مصادر فرنسية: هامش التحرك بين واشنطن وطهران «ضيق» لكن باريس متفائلة

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان يلتقي نظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماع الاتحاد الأوروبي في بروكسل الشهر الماضي (مهر)
وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان يلتقي نظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماع الاتحاد الأوروبي في بروكسل الشهر الماضي (مهر)
TT

مصادر فرنسية: هامش التحرك بين واشنطن وطهران «ضيق» لكن باريس متفائلة

وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان يلتقي نظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماع الاتحاد الأوروبي في بروكسل الشهر الماضي (مهر)
وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان يلتقي نظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماع الاتحاد الأوروبي في بروكسل الشهر الماضي (مهر)

أغلقت إيران عمليا الباب أمام أي وساطة كان يمكن أن تقوم بها دول الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها فرنسا للخروج من مأزق عزم الولايات المتحدة الأميركية على نقض الاتفاق النووي المبرم بين مجموعة خمسة زائد واحد وطهران في يوليو (تموز) من عام 2015.
وبالنظر لما جاء أمس على لسان الرئيس الإيراني حسن روحاني، في مؤتمره الصحافي، وفحواه أن إيران ترفض البحث «مع أي كان» في قدراتها العسكرية وخصوصا الصاروخية والباليستية كما أنها ترفض إعادة التفاوض بشأن الاتفاق النووي، فإن أي فسحة للوساطة قد زالت تماما.
إزاء هذا الموقف، يجد الأوروبيون أنفسهم بين طرفين «واشنطن وطهران» بالغي التشدد. فمن جهة، يربط الرئيس الأميركي استمرار بلاده بالسير بالاتفاق النووي الذي يصفه بـ«الأسوأ» الذي وقعته الولايات المتحدة بتعديل كثير من فقراته. وقد رمى الرئيس ترمب الكرة في ملعب الكونغرس من جهة والملعب الأوروبي من جهة أخرى ومنحهما مهلة أربعة أشهر لإنجاز المهمة وإلا فإنه سينقض الاتفاق.
إضافة إلى ذلك، يندد الطرف الأميركي ببرامج إيران الصاروخية والباليستية وبسياستها الإقليمية «المزعزعة للاستقرار» وبدعمها للإرهاب. ومن الجانب الآخر، ترفض إيران، كما جاء على لسان روحاني أمس، التهديدات الأميركية وتعتبر أن نقضه أميركيا يعني نهايته، إضافة إلى تنديدها بفرض واشنطن عقوبات جديدة عليها بحجة دعم الإرهاب وعدم احترام حقوق الإنسان.
في هذا الصدد، تقول مصادر رسمية فرنسية إن «هامش التحرك» بين الطرفين ضيق للغاية. ورغم ذلك، فإن باريس «لم تقطع الأمل» وستكون الزيارة التي سيقوم بها وزير الخارجية جان إيف لو دريان إلى طهران في الخامس من الشهر القادم فرصة «لتقويم الوضع ومعرفة ما إذا كانت هناك إمكانية للقيام بشيء ما».
ليس سرا أن باريس من أشد المدافعين عن الاتفاق النووي، لكنها بالمقابل اقتربت من واشنطن في المسائل الأخرى. لو دريان اتهم طهران في 22 يناير (كانون الثاني) الفائت بـ«انتهاك القرار الدولي رقم 2231» الذي يحد من قدراتها الصاروخية الباليستية.
وفي 13 ديسمبر (كانون الأول) الماضي عبر الوزير الفرنسي عن رفض بلاده لسعي إيران إلى «إقامة محور من المتوسط إلى طهران» كما ندد بمناسبة زيارته الأخيرة إلى الخليج بـ«نزعة الهيمنة الإيرانية». وعندما اجتاحت إيران موجة من الاحتجاجات، نددت فرنسا بعمليات القمع التي تعرض لها المتظاهرون وطالبت النظام باحترام حق التظاهر والحقوق الأساسية للمواطن. وفي مناسبات أخرى، انتقدت باريس السياسة الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن ومنطقة الخليج واعتبرتها «مزعزعة للاستقرار».
رغم وجود «هوة» بين باريس وطهران، فإن الجانب الفرنسي يعتقد أن له «دورا» يمكن أن يلعبه في الملف الإيراني.
وتعتبر المصادر الفرنسية أن السبب الأول يكمن في أن فرنسا هي «الوحيدة المؤهلة» اليوم أوروبيا للقيام بهذه الوساطة بالنظر لانشغال بريطانيا وألمانيا بمشكلاتهما الداخلية. ويمكن أن يضاف إلى ذلك أن واشنطن لا يمكن أن تقبل روسيا «طرفا وسيطا» بسبب التوتر الذي يشوب علاقات الطرفين.
فضلا عن ذلك، ووفق ما تقوله المصادر الفرنسية، فإن التهديد الأميركي بالخروج من الاتفاق النووي وإعادة فرض عقوبات أقوى على إيران خصوصا على صناعتها البترولية والغازية، يوفر لباريس «ورقة ضغط» قوية تستطيع استخدامها بوجه النظام الإيراني. ومن هذا المنظور، فإن باريس تستطيع تخيير طهران بين إظهار «الاعتدال والليونة» والمحافظة بالتالي على الاتفاق النووي واستمرار الاستفادة من التسهيلات التي يقدمها رغم أن إيران تعتبرها «غير كافية»، وبين التصعيد الأميركي والعقوبات الإضافية، وربما وصلت الأمور إلى حد المواجهات العسكرية المباشرة أو بالواسطة. ومن الحجج التي يمكن لباريس الاستناد إليها أنها ترغب في توثيق علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع طهران وأن رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون راغب في إتمام زيارته إليها وعلى الأرجح في الربيع القادم وستكون إحدى مهام لو دريان في العاصمة الإيرانية التحضير لهذه الزيارة التي إذا تمت ستكون الزيارة الأولى لزعيم غربي إلى طهران منذ الثورة الإيرانية.
ولإرضاء إيران، تؤكد باريس «تصميمها» للمحافظة على الاتفاق النووي الذي تعتبره أساسيا في «المحافظة على هندسة حظر الانتشار النووي». ووجهة النظر الفرنسية أن اليوم ثمة مشكلة نووية مع كورية الشمالية والتخلي عن الاتفاق مع طهران سيعني «ظهور كورية شمالية ثانية».
إزاء هذا الواقع، فإن السؤال الذي يطرح يتناول «هامش المناورة» المفتوح أمام باريس للتحرك. والقناعة الراسخة لدى المسؤولين الفرنسيين أن طهران بحاجة لفرنسا رغم التوتر الذي شاب علاقات الطرفين في الأسابيع الماضية والذي تسببت فيه التصريحات الرسمية الفرنسية حول الملفات الخلافية مع طهران وبالتالي فإن للأخيرة «مصلحة» في أن تعطي الوسيط الفرنسي «شيئا ما» يفاوض على أساسه ويستطيع أن يقدمه للطرف الأميركي. لكن أمرا كهذا سيكون، وفق المصادر الفرنسية، موضوع شد حبال بين الجناحين المعتدل والمتشدد في السلطة الإيرانية. وتذكر هذه المصادر أن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أظهر «بعض الانفتاح» لدى لقائه مع نظرائه الأوروبيين في بروكسل أوساط الشهر الماضي.
ونقل وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل عن ظريف استعداد بلاده لمناقشة سياستها الإقليمية والمواضيع المختلف عليها دون الخوض في التفاصيل. ولذا، فإن الأيام والأسابيع القادمة ستوفر بعض عناصر الجواب لمعرفة ما إذا كانت طهران ستعطي باريس الفرصة لتسير بـ«وساطتها» أم أن الكلام الذي صدر عن روحاني أمس «وقبله عن المرشد الأعلى ورئيس الحرس الثوري ومسؤولين كبار في النظام» هو نهائي وقاطع.



يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
TT

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)

اقتحمت مجموعة محتجين من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد منزل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، واعتصموا في حديقته احتجاجا على إجراءات لمعاقبة من يرفضون الاستجابة لاستدعاءات التجنيد.

ويأتي ذلك بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الأحد الدولة بوقف المزايا المالية الممنوحة لليهود المتشددين الذين يتجنبون الخدمة العسكرية، وبالشروع في ملاحقات جنائية بحقهم.

وأثار التحرك إدانات غاضبة من القيادات العسكرية والسياسية.

وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات من الرجال المتشددين يهتفون داخل حديقة منزل قائد الشرطة العسكرية يوفال يمين في عسقلان، بينما كان داخل المنزل مع عائلته، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو «أدين بشدة الهجوم الوحشي والعنيف على رئيس الشرطة العسكرية، وأطالب باتخاذ إجراءات حازمة بحق الضالعين».

من جهته، ندّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بـ«الاقتحام المتعمّد» لمنزل يمين «في وقت كانت عائلته داخله»، معتبرا أن أي محاولة للمساس بأفراد الأجهزة الأمنية تمثّل «تجاوزا لخط أحمر».

ويتمتع اليهود المتشددون منذ قيام إسرائيل عام 1948 بإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية شرط التفرغ للدراسية الدينية.

لكن المحكمة العليا طعنت مرارا في هذا الاستثناء خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى حكم صدر في 2024 يُلزم الحكومة تجنيدهم.

غير أن نتانياهو يعتمد على دعم الأحزاب المتشددة للبقاء في السلطة، ما دفعه إلى معارضة إنهاء هذا الإعفاء.

ويمثل الحريديم 14 في المائة من السكان اليهود في إسرائيل، ومنهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية.

ومع الحكم الأخير، تأمر المحكمة عمليا بوقف الإعانات التي تتيح لليهود المتشددين تخفيضات على الضرائب المحلية ووسائل النقل العامة ورعاية الأطفال.


الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.