اسرائيل تتوقع تغيير{قواعد الإشتباك} بعد التصعيد الأخير

تعتقد أن هدف «الدرون» الإيرانية ليس التجسس بل إثبات القدرة على اختراق سمائها

عنصران من الأمم المتحدة في الجولان المحتل أمس (أ.ف.ب)
عنصران من الأمم المتحدة في الجولان المحتل أمس (أ.ف.ب)
TT

اسرائيل تتوقع تغيير{قواعد الإشتباك} بعد التصعيد الأخير

عنصران من الأمم المتحدة في الجولان المحتل أمس (أ.ف.ب)
عنصران من الأمم المتحدة في الجولان المحتل أمس (أ.ف.ب)

في إسرائيل يدركون أن شيئاً جديداً قد حصل، على الجبهة السورية. لكن التطورات لن تؤدي إلى تدهور خطير في هذه المرحلة، إذ توجهت إلى روسيا لاحتواء الموقف، مؤكدة أنها ليست معنية بالتصعيد أكثر.
وبحسب مصادر في تل أبيب، فإن طهران ودمشق تبادلانها الرأي بـ«عدم التصعيد». والآن ينبري كل أطراف هذا التوتر إلى تحليل ما جرى والإفادة من الدروس واتخاذ قرارات استراتيجية لاحقاً.
والتقييم الأولي هو أنه، بعد 34 سنة من الهدوء، وبعد سبع سنوات من «بَلْعِ الغارات الإسرائيلية والامتناع عن الرد عليها»، أو بالرد عليها وهي تغادر أو حتى بعد أن تغادر، أطلق صاروخ أرض جو «200 S» من سوريا باتجاه الطائرات الإسرائيلية المغيرة، وأسقط إحداها وأصاب ثانية نجحت في الهبوط بشكل اضطراري.
لا يمكن القول إن هذا التجديد غير متوقع بتاتاً. في إسرائيل كانوا يتحدثون عن «احتمال تغيير الموقف السوري»، و«التصرف بشكل مغاير»، إزاء الغارات الإسرائيلية المتكررة. وزادت التوقعات الإسرائيلية بأن تحاول المضادات السورية إطلاق صواريخ بقصد إسقاط إحدى الطائرات المغيرة، خصوصاً بعد الإنجازات التي حققها النظام في الحرب ضد المعارضة بدعم روسي وإيراني.
كل هذه الأمور، جعلت إسرائيل تتوقع شيئاً ما من النظام السوري، فراحت تهدده. ومنذ عدة شهور وإسرائيل تتحدث عن خطورة المشروع الإيراني للتمدد في «هلال» يشمل العراق وسوريا ولبنان حتى البحر المتوسط وحتى اليمن نحو البحر الأحمر. وطيلة الأسابيع الأخيرة نستمع إلى تهديدات مباشرة لإيران. وقام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالسفر إلى موسكو، والتقى الرئيس فلاديمير بوتين وأخبره بأن «اتساع النشاط الإيراني هو تطور خطير يخلق وضعاً جديداً، ويجعل من سوريا ساحة صدام إسرائيلي - إيراني ولن يمر بسكوت إسرائيل».
وطرح الموقف نفسه أمام عدد من قادة دول أوروبا. وهذا بالطبع إضافة للخط الساخن المفتوح مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وعلى الصعيد الميداني، قامت إسرائيل بقصف موقع سوري يُعرَف بنشاط إيراني واسع، في سبتمبر (أيلول) الماضي. وفي ديسمبر (كانون الأول) قصفت إسرائيل موقعاً للميليشيات الشيعية قرب دمشق، للتأكيد أنها تستهدف الوجود الإيراني المباشر في سوريا.
في اليومين الأخيرين، بدأت بوادر التغيير في الرد السوري، إذ أغارت إسرائيل على معهد أبحاث قرب العاصمة السورية، وردَّت دمشق بإطلاق عدة صواريخ باتجاه الطائرات المغيرة. دمشق قالت إنها أسقطت طائرة، وإسرائيل لم ترد، لكنها سربت أن لا طائرة مصابة لديها. وفي يوم الأربعاء الأخير قام نتنياهو ومعه وزراء «الكابنيت» أجمعين بزيارة علنية تظاهرية إلى هضبة الجولان، ومن هناك وجه تحذيرات وتهديدات مباشرة لإيران وسوريا.
الجديد أن إيران مباشرة دخلت على الخط وردّت، فقد أرسلت طائرة صغيرة بلا طيار، مساء الجمعة، لتقتحم حدود إسرائيل وتتجول في سمائها بضع دقائق طويلة، وتصل حتى حدود بيسان، نحو 40 كيلومتراً من أول نقطة حدودية مع سوريا، لتكتشفها إسرائيل في وقت متأخر وتُسقِطها.
التفسير في إسرائيل أن إرسال هذه الطائرة كان عملية تظاهرية من إيران هدفها ليس التجسس وجمع المعلومات بل البرهنة لإسرائيل أنهم قادرون - من الناحية المهنية والتكنولوجية - على اختراق سماء إسرائيل رغم قدراتها الدفاعية العالية.
إسرائيل فهمت الرسالة، ويبدو أنها كانت جاهزة لهذا التطور، ولديها «مخزون أهداف» لهذه الغاية. فردت بحدة. وبعد أن أسقطت الطائرة الإيرانية، نفذت إسرائيل غارات على 12 هدفاً سورياً، وسورياً إيرانيا مشتركاً.
من هذه الأهداف، أربعة مواقع إيرانية، أكبرها، قاعدة جوية في منطقة تدمر «T - 4»، على بعد 60 كيلومتراً شمال غربي مدينة تدمر باتجاه حمص. هذه القاعدة تعتبر ذات أهمية استراتيجية. تستخدمها إيران وروسيا أيضاً. لذلك كان يجب التنسيق مع روسيا أو الحذر بألا تصاب روسيا من الغارة، أي تحتاج إلى دقة شديدة حتى لا تصاب الطائرات أو بطاريات الصواريخ الروسية.
وحتى على مستوى إيران وسوريا، تعتبر الغارة هنا «دقيقة جداً وحذرة جداً»، إذ إن شبكة الدفاعات السورية قوية وضخمة، بل تعتبر من أقوى الدفاعات الجوية في المنطقة. فإذا كان الهدف الإيراني السوري تحقيق ارتفاع على المستوى المعنوي، فيجب أن يكون الرد الإسرائيلي قوياً يحدث ميزان رعب مناسباً، بحسب مصادر في تل أبيب.
وهكذا، نجحت الضربات الإسرائيلية. لكن المضادات السورية أحدثت شرخا في الأهداف الإسرائيلية عندما تمكنت من إسقاط إحدى الطائرات الإسرائيلية المغيرة. وكانت هذه طائرة حديثة من طراز «إف 16 آي» التي يطلق عليها بالعبرية اسم «صوفا»، أي «العاصفة».
وتعتبر أحدث طائرة من نوعها في إسرائيل. ويفسر إسرائيليون إسقاطها بـ«ضربة موجعة». ومن التحقيقات الأولية يتركز الشك في أن قائديها تصرفوا بشيء من الاستخفاف واللامبالاة وحتى العنجهية. وكما هو معروف فقد حرص الطياران على السقوط في إسرائيل وهبطا بالمظلة، وأصيبا بجراح بالغة. وفي وقت لاحق تبين أن طائرة أخرى من طراز «إف 15» أصيبت وقام قائداها بالهبوط اضطرارياً في قاعدة عسكرية صغيرة بالشمال.
لكن الأهم من ذلك هو أن إيران ردَّت مباشرة على إسرائيل، وبهذا أقدمت على فعلين: الأول، الرد على الغارات الإسرائيلية بنجاح. الثاني أنها دخلت على طريق مواجهة مباشر مع إسرائيل. الأول هو رسالة لإسرائيل بأن غاراتها لن تكون في المستقبل مجرد نزهة آمنة. الثاني موجهة لإسرائيل والولايات المتحدة وروسيا؛ بأن إيران لن تسمح بأن تصبح «كيس خبطات» لإسرائيل مثل سوريا وقطاع غزة، متى تشاء تقصف مواقعها بلا حساب. وهناك رسالة ثالثة موجهة لدمشق أيضاً، مفادها بأن المطلب الإيراني بإقامة قاعدة بحرية في سوريا له ما يبرره لصالح الطرفين، السوري والإيراني، علماً بأن النظام السوري متردد في هذه الخطوة ولم يوافق عليها بعد.
الناطق العسكري الإسرائيلي الرسمي، العقيد رونين مينليس، استخدم كلمات حادة في تعليقه على الموضوع، إذ قال في بيانه الرسمي: «إيران تجر المنطقة كلها إلى مغامرة وستدفع ثمن ذلك». وقد فسرت كلمته «ستدفع»، بأنها تهديد بقدوم ضربات أخرى.
وهذا التهديد جاء بمثابة دعوة لروسيا والولايات المتحدة: «امسكوني». وهي تتوقع أن تسعى روسيا للتدخل بينها وبين دمشق وطهران لوضع قواعد جديدة للتعامل. وفي الوقت نفسه، تحاول لفت نظر الإدارة الأميركية وتنتظر رد فعلها. فهل ستكون مثل أيام إدارة الرئيس باراك أوباما «دعوة الأطراف إلى الهدوء والانضباط» أم تتخذ موقفاً حادّاً مناصراً لإسرائيل يمنحها «بطاقة مفتوحة» لأن تضرب إيران وربما تكون شريكة لها في ذلك.
في إسرائيل، يقولون إن المتوقع هو أن تهدأ الجبهة الآن بعد هذه الضربات المتبادلة، ليترك المجال للعمل الدبلوماسي. لكن هناك قناعة أيضاً بأن الأمور باتت على حافة منزلق، أي شيء خفيف يمكن أن يدهوره أكثر.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.