قناص بيروت

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

قناص بيروت

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

سُئلت إن كنت قد عرفت نتيجة «البوكر» قبل إعلانها. لا أذكر من سأل.
كنت بين مجموعة من الكتّاب والمثقّفين الأصدقاء والمعارف، نتناول إفطارنا في مطعم فندق «فيرمونت باب البحر»، في أبوظبي، حين طرح السؤال، وانتظر الجميع جوابي؛ لأنّ وسائل إعلام كثيرة «تفصْحنت» وأكّدت أنّ النّتيجة معروفة سلفاً. كنت أرتاح لتأكيدها وأشكّ فيه. أتمنّى أن يتحقق ما تقوله ولا أثق فيه. بينما صاحب السؤال، الذي لم أعد أذكره، ومن معه ينتظرون. لم يسأل شهلا العجيليّ، ولا محمود شقير، ولا طارق بكاري، ولا جورج يرق، ولا محمد ربيع؛ لأنّ السّؤال صار يتعلّق بي وحدي، وصار علي أن أجيب عنه. أن أصادق على النّميمة التي يتداولونها، ليتأكدوا أنّها حقيقة. يرتاحون ويطمئنّون إلى «نميمتهم» حول تسريب النّتيجة.
أجبتُ بكلمة واحدة تربك نميمتهم:
«لعم».
كنت أتقلّب بين إحساسي الّذي يرجّح فوز «مصائر»، وتقديري لروايات زملائي الآخرين التي تستحقّ كلّ منها الفوز أيضاً. لم أكن قد قرأت أعمال زملائي الخمسة المتنافسين كلّها. قرأت «حارس الموتى» لجورج يرق، وراقتني كثيراً، وإن احتفظت بملاحظة تتعلّق بعدم قناعتي بالدّافع الّذي أدى إلى تغيير حياة بطله. لم أقل له ذلك. لا أتذكر أنني فعلت. ربّما لأنّني لم أكن متيقّناً من ملاحظتي. ربّما لأنّ لا عملَ أدبيّاً من دون ملاحظات. ربّما لِحِسّ داخلي يشكّكني فيما توصّلت إليه من ملاحظات، ويعرّي رغبة سرية لدي في وضع رواية جميلة وقويّة وجديدة كروايته، خارج الاحتمالات.
لم أحدث جورج عن المشاهد التي رسمها ببراعة داخل برّاد الجثث. لم أحدثه عن سرده الشيق. عن غرابة موضوعه. عن «خبرته» في التعامل مع الجثث في البرادات. بل حدّثته عن شيء آخر أدهشني في تلك الرّواية: عن الصّورة الأخرى لبيروت الشّرقيّة التي قاتلناها نحن وحلفاؤنا من الوطنيين والدّيمقراطيين اللّبنانيين. قصفتنا من شرقها فأدمتنا، وقصفناها من غربها فأوجعناها وأسلنا دمها. كانت هي البادئة، حين اختارت حادثة بشعة افتتحت بها الحرب من حي عين الرمانة. هي بيروتهم هم. بيروت القادة السياسيين المسيحيين الانعزاليين. بيروت القتل العشوائيّ، والذّبح على الهويّة، والتحريض على الفلسطينيين «الغرباء». وهي بيروتنا نحن أيضاً. نصفها الغربي. بيروت المسلمين الوطنيين والتقدميين، والفلسطينيين وقادتهم ومقاتليهم وميليشياتهم التي يتغنّى أفرادها بأسمائهم: أبو الغضب، وأبو الموت، وأبو الجماجم، وصقر الجولان. ويسعد بهم «الأبوات» الكبار والصّغار، وينتشون حين يذكرونهم، أو يرسلون لهم الأوامر.
كانت المشاهد التي رسمها جورج لبيروتهم، ترسم بيروتنا نحن وتقدّم ملامحنا. لم يتغيّر فيها سوى الشّعارات التي أنزلتها الأحزاب في البيروتيْن آيات سياسيّة لا تجوز مناقشتها.
كنت أعرف تفاصيل ملامحنا نحن. كنت مثل غيري، أرى في مقاتلي الكتائب، وحراس الأرز، وأحرار شمعون وغيرهم، صورة نموذجيّة للنّازيين وللفاشيين القتلة. وفي مقاتلينا ثوّاراً محرّرين يملكون الحقيقة كلّها، ويجعلون الجوهر الإنساني حاجزاً يسندون عليه بنادقهم، ويطلقون منه الرّصاص على أعداء الحياة. وكانت رواية «الآخر»، هم، عند جورج يرق، صورة غير التي ألفناها طيلة الحرب. كانت تكشف لنا كيف يروننا هم، وعن بعض ما لهم من ملامحنا. هم الّذين يرون فينا محتلين للبنان متحكّمين بأهله، وغرباء ينبغي كنسهم وسحقهم وإخراجهم من البلاد، ولو أدى ذلك إلى التعاون مباشرة مع إسرائيل. وقد تعاونوا حين واتتهم الفرصة.
أدهشتني الصّورة التي رسمها جورج يرق للقنّاص «المسيحيّ» في شرق بيروت، وهو ينتظر طرائده في غرب بيروت كلّ صباح. صورة تشبه ما رسمه اللّبناني عادل عليّ، زميلي في جريدة «الشرق الأوسط»، الّذي غادرها في أوائل الألفيّة. صورتان مقرّبتان بتفاصيل بانوراميّة لقنّاصين في شرق بيروت وفي غربها، يصطادان أرواحاً بريئة. تُرى، ماذا لو التقى قنّاصان بعد انتهاء الحرب التي دربتهما على الجريمة؟!
يعترف قنّاص عادل علي:
- «قتلت واحداً منذ لحظات، بحكم العادة أو المهنة (...) قتلته بطلقة واحدة في لحظة واحدة، ظننت خلالها أنّني مشرف على الاختناق أو الموت. كانت إصابتي جيّدة تستحقّ التهنئة؛ لكنّه مات، من هو؟ ربّاه لماذا يشغلني هذا السّؤال؟ ما هذه السّخافة؟ قتلت قبله العشرات، من هم؟ يا إلهي، ما لهذا السّؤال بداخلي يثور عليّ؟ وهذا المسؤول يؤنّبني لأنّني أطلقت النّار من دون أمر، ومهنتي لا تحتاج إلى أوامر. هكذا تعلّمتها، وهكذا مارستها. صوّب جيّداً، واقتل بلا رحمة تحصل على تنويه. أطلقت النّار بلا أمر. نعم؛ لكنني قتلت واحداً أيضاً بلا أمر. من هو؟ هذا السّؤال اللعين يثور مجدّداً. يكفي أنّه في الشّطر الآخر وانتهى الأمر. لا، لم ينته. كلّ منا فيه شطر آخر. في قلبك، في عقلك، في جسدك، هناك دائماً شطر آخر، حتّى في ضميرك هناك شطر آخر. فهل تقتل الآخر فيك لمجّرد أنّه آخر؟ وهل يقتلك الآخر فيك لمجرد أنّك أنت؟».
ويروي جورج يرق حكاية «قنّاصه»:
«بو فهد، القنّاص الّذي أتناوب وإيّاه على القنص، أخبرني بأنّ سعادته القصوى عندما يقنص أحدهم ويرى المارّة وهم يتجمهرون حوله. قال إن نوبة من الضّحك تدهمه في تلك اللّحظات، فيستأنف القنص على المحتشدين حتّى يتفرّقوا. ثمّ يكمل القنص على الرجل الجريح إلى أن يتأكّد له موته. ومنتهى التشويق حين يروح يصطاد كلّ من يدنو إلى الضّحيّة. لطالما تباهى بأنّه أردى مسعفاً على الجثّة نفسها التي حاول جرّها إلى مكان آمن. كان يروي المشهد كأنّه يروي نكتة يقطعها ضحكه المفتعل، ويتوّج ابتهاجه بكأس عرق وتوابعها، حالما يسمع من الرّاديو، أو من أحد الرفاق، أنّ مواطناً سقط برصاص القنص في المحلّة الواقعة على مرمى ناره. كان الخبر الإذاعي بمنزلة شاهد إثبات».
قنّاصان يشوّشان على «نشرة الأرصاد الأمنيّة»، التي كان يعدّها المذيع شريف الأخوي واشتهرت به وشَهَرَتْه، حين حوّلته ركناً من أركان الحرب الأهليّة، شريكاً لهما في لعبة موت أرادها لعبة حياة. كانا في البيروتين يقتلان قنصاً، وكان هو يبثّ نشرته الأمنيّة، من مواقع الحدث ومراكز الموت المحتمل. لا يلاحق شمساً لنشرة جوّيّة، ولا يقبض على غيوم أو تجمّع مطر لأرض فلاح، ولا ريحاً لشراع سفينة صيد. كان يتابع مسارات تقلُّب أمزجة المتقاتلين. يلاحق حركة القنّاصين والخاطفين، وخريطة انتشار الرّصاص في معابر المتحف، والبربير، وعين الرّمّانة، وشارع بشارة الخوري، ومناطق التماسّ الأخرى، حيث يسكن موت لا يستريح إلا لمسافة زمنية تكفي لتمرير النّشرة، وطمأنة اللّبنانيين في شطري بيروت: الشّرقي والغربيّ، بأنّ طرقاتهم «سالكة وآمنة». عشرون ساعة في اليوم، جعلت «سالكة وآمنة» أجمل نميمة على ألسنة جميع البيروتيين. كلمة سرّ مفضوح لخروجهم من مخابئهم وبيوتهم وطوابق عماراتهم السّفلى، لقضاء حاجاتهم، وشراء بعض الموادّ التموينية الضروريّة، أو لدفن ميّت إن وجدوا مسافة ما بين قذيفتين أو رصاصتين، أو عزاءين. وكثيراً ما أخطأت أرصاد شريف الأخوي، كما تخطئ الأرصاد الجوّيّة في نشرات التلفزة البريطانيّة. تتنبّأ بيوم لندني دافئ، فأخرج إلى العمل بلا مظلّة في حقيبتي، وقبل أن أصل تستقبلني أمطار ساخرة، تؤكّد أنّني لم أزل ألْدغ من جحر النّشرات الجوّيّة مرّات.
قنّاصك يا جورج وقنّاص عادل، فَهِما اللّعبة وحوّلا النّشرة لمصلحتهما، وأسقطا مطراً من رصاص وزّعاه قطرة قطرة، رصاصة رصاصة، قتيلاً قتيلاً. ونشرة الأخوي تواصل التأكيد، على أن طريق العبور بين شطري بيروت «سالكة وآمنة».
عقّب جورج:
- «يا خيي الأناص (القنّاص) أناص... هون واللا هون... بس كلّ واحد منّن (منهم) بقتل لحساب الطّنزيم (التنظيم) بتاعوله».

* فصل من كتاب «سوبر نميمة»، الذي يصدر خلال الشهر الحالي، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، و«مكتبة كل شيء» في حيفا، وفي طبعة مصرية عن «دار العين» في القاهرة.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً