فيروس الإنفلونزا يهدد الملايين كما فعل عام 1918

توقعات وتقديرات بعد مرور قرن على «الإنفلونزا الإسبانية» المميتة

مستشفى أميركي يعالج الإنفلونزا الإسبانية
مستشفى أميركي يعالج الإنفلونزا الإسبانية
TT

فيروس الإنفلونزا يهدد الملايين كما فعل عام 1918

مستشفى أميركي يعالج الإنفلونزا الإسبانية
مستشفى أميركي يعالج الإنفلونزا الإسبانية

ضربت الإنفلونزا أوروبا عندما كانت تشتعل فيها حرب كبيرة مستعرة، خلفت 20 مليون قتيل خلال 4 سنوات.
وفي عام 1918، وفي غضون 15 شهراً فقط، قتلت الإنفلونزا ضعف الرقم الوارد أعلاه، أو ربما 5 أضعاف. وعلى الرغم من أن حرب الإنفلونزا هذه أصبحت طي النسيان، فإنها عُرفت بـ«أكبر محرقة طبية في التاريخ».

فيروس قاتل

يعتقد الخبراء أن ما يتراوح بين 50 و100 مليون شخص لقوا حتفهم في ذلك الوقت، وأن ثلثيهم تقريباً توفوا خلال 10 أسابيع من خريف 1918.
ولم يسبق أن مات هذا العدد من الناس، وبهذه السرعة، بسبب مرض معيّن.
وفي الولايات المتحدة وحدها، توفّي نحو 675 ألف شخص في عام واحد تقريباً آنذاك. ويطابق هذا الرقم نفسه عدد الذين توفوا بسبب مرض نقص المناعة المكتسبة خلال 40 عاماً. وقد قالت آن شوشات، نائبة مدير مراكز مكافحة الأمراض واتقائها، في ندوة عقدت أخيراً حول الوباء الذي تفشى عام 1918: «لا بدّ أنكم تفكّرون في السوء الذي شهده عام 1918، وتظنون أن التكنولوجيا الطبية الحديثة كفيلة بإنقاذنا، ولكن الإنفلونزا هي أسوأ الكوابيس التي قد تراود كاتب لأحد أفلام هوليوود. صحيح أنّ الأدوات التي نملكها اليوم تفوق ما كان متوفراً في الماضي، ولكنها أدوات غير مثالية».
قبل مائة عام مضت، واجه ثلث سكان العالم الموت بسبب ما عُرف بالإنفلونزا الإسبانية، وحصل الفيروس على اسمه بعد أن أصاب ملك إسبانيا ألفونسو الثالث عشر، ورئيس وزرائه، وعدداً من وزراء حكومته، وأدّى إلى انهيارهم.
وقد تسببت هذه الإنفلونزا في شلّ الحياة: فأفرغت الشوارع، وأقفلت المعابد وقاعات البلياردو والصالونات والمسارح، وعجز صناع التوابيت في ذلك الوقت عن مواكبة ارتفاع الطلب، مما أدّى إلى حفر مقابر جماعية لدفن الموتى. كما اختبأ الناس في منازلهم خوفاً من التقاط المرض والموت.

عدوى تنفسية مراوغة

بدأت عدوى الإنفلونزا الإسبانية في القسم الأعلى من الجهاز التنفسي، ومن ثمّ امتدّت إلى الرئتين، وأدّت إلى التهاب رئوي ناتج عن عدوى جرثومية أو فيروس. ولكن كيف قتل المرض هذا العدد الهائل من الأشخاص البالغين الأصحاء؟ لقد هاجم هذا النوع من فيروس الإنفلونزا الذي اجتاح الأجسام جهاز المصابين المناعي بقوة شديدة، فكانت هذه القوة السبب في قتلهم.
واقتبس المؤرخ جون م. باري، صاحب كتاب «الإنفلونزا العظيمة»، عن أحد أطباء الجيش وصفه للمشهد في أحد مستشفيات ماساتشوستس: «بعد نقل المصابين إلى المستشفى، بدأت معاناتهم مع حالة متقدّمة من الالتهاب الرئوي الحادّ لم نشهد مثيلاً لها قبلاً. وبعد ساعتين على دخولهم إلى المستشفى، ظهرت بقع حمراء على عظام الوجنتين. وبعدها بساعات قليلة، تجاوز اللون الأزرق الأذنين، وغطّى الوجه بالكامل... ثمّ كان الموت مصير المرضى خلال الساعات القليلة التالية... الأمر فظيع».
لا تعطي الإنفلونزا صورة محددة وهدفاً مستقراً للجهاز المناعي في الجسم، بل إنها تستطيع تغيير شكلها إلى هيئة تبدو بريئة أمام خلايا الدم البيضاء والأنزيمات التي من المفترض أن تشنّ حرباً ضدها.
وهذا ما يفسر سبب اعتماد لقاح الإنفلونزا بشكل عشوائي بناءً على أفضل توقعات العلماء حول الذريّة المقبلة من المرض، التي غالباً ما تظهر كل 6 أشهر. فقد قدرت مراكز مكافحة الأمراض واتقائها هذا العام من أن اللقاحات المضادة للإنفلونزا، التي ستصدر، ستكون أقل فعالية بنسبة 30 في المائة.
وعام 1918، لم تكن اللقاحات المضادة للزكام موجودة، ولكنها لم تكن لتغير شيئاً حتى لو وُجدت. فبعد «لمسة الإنفلونزا» التي أثبتت قدرتها القاتلة في مناطق عدّة خلال فصل الربيع، تحولت الإنفلونزا إلى مرض مميت.
وبعد قرن، تطور العلم وتحول إلى مهنة طبية تنتج أدوية عجائبية وإجراءات جراحية لم يكن أحد ليتخيلها في 1918.

«لمسة الإنفلونزا»

ولكن «لمسة الإنفلونزا» لا تزال حتى اليوم تتسبب في موت 646 ألف شخص حول العالم كل سنة، 56 ألف شخص منهم في الولايات المتحدة وحدها. ومنذ عام 1918، شهد العالم انتشار الإنفلونزا كوباء عالمي 3 مرات. والوباء هو انتشار مرض معدٍ بشكل سريع بين عدد كبير من الأشخاص، ثمّ يتحول لاحقاً إلى وباء عالمي.
ويبدو أن العلم لا يزال عاجزاً عن السيطرة على المرض، وأن تطوير لقاح موحّد قادر على محاربة جميع ذريّات المرض لن يحصل أبداً في المدى القريب.
وقد حذّر أنطوني فوسي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض، في ندوة حول وباء عام 1918، فقال: «بعد 100 عام على وباء 1918 القاتل، لا نزال ضعافاً، ودون لقاح شامل، إذ يمكن لأي فيروس أن يتحول إلى كارثة عالمية».
هل يمكن لسيناريو 1918 أن يعيد نفسه؟ قال دانييل سوسين، نائب رئيس مراكز مكافحة الأمراض واتقائها للتأهب، في منتدى لمجلس العلاقات الخارجية: «من الواضح أنه بات لدينا قدرة أكبر على الاستجابة، ونتوقع استجابة أكثر فعالية لفيروس شبيه بالإنفلونزا الذي انتشر عام 1918، إلا أننا قد نواجه ذريّات أخطر وأكثر قدرة على الانتشار».
ويعتبر نظام التبليغ العالمي الذي يرصد الذريّات الناشئة من الفيروس من أبسط إجراءات الحماية المطبقة. ففي حال ظهر نوع جديد من الإنفلونزا الشبيه بوباء 1918، سيعمل هذا النظام على تحذير دول العالم من تأثيره المميت المحتمل.
وكان جيفري توبينبيرجر وآن ريد أول باحثين تعقّبا تسلسل جينوم فيروس الإنفلونزا الذي تسبب بوباء 1918 العالمي. وقال توبينبيرجر، العالم المتخصص في الفيروسات من المعهد الوطني للحساسية والأمراض، إن الأهمية ليست في فهم وباء 1918 كظاهرة تاريخية فحسب، بل كنموذج لما قد يحصل في المستقبل.

آلاف الضحايا من نيويورك إلى القاهرة

> في خلال 10 أسابيع، قتلت الإنفلونزا 20 ألفاً من سكان مدينة نيويورك، وتسبّبت في يتم 31 ألف طفل. ولم يتفق المؤرخون حتى اليوم على البقعة الجغرافية التي ظهر فيها هذا المرض للمرة الأولى: هل أتى من الصين، أم ظهر في المعسكرات البريطانية شمال فرنسا، أم في أرياف كنساس في أميركا؟ ولكن الأكيد هو أنه انتشر في جميع أنحاء العالم بين ليلة وضحاها.
مع نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، توفي 50 ألف شخص في جنوب أفريقيا، حيث بلغ عدد الوفيات بالإنفلونزا الإسبانية 600 حالة في اليوم الواحد، بعد أن بلغ الوباء ذروته. وفي مصر، وصل عدد الوفيات إلى 41 ألفاً في القاهرة والإسكندرية بحلول يناير (كانون الثاني).
وفي تاهيتي، جالت عربات النقل شوارع بابيتي لجمع الجثث، وعملت محارق الموتى ليلاً ونهاراً لترميدها.

* خدمة «بلومبيرغ»



ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية
TT

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

ألبسة للتشويش على كاميرات الرصد والمراقبة الأمنية

أدى تزايد انتشار أنظمة المراقبة العامة إلى ظهور رد فعل مضاد يتمثل في صنع أزياء صُممت خصيصاً لإرباك كاميرات المراقبة الأمنية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. تهدف هذه التصاميم إلى تضليل أنظمة الرؤية الحاسوبية -مثل كاميرات «أكسون» (Axon) المثبتة على أجسام رجال الشرطة وكاميرات «فلوك» (Flock) وغيرها من أدوات المراقبة الجماعية- وذلك عبر استخدام حيل بصرية، مثل وضع أنماط ورسوم تخدع أجهزة استشعار الذكاء الاصطناعي وتجعلها تصنف مرتديها خطأً على أنهم حيوانات أو جمادات، أو من خلال استخدام أقمشة عاكسة للضوء، كما كتب هانتر شوارتز (*).

التشويش على 11 نموذجاً للرؤية الحاسوبية

تظهر الآن علامة تجارية جديدة للملابس -تُنتج بإصدار محدود وتعتمد على التمويل الجماعي- لتقدم قطعاً تتميز بأنماط قادرة بفاعلية على التشويش على 11 نموذجاً مختلفاً من نماذج الرؤية الحاسوبية. تحمل هذه العلامة التجارية اسم «noRecognition».(اللاتعرّف).

مسؤول استخبارات يصمم الأزياء المشوشة

وابتكر بيل سوارينجين، وهو مسؤول استخباراتي سابق ومؤسس «SecKC»، وهي خدمة لفعالية شهرية متخصصة في الأمن السيبراني تُقام في مدينة كانساس- علامة «noRecognition» بعد إجراء 31.7 مليون اختبار رقمي لتحديد أنواع الأنماط التي تربك نماذج متعددة في آن واحد، وذلك بهدف ابتكار نمط تمويه شامل ومضاد لأنظمة الرصد. ووظّف سوارينجين الذكاء الاصطناعي في مراحل العمل كافة، بدءاً من بناء النموذج وتدريبه، ومروراً باستخدامه لتوليد واختبار الأشكال الهندسية للأنماط المضادة، ووصولاً إلى تحديد الأنماط الأكثر فاعلية.

ويكمن التحدي بالنسبة لسوارينجين في أن النمط الذي ينجح في خداع نموذج واحد غالباً ما يفشل أمام نماذج أخرى مختلفة. ويقول في هذا الصدد: «لقد نجحت في التغلب على كل نموذج اختبرته، لذا فإن تجاوز نموذج واحد أصبح بالنسبة لي مسألة محسومة؛ أما التحدي الحالي فيتمثل في العثور على ذلك النمط الفريد الذي ينجح في خداع العديد من النماذج في آن واحد».

وقد كشف سوارينجين عن علامته هذه للجمهور خلال مؤتمر «ديف كون» (Def Con) للأمن السيبراني في لاس فيغاس في 7 أغسطس (آب) الحالي. كما أطلق حملة على منصة «كيك ستارتر» في الأسبوع نفسه لجمع 5000 دولار، لكن الحملة نجحت في جمع أكثر من 40 ألف دولار حتى الآن. ويوضح سوارينجين أن الأموال المجمعة ستُخصص لشراء الأقمشة والكاميرات وتوفير الموارد الحاسوبية اللازمة، معرباً عن امتنانه العميق وتأثره البالغ بهذا الكرم ورد الفعل الإيجابي.

وشاح «أنبوبي» للرقبة وقميص وسترة رياضية

تتضمن تشكيلة الملابس ذات الإصدار المحدود وشاحاً أنبوبياً (يمكن ارتداؤه كغطاء للرقبة)، وقميصاً (تي شيرت)، وسترة رياضية (سويت شيرت)، بالإضافة إلى ملصقات ورقع قماشية. وسيتم إنتاج 50 قطعة فقط من كل صنف، حيث سيتميز كل منها بنمط فريد تم توليده خصيصاً لشخص واحد.

ويعرض موقع «سوارينجين» الإلكتروني أمثلة على بعض الأنماط التي يولدها نموذج «noRecognition»، إلا أن أقوى أعماله تظل بعيدة عن متناول الإنترنت؛ فمن خلال إبقاء أكثر الأنماط فاعلية خارج الموقع، يحول نموذجه هذا دون قيام مشغلي كاميرات المراقبة بتدريب أنظمتهم على ما ينتجه هذا النموذج.

أنماط التضليل البصري

وكانت السفن الحربية استخدمت خلال الحرب العالمية الأولى نمط «تمويه التمويه البصري» الذي يتألف من خطوط متعرجة بالأبيض والأسود- لإرباك سفن العدو. واليوم تستخدم شركات السيارات أساليب تمويه لإخفاء تفاصيل المركبات أثناء اختبارها عند القيادة. أما في مجال الأزياء المصممة لمواجهة أنظمة الرصد أو ما يسمى أزياء «الخصومة التقنية» أو (Adversarial fashion)، فيتم الاعتماد بشكل أساسي على استخدام وحدات نمطية متكررة.

نمط من وحدات متكررة

تعتمد معظم الأنماط - وإن لم تكن جميعها - على وحدات متكررة؛ إذ تضمن هذه الطريقة بقاء النمط سليماً وواضحاً حتى بعد قص القماش، ما يجعله ظاهراً في مجال رؤية أجهزة الكشف بغض النظر عن الجزء الذي يظهر من قطعة الملابس. ولا تهدف هذه الأنماط إلى تحقيق غايات جمالية، بل تعطي الأولوية للوظيفة العملية؛ حيث تُعد الأبعاد المحددة للنمط عاملاً حاسماً في مدى نجاحه وفاعليته.

وإن كان بعض الناس يختارون ملابسهم لتلائم الكاميرات، فان تصميم «noRecognition» ليفعل العكس تماماً.

* مجلة «فاست كومباني».


هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
TT

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التنبؤ بمرض الكبد الدهني قبل 16 عاماً؟

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة مستقبل الكبد؟

قد يعتقد معظم الناس أن فحص الدم لا يخبر الطبيب إلا بما يحدث داخل الجسم اليوم، لكن ماذا لو استطاع أن يكشف أيضاً ما قد يحدث بعد ستة عشر عاماً؟ لم يعد هذا مجرد خيال علمي، بل احتمال تطرحه دراسة حديثة نشرتها مجلة نيتشر للشيخوخة «Nature Aging» في 30 يوليو (تموز) 2026. فقد أظهر باحثون أن الذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل خمس بروتينات فقط في الدم، استطاع التنبؤ بخطر الإصابة بمرض الكبد الدهني الأيضي (أي المرتبط باضطرابات التمثيل الغذائي)، قبل سنوات طويلة من ظهور أعراضه السريرية، وذلك في خطوة قد تمثل تحولاً جذرياً في مفهوم الطب الوقائي، لينتقل من علاج المرض بعد ظهوره إلى توقعه قبل أن يبدأ.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على «رؤية المستقبل»، بل إن أجسامنا تترك بصمات بيولوجية دقيقة في الدم قبل وقت طويل من تحولها إلى مرض واضح. وما تفعله الخوارزميات الحديثة هو التقاط هذه الإشارات الصامتة، وربطها بأنماط مَرضية معقدة قد تبقى خفية على العين البشرية سنوات طويلة، مما يمنح الأطباء فرصة ثمينة للتدخل المبكر قبل حدوث الضرر.

رصد المرض الذي يتسلل إلى الكبد

وباء صامت

يُعد المرض الكبدي الدهني الأيضي (Metabolic Dysfunction-Associated Steatotic Liver Disease - MASLD) أحد أكثر أمراض الكبد المزمنة انتشاراً في العالم، ويرتبط بالسمنة، وداء السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون. وتشير التقديرات إلى أنه يصيب نحو واحد من كل ثلاثة بالغين حول العالم، ما يجعله أحد أكبر تحديات الصحة العامة في العقود المقبلة.

وتكمن خطورته في أنه يتطور بصمت؛ فقد تتراكم الدهون داخل الكبد سنوات طويلة دون أعراض واضحة، ولا يُكتشف المرض إلا بعد ظهور تغيرات في وظائف الكبد أو في الفحوصات الشعاعية، عندما يكون الضرر قد بدأ، بالفعل. أما الدراسة الجديدة فتقترح تحولاً جذرياً في هذا المفهوم، إذ تشير إلى إمكانية اكتشاف إشارات بيولوجية في الدم تسبق ظهور المرض بسنوات طويلة، بما يفتح الباب أمام الوقاية والتدخل المبكر، بدلاً من انتظار المضاعفات.

ماذا اكتشف الباحثون؟

اعتمد الباحثون على تحليل عينات دم لأكثر من 50 ألف مشارك من المملكة المتحدة والصين، مستخدمين تقنيات البروتيوميات (Proteomics) وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، لاستخلاص بصمة حيوية في بلازما الدم مكّنت من التنبؤ بخطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي قبل ما يصل إلى 16 عاماً من ظهور أعراضه.

ولم يكتفِ الباحثون ببناء هذا النموذج، بل اختبروه في مجموعات سكانية مستقلة، فحافظ على دقته التنبؤية، ما عزز موثوقية النتائج. كما أظهرت الدراسة أن دمج هذه البصمة الحيوية مع المعلومات السريرية المعتادة، مثل العمر، ومؤشر كتلة الجسم، ومستويات السكر والدهون، حسّن القدرة على التنبؤ بصورة ملحوظة، مقارنة بالاعتماد على البيانات السريرية وحدها.

ويختلف هذا النهج عن كثير من الدراسات السابقة، إذ لم يعتمد على تحليل الجينات، بل على البروتينات التي تعكس ما يجري داخل الجسم بصورة لحظية، وتتأثر بالعمر ونمط الحياة والالتهابات. لهذا يرى الباحثون أنها قد تكشف الإشارات البيولوجية المبكرة للمرض قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

بصمة تكشف المستقبل

أين يأتي دور الذكاء الاصطناعي؟

لا يستطيع الطبيب، مهما بلغت خبرته، تحليل آلاف البروتينات في الوقت نفسه وربط العلاقات الدقيقة بينها، بينما تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي معالجة هذا الكم الهائل من البيانات واكتشاف أنماط بيولوجية قد تبقى خفية على العين البشرية.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يرى المستقبل، بل إنه يحسب احتمالات الإصابة اعتماداً على بيانات تراكمت من عشرات الآلاف من الأشخاص، فهو لا يتنبأ بالغيب، وإنما يكشف الإشارات البيولوجية المبكرة التي يتركها المرض في الجسم قبل سنوات من ظهوره سريرياً.

ماذا يعني ذلك للممارسة الطبية؟

إذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في الدراسات المستقبلية وفي الممارسة السريرية، فقد يتغير مفهوم الفحص الصحي الدوري بصورة جوهرية، فبدلاً من أن يقتصر تحليل الدم على الكشف عما يعانيه المريض اليوم، قد يصبح قادراً أيضاً على تقدير أخطار الأمراض التي قد يواجهها بعد عشر سنوات أو أكثر.

وهذا يمنح الطبيب فرصة ثمينة للتدخل في مرحلة لا يزال المرض فيها قابلاً للوقاية، من خلال تعديل نمط الحياة، وإنقاص الوزن، وتحسين السيطرة على السكري وارتفاع الدهون، وربما استخدام علاجات وقائية قبل أن يتعرض الكبد لتلف لا يمكن عكسه.

ولا تقتصر أهمية هذا النهج على تحسين صحة المريض، بل قد تمتد إلى الأنظمة الصحية أيضاً، إذ يسهم في تقليل الحاجة إلى الفحوصات والإجراءات التشخيصية المتقدمة، وخفض تكاليف علاج المضاعفات المزمنة، ونقل الرعاية الصحية من علاج المرض بعد ظهوره إلى الوقاية منه قبل أن يبدأ.

هل تقود المملكة مستقبل الطب الوقائي؟

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في العالم العربي، الذي يشهد ارتفاعاً متزايداً في معدلات السمنة وداء السكري، وهما من أبرز عوامل خطر الإصابة بالمرض الكبدي الدهني الأيضي. وإذا أثبتت هذه التقنية فاعليتها في الدراسات المستقبلية، فقد تسهم في نقل الرعاية الصحية من تشخيص المرض بعد ظهوره إلى التعرف على الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به قبل سنوات، مما يتيح التدخل المبكر والحد من مضاعفاته.

وفي المملكة العربية السعودية، يوفر التطور المتسارع في البنية الصحية الرقمية، وتكامل السجلات الطبية الإلكترونية، والاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ضِمن مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، فرصة لتطوير نماذج تنبؤية تعتمد على بيانات السكان المحليين، بدلاً من الاعتماد الكامل على نماذج دُرِّبت في مجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية والبيئية.

كما يمكن للمؤسسات البحثية والطبية الرائدة في المملكة، ومنها مركز الملك عبد الله العالمي للأبحاث الطبية ومدينة الملك عبد العزيز الطبية، أن تسهم في قيادة جهود إنشاء قواعد بيانات بروتينية للسكان في المملكة والمنطقة.

من علاج المرض إلى درئه

ربما تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها لا تقدم وسيلة جديدة لتشخيص مرض الكبد فحسب، بل تعكس تحولاً أعمق في فلسفة الطب. فبعد أن كان الهدف هو اكتشاف المرض وعلاجه، أصبح الطموح هو التعرف إلى بوادره البيولوجية قبل سنوات من ظهوره، ومنع حدوثه من الأساس.

ولا يزال هذا النهج بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل اعتماده في الممارسة السريرية، لكنه يرسم ملامح مستقبل قد يصبح فيه تحليل الدم أداة لتقدير المخاطر الصحية المقبلة، وليس مجرد وسيلة للكشف عن الأمراض الحالية.

وعندها، قد لا يكون السؤال الذي يطرحه الطبيب: «ما المرض الذي تعانيه اليوم؟»، بل: «ما الذي يمكن أن نفعله اليوم حتى لا تُصاب به غداً؟».


البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه
TT

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي... أسوأ مما تبدو عليه

حددت دراسة جديدة دور الذكاء الاصطناعي الكبير في الإخلال بالبيئة وإلحاق الأضرار بها؛ إذ يؤدي إنشاء مراكز البيانات الجديدة المرتبطة بالنظم الذكية إلى بناء محطات طاقة جديدة تعمل بالوقود الأحفوري، مثل محطة غاز في تكساس تدعمها شركة «أمازون» التي قد تصبح أكبر مصدر منفرد لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة. ولكن الأدهى من ذلك أن الذكاء الاصطناعي يجعل صناعة الوقود الأحفوري أكثر إنتاجية أيضاً.

الذكاء الاصطناعي يزيد إنتاجية استخراج الوقود الأحفوري

تكشف دراسة جديدة أن مكاسب الإنتاجية هذه قد تولِّد انبعاثات تفوق ما تنتجه مراكز البيانات اليوم بما يصل إلى 13 ضعفاً.

وتركز الدراسة -التي نُشرت في دورية «npj Climate Action» التابعة لمجموعة «نيتشر» (Nature Portfolio)- على ما تُعرَف بـ«الانبعاثات الناجمة عن التمكين»، وهي الانبعاثات التي تنشأ عندما تستخدم شركات النفط والغاز الذكاء الاصطناعي لاستخراج الوقود الأحفوري وتكريره بسرعة وتكلفة أقل، وكذلك لتوليد مزيد من الطاقة.

كما حسبت الدراسة كيف يجعل الذكاء الاصطناعي الطاقة المتجددة أكثر إنتاجية، إلا أن التأثير على الوقود الأحفوري يفوق بكثير الفائدة العائدة على الطاقة المتجددة.

ولكي تظل الانبعاثات العالمية ثابتة تقريباً، يجب أن تتحسن إنتاجية الطاقة المتجددة بمعدل يتراوح بين 4 و5 أضعاف من معدل تحسن إنتاجية الوقود الأحفوري. ويعود ذلك جزئياً إلى أن أي تحسن –ولو كان بسيطاً- في عمليات استخراج الوقود الأحفوري يمكن أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في استهلاك هذا الوقود.

زيادة الانبعاثات الكربونية

ووجدت الدراسة أن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تزيد الانبعاثات العالمية بمقدار يتراوح بين 0.47 و1.8 غيغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً (للمقارنة، تعادل 1.8 غيغا طن 3 أضعاف الانبعاثات السنوية لألمانيا). وتتراوح الانبعاثات الناجمة عن مكاسب الإنتاجية في قطاع الوقود الأحفوري بين 3.3 و13.3 ضعف الانبعاثات الحالية الناتجة عن مراكز البيانات.

ويُذكر أن اثنين من مؤلفي الدراسة كانا موظفَين في شركة «مايكروسوفت»، وتركا العمل فيها لتأسيس منظمة غير ربحية تحمل اسم «حملة الانبعاثات الناجمة عن التمكين» (Enabled Emissions Campaign).

تأثير غير متكافئ

وقال ويل ألبين، المؤلف الرئيسي للدراسة، في بيان له: «لقد أمضيت سنوات في بناء أدوات لمنصات الذكاء الاصطناعي، ورأيت بنفسي كيف تُستخدم هذه الأدوات. ومثل أي أداة أخرى، يمكن للذكاء الاصطناعي تسريع وتيرة أي مجال يُطبَّق فيه. نعم، يمكنه دفع عجلة الطاقة المتجددة، وتعزيز شبكات الكهرباء، وتحسين الكفاءة؛ لكنه يعمل أيضاً منذ سنوات على تعزيز إنتاجية صناعة الوقود الأحفوري. وتُظهر بحوثنا أن هذا التأثير غير متكافئ؛ إذ يعمل الذكاء الاصطناعي كرافعة اقتصادية تعزز جدوى الوقود الأحفوري وهيمنته».

* مجلة «فاست كومباني».