شهادة ذاتية على مرحلة تاريخية مضطربة

مذكرات محمد سلماوي منذ الحرب العالمية الثانية حتى اغتيال السادات

شهادة ذاتية على مرحلة تاريخية مضطربة
TT

شهادة ذاتية على مرحلة تاريخية مضطربة

شهادة ذاتية على مرحلة تاريخية مضطربة

بعنوان مستوحى من القرآن الكريم «يوماً أو بعض يوم» يُمهد الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي لمذكراته الصادرة حديثاً عن دار الكرمة للنشر بالقاهرة بالحديث عن عائلة سلماوي وجذورها التي تتحدر من الجزيرة العربية، وهي الصفحات التي تعطي لمحة عن حياة العائلات الكبيرة في ريف مصر آنذاك في بدايات القرن العشرين.
وبأسلوب سلس، يروي سلماوي سيرته الذاتية التي يلقي من خلالها الضوء على مصر من بعد الحرب العالمية الثانية وحتى مقتل الرئيس السادات، كجزء أول من مذكراته التي كتبها على مدار عام كامل. وتتقاطع مع نصوصه السردية مقاطع حوارية بينه وبين شخصيات التقى بها؛ مما لا يدع مجالاً لتململ القارئ أو انشغاله عن متابعة قراءة المذكرات حتى نهايتها، فهو يقدم للقارئ نفسه عبر تشريح نفسي ذاتي، سارداً كيف بلورت تفاصيل حياته مساره في مجالَي الأدب والصحافة.
لا تنحصر المذكرات بالجانب الذاتي، بل يجد فيها القارئ البعد السياسي والثقافي والاجتماعي والدولي للأحداث، وكذلك كواليس العمل الصحافي بـ«الأهرام»... وعبر أكثر من 150 صورة يوثق الكاتب الكثير من الوقائع والأحداث، كاشفاً عن أرشيف ثري حرص على تكوينه منذ طفولته، حيث كان عاشقاً للتصوير الفوتوغرافي.
تحتل «فيكتوريا كوليدج» نصيباً كبيراً من مذكرات خريجيها، فمثلما أتى المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد في مذكراته «خارج المكان» على تأثير «فيكتوريا كوليدج» في تكوينه، يروي لنا سلماوي كيف أثرت تلك المدرسة البريطانية في تشكيل وعيه وحرصه منذ طفولته على ألا يفقد هويته ووطنيه وينخرط في تيار «النجلزة» الذي سحق هويات عدد كبير من طلابها، فانبهروا بثقافة الغرب وتناسوا هوياتهم وتراثهم. ويكشف كيف كانت مكتبة منزله في حي الزمالك بوابته لعالم الأدب والصحافة: «أول كتب قرأتها في علم النفس... فعرفت (فرويد) و(يونج) و(آدلر) الذي كنت أفضله على الآخرين. وفي التاريخ عرفت تاريخ الولايات المتحدة ودستورها، وتاريخ الحرب العالمية الثانية، كما قرأت في الاقتصاد الذي استهواني لفترة، وقرأت سير المشاهير مثل (نابليون) و(راسبوتين) والمخترع (توماس ألفا إديسون)»... إلى جانب زياراته الأسبوعية للسينما في وسط القاهرة. ومثلما شكّل الأدب الإنجليزي الخلفية الثقافية له، تأثر سلماوي بقصص إحسان عبد القدوس القصيرة التي كان ينشرها في مجلة «صباح الخير»، رغم أنه لم يكن كاتبه المفضل بالعربية، بل كان يفضل يوسف إدريس وتوفيق الحكيم ويحيى حقي.
اعتمد سلماوي منهج المكاشفة في حديثه عن نفسه، وكيف أنه كان طفلاً خجولاً منطوياً يعشق القراءة، وتطرق إلى حياته العاطفية وعلاقاته، وقصة حبه مع زوجته الفنانة التشكيلية نازلي مدكور. وهو يمزج عبر 425 صفحة ما بين الحكايات الحزينة والمواقف الدرامية والطرائف، فما بين حلق رأسه مثل الممثل الأميركي يول براينر، مروراً بوفاة صديقه في مرحلة الطفولة أثناء ركوب الخيل بالهرم؛ ذلك الحادث الذي جعله أكثر تمرداً على الحياة، وتأميم ثورة يونيو (حزيران) بعضاً من ممتلكات والده، وتحطم حلمه بالسفر لبريطانيا لاستكمال دراسته الجامعية.
وهنا يتحدث عن حكمة والده في تشكيل وعيه وتوجهاته الحياتية حين قال له ولإخوته عن قرار التأميم «عبد الناصر لم يأخذ ما جرى تأميمه لنفسه، وإنما يحاول أن يصلح من مشكلة سوء توزيع الثروة في مصر»، ثم قال لهم بعد مرور سنوات: «لم أرغب أن تكونوا على خلاف مع عصركم وأنكم غرباء في مجتمعكم»، كان الأب من الذكاء أن جنب أطفاله الشعور بالمرارة الذي قد يدمر حياتهم، بل وكان دافعاً له ولإخوته بإيمانه بمبدأ «سر النجاح أن تعمل ما تحب».
لذا؛ سيجد القارئ أنه، وعلى العكس من أبناء الباشاوات الذين أمم ممتلكاتهم عبد الناصر، يرى فيه مثالاً للقائد والزعيم، ويعتبره حقق الكثير للمصريين. من جانب آخر، نجد كيف تقاطعت حياة سلماوي مع عدد كبير من الشخصيات العامة وكبار الفنانين، مثل أم كلثوم وسعاد حسني، وكبار السياسيين والأدباء والمثقفين حول العالم. ثم يأخذنا خلال رحلة عمله في عالم الصحافة إلى كواليس علاقته بمحمد حسنين هيكل، وتوفيق الحكيم، ويوسف إدريس ونجيب محفوظ، وغيرهم من أهل الطابق السادس بجريدة «الأهرام» أو «متحف الخالدين» كما كانوا يطلقون عليه.
ويتوسع الكاتب في ذلك، فيسرد لنا أحداثاً تاريخية تقاطعت مع عمله اليومي بالصحافة. فأثناء رئاسته قسم الأخبار الخارجية بـ«الأهرام»، وقع زلزال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 وتوفي طه حسين في 28 أكتوبر. وهنا يذكر سلماوي أن طه حسين كان أول أديب عربي يرشح لجائزة نوبل عام 1949، وأن المنافسة كانت محسومة لطه حسين أمام الكاتب الأميركي ويليام فوكنر؛ إذ تفوق عليه في التصويت؛ إلا أن النفوذ اليهودي، حسب سلماوي، جعل اللجنة تقرر عدم منح الجائزة في ذاك العام ومنحها في العام التالي لـ«فوكنر» في واقعة لم تحدث في تاريخ الجائزة.
ومن المواقف التي يرويها سلماوي عن شخصية هيكل المتفردة، أنه حينما أبلغه بترشيحه لجائزة «أمير استورياس»، ولي عهد إسبانيا، رفض هيكل واعتذر لسلماوي وأعضاء اتحاد الكتاب المصريين في خطاب مؤثر يقول فيه: «ليس من حقي أن أقبل تكريما من غير قارئي».
وفي النصف الثاني من المذكرات، سوف تتطلع على كواليس حفل أم كلثوم في باريس على مسرح الأوليمبيا كما لم تسرد من قبل في الصحف، حيث كان سلماوي من بين الحضور بناءً على دعوة كوكاتريكس صاحب مسرح الأوليمبيا الذي انصاع لطلب أم كلثوم بالحصول على ضعف أجر إديث بياف فتقاضت أعلى أجر لمطرب على هذا المسرح العريق وهو 20 مليون فرنك. ويروي سلماوي موقفاً يدل على العزة والشموخ اللذين اتسمت بهما أم كلثوم، فقد كانت كوكب الشرق تتقن الفرنسية ولا تتحدث بها، وحينما طلب كوكاتريكس، صاحب المسرح اليهودي، من سلماوي أن يترجم لها أنه معترض على طريقة تقديم الحفل باعتباره انتصاراً سياسياً للعرب، انتفضت أم كلثوم وردت عليه موجهة حديثها لسلماوي أن يترجم له ردها: «نحن في مناسبة وطنية وجئت لفرنسا من أجل المساهمة في المجهود الحربي لبلادي، وإذا كان أسلوبنا لا يروق له فليعتبر اتفاقنا لاغياً، وأنا على استعداد أن أحرره من كل التزاماته لي. ثم التفتت إلى الموسيقيين وقالت لهم: لموا الآلات يا ولاد». فكاد كوكاتريكس أن يغشي عليه وظل يتوسل أم كلثوم أن تكمل الحفل. ويروي بعدها كيف أن رحيل أم كلثوم مثّل بالنسبة له كما للكثير من المصريين رحيل عصر بأكمله.
ويروي سلماوي كواليس انتفاضة الخبز أو «ثورة الجياع» عام 1977 وتجربة السجن السياسي الذي تعرض له نتيجة موقفه الرافض لسياسة الرئيس السادات في طريقة إدارة الصراع السياسي عقب حرب أكتوبر، واتهامه فيما بعد بأنه من مدعي الناصرية، وأنه أحد العناصر المحركة لأحداث «ثورة الجياع». ويسرد بدقة أحاديث «الزنزانة» كأنها فيلم سينمائي نقرأ السيناريو الخاص به. وتأتي الذروة الدرامية في سرده تفاصيل حبسه بسجن القلعة الموحش الذي يعود تاريخه إلى زمن المماليك وقد تحول إلى سجن عام 1874 بأمر الخديو إسماعيل، ولقائه في السجن بالشاعر أحمد فؤاد نجم.
ثم يعود إلى الصحافة، ويتحدث عن السياسة التحريرية للصحف القومية المصرية قبيل التمهيد لزيارة السادات للقدس. ويسهب في شرح الأحداث والقرارات النارية التي اتخذها السادات في سنوات حكمه وقرارات الاعتقالات وفصل الصحافيين، وكان واحداً منهم؛ إذ فُصل مرات عدة. ويتطرق المؤلف كذلك إلى نقل الصحافيين للعمل موظفين في هيئات حكومية، وأيضاً أستاذة الجامعات، وسحب اعتراف الدولة بالبابا شنودة بابا للإسكندرية، ضمن حملة السادات لمصادرة الحياة السياسية في مصر، التي انتهت إلى الحادث الدموي المروع «حادث المنصة»، الذي قتل فيه الرئيس السادات لتنتهي صفحة أخرى من تاريخ مصر وتبدأ معها مرحلة جديدة.
يتوقف بنا سلماوي عند هذه المحطة ليترك القارئ منتظراً صدور الجزء الثاني الذي سيتحدث فيه عن مرحلة جديدة من مراحل حياته المهنية والإبداعية.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً