بكين ترفض اتهامات واشنطن حول أطماعها النووية

بيونغ يانغ: خطاب حالة الاتحاد «صرخة ذعر» من قوتنا

ترمب وشي أثناء مؤتمر صحافي ببكين في 9 نوفمبر الماضي (أ.ب)
ترمب وشي أثناء مؤتمر صحافي ببكين في 9 نوفمبر الماضي (أ.ب)
TT

بكين ترفض اتهامات واشنطن حول أطماعها النووية

ترمب وشي أثناء مؤتمر صحافي ببكين في 9 نوفمبر الماضي (أ.ب)
ترمب وشي أثناء مؤتمر صحافي ببكين في 9 نوفمبر الماضي (أ.ب)

انتقدت الصين أمس التقرير الأخير لوزارة الدفاع الأميركية حول السياسة النووية الأميركية، معلنة «معارضتها الشديدة» لوثيقة قالت إنها تتضمن «تخمينات عشوائية» حول نوايا بكين. وفي تقرير حول «الموقف النووي»، فصّلت وزارة الدفاع الأميركية طموحاتها النووية خلال رئاسة الرئيس دونالد ترمب، وطرحت ما تراه تهديدات نووية في العقود المقبلة.
ورغم أنه يتمحور حول روسيا في معظمه، إلا أن التقرير يشير كذلك إلى انعدام الشفافية حيال الترسانة النووية الصينية. وقال التقرير إن الصين امتلكت قدرات نووية جديدة، بدءا بصاروخ باليستي جديد متحرك عابر للقارات، وصولا إلى غواصة جديدة قاذفة، مشيرا إلى «ضآلة الشفافية حول نواياها، إن لم تكن معدومة».
في المقابل، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية رن غيوكيانغ، إن وزارة الدفاع الأميركية تطلق «تخمينات عشوائية» حول نوايا الصين، وتبالغ في التهديد الذي تشكله قوتها النووية. وأضاف المتحدث أن الصين «تعارض بشدة» هذا التقرير، وقال إنها «أبقت على الدوام قوتها النووية عند الحد الأدنى الذي يتطلبه الأمن القومي»، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم، كما ذكر تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية.
وتابع المتحدث «نأمل في أن تتخلى الولايات المتحدة عن هذه العقلية التي ترقى إلى أيام الحرب الباردة». وأعلن الرئيس الصيني تشي جينبينغ العام الماضي أنّه يحلم بأن تبني بلاده «جيشا من الطراز العالمي» بحلول 2050.
ولم تشارك الصين في أي نزاع منذ حرب قصيرة ضد فيتنام في 1979. لكنّها تعزز حضورها الدولي وتقلق البلدان المجاورة.
ويؤكد المعهد الدولي للبحوث من أجل السلام في استوكهولم، أنّها تمتلك 270 رأسا نوويا في مقابل 6800 لدى الولايات المتحدة. وتكرر بكين القول منذ فترة بعيدة أن الصين لن تكون أول من يبادر إلى استخدام السلاح النووي. وأضاف المتحدث أن «الصين ما زالت ملتزمة بمبدأ «عدم المبادرة إلى استخدام» الأسلحة النووية أيا كانت الظروف».
وفي تقريرها، قالت وزارة الدفاع الأميركية إنها تريد حيازة أسلحة نووية جديدة ضعيفة القوة، ردا على إعادة تسلح روسيا. وانتقدت موسكو «الطابع الحربي» و«المعادي لروسيا» الذي يتسم به التقرير، محذرة من أنها ستتخذ «التدابير الضرورية» لضمان أمنها في مواجهة الولايات المتحدة.
في سياق آخر، دانت كوريا الشمالية أمس الخطاب حول الاتحاد الذي وصفها فيه ترمب بأنها «ديكتاتورية قاسية»، معتبرة أن هذه التصريحات تشكل «صرخة ذعر» أطلقها رئيس أميركي يخشى «قوة» بيونغ يانغ. ومنذ سنة، يتبادل الرئيس الأميركي والرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ - أون الشتائم الشخصية والتهديدات المروعة. وقال ترمب الأربعاء في الكونغرس «ما من نظام قمع شعبه بوحشية مماثلة لوحشية ديكتاتورية كوريا الشمالية». وأضاف أن «سعي كوريا الشمالية الخطر للحصول على صواريخ نووية يمكن أن يشكل في القريب العاجل تهديدا لأراضينا. نخوض حملة ضغط قصوى لتفادي حصول هذا الأمر».
وقد أعلنت كوريا الشمالية في نوفمبر (تشرين الثاني) أنها قوة نووية بعدما أجرت تجربة على صاروخ باليستي عابر للقارات قادر على الوصول إلى الأراضي الأميركية. وأكد متحدث باسم وزارة الخارجية الكورية الشمالية في بيان نشرته وكالة الأنباء الكورية الشمالية، أن خطاب الرئيس الأميركي يشكل «ذروة الغطرسة والتعسف». وأضاف أن «ترمب تحدث أيضا عن «ضغوط قصوى» على بلادنا، في تشهير خطير بنظامنا الاجتماعي الرفيع الذي يتمحور حول الشعب». وأكّد البيان «لكنها ليست سوى صرخات ذعر حيال قوة كوريا الشمالية التي حققت هدفها التاريخي الكبير بأن تصبح دولة نووية».
ولدعم أقواله حول بيونغ يانغ، دعا ترمب إلى الكونغرس والدي أوتو ورمبر الطالب الأميركي الذي اعتقلته كوريا الشمالية وتوفي في يونيو (حزيران) بعد إعادته إلى الولايات المتحدة في حالة غيبوبة. وأشاد أيضا بجي سيونغ - هو، الكوري الشمالي الذي انشق فيما خسر يدا وقدما وهو لاجئ اليوم في سيول. وخلص المتحدث الكوري الشمالي إلى القول «إذا لم يتخلص ترمب من وجهات نظره التي عفى عليها الزمن، فستؤدي إلى تزايد التهديدات الخطرة على مستقبل الولايات المتحدة وأمنها».
وفي إطار جهود تخفيض التوتر الكورية - الكورية، أعلنت حكومة كوريا الجنوبية أن مسؤولا كوريا شماليا رفيعا يتولى منصبا فخريا سيتوجه إلى كوريا الجنوبية الجمعة في زيارة تستمر ثلاثة أيام على صلة بالألعاب الأولمبية الشتوية التي ستجرى في بيونغ تشانغ.
والمسؤول هو كيم يونغ نام، رئيس الجمعية الشعبية العليا، أي البرلمان الكوري الشمالي الذي يهيمن عليه الحزب الواحد، لكنه ليس أحد أفراد عائلة الزعيم كيم جونغ أون. وسيرافق المسؤول المذكور ثلاثة مسؤولين سياسيين آخرين وفريق دعم من 18 شخصا، بحسب وزارة إعادة التوحيد الكورية الجنوبية. لكن الأخيرة لم توضح ما إذا كان سيحضر حفل افتتاح الألعاب الأولمبية التي تبدأ يوم وصوله.
وفي يناير (كانون الثاني)، أعلنت كوريا الشمالية أنّها مستعدة لإرسال رياضيين إلى الجنوب للمشاركة في ألعاب بيونغ تشانغ، وأعقب ذلك حملة دبلوماسية كثيفة. وجاء هذا الإعلان المفاجئ على وقع توتر شديد في شبه الجزيرة الكورية بسبب تجارب باليستية ونووية لبيونغ يانغ. وبعد مفاوضات بين الشمال والجنوب، وافق نظام بيونغ يانغ على أن يرسل إلى كوريا الجنوبية وفدا يضم رياضيين وفنانين. كما توافق البلدان على السير معا تحت راية إعادة التوحيد في حفل افتتاح الألعاب الأولمبية وتأليف فريق مشترك في رياضة الهوكي على الجليد للنساء. ووصل عشرة رياضيين كوريين شماليين الخميس إلى الجنوب.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».