يوميات الود والخصام (3) تفاصيل تمويل القذافي لحملات رئاسية غربية

5 ملايين دولار لدعم مرشح للرئاسة الأميركية... و4 ملايين يورو لتيموشينكو نقلت في حقائب

ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)
ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)
TT

يوميات الود والخصام (3) تفاصيل تمويل القذافي لحملات رئاسية غربية

ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)
ساركوزي مستقبلاً القذافي في باريس نهاية 2007 (أ.ف.ب)

تتضمن هذه الحلقة من سلسلة الحلقات التي تنشرها «الشرق الأوسط» عن أيام الود والخصام بين النظام الليبي السابق وأطراف محلية وخارجية، تفاصيل جديدة عن تمويل طرابلس لحملات رئاسية في فرنسا وأميركا وأوكرانيا. وجرى جمع هذه المعلومات بما تشمله من وثائق ومستندات، من أشخاص عدة انخرطوا في هذه التمويلات المعقدة ويعيش معظمهم في الظل حالياً.
ويقول شهود من النظام الليبي السابق إن حجم الأموال التي أنفقتها طرابلس في 2007 على حملة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، حين كان مرشحاً، بلغت أقل قليلاً من 50 مليون يورو. لكن رجل الأعمال اللبناني زياد تقي الدين الذي حضر اجتماعات لساركوزي مع القذافي، يوضح أن «المبالغ أكبر من ذلك بكثير». بينما جرى، عبر المحيط الأطلنطي، تمويل حملة مرشح للرئاسة الأميركية في 2004 بخمسة ملايين دولار. وعلى البحر الأسود، تم تمويل حملة مرشحة الرئاسة في أوكرانيا يوليا تيموشينكو في 2010، بأربعة ملايين يورو.
ينفي ساركوزي الاتهامات الموجّهة إليه بتلقّي أموال ليبية. بيد أن أحد أقرب مساعدي سيف الإسلام القذافي، الذي كان أحد شهود عمليات جرت خلف أبوب مغلقة، أشار إلى أن تمويل بلاده للحملة الرئاسية في فرنسا، تم عبر رجال أعمال مقربين من ساركوزي، وأن هذا الأخير، الذي كان لا يزال وزيراً للداخلية في بلاده، تعهد وقتها بتطوير العلاقات الثنائية مع ليبيا والعمل في أفريقيا وإسقاط التهم عن المدانين الليبيين الأربعة في قضية تفجير طائرة «يو تي إيه» الفرنسية، في حال دخوله قصر الإليزيه.
أما تمويل حملة المرشح الأميركي، فجاء عبر وسيط كان بمثابة صديق مشترك بين سيف الإسلام ومسؤول أميركي رفيع سابق، أملاً بأن يقوم المرشح في حال فوزه بالرئاسة، برفع اسم ليبيا من قوائم الدول الراعية للإرهاب. وجرى تحويل الأموال عبر دولة ثالثة، بعد لقاء في مدينة توليدو بولاية أوهايو بين هذا المرشح وضابط أمن ليبي بصفته ممثلاً لجمعية ليبية - أميركية.
وفيما يتعلق بتيموشينكو، فقد كانت حازت شهرة واسعة لمشاركتها فيما عرف في 2004 بالثورة البرتقالية التي تفجرت في بلدها احتجاجاً على ما شاب انتخابات الرئاسة من مخالفات. وتزعمت حزب «كل الأوكرانيين»، ثم تولت بعد ذلك موقع رئيس الوزراء أوكرانيا، إلى أن ترشحت للرئاسة.
ويتذكر بعض رجال النظام الليبي السابق تلك الأيام. ويقول أحد هؤلاء إن «تمويل حملات انتخابية في بلدان أخرى تقوم به دول كثيرة، وليست ليبيا فقط، لكسب نفوذ الفائزين المحتملين». ويروي المساعد المقرب من سيف الإسلام لـ«الشرق الأوسط» كسف سلّم بنفسه أموال الدعم لحملة المرشحة الأوكرانية، بتكليف من رئيس الحكومة الليبية آنذاك. ويقول: «نقلتها في حقيبة... سافرت إليها بطائرة خاصة، ووصلت مطار كييف، وأعطيتها لنائب رئيس الوزراء هناك، وكانت كل ورقة من الملايين الأربعة من فئة 500 يورو».
كان هذا المساعد موجوداً أيضاً في أروقة المفاوضات بين رجال القذافي وساركوزي، المرشح لزعامة بلاده عن تكتل «الاتحاد من أجل حركة شعبية». كما كان تقي الدين يشارك في جانب من تلك الاجتماعات رفيعة المستوى. وتعكس مكاتبات عدة بين باريس وطرابلس، الاندفاع الفرنسي نحو ليبيا بمشاركة رجال أعمال ومسؤولين فرنسيين وعرب.
وكان السؤال الذي تم توجيهه لساركوزي في فندق «كورنثيا» في طرابلس، من جانب الليبيين: «ماذا يمكن أن تقدم إذا فزت بالرئاسة أمام منافستك سيغولين رويال مرشحة الحزب الاشتراكي؟». لقد كان على رأس المشاكل العالقة بين باريس وطرابلس قضية تفجير طائرة «يو تي إيه»، ومن بين المتهمين الأربعة فيها أحد أكبر القيادات الأمنية الليبية، وهو عبد الله السنوسي. وكان السنوسي نفسه موجوداً في الاجتماع.
وتم وضع هذه القضية على طاولة المفاوضات في جناح الفندق عينه الذي أقام فيه ساركوزي في سبتمبر (أيلول) 2005. وكان من بين من حضروا المفاوضات مع ساركوزي في فندق «كورنثيا» أيضاً، مسؤول ليبي آخر، كان يلقب بـ«مدير مكتب القذافي»، ويدعى بشير صالح، ويعيش معظم الوقت حالياً في جنوب أفريقيا. لكن الرجل عادة ما ينفي اقتران اسمه بقضية تمويل حملة ساركوزي، ولم يتسن الحصول منه على تعليق مباشر حول هذه القضية.
غير أن تقي الدين والمساعد البارز لسيف الإسلام القذافي، يقولان إن صالح كان أحد الضالعين في العملية، إلى جانب ألكسندر الجوهري، وهو رجل أعمال فرنسي من أصل جزائري (موقوف في لندن)، ورجال أعمال آخرين من جنسيات مختلفة.
ويتذكر مساعد سيف الإسلام ملابسات تلك الفترة، بقوله: «طبعا الرئيس ساركوزي قبل أن يتولى الرئاسة كان وزيراً للداخلية، ومن أتى به لليبيا كان مستشاره كلود غيان وتقي الدين. شعرنا أثناء الحديث مع ساركوزي أن طموحه في أن يصبح رئيساً لفرنسا كان كبيراً. وطلب دعماً من ليبيا لتمويل حملته الانتخابية».
وبين ما ذكره ساركوزي في مفاوضات فندق «كورنثيا»، كما يتذكر شهود حضروا الاجتماع، قوله: «لو دعمتموني في الانتخابات، سأقف مع ليبيا، وسنعمل سوياً في أفريقيا»، بحسب مساعد سيف الإسلام الذي أضاف أن الرجل «قدم وعوداً براقة كثيرة... قال بمبادرة منه هو إنه يتعهد لنا بأنه سيُسقط أحكاماً غيابية بالسجن المؤبد على المتهمين الليبيين الأربعة في قضية تفجير الطائرة الفرنسية يو تي إيه» التي تحطمت فوق النيجر في 1989، والمتهم فيها أربعة ليبيين من بينهم السنوسي الذي «كان مشاركاً في هذه المفاوضات». ويقول تقي الدين: «شاركتُ في جانب من هذه اللقاءات، سواء في فندق كورنثيا، أو بحضور القذافي في مقر الحكم في باب العزيزية في العاصمة».
وكانت محكمة فرنسية حكمت في 1999 على السنوسي، وثلاثة آخرين، في قضية «يو تي إيه» التي قتل فيها 170 شخصاً، بعد انطلاقها من مطار نجامينا الدولي في تشاد. وكانت الطائرة في طريقها من الكونغو إلى باريس. وقيل وقتها إن الدافع وراء تفجيرها الانتقام من الحكومة الفرنسية لدعمها تشاد في نزاع حدودي مع ليبيا. وتمت تسوية هذا النزاع في جانبه المدني في عهد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، لكن احتمال فتحه كان وارداً بسبب المبالغ الضخمة التي دفعتها ليبيا لضحايا طائرة لوكيربي.
وعما إذا كان ساركوزي طلب خلال مفاوضات فندق «كورنثيا» مبلغاً معيناً، يقول مساعد القذافي الابن: «لا... هو اكتفى بطلب التمويل فقط. وفي مرحلة تالية توجه كل من ساركوزي والسنوسي وتقي الدين، لمقابلة القائد (معمر القذافي)، حيث تقررت الموافقة على تمويل حملة ساركوزي».
وتم التمويل بالفعل عبر طرق مختلفة، كأموال سائلة في حقائب ضخمة، كما أن إيصال التحويلات النقدية للحملة جرى من خلال مسارين... الأول عن طريق السنوسي كطرف ليبي، ومن الجانب الفرنسي رجل أعمال ومستشار كانا مقربين لساركوزي وقتها. والمسار الثاني، مثَّل فيه الجوهري طرف ساركوزي».
وفي وقت لاحق، نفى مستشار ساركوزي ووزير داخليته السابق لمحققين في باريس أن تكون الأموال الموجودة في حسابه لها صلة بتمويل الحملة الانتخابية. ويقول مساعد سيف الإسلام إن إجمالي المبالغ التي وصلت لحملة ساركوزي بلغت أقل قليلاً من 50 مليون يورو، إلا أن تقي الدين يعلق قائلاً: «أنت تحكي عن خمسين مليونا، وتنسى البقية... القيمة أكبر بكثير جداً. حجم الأموال التي وصلت عبر خط تمويل حملة ساركوزي لا يمكن تخيله. ومن حسن الحظ أن معظم الضالعين في هذه العملية ما زالوا على قيد الحياة. أتوقع فضائح كبيرة مستقبلاً بشأن هذه القضية». ويذكر تقي الدين أن سيف الإسلام شارك كذلك في اجتماعات عدة حول عملية تمويل ساركوزي.
وعما إذا كان نجل القذافي قد اطلع على حجم هذه الأموال، وغيرها من تفاصيل، يقول مساعده: «طبعاً، طبعاً... وبعد إعلان نتائج الانتخابات وفوز ساركوزي، حدثت مكالمة هاتفية بينه وبين القذافي، عبَّر فيها له عن شكره وإخلاصه في التعاون مع ليبيا في المجالات كافة، وأنه سينفذ ما تم الاتفاق عليه».
ويقول ساركوزي للقذافي، في تفريغ لهذه المكالمة التي جرت في 27 مايو (أيار) 2007، تم الحصول عليها من أحد المطلعين على التفاصيل: «سيادة القائد... أنا يسعدني كثيراً أن أتحدث معكم على الهاتف، وأنا لم أنس الموعد الذي كنتم أعطيتمونا إياه. وأنا احتفظت بذكرى رائعة عن نوعية التحاليل التي سمعتها منكم، وحقاً أنتم تستحقون هذه التسمية (القائد)، لقد تأثرت كثيراً لرسالة التهنئة التي أرسلتموها لي، وأود أن أعطي زخماً جديداً لعلاقتنا الثنائية، مثلاً بالنسبة إلى الطاقة النووية، إذا كنتم توافقون فأنا مستعد لإرسال بعثة استكشافية لتقصي هذا الأمر، وفي مجال الدفاع، يسعدني إذا تمكنا من العمل بشكل ملموس مع ليبيا، وفي مجال مكافحة الإرهاب يمكن أن نذهب أبعد مما حققنا حتى الآن».
وأكد مساعد القذافي الابن صحة المكالمة. ودعا ساركوزي القذافي في الاتصال نفسه، إلى زيارة فرنسا التي جرت بالفعل في تلك السنة. وجرى هناك توقيع عقود ومذكرات تفاهم، بينها واحدة تخص شراء مجموعة من مقاتلات «رافال» التي كانت مُصنَّعة حديثاً في شركة «داسو» الفرنسية. في ذلك الوقت لم تكن فرنسا باعت أيا من هذه الطائرات للخارج. وكان ساركوزي، منذ بداية دخوله قصر الإليزيه، وحتى أواخر 2010، مُصراً إصراراً شديداً على بيع هذا النوع من الطائرات لليبيا، وبعث أكثر من مبعوث إلى طرابلس لهذا الغرض.
وفي شقته في شرق القاهرة، يتذكر قائد سابق في نظام القذافي تلك الملابسات، قائلاً: «لم نكن مرتاحين أبداً لذلك النوع من الطائرات». أما مساعد سيف الإسلام فيوضح أنه «كان هناك رأي يقول إن هذه الطائرات ذات سعر مرتفع للغاية، وأنه من الأفضل أن نشتري طائرات روسية، بدلا من ذلك، خصوصاً أن الرافال لم تكن قد بيعت لأي دولة، وبالتالي لا أحد خارج فرنسا جرب كفاءتها... هذه واحدة من الأمور التي جعلت ساركوزي ينقلب ضدنا. أعتقد أنه رأى أننا قد ضحكنا عليه».
ومع ذلك بعث ساركوزي برسالة إلى القذافي في يونيو (حزيران) 2010، بغرض التذكير بأهمية تنفيذ «عقود التعاون». ودعا في رسالة أخرى خلال الشهر نفسه سيف الإسلام لزيارة فرنسا، لاستكمال عقد بيع المقاتلات الفرنسية. لكن زيارة سيف لم تتم. ويقول مساعده: «لم نذهب. وبعد ذلك دخلت ظروف الحرب في الداخل الليبي».
أما تمويل حملة مرشح للرئاسة الأميركية في 2004، فتعود ملابساته إلى لقاء نادر في أغسطس (آب) 2000 بين مسؤول أميركي رفيع المستوى وسيف الإسلام القذافي على هامش قمة في تنزانيا حول السلام في منطقة البحيرات العظمى. ويقول مساعد سيف إن هذا اللقاء الأول مهد للقاء آخر في صيف 2004 قبيل الانتخابات الأميركية بين سيف والمسؤول الأميركي الكبير، الذي كان قد أصبح سابقاً وقتها. جرى اللقاء الثاني في فندق «فورسيزونز» (جورج الخامس) في باريس، ورتبه رجل أعمال لبناني - نيجيري بارز.
وفي الفندق تحدث الرجلان مطولاً، وقال المسؤول الأميركي السابق إن فوز المرشح الذي كان يدعمه «يمكن أن يفتح صفحة جديدة مع ليبيا، ونحل كل المشاكل العالقة». كانت ليبيا في ذلك الوقت ما زالت على قائمة الدول الراعية للإرهاب. ووفقا لمساعد القذافي الابن، فإن محدثه الأميركي ربط صراحة بين دعم حملة مرشحه وبين رفع اسم ليبيا من قوائم الدول الراعية للإرهاب.
ظهر في ذلك الوقت اسم «صديق» مشترك بين الرجلين، وهو رجل أعمال فلسطيني - أميركي. ويقول مساعد سيف الإسلام إن المسؤول الأميركي السابق «أعطى اسم هذا الصديق لسيف، وقال له إنه سيكون الوسيط بيننا وبينكم... كنت مطلعاً على هذه اللقاءات وتفاصيلها. وحين عاد سيف إلى طرابلس عرض الموضوع على القيادة، وعلى رئاسة الوزراء، واتفق على أن تتولى جمعية ليبية - أميركية هذه الموضوعات».
وتكشف وثيقة موقعة من موسى كوسا، الذي كان رئيساً لجهاز الأمن الخارجي الليبي وقتها، جانبا من تفاصيل عملية تمويل المرشح الرئاسي الأميركي. ويعود تاريخ الوثيقة إلى يوم 15 سبتمبر 2004، وكان ضابطا في الأمن الخارجي الليبي أشير إليه بالحروف ع. ع. د. يتولى رئاسة تلك الجمعية. وفي فرعها في طرابلس، التقى ضباط من الأمن الليبي بالوسيط واتفقوا على منح الحملة خمسة ملايين دولار، لكن بعد سفر الضابط ع. ع. د. بنفسه للقاء المرشح في الولايات المتحدة، «للتأكد من وعوده».
ووصل الضابط إلى واشنطن في نهايات أكتوبر (تشرين الأول)، ومنها استقل طائرة إلى إحدى مدن ولاية أوهايو، وكان معه الوسيط وشخص يعمل مع المرشح. وهناك التقوا في فندق مع المرشح الذي تعهد بتسوية المشاكل العالقة مع ليبيا في حال فوزه بالرئاسة. وتم الاتفاق أيضاً على تحويل الأموال إلى الحملة عن طريق الوسيط، ومن بلد ثالث، حتى لا تكون هناك أي علاقة يمكن رصدها بين ليبيا والحملة.
ووفقاً لشهادة من مسؤول سابق منخرط في هذا الملف، فإنه وبمجرد أن أبلغ الضابط الليبي قيادة جهاز الأمن الخارجي في طرابلس، بموقف المرشح، بدأت عملية تحويل الأموال من حساب في «مصرف الجمهورية» في العاصمة الليبية، ثم إلى حساب «المصرف الخارجي» في طرابلس أيضاً. ومنه إلى مصرف في دولة ثالثة، إلى أن وصلت الأموال لحملة المرشح الأميركي.
وبالإضافة إلى وقوف طرابلس مع ساركوزي وهذا المرشح الأميركي وتمويلها حملة انتخابية في البرتغال، تولت كذلك تمويل حملة تيموشينكو للرئاسة في أوكرانيا. وبدأت الانتخابات هناك في 2009 وانتهت في مطلع 2010. ويقول مساعد القذافي الابن، وهو شاهد رئيسي في هذه العملية: «أنا شخصياً، في الانتخابات الأوكرانية، أخذت أموالاً، وأوصلتها إلى حملة تيموشينكو. أعطيتهم أربعة ملايين يورو بنفسي. أخذت الأموال بتكليف من الدكتور البغدادي المحمودي رئيس الوزراء في ذلك الوقت (محبوس حالياً في طرابلس)، ووضعتها في حقيبة، وكانت من فئة 500 يورو... وتوجهنا في طائرة خاصة، واستقبلونا في مطار كييف، وأمضينا ليلة، وثاني يوم رجعت. والذي تسلم الأموال نائب رئيس الوزراء في أوكرانيا آنذاك».
وعن هدف ليبيا من وراء تمويل حملات انتخابية لمرشحي رئاسة في الخارج، يوضح: «كنا نسعى إلى العمل من أجل المستقبل بما يخدم الشعب الليبي. كان لدينا طموح لكسب أصدقاء حول العالم». وعن تمويل حملة تيموشينكو تحديداً، يقول: «كان الهدف أنه إذا ما فازت برئاسة البلاد، فإن ليبيا كانت ستستثمر في زراعة الأراضي هناك، خصوصاً في زراعة القمح، ضمن مشروع الأمن الغذائي الليبي. حين تموِّل شخصاً، أو تستثمر في شخص، فهذا كي يكون حليفاً لك. أو كما يقول المصريون: نشتري رجلاً».

غداً في الحلقة الرابعة: حَمَلَة أسرار نظام القذافي في مرمى نيران الخصوم داخلياً وخارجياً



عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
TT

عيدروس الزبيدي يواجه تحقيقات فساد ونهب عقارات

عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)
عيدروس الزبيدي (أ.ف.ب)

قرَّر القاضي قاهر مصطفى، النائب العام اليمني، السبت، تكليف لجنة قضائية بالتحقيق في وقائع الفساد والإثراء غير المشروع وجميع الجرائم المنسوبة إلى المتهم عيدروس الزبيدي، والتصرف وفقاً للقانون.

وستُحقِّق اللجنة في أعمال الفساد واستغلال السلطة ونهب الأراضي وتجارة النفط والشركات التجارية من قِبل الزبيدي، التي أسهمت تداعياتها الخطيرة، وفق مراقبين، في خلق حالة من الانقسام السياسي والشعبي في المحافظات الجنوبية اليمنية نتيجة الفساد المالي والإداري والمظالم.

استغلال الصلاحيات

يرى الدكتور فارس البيل، رئيس مركز المستقبل اليمني للدراسات، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «عيدروس الزبيدي شخصية ليست صاحبة رصيد سياسي ولا نضالي ولا خبرة إدارية مطلقاً، لكن الصدفة والدور الخارجي دفعا به إلى أعلى المناصب في سلطة يمنية تعيش أسوأ الظروف الاقتصادية والسياسية، ومع ذلك استغل مناصبه وصلاحياته للاستحواذ على المال العام، وإفساد الوظيفة العامة والتآمر مع طرف خارجي ضد الوطن».

وثيقة الاستحواذ على حوش النقل البري

وأشار البيل إلى فساد كبير مارسه الزبيدي، مستغلاً الصلاحيات الممنوحة له إبان رئاسته لجنة الموارد السيادية، وهي أعلى سلطة تدير المال العام في اليمن، وقال إنه «استحوذ باسم (المجلس الانتقالي) على ميزانيات ضخمة خارج القانون لصالح المجلس وأفراده تُقدّر بـ10 مليارات ريال شهرياً. كما سخّر كثيراً من الموارد لصالحه مثل إيرادات المواني (عدن)، والجمارك، والضرائب، دون توريدها إلى البنك المركزي»، وقام بـ«توظيف هذه الإيرادات في تمويل تشكيلات عسكرية وأمنية خارج إطار الدولة».

وأضاف البيل أن عيدروس «فرض رسوماً غير قانونية على التجار والمواطنين، وخلق تعدد نقاط الجباية التابعة لتشكيلات مختلفة محسوبة على (الانتقالي)»، ناقلاً أمثلة لفساده أوردتها تقارير، منها «الاستحواذ على نحو 6 مليارات ريال شهرياً ضرائب على القات لا تُورّد إلى الخزينة العامة، وما يقارب 9 مليارات ريال شهرياً ضرائب على الوقود، وكذلك جبايات على الأسمنت والنقل، والمشاريع السياحية والنقاط الأمنية بموارد ضخمة، وكذلك الاستثمارات الخاصة والشركات وغيرها».

وتمثّل الفساد الإداري والمؤسسي للزبيدي، وفق البيل، في «تفكيك مؤسسات الدولة وإحلال كوادر موالية له بدلاً من الكفاءات، وكذلك تعطيل مؤسسات خدمية (الكهرباء، والمياه، والقضاء) لصالح إدارته الموازية، وخلق أزمات خدمية لابتزاز الحكومة وإثارة سخط المواطنين، فضلاً عن خلق أجهزة أمنية متعددة بمرجعيات مختلفة لا تتبع الدولة، مما أنتج فوضى إدارية وانعداماً للمساءلة»، وانتهاكه لحقوق الإنسان «عبر إنشائه السجون السرية وما شملته من انتهاكات واتهامات موثّقة بالتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقالات خارج القانون بحق معارضين وصحافيين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

احتكار سياسي

من الناحية السياسية فيقول رئيس «مركز المستقبل»، إن الزبيدي «اختزل (القضية الجنوبية) في شخصه وطموحه وحوّلها إلى أداة احتكار سياسي ومكاسب نخب محدودة، ومارس باسمها ابتزازاً للدولة والمجتمع الدولي»، منوهاً إلى تورطه بـ«تهمة العمالة وخيانة الوطن» التي «تكاد تكون الجريمة الأكثر فظاعة في الدستور والقانون»، وهي «جزء من قائمة اتهامات طويلة ارتكبها عيدروس بحق الوطن والدولة والمواطن اليمني».

من جانبه، عدَّ إبراهيم جلال، الباحث والاستشاري في الأمن وتحليل النزاعات والاقتصاد السياسي، خلال حديث لـ«الشرق الأوسط»، الفساد الذي مارسه الزبيدي انعكاساً لمنطق الغلبة وأنماط الاستئثار بالثروة والسلطة، بما في ذلك على نحو غير قانوني، وعلى حساب معاناة الناس ومصالحهم المعيشية.

بدوره، رأى عادل شمسان، الباحث الاقتصادي اليمني، أن بدء الإجراءات القضائية من النائب العام بالتحقيق فيما نُسب إلى عيدروس الزبيدي بالفساد والإثراء غير المشروع ومخالفة القانون وقضايا تمسّ سيادة الدولة بمثابة خطوة تحمل دلالات قانونية وسياسية مهمة. ونوَّه شمسان بأن «الإسراع في فتح التحقيق يعكس توجيهاً لتعزيز مبدأ المساءلة وسيادة القانون، واحتواء تداعيات القضية قبل اتساعها سياسياً»، لافتاً إلى أنه «سيُسهم في إعادة ضبط المشهد وتخفيف حدة الاستقطاب وإثارة التوتر الذي يسعى له عيدروس وأطراف داعمة من خلال إجراءات شفافة ومستقلة».

ومن الناحية الاقتصادية، يقول الباحث شمسان إن «هذا التحرك السريع يبعث برسالة طمأنة إلى الأسواق والمانحين حول جدية المؤسسات، بما يدعم الاستقرار المالي، ويحدّ من المخاطر المرتبطة التي يشوبها عدم اليقين».

وثيقة تملك عيدروس لأحد مباني الدولة في التواهي

أراضٍ وعقارات

وحسب وثائق اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، استحوذ الزبيدي على مساحة شاسعة من أراضي المنطقة الحرة في عدن والمخصصة بوصفها مخازن ومستودعات للميناء، حيث تم توثيق الأرض الممتدة من جولة كالتكس في المنصورة إلى محطة الحسوة بمدينة الشعب، وتوثيق الأرض باسم صهره جهاد الشوذبي.

وكشفت الوثائق عن استحواذ الزبيدي أيضاً على مساحة أرض في جزيرة العمال مطلة على البحر مباشرة وتتبع هيئة مواني عدن، وتم تسجيل الأرض باسم الشوذبي، بحيث يقسمها إلى مجموعة أراضٍ، وتُوزع على عيدروس ومجموعة من المقربين منه.

ووفقاً لمراقبين، استحوذ الزبيدي على نحو 100 فدان في بئر فضر بعدن، تابعة لشخص من أبناء المحافظات الشمالية يُدعى (الدفيف)، وتجري مساومته وابتزازه للتنازل عنها أو الدخول معه في شراكة من قِبل الشوذبي لعمل مدينة سكنية أو بيع هذه المساحة بوصفها أراضي نقداً.

وأشارت الوثائق إلى استحواذ عيدروس على 4 آلاف فدان بمنطقة راس عمران في عدن وتوثيقها باسم محمد قاسم الزبيدي، وكذلك على حوش النقل البري بمنطقة الدرين في الشيخ عثمان بعقد إيجار ومبلغ زهيد جداً يتم دفعه إلى الدولة، والمستفيد من هذه العملية عماد أبو الرجال مدير مكتب عيدروس، بالإضافة إلى حوش تابع لشركة النفط اليمنية في خور مكسر بتوجيهات من عيدروس، وعلى نحو 1000 فدان في محافظة لحج وتوثيقها باسم وسيط لمصلحة عيدروس، والمعهد الهندسي في التواهي المخصص لتأهيل الطلبة والمهندسين، وقطع أراضٍ بالقرب منه في جبل هيل.

وثيقة تأجير منتجع خليج الفيل لأحد أقارب عيدروس الزبيدي

النفط والشركات التجارية

أفاد مراقبون بأنه تم الضغط على شركة النفط اليمنية، ومديرها طارق الوليدي، بمنع استيراد البترول إلا عبر شركة تتبع الشوذبي ووزير النقل عبد السلام حميد، مشيرين إلى أنه منذ نحو عامَين، والأول هو من يورّد فقط بفوائد كبيرة تذهب إلى خزينة عيدروس. كما تم من وقت إلى آخر خلال الفترة ذاتها توريد شحنات نفطية إلى ميناء قنا بمحافظة شبوة لمصلحة الزبيدي والشوذبي، إلى جانب كميتين من النفط كان معهما فيها محمد الغيثي.

وأشار مراقبون إلى رصد قضايا فساد أيضاً على الشركة الأهلية للصرافة والتحويلات، والشركة العربية «إيكا» للأثاث، ومقرهما الرئيسي عدن، وتتبعان للشوذبي، بدعم من عيدروس.


«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
TT

«درع الوطن» تعزّز وجودها على الشريط الحدودي شرق اليمن

وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)
وحدات من قوات «درع الوطن» خلال انتشارها في المهرة شرق اليمن (إعلام محلي)

عزّزت قوات درع الوطن اليمنية انتشارها العسكري، والأمني في الشريط الحدودي لمحافظة المهرة مع سلطنة عُمان، بالتوازي مع استعادة كميات من الأسلحة التي كانت قد نُهبت من مخازن عسكرية خلال عملية إخراج قوات المجلس الانتقالي المنحل من المحافظة، في إطار حملة أمنية متواصلة تشمل أيضاً محافظة حضرموت.

ووفق بلاغ عسكري حديث، نفذت وحدات من قوات «درع الوطن» في محافظة المهرة مهام تأمين استراتيجية في مديرية شحن، والمنفذ الحدودي الدولي مع سلطنة عُمان، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز التنسيق الأمني، وحماية المواقع الحيوية، والمرافق السيادية، وضمان استقرار الحدود الشرقية للبلاد.

وشاركت في تنفيذ هذه المهام وحدات من اللواء الرابع – الفرقة الثانية بقيادة عبد الكريم الدكام، واللواء الخامس – الفرقة الأولى بقيادة منصور التركي، وذلك في سياق جهود توحيد العمل بين التشكيلات العسكرية، ورفع مستوى الجاهزية، والانضباط الأمني، بما يعكس توجه القيادة العسكرية نحو تعزيز حضور الدولة، وبسط سلطتها في المناطق المحررة.

وأكدت القيادات العسكرية أن هذه الخطوة تمثل صمام أمان لحماية المقدرات الاقتصادية، والاستراتيجية، وتؤكد التزام قوات درع الوطن بمسؤولياتها الوطنية في حفظ الأمن، والاستقرار، وبالتنسيق الكامل مع مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة اليمنية، وبدعم وإسناد من المملكة العربية السعودية، في إطار مساعٍ إقليمية ودولية لتعزيز الاستقرار، وترسيخ مؤسسات الدولة في المحافظات المحررة من سيطرة جماعة الحوثي.

ضبط أسلحة في المهرة

ضمن حملتها لجمع السلاح، واستعادة ما نُهب من المعسكرات، تمكنت قوات «درع الوطن» اليمنية من ضبط كمية من الأسلحة، والذخائر في منطقة نشطون بمحافظة المهرة، في إطار جهودها الأمنية الرامية إلى مكافحة تهريب السلاح، ومنع انتشاره.

وأفادت السلطات المحلية في المحافظة بأن عملية الضبط جرت أثناء إجراءات تفتيش روتينية في النقطة الأمنية، حيث تم الاشتباه بإحدى المركبات، ليُعثر بداخلها على أسلحة وذخائر، جرى التحفظ عليها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين، وفقاً للقوانين النافذة.

وأكدت قيادة قوات «درع الوطن» في المهرة أن هذه الجهود تأتي ضمن مهامها الأساسية لحفظ الأمن، وحماية المواطنين، ومنع تسرب السلاح، مشددة على استمرارها في أداء واجبها الوطني بكل حزم، ومسؤولية، وبالتنسيق مع الجهات الأمنية والعسكرية ذات العلاقة، بما يسهم في تعزيز حالة الأمن والاستقرار في المحافظة الحدودية.

استعادة بعض الأسلحة التي نُهبت من مخازن قوات «الانتقالي» المنحل (إعلام حكومي)

من جهتها، أشادت قيادة السلطة المحلية في المهرة بأداء قوات «درع الوطن» العاملة في ميناء نشطون، مثمنة جهود قائد أمن الميناء ملازم أول عبد القادر السليمي، وقائد نقطة التفتيش محفوظ علي بن جعرة، ودورهما في تثبيت الأمن، والاستقرار، وحماية المنفذ البحري من أي أنشطة غير مشروعة.

وفي موازاة ذلك، أكد مواطنون في المحافظة أن ما تحقق مؤخراً في المحافظات المحررة يمثل فرصة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها، وتعزيزها، عبر اتخاذ قرارات شجاعة تعيد الثقة بمؤسسات الدولة، والاستفادة الجادة من أخطاء المرحلة السابقة، والاعتراف بها، وضمان عدم تكرارها.

وشدد المواطنون على أهمية استكمال دمج جميع التشكيلات العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة تخضع لسلطة القائد الأعلى للقوات المسلحة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، باعتبار ذلك ضرورة وجودية لبناء دولة قوية، ومستقرة.

كما طالبوا، في الوقت ذاته، بتشكيل حكومة قائمة على الكفاءات، بعيداً عن المحاصصة السياسية، ومنح السلطات المحلية صلاحيات كاملة لإدارة شؤون محافظاتها، مع تكثيف جهود مكافحة الفساد.

نفي مهاجمة المحتجين

في سياق متصل بتطبيع الأوضاع الأمنية في محافظات شرق وجنوب اليمن، نفت قيادة الفرقة الثانية من قوات «العمالقة»، بقيادة العميد حمدي شكري، نفياً قاطعاً صحة بيان متداول تضمّن اتهامات باستهداف مشاركين في مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي المنحل، مؤكدة أن البيان مفبرك ومحرّف.

وأوضح المركز الإعلامي لقوات «درع الوطن» أن الفرقة الثانية عمالقة لم تستهدف أي متظاهرين، ولم تستخدم السلاح ضد المدنيين، وأن مهامها في النقاط الأمنية تقتصر على تنظيم الحركة، وتأمين الطرق، ومنع أي اختلالات أمنية قد تهدد سلامة المواطنين. وأكد أن الادعاءات حول سقوط قتلى أو جرحى نتيجة أعمال منسوبة للقوات عارية تماماً عن الصحة.

«درع الوطن» تواصل حملة جمع الأسلحة في حضرموت (إعلام محلي)

وحملت قيادة الفرقة مروّجي هذه الادعاءات المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن نشر معلومات مضللة، والتحريض على العنف، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في ملاحقة كل من يقف خلف فبركة البيانات، أو الترويج لها، باعتبار ذلك تهديداً للسلم الاجتماعي، ومحاولة لخلط الأوراق، واستهداف المؤسسة العسكرية.

وجددت قيادة الفرقة التزامها بحماية المواطنين، واحترام النظام والقانون، وتنفيذ مهامها وفق التعليمات العسكرية، وبما يخدم الأمن والاستقرار في المحافظات المحررة.


حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
TT

حزمة إضافية من العقوبات الأميركية تحاصر اقتصاد الحوثيين وتسليحهم

الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)
الحوثيون يواجهون عقوبات أميركية متتالية منذ تصنيفهم «جماعةً إرهابيةً» (غيتي)

في موجة جديدة من العقوبات الأميركية منذ إدراج الحوثيين في اليمن على لوائح الإرهاب، فرضت وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية حزمة عقوبات جديدة استهدفت البنية الاقتصادية الخفية للجماعة، من النفط والسلاح، إلى الطيران والتهريب البحري.

القرار، الذي شمل 21 فرداً وكياناً وسفينة واحدة، لا يكتفي بتجفيف الموارد، بل يسعى إلى خنق شبكات التمويل العابرة للحدود التي تربط الحوثيين بإيران، مروراً بالإمارات وسلطنة عمان، وصولاً إلى مواني البحر الأحمر.

وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات تأتي في سياق استراتيجية أوسع لحرمان الحوثيين من القدرة على تمويل أنشطتهم العسكرية، وهجماتهم على الملاحة الدولية، واستخدام الاقتصاد سلاحاً ضد اليمنيين أنفسهم.

وعلى الرغم من مرور سنوات من الضغوط الدولية، فإن وزارة الخزانة الأميركية تكشف عن أن الحوثيين ما زالوا يجنون أكثر من مليارَي دولار سنوياً من مبيعات نفطية غير مشروعة. هذه الإيرادات لا تُستخدَم لتحسين الأوضاع المعيشية، بل تُحوَّل مباشرة إلى خزائن الحرب، بينما يُفرض على اليمنيين شراء الوقود بأسعار باهظة.

تمثال للسيناتور السابق ألبرت غاليتين أمام وزارة الخزانة في واشنطن (رويترز)

العقوبات الجديدة استهدفت شبكة شركات واجهة لعبت دور الوسيط بين النفط الإيراني والحوثيين، أبرزها شركات مقرها الإمارات العربية المتحدة، مثل «الشرفي لخدمات النفط»، و«أديما للنفط»، و«أركان مارس للبترول».

وتقول واشنطن إن هذه الشركات تلقت دعماً مباشراً من الحكومة الإيرانية، وسهّلت شحنات نفط شهرية، بينها شحنات مجانية، مخصصة لتعزيز القدرات المالية للحوثيين.

كما برزت شركات صرافة وبورصات مالية في صنعاء ودبي بوصفها حلقة وصل لتحويل الأموال، من بينها «جنات الأنهار للتجارة العامة»، التي أُعيدت تسميتها بعد إدراجها سابقاً تحت اسم آخر، في محاولة للالتفاف على العقوبات.

وتشير «الخزانة» إلى أن هذه الشبكات لم تكن تجارية بحتة، بل كانت جزءاً من منظومة سياسية - عسكرية هدفها إبقاء الجماعة قادرة على تمويل التصعيد، داخلياً وإقليمياً.

تهريب الأسلحة

الضربة الأميركية لم تقتصر على النفط، بل طالت شبكات تهريب الأسلحة التي تعتمد على شركات لوجيستية وهمية، ومستودعات، ومسارات معقّدة عبر البر والبحر.

ومن بين أخطر القضايا التي كشفتها «الخزانة»، محاولة تهريب 52 صاروخ «كورنيت» مضاداً للدبابات داخل مولدات كهربائية مزيفة، عبر سلطنة عمان إلى صنعاء، قبل أن تتم مصادرتها.

كما أُدرجت شركات صرافة حوثية، أبرزها شركة «الرضوان للصرافة والتحويل»، التي وُصفت بأنها «الخزنة المالية» لعمليات شراء السلاح، حيث استُخدمت أموال المودعين لتمويل شبكات التهريب، ودفع أثمان مكونات صواريخ وأنظمة عسكرية متقدمة.

الجماعة الحوثية تستغل العقوبات داخلياً لقمع السكان وإجبارهم على مناصرتها (أ.ب)

وفي تطور لافت، كشفت العقوبات عن محاولة الحوثيين دخول مجال الطيران التجاري ليس لأغراض مدنية، بل كأداة مزدوجة لتهريب البضائع وتوليد الإيرادات. فقد تعاونت قيادات حوثية مع رجال أعمال موالين للجماعة لتأسيس شركتَي «براش للطيران» و«سما للطيران» في صنعاء، مع مساعٍ لشراء طائرات تجارية، بعضها بالتواصل مع تاجر أسلحة دولي مدان.

وترى واشنطن أن هذا التوجه يكشف عن انتقال الحوثيين من اقتصاد حرب محلي إلى اقتصاد تهريب إقليمي، يستخدم واجهات مدنية لتغطية أنشطة عسكرية.

الشحن البحري

كان البحر الأحمر، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى بؤرة توتر دولي، حاضراً بقوة في لائحة العقوبات الأميركية الجديدة، فبعد انتهاء التراخيص الإنسانية التي سمحت بتفريغ شحنات نفطية لفترة محدودة، واصلت بعض السفن نقل الوقود إلى موانٍ يسيطر عليها الحوثيون، في خرق صريح للقيود الأميركية.

العقوبات طالت شركة «البراق للشحن»، وسفينتها «ALBARRAQ Z»، إضافة إلى عدد من قباطنة السفن الذين أشرفوا على تفريغ شحنات نفطية في ميناء رأس عيسى. وتؤكد «الخزانة» أن هذه العمليات وفَّرت دعماً اقتصادياً مباشراً للحوثيين، بعد تصنيفهم «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً».

هجمات الحوثيين البحرية أدت إلى غرق 4 سفن شحن وقرصنة خامسة خلال عامين (أ.ف.ب)

الأخطر، وفق واشنطن، هو التحذير من العقوبات الثانوية، التي قد تطال مؤسسات مالية أجنبية تُسهّل «عن علم» معاملات كبيرة لصالح أشخاص أو كيانات مدرجة. فمكتب «OFAC» يملك صلاحية حظر أو تقييد الحسابات المراسلة داخل الولايات المتحدة، ما يعني عملياً عزل أي بنك مخالف عن النظام المالي العالمي.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية أدرجت الحوثيين «منظمةً إرهابيةً عالميةً مصنفةً تصنيفاً خاصاً»، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بصيغته المعدلة، اعتباراً من 16 فبراير (شباط) 2024، ثم صنّفتها لاحقاً أيضاً «منظمةً إرهابيةً أجنبيةً» بموجب المادة 2019 من قانون الهجرة والجنسية في 5 مارس (آذار) 2025.