بيئتها الطبيعية داخل نسيج اللوزتين.

ويقول الباحثون إن هذه الطريقة مكّنتهم من بناء أول أطلس ثلاثي الأبعاد لجينوم اللوزتين البشري على مستوى الخلية، كما تمثل أول خريطة جينومية ثلاثية الأبعاد قائمة على التصوير لنسيج عضو بشري.

كيف تصنع الخلايا أجساماً مضادة أفضل؟ تؤدي اللوزتان دوراً مهماً في جهاز المناعة؛ إذ تستقر فيهما خلايا مناعية متخصصة تساعد الجسم على التعرف إلى مسببات الأمراض ومواجهتها.

كما ركز العلماء بشكل خاص على الخلايا البائية cells B التي تنتج الأجسام المضادة. وبعد تعرض هذه الخلايا لمحفزات مناعية يمكن أن تخضع عملية تعرف باسم فرط الطفرات الجسدية somatic hypermutation حيث تحدث تغييرات عشوائية في الجينات المسؤولة عن تصنيع الأجسام المضادة.

وقد تكون بعض هذه التغييرات مفيدة؛ لأنها تجعل الجسم المضاد أكثر قدرة على التعرف إلى العامل الممرض، ومن ثم تساعد على تكوين استجابة مناعية أقوى.

لكن السؤال الذي حير العلماء هو لماذا تحدث هذه الطفرات في مناطق معينة من الجينوم أكثر من غيرها؟

وقف الطفرات الجينية

وأظهرت الخريطة الجديدة أن المناطق التي تكون أكثر عرضة للطفرات تبدو مرتبطة بتنظيم ثلاثي الأبعاد خاص للحمض النووي حيث تنثني أجزاء منه لتشكّل حلقات تحافظ عليها بروتينات متخصصة. وعندما عطّل الباحثون بسرعة أحد البروتينات المسؤولة عن تشكيل هذه الحلقات توقفت عملية فرط الطفرات الجسدية تماماً.

وتشير النتيجة إلى أن التنظيم المكاني للحمض النووي داخل النواة ليس مجرد طريقة لترتيب المادة الوراثية، بل قد يكون جزءاً أساسياً من الآلية التي تسمح للخلايا المناعية بتطوير أجسام مضادة أكثر فاعلية. ومع ذلك اكتشف العلماء مفاجأة مهمة هي أن اختفاء الطفرات لم يؤدِّ إلى اختفاء جميع الحلقات الجينية، بل ظلت بعض التفاعلات موجودة لمدة أطول. وهذا يعني أن الحلقات وحدها لا تفسر العملية كاملة وأن هناك آليات أخرى لم تُكتشف بعد.

وقد تحمل النتائج أهمية خاصة لفهم بعض سرطانات الخلايا البائية مثل الأورام اللمفاوية؛ فعلى الرغم من أن فرط الطفرات الجسدية يستهدف عادة الجينات الخاصة بالأجسام المضادة فإنه قد يصيب أحياناً مناطق أخرى من الجينوم ما يؤدي إلى طفرات غير ضرورية وربما خطرة يمكن أن تسهم في نشوء السرطان.

ويأمل الباحثون أن يساعد الأطلس الجديد في تحديد العوامل التي تتحكم في هذه العملية وفهم ما يحدث عندما تخرج آليات الطفرات عن السيطرة.

وبالنسبة للعلماء، فإن فك لغز «المعكرونة الجينية» genetic spaghetti داخل الخلايا لا يتعلق بفهم شكل الحمض النووي فحسب بل بكشف الطريقة التي تتحكم بها هندسة الجينوم في المناعة والتعبير الجيني وتكاثر الخلايا وهو ما قد يفتح الباب أمام اكتشافات جديدة في الطب والأمراض مستقبلاً.