يوميات الود والخصام (1): سيف الإسلام... الأمل المتبقي لتوحيد أنصار نظام القذافي

مؤيدوه يعتقدون أنه «سيكتسح» انتخابات الرئاسة إذا قرر خوضها... ومعارضوه يشككون في قدرته على التواصل

صورة خاصة تنشر للمرة الأولى عن لقاء سيف الإسلام مع الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب في تكساس عام 2008 («الشرق الأوسط»)
صورة خاصة تنشر للمرة الأولى عن لقاء سيف الإسلام مع الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب في تكساس عام 2008 («الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الود والخصام (1): سيف الإسلام... الأمل المتبقي لتوحيد أنصار نظام القذافي

صورة خاصة تنشر للمرة الأولى عن لقاء سيف الإسلام مع الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب في تكساس عام 2008 («الشرق الأوسط»)
صورة خاصة تنشر للمرة الأولى عن لقاء سيف الإسلام مع الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الأب في تكساس عام 2008 («الشرق الأوسط»)

تمر هذه الأيام سبع سنوات على الانتفاضة الليبية المسلحة، التي جرت في 17 فبراير (شباط) 2011، وفي سلسة حلقات، تنشر «الشرق الأوسط» معلومات جديدة عن خفايا علاقة نظام معمر القذافي بمسؤولي بلدان عدة، وبخاصة في السنوات الأخيرة التي سبقت سقوطه. وتتضمن الحلقات تفاصيل عن تمويل مزعوم لحملات مرشحين لانتخابات جرت في أوروبا، منها حملة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، وهو أمر ما زال محور تحقيق لدى الشرطة الفرنسية.
كما تكشف وثائق وشهادات، تنشر للمرة الأولى، ملابسات قضايا عدة قبل سقوط النظام السابق وبعده، من بينها أسباب تغيُّر موقف قادة كبار في دولة قطر إلى العداء تجاه القذافي، بعدما كانوا أصدقاء له. وتفاصيل صفقات مالية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات بين كل من الدوحة وباريس من جانب، وطرابلس الغرب من جانب آخر، لكنها لم تتم بسبب تحفظ مسؤولين في الدولة الليبية على الطريقة التي كانت قطر وفرنسا تريدان بها بدء العمل الاقتصادي في ليبيا.
ويبدو من التفاصيل أن قطر كانت تسعى إلى الحصول على صفقات استثمارية في ليبيا، حتى أواخر عام 2010، مقابل ما قدمته لها من خدمات، سلفاً، إلا أن مقربين من القذافي وقفوا ضد الطموحات القطرية؛ ما أدى إلى التحوّل من الصداقة إلى الخصام والانتقام، وفقاً لأحاديث مسجلة مع قيادات من نظام القذافي، وأصدقاء لرؤساء دول أوروبية، بينهم رجل أعمال لبناني شارك في اجتماعات حضرها القذافي ونجله سيف الإسلام، ورئيس المخابرات العسكرية الليبية عبد الله السنوسي، وأخرى مع شخصيات فرنسية وقطرية. ومعروف أن فرنسا في عهد ساركوزي كان لديها طموحات كبيرة لم تتحقق في ليبيا؛ إذ كانت تريد عقوداً لصفقات ضخمة، أهمها توريد طائرات رافال، كأول عملية تصدير لهذا النوع من الطائرات إلى بلد خارجي.
ومن بين ما تم جمعه من مستندات وشهادات، قال صديق مقرب من سيف الإسلام القذافي إنه شارك في لجان تفاوضت مع مسؤولين من دول عربية وأجنبية، بما في ذلك اجتماعات مع محسوبين على حملة ساركوزي، كما شارك في تسليم أموال لحملات انتخابية في دول غربية أخرى، وأيضاً في المفاوضات مع زعيم حركة «طالبان» المُلا عمر في قندهار حول تسليم «الأفغان الليبيين». كما يشير جانب من هذه الوثائق والشهادات إلى قيام مسؤول في رئاسة الأركان القطرية بتمويل وسائل إعلام بملايين الدولارات.
تدور الحلقة الأولى من هذه السلسلة حول استعداد سيف الإسلام للعودة إلى الأضواء مجدداً، وقراءة حظوظه في الترشح للانتخابات الرئاسية في ليبيا، وموقفه القانوني من الترشح، بعد أن صدر بحقه حكم بالإعدام داخل بلاده، ومطالبة محكمة الجنايات الدولية باعتقاله. لكن قيادات من العهد القديم، من بينهم صالح عبد السلام، الذي كان يشغل موقع المدير التنفيذي لـ«مؤسسة القذافي» الأهلية، يراهنون على أن وجود سيف يمكن أن يعطي بعض الأمل لكي يتجمع أنصار النظام السابق ويعودون من جديد في كيان واحد، حتى ولو كان ذلك بشكل مؤقت، أو «مرحلة انتقالية»، وهذا الرأي يتفق معه أيضاً الدكتور علي الأحول، المسؤول السابق في مؤتمر القبائل الليبية.
وظهر اسم سيف على الساحة الليبية مع بداية الألفية الجديدة، عندما كانت بلاده الغنية بالنفط والغاز تعاني نقصاً في الخدمات العامة، ومتهمة بممارسة الإرهاب، وتعاني عزلة وحصاراً دوليين. وفي السنوات التي سبقت الإطاحة بالقذافي، تواصل نجله مع قادة أميركيين كبار لتلطيف الأجواء، ومن بينهم الرئيس بيل كلينتون، والرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الأب. وكان سيف الإسلام، الذي فقد مع نهاية 2011 ثلاثة من أصابع يده اليمنى قبل اعتقاله من طرف منتفضين مدعومين من حلف «الناتو»، قد أنهى في 2007 سنوات دراسة الدكتوراه في الاقتصاد في النمسا أولاً، ثم في لندن. لكن ظلت تُتداول قصص كثيرة تخص زياراته إلى أوروبا، ولا سيما بريطانيا، حيث قيل أولاً إنه امتلك منزلاً في لندن يقدر ثمنه بعشرة ملايين جنيه إسترليني (وهو أمر نُقل عن سيف نفيه لصحته العام الماضي بعدما تعذر عليه نفيه خلال السنوات التي أعقبت اعتقاله في مدينة الزنتان منذ نهاية عام 2011).
بيد أن صديق سيف، الذي عاش معه أيام السراء والضراء، كذّب في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» كل المزاعم التي راجت حول فترة وجود نجل القذافي في بريطانيا.
في الواقع، كانت ليبيا في مطلع الألفية الجديدة دولة منغلقة على نفسها، ويعيش فيها الحرس القديم في أجواء العالم القديم ذي القطبين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. في تلك الظروف، وعقب انتهائه من دراسته، أسس سيف جمعية لمكافحة المخدرات، ثم تولى تأسيس «مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية»، التي أصبحت تندرج تحتها مجموعة من الجمعيات، مثل «جمعية حقوق الإنسان» وغيرها، ثم تطور الأمر سريعاً، ليطلق مشروع «ليبيا الغد» في 2006، لكن هذا المشروع لم يكن مؤسسة، كما قد يظن البعض، بل كان عبارة عن برنامج أُطلق كمشروع يتضمن رؤية سيف للإصلاح. لكن أين هو اليوم؟ لا أحد يستطيع أن يجيب إجابة شافية عن هذا السؤال. في هذا السياق، يقول عبد السلام، المدير السابق لمؤسسة القذافي: إن «المؤسسة التي يرأسها سيف، تعيش حالة ركود حالياً بسبب أحداث 2011، لكنها لم تنته... سيكون لسيف دور بكل تأكيد».
وبخصوص مكان تواجد سيف، يقول شيخ من قبيلة العواقير في منزله ببنغازي (شرق ليبيا)، إنه لا يستطيع في الوقت الراهن أن يعلن على الملأ عن مكان سيف بالتحديد. في حين يكتفي صديق سيف بالقول، مثل الآخرين، إنه «موجود في ليبيا... وخلاص». ويبرر سر هذا التكتم بوجود «مخاوف أمنية».
ويعتقد أنصار النظام السابق، أن هناك قوى محلية، وأخرى إقليمية ودولية، ليس من مصلحتها عودة سيف الإسلام إلى الأضواء، حتى لو اضطرت إلى التخلص منه، وفق مصدر في المخابرات الليبية. وبالنظر إلى هذا الواقع المثير للريبة، تتكهن وسائل إعلام غربية بأن سيف يسعى إلى الترشح للانتخابات المقبلة. فهل هذا وارد؟
حول هذه النقطة تحديداً يتحدث موالون للقذافي بنوع من الثقة، مثل شيخ العواقير الذي يقول: إنه «من حق سيف أن يترشح للانتخابات كأي ليبي». بينما يقول عبد السلام: «لقد عمل سيف من أجل ليبيا، وعلى موضوعات إنسانية كثيرة... وهذا كله يؤدي إلى أن يكون له دور ما». بيد أن الموضوع ليس بهذه البساطة. فابن القذافي يواجه أحكاماً قضائية في الداخل، كما أنه مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية في الخارج.
لكن صديق سيف، الذي عايش الأيام الأخيرة في طرابلس إلى جانب نجل القذافي وقادة آخرين في الدولة، قبل اقتحام مسلحي المعارضة للعاصمة الليبية في أغسطس (آب) 2011، يرد على ذلك بالقول: «بالنسبة إلى الداخل فقد صدر ضد سيف حكم، وهو منظور الآن أمام المحكمة العليا. لكن في الوقت نفسه صدر قانون عفو عام من مجلس النواب (البرلمان) المعترف به دولياً. أما عن موضوع المحكمة الجنائية الدولية، فإن القضية بُنيت ضد سيف على أدلة مفبركة، وعلى شهود زور»، مبرزاً أن «موضوع المحكمة الجنائية الدولية لن يكون عائقاً أمام ترشحه للانتخابات إذا رغب في ذلك؛ لأن هناك سابقة بهذا الخصوص بشأن ترشح الرئيس الكيني أوهورو كينياتا للانتخابات في بلاده، رغم أنه كانت قد صدرت ضده مذكرة قبض من المحكمة الجنائية الدولية... هذا ليس عائقاً».
ومنذ ستة أشهر وحتى يومنا هذا، يرفض سيف أن يعلن عن مكانه، رغم ظهور لافتات في مدن ليبية عدة تدعو إلى انتخابه تحت شعار «ليبيا إلى السلام... بقيادة سيف الإسلام». ومع ذلك، ربما كان تقدير صديق سيف لـ«المخاوف الأمنية» في هذا الوقت صحيحاً إلى حد كبير. فوفق شهادات أمنية وقَبَلِية، تحاول أطراف دولية دفع متطرفين من جماعة ليبية مرتبطة بتنظيم القاعدة، إلى التخلص منه، بحجة امتلاكه أسراراً يمكن أن تتسبب في فضح جهات في داخل ليبيا وخارجها.
ولا شك أن طامحين إلى رئاسة ليبيا يرون أيضاً في سيف منافساً خطيراً، بالنظر إلى عدد القبائل التي تحنّ إلى الماضي، مثل «ورفلة» و«المقارحة» و«القذاذفة» وغيرها.
ومنذ الإعلان عن إطلاق سراحه في يونيو (حزيران) 2017؛ تنفيذاً لقانون العفو العام من البرلمان، لم يصدر أي تصريح أو بيان يتحدث فيه نجل القذافي إلى الداخل الليبي، على الأقل. لكن صديق سيف يجيب عن ذلك بقوله: «سيتحدث في الوقت المناسب... فالوضع في ليبيا غير ثابت».
حين انطلقت «انتفاضة فبراير» كان سيف الإسلام في طرابلس وصديقه الذي تحدث إلى «الشرق الأوسط» في بنغازي. وبسبب تطور الأحداث لجأ هذا الصديق إلى معسكر الصاعقة، الذي يشغل مساحة واسعة بمنطقة بوعطني داخل المدينة. وكان داخل المعسكر اللواء عبد الفتاح يونس، وزير الداخلية والقائد السابق للقوات الخاصة وأحد رفاق القذافي. وزاد عدد المتظاهرين خارج أسوار المعسكر محاولين اقتحامه للاستيلاء على ما فيه من سلاح. وقد انشق يونس بعد تلك الليلة بأسبوع، لتبدأ مرحلة قاسية في تاريخ ليبيا. ووسط هذه الأجواء بدأ يطرح سؤال ملح: ما الذي جعل دولاً عربية وأخرى غربية، تنقلب على ليبيا في 2011 إذا كانت قد سوَت كل ملفاتها العالقة في الخارج؟
لقد جرى نصح صديق سيف بمغادرة ليبيا منذ الأيام الأولى للانتفاضة عن طريق دبلوماسي غربي، كما قال لـ«الشرق الأوسط». أضاف: إن هذا الدبلوماسي قال «إن هذا لن يتوقف إلا بعد مقتل القذافي»، مشيراً إلى أنه أخطره كذلك بإجراءات ستتخذها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، من تدخل عسكري، وتجميد لمليارات الدولارات من حسابات ليبيا في الخارج. وتابع إنه تمكّن من العودة بأعجوبة من بنغازي إلى طرابلس واجتمع مع سيف الإسلام ليبلغه بما سمع وشاهد.
كان العقيد القذافي قد انتهى، وقتها، من إلقاء خطابه الشهير «زنقة... زنقة»، الذي أعقبه خروج آلاف المؤيدين له في شوارع طرابلس، في حين اللجنة الشعبية العامة (رئاسة الوزراء برئاسة البغدادي المحمودي) تراقب تطور الأحداث. أما الدبلوماسي الغربي فكان قد انتهى بدوره من حزم حقائبه لمغادرة طرابلس بعدما نصحته وزارة خارجية بلاده بالتوقف عن إرسال أي رسائل عن الوضع في ليبيا. وقبل مغادرته، قال صديق سيف إن الدبلوماسي الغربي نصحه بلهجة تحذير: «اخرج... اخرج». وعندما سأله عن «سر كل هذا العداء لليبيا»، أجابه قائلاً: «الغرب يرى أنه صبر 40 عاماً على معمر القذافي، والآن الفرصة مواتية للتخلص منه». توجه صديق سيف الإسلام إليه ناقلاً «رسالة الدبلوماسي»، لكن نجل القذافي لم يكن ليصدق هذا التوقع المُبكر لما سيرد من أحداث كبرى تعصف به وبالنظام كله.
يقول: «حكيت الواقعة لسيف فانزعج، وطلب مني إبلاغ الدكتور البغدادي ففعلت... فقال لي الدكتور البغدادي إن الأمور على ما يرام، ولا توجد مشكلة».
الآن، وبعد نحو سبع سنوات من تلك الواقعة، يفسر صديق سيف ما حدث من «ربيع عربي» بطريقة أدبية مستوحاة من طبيعة منطقة الشرق الأوسط، بقوله: «التسمية صحيحة... ففي موسم الربيع تخرج الأفاعي والعقارب... كان هناك مخطط للمنطقة لإسقاط مصر وليبيا... كما أن التنظيم الدولي لـ(الإخوان) المسلمين و(القاعدة) ينظران إلى ليبيا بصفتها موقعاً استراتيجياً. في ليبيا أموال ونفط وموارد طبيعية. والمسافة بينها وبين أوروبا مجرد ساعة عبر البحر».
اليوم، ورغم كل الظروف الأمنية المضطربة التي تعيشها ليبيا، يثق كثيرون من أنصار النظام السابق بأن سيف الإسلام إذا دخل انتخابات 2018 لرئاسة ليبيا فإنه سيحقق فوزاً «كاسحاً».
لكن في الجانب المقابل، يرى البعض أنه ما دام سيف موجوداً في منطقة جغرافية محددة، وغير قادر على الانتقال منها، فمن الصعب أن يكون له تواصل وفاعلية مع الأطراف الأخرى في المجتمع. غير أن صديق سيف يجيب عن ذلك ببساطة: «وما المشكلة؟ هذا ليس عائقاً... فحتى في السجن هناك أناس على تواصل (مع الآخرين)». وهو رأي يتفق معه زعماء من قبائل القذاذفة، والعواقير، وورفلة، والمقارحة.
وعما إذا كان المقصود من هذا وجود قنوات مفتوحة بين سيف وقوى قبلية وحزبية، يجيب صديق سيف قائلاً: «بالطبع مع كل القبائل. أما بخصوص موضوع الأحزاب، فإنه ليس في ليبيا ثقافة حزبية، وحتى الآن لم يصدر قانون للأحزاب. حزب سيف الإسلام هو ليبيا، وقبيلته هي ليبيا. هو ليس برنامج حكم. لكن أهم شيء بالنسبة له الآن هو إخراج البلاد من النفق المظلم الذي دخلت فيه».



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.