نصر الحريري: «هيئة التفاوض» ستجتمع في الرياض لبحث ما بعد «سوتشي»

قال لـ«الشرق الأوسط» إنها ستلتقي دي ميستورا قريباً استعداداً لـ«جنيف»

نصر الحريري: «هيئة التفاوض» ستجتمع في الرياض لبحث ما بعد «سوتشي»
TT

نصر الحريري: «هيئة التفاوض» ستجتمع في الرياض لبحث ما بعد «سوتشي»

نصر الحريري: «هيئة التفاوض» ستجتمع في الرياض لبحث ما بعد «سوتشي»

تعقد «هيئة التفاوض السورية» اجتماعاً في الرياض في العاشر من الشهر الحالي؛ لبحث المغالطات المتعلقة بعدم مشاركة «الهيئة» في مؤتمر سوتشي، وفقاً للدكتور نصر الحريري رئيس «الهيئة» الذي قال في حوار مع «الشرق الأوسط» من العاصمة السعودية، مشدداً على أن الرياض تحافظ على استقلالية القرار السوري.
وقال: إن لقاءً سيعقد مع المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، قريباً؛ استعداداً لجولة «جنيف» المقبلة، موضحاً أن «الهيئة» تدرس حالياً الورقة التي تقدمت بها مجموعة الدول الخمس المتعلقة بتفعيل العملية السياسية، في ظل جهود لضم ألمانيا وتركيا ومصر إلى هذه المجموعة.
وشدد على أن السعودية جزء مهم من الجهد الدولي الذي يسعى لتفعيل العملية السياسية في «جنيف» وإحداث توازن فيها، وأنها تحافظ على استقلالية القرار السوري، لافتاً إلى أن «الهيئة» تمارس أعمالها بحرية تامة من مقرها في الرياض. وأوضح أن رؤية هيئة التفاوض للحل السياسي هي في إخراج القوات الأجنبية كافة من سوريا، خصوصاً القوات الإيرانية التي تحارب تحت مشروع توسعي طائفي في المنطقة. وفيما يلي تفاصيل الحوار:

> رفضتم المشاركة في مؤتمر سوتشي، ثم رشحت الأخبار أن «الهيئة» سيكون لها ممثلون في هذا الاجتماع، ثم صدر بيان تركي يؤكد تفويض «الهيئة» لتركيا في المفاوضات... ما حقيقة الأمر؟
- القرار الصادر من «هيئة التفاوض» بعدم المشاركة في مؤتمر سوتشي، اتخذ بشكل ديمقراطي ومؤسساتي؛ امتثالاً للإرادة الشعبية في الداخل التي أعلن فيها أهلنا رفض المشاركة من خلال عشرات البيانات الصادرة عن الفعاليات والفصائل والمجالس محلية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب والشخصيات السياسية، ونحن لم نشارك بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر.
ولأن «هيئة التفاوض» تهتم بأي فرصة محتملة تساعد على الحل السياسي استبقنا المؤتمر بمناقشات داخلية وزيارات إقليمية ودولية، وزيارة لروسيا ومفاوضات مع أطراف متعددة من الروس، وجلسات مع الأصدقاء الأتراك والدول الأخرى؛ بغية تحقيق هدفين، أولهما تفعيل العملية السياسية في جنيف باعتبارها الوحيدة التي تمثل الشرعية الدولية وتعبر عن القرارات الأممية، وثانيهما منع تأسيس فكرة أو مبادرة لمسار جديد موازٍ أو منازع لعملية جنيف وصلاحياتها وأهدافها، واستمرت جهودنا في التشاور وبشكل خاص مع الأصدقاء الأتراك؛ لأنهم جزء من ضامني العملية التفاوضية في مؤتمرَي سوتشي وآستانة.
الذي أرسل التفويض لتركيا هم مجموعة الشخصيات المعارضة في الوفد الذي ذهب إلى «سوتشي» ورفض دخول المؤتمر لوجود علامات تكرّس بقاء النظام السوري وتكرّس تجيير المؤتمر لمصلحته؛ ولذلك حمّل مطالبه للأصدقاء الأتراك من أجل أن يسلموها للجهات التي تنظم المؤتمر.
وفي هذا المقام، فإن «هيئة التفاوض السورية» أصدرت بياناً صريحاً بأنها لن تشارك في هذا المؤتمر، لا بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر، وبهذه المناسبة لا أعتقد أن بيان الخارجية التركي تحدث عن تفويض من قبل «الهيئة» التي لم تشارك أصلاً.
وعلى كل حال، تعتزم «الهيئة» عقد اجتماع بالرياض في 10 من الشهر الحالي؛ لبحث المغالطات حول مشاركة «الهيئة» في مؤتمر سوتشي.
تركيا طرف ضامن لـ«الجيش الحر» في «آستانة»، وهي حليف استراتيجي للشعب السوري، وداعمة له مع باقي الدول الشقيقة والصديقة، تدافع عن مصالحه. و«الهيئة» حرصت في مناقشاتها مع مختلف الأطراف في فيينا على تأكيد بعض المبادئ التي تبين حرصها وتمسكها بمركزية العملية السياسية في جنيف، وألا تكون فكرة «سوتشي» مؤسسة لمسار يهدد «جنيف»، أو يبتعد عن جوهر تطبيق القرار 2254 الرامي لتحقيق الانتقال السياسي، إضافة إلى أهمية تطبيق القضايا الإنسانية الواردة في مختلف قرارات مجلس الأمن، خصوصاً إطلاق المعتقلين وإدخال المساعدات الإنسانية وإجلاء الحالات الطبية والجراحية والالتزام باتفاقيات خفض التصعيد، وفي هذا الإطار فإن تركيا مع الأمم المتحدة دافعتا بحرص عن ذلك، وأعتقد أن من فوضها هم مجموعة المعارضين الذين بقوا في المطار ورفضوا المشاركة.
> هل حاولت «منصة موسكو» ممارسة شيء من الاختراق في قرار «الهيئة» لصالح «سوتشي»؟
- «الهيئة» رسمية ولها قرارها الرسمي الذي قضى بعدم المشاركة، والأعضاء الذين صوتوا لصالح المشاركة في «سوتشي»، التزموا بقرار المؤسسة، وهناك شخصيات ذهبت بصفة شخصية للمؤتمر، وسنناقش ذلك في اجتماعنا المقبل.
> رأينا بعض المديح من قِبل «الهيئة» لبعض مخرجات مؤتمر سوتشي في حال ضُمّنت آلية وضمانات لتنفيذها... ما حيثيات ذلك؟
- لا أعتقد أننا مدحنا مخرجات «ستوشي»، وإنما قلنا إننا نتعامل مع المخرجات ضمن العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة في جنيف، من أجل تطبيق بيان «جنيف1»، وتطبيق القرار 2254، وقلنا إننا نتعامل مع القضايا التي تفاوضنا عليها في «جنيف» ورفضها النظام مثل المبادئ الـ12 التي تم إقرارها في بيان «سوتشي»، ونحن في إطار العملية التفاوضية في جنيف، مستعدون للتعامل مع الأفكار والطروحات التي تعزز هذا المسار، وبالتالي فإننا نقيس المخرجات الصادرة من أي مكان على قرار مجلس الأمن 2254، وبيان «جنيف1» والعملية التي تقودها الأمم المتحدة، وننتظر الجولة المقبلة في «جنيف» لنقيّم مدى التزام النظام بالمخرجات.
ونرى أن حصر موضوع العملية الدستورية في الأمم المتحدة شيء جيد، ونحن ملتزمون بذلك؛ فالعملية الدستورية جزء من القرار 2254، ولا يمكن سلخها عنه، كما لا يمكن نقلها إلى مكان آخر.
> ما ملامح الجولة المقبلة لـ«جنيف» وأجندتها وهل ستستفيد من مخرجات «سوتشي»؟
- «جنيف» يجب أن تتحرك بالشكل المطلوب الذي يحقق القرار 2254 كما هو، من حيث ضرورة بدء المرحلة الانتقالية التي تتشكل فيها هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية بين النظام والمعارضة ومجموعات أخرى حسب بيان «جنيف»، ومسؤولية تشكيل هيئة الحكم الانتقالي تقع على عاتق ممثلي الوفدين.
الهدف من القرار 2254 تحقيق الانتقال السياسي، ونطالب بهيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات التنفيذية، تُنشأ بيئة آمنة ومحايدة، يستطيع في ظلها أن يتحرك الشعب السوري بحرية وآمان ليشارك ببناء العملية الدستورية في المرحلة التالية، كما نطالب بعملية ذات مصداقية تمكّن الشعب السوري من انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية لصياغة مسودة الدستور، ثم انتخاب أعضاء البرلمان وإجراء الانتخابات الرئاسية تحت إشراف الأمم المتحدة وفق أعلى المعايير الدولية.
لذلك؛ في جولة «جنيف» المقبلة، فإن أي فكرة أو اقتراح، يؤدي بالانطلاق بهذه العملية سيكون شيئاً جيداً ومرحباً به، وبالمقابل فإننا لا نقبل أي عملية موازية أو معاكسة تحرف بيان «جنيف»، أو القرار 2254، أو تسيير تنفيذه باتجاهات غير متوافقة مع روحه.
> ما الضمانات بألا يخطف النظام من خلال ممثليه مطلبكم بتكوين هيئة حكم كاملة الصلاحيات؟
- أعتقد أنه لا يمكن القيام بعملية دستورية وانتخابية من دون جو انتقالي سليم، وهذا ما نقصده من المرحلة الانتقالية، وطبعاً فإن الجو الانتقالي السليم لا يمكن أن يكون ممثلاً بالشكل الحالي؛ لأن طبيعة الحكم والحكومة والجيش والأمن والقوانين الموجودة، غير حيادية، وكلها تخضع للنظام، وبالتالي فالحل لهذه المعضلة يكمن في تشكيل هيئة حكم انتقالي، وبهذه المناسبة فإنني أعتقد أن الذي كتب بيان «جنيف» فيما يتعلق بهذه النقطة تحديداً كان واضحاً وهو يريد أن يخلق هذا الجو الحيادي الملائم؛ لتكون «الهيئة» قادرة على تولي مرحلة الانتقال السياسي؛ ولذا فإن تشكيل هيئة الحكم الانتقالي وفق بيان جنيف تتكون من النظام والمعارضة، بمعنى أنها لو تشكلت «الهيئة» من النظام وحده أو المعارضة وحدها فلن تكون حيادية، لكن لا بد من ضمان عدم القبول في هذه «الهيئة» بالمجرمين الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد الشعب السوري.
> إلى أي حد خفتت الأصوات الإيرانية والميليشيات الحليفة لها في الاجتماعات الأخيرة، وهل كان لموسكو أو النظام السوري أي خريطة تصطحب معها أطماع طهران السياسية؟
- هناك أطراف عدة ليس لديها مصلحة في الوصول إلى الحل السياسي، وكانت دائماً تعرقل نجاح المفاوضات، سواء أكانت إنسانية أم عسكرية أم سياسية، ومن هذه الأطراف النظام وإيران والميليشيات الإرهابية التي تتبنى مشروع الفوضى وتعرقل الحل السياسي، وانخفاض صوت إيران اليوم لا يعني أنها غير موجودة في المشهد، خصوصاً أن هناك عدداً كبيراً من القوات الأجنبية، وفي مقدمتها الإيرانية تعتبر أكبر قوة موجودة الآن على الأرض تصطف إلى جانب النظام وتمارس انتهاكات في حق الشعب السوري. لذلك؛ وحسب رؤيتنا للحل السياسي يجب العمل على إخراج القوات الأجنبية كافة من سوريا، وبخاصة القوات الإيرانية، فطهران لديها مشروع توسعي طائفي في المنطقة وترتكب جرائم فظيعة بشعارات طائفية تؤدي إلى ردة فعل مضادة، ولا يمكن الخروج من هذه الحلقة إلا بتطهير سوريا منها.
> ما الرسالة التي تريد موسكو توصيلها من خلال زيادة التصعيد العسكري في سوريا في ظل صدور مخرجات «سوتشي»؟
- روسيا حتى هذه اللحظة تقف إلى جانب النظام، وتحاول أن تغطي الممارسات التي يقوم بها النظام وكان لديها محاولات وجهود من أجل الوصول إلى الحل السياسي الذي ينسجم مع ما يريده النظام، واليوم في زيارتنا وحوارنا مع روسيا نسعى ونتمنى أن يكون لموسكو دور محايد، يدعم فعلياً الحل السياسي، وهذا الحل من وجهة نظرنا يحقق مصالح الجميع. وروسيا بعد عامين ونصف العام تقريباً من تاريخ تدخلها في سوريا لم تتمكن من أن تحسم ملفاً واحداً، والأمور، لن تحسم بهذه الطريقة، وفي اعتقادي على موسكو أن تعيد النظر في خطواتها وتراجع حساباتها في التعامل مع الحل السياسي الذي يضمن الأمن والاستقرار للشعب السوري ويجمعهم في قواسم وطنية مشتركة معروفة لعشرات الآلاف من السنين، نستطيع من خلالها إعادة بناء الدولة، والحفاظ على مؤسساتها ومحاربة الإرهاب ومعاودة الدور الإقليمي والدولي لسوريا وبناء علاقات تخدم أمن واستقرار في المنطقة.
> إذا حاولت موسكو تغيير موقفها من النظام والاستماع لمطالبكم، هل يمكن الموافقة على طلبها لإطلاق الحل من «سوتشي»؟
- لأي قضية شكل ومضمون، ونحن بشكل خاص - ومع أهمية القضايا الشكلية - نركز على المضمون، وملتزمون بالحل السياسي الذي يحقق طموحات الشعب السوري والانتقال السياسي وفق المرجعيات الدولية وبرعاية الأمم المتحدة، بغض عن النظر عن المكان، وعلى أهمية ذلك يهمنا مضمون هذه المبادرات، رغم أننا نرتاح للحل في المكان المحايد المتمثل في مقرات الأمم المتحدة.
> ما الآثار المترتبة على الجدال الدائر بين أنقرة وواشنطن التي تسعى لتأسيس جيش على الحدود السورية التركية على الجولات التفاوضية للهيئة؟
- نحن ملتزمون بالحل السياسي؛ لأنه الحل الوحيد للكثير من المعضلات التي تواجه الثورة السورية، فمثلاً معالجة الإرهاب لا يمكن تحقيقها دون الحل السياسي، وسيبقى الإرهاب دائرة متولدة مستمرة متجددة، ولا يمكن تحقيق الاستقرار والأمن للمنطقة من دون الحل السياسي؛ لأن المصالح ستبقى متضاربة، وعقلية إدارة الأزمة مستمرة، ولا يمكن للشعب السوري أن يجتمع مع بعضه من جديد، من دون حل سياسي وعدالة انتقالية بتلبية حاجات كل الأطراف. واليوم عندما يتم تسليح ميليشيات لها هدف ذاتي، ومشروعها خارج الأجندة الوطنية السورية، في وقت تطول فيه الحرب ويتم التنازع حول مناطق متعددة في سوريا، فإن هذا ينذر بخطر تقسيم سوريا، فضلاً عن الابتعاد عن فرصة الحل السياسي. وبدلاً من رؤية الجهود الدولية تنصب على الحل السياسي في جنيف وحل المعضلات، نراها تنصب في دعم ميليشيات معينة لها أهدافها في مكان معين، وبالتالي فإن تكوين جيش أجنبي داخل الحدود يتنافى مع مبدأ الحل السياسي الذي نبحث عنه، ويهدد وحدة سوريا والتعايش السلمي بين أبنائها، وجميعنا يدرك حجم الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبها حزب الاتحاد الديمقراطي بحق الشعب السوري والممارسات القمعية التي يقوم بها في مناطق سيطرته على مختلف مكونات الشعب السوري بمن فيهم الإخوة الأكراد أنفسهم.
> إلى أي حد تسهم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في تحريك الملف السوري نحو مسار الحل السياسي؟
- نشاهد عودة حراك أميركي مع مجموعة دول من أجل إيجاد بعض الآليات التي تدفع العملية السياسية في «جنيف»، وطبعاً بالقدر الذي نرتاح فيه لمشاهدة هذا الحراك نكون قلقين وحذرين؛ وذلك لأن الوعود من الإدارة الأميركية السابقة لم تتحقق، بل انقلبت إلى واقع كرّس انعكاسات سلبية على المشهد السوري.
> رغم إعلان موسكو عن انسحاب من سوريا، فإن هناك تشكيكاً أميركياً في هذه الرواية... ماذا تقرأ في ذلك؟
- الإعلان الروسي عن الانسحاب، لا يعدو كونه رسالة سياسية، أكثر منها إنجازاً عملياً فعلياً على الأرض، الأثر الأساسي للتدخل الروسي كان واضحاً في منع سقوط نظام الأسد، وبالتالي خروج عملي كبير لروسيا من سوريا سيؤثر على التوازنات العسكرية على الأرض، ولن يكون في صالح النظام، وما حصل مجرد انسحاب جزئي للقوات الروسية وقواعدها العسكرية مستمرة في سوريا.
> صف لنا الواقع في الميدان حالياً؟
- هناك كرّ وفرّ لأن العملية العسكرية امتدت لـ7 أعوام في سوريا ورغم أن النظام ودول أخرى كانت تتحدث عن انتهاء الحرب خلال أشهر، فإن ذلك بقي محض وهم، ولن تنتهي الأزمة السورية إلا بالحل السياسي. النظام مستمر حتى اليوم في عرقلة العملية السياسية في «جنيف»، ويحاول أن يمعن في استخدام القوى العسكرية بكل أنواع الأسلحة بما فيها الكيماوية، وقبل يومين استخدم غاز السارين في الغوطة، إضافة إلى عشرات المرات التي استخدم فيها غاز الكلور بعد اتفاق سحب السلاح الكيماوي منه، هو يعول على الحل العسكري ويعطل الحل السياسي؛ ولذلك نشاهد عدم التزامه بتوقيف التصعيد في مناطق عدة، منها إدلب والغوطة، يعتمد على الحسم بالقمع الوحشي باستخدام الآلة العسكرية، وبادعاء محاربة الإرهاب، لقطع الطريق أمام الاستحقاقات السياسية، ولكن أؤكد أن المقاربة في هذه المسألة خاطئة تماماً، ولن تصل إلى نتيجة.
> ما تقييمك لدور الرياض في تحريك الملف السوري والدفع به نحو الحل السياسي، وهل تمارس أي ضغوط في توجيه عمل هيئة المفاوضات؟
- السعودية لعبت دوراً كبيراً جداً في الدفع بالملف السوري نحو الحل السياسي، فضلاً عن دعمها مطالب الشعب خلال الأعوام السبعة الماضية من خلال إقامتها مؤتمر الرياض الأخير الذي أثمر تشكيلاً واحداً لجميع قوى المعارضة والثورة السورية، في محاولة جادة وحثيثة ومسؤولة لرفع الذرائع أمام تقدم العملية التفاوضية في جنيف، فضلاً عن أن مجموعة الدول الخمس أصدرت ورقة قبل فترة تتعلق بتفعيل العملية السياسية، والورقة الآن في هيئة التفاوض يتم دراستها لبناء موقف منها، فالسعودية جزء مهم من الجهد الدولي الذي يسعى لتفعيل العملية السياسية في جنيف وإحداث توازن فيها، في ظل جهود لضم دول أخرى، إلى المجموعة مثل ألمانيا وتركيا ومصر، والسعودية تلعب دوراً كبيراً في إحداث هذا التوافق الدولي، وأحسن لحظة بالنسبة لنا عندما يتم جمع هذه القوى الإقليمية مع بعض وجمع المحاور مع بعض والنجاح في إيجاد الرؤية المشتركة، بجانب جذب الروس إلى الجسم الدولي، حينها أعتقد أن الزخم سيكون بدفع العملية السياسية كبيراً جداً، أضف إلى ذلك أن مقر «الهيئة السورية للمفاوضات» في المملكة وتمارس أعمالها بحرية تامة والرياض تحافظ على استقلالية القرار السوري.
> ما ملامح الجولة المقبلة؟
- لم يحدد حتى الآن موعد للجولة المقبلة في جنيف، غير أنها ستكون قريبة، ولنا لقاء مع المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا خلال الأيام القليلة المقبلة؛ لمناقشة تحضيرات الجولة المقبلة مع الأمم المتحدة، ومراجعة النقاط التي توصلنا إليها أو توقفنا عندها بالجولات الماضية، بهدف البحث والتفكير المشترك لدفع العملية السياسية.



بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.


«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين وفد «حماس» الذي وصل إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء، من أجل بحث المضي قدماً في تنفيذ وقف إطلاق النار المتعثر من قبل حرب إيران، وفق مصدر فلسطيني مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وبينما تطالب «حماس» بإنهاء المرحلة الأولى قبل البدء في نظيرتها الثانية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق كاملاً، تتمسك إسرائيل بـ«نزع السلاح»، فليس أمام الوسطاء سوى التحرك نحو سد الفجوات، وفق المصدر ذاته.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجولة الحالية من المحادثات تأتي بعد تباينات عديدة بشأن إطار ميلادينوف، وتعول فيها «حماس» على ضمانات واضحة، «وإلا فسنكون أمام مرحلة خطيرة تسعى لها إسرائيل لشن هجمات جديدة على القطاع تحت ذريعة نزع السلاح، وهو ما يتطلب تدخل الوسطاء بمقاربة وحلول وسط سريعاً».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

وقبيل انطلاق المحادثات أثيرت روايات بشأن محددات ومخرجات محتملة للمحادثات، لا سيما من إسرائيل الغائبة عن الاجتماع والمحادثات التي تتكرر للمرة الثانية خلال أسبوع بالقاهرة.

وأفادت قناة «كان» الإسرائيلية، الجمعة، بأن «حماس» تشترط لأي حديث عن السلاح إنهاء الاحتلال بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ورفع الحصار، رافضة الربط بين الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبين المطالب الأمنية الإسرائيلية والدولية.

وبالتزامن، نقلت وكالات عن مصدر قيادي في «حماس» قوله إن «الحركة ستعرض على الوسطاء قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، والتي تريد فيها إسرائيل و(مجلس السلام) نزع سلاح المقاومة في غزة، تنفيذ كامل البنود التي وردت في اتفاق المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات».

امرأة تجلس مع طفلين في حين يزحف رضيع بالقرب من خيمتهم بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور حسام الدجني، قال إن الفترة الماضية شهدت فجوة لا تزال كبيرة بين الرؤى الدولية ومطالب الفصائل الفلسطينية، والزيارة الحالية تأتي لردم الفجوة الكبيرة التي نتجت منذ تسليم ميلادينوف ورقته التي سُربت لوسائل الإعلام، مؤكداً أن «رؤيته تحقق رغبات تل أبيب بشكل كامل عبر ربط كافة الملفات بنزع السلاح، دون التطرق لأي مقاربة سياسية أو أفق للانسحاب الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «التحركات الفلسطينية الحالية تسعى لإيجاد حالة منطقية ومقبولة ضمن رؤية متكاملة تنسجم مع تطلعات السلام، دون جعل سلاح المقاومة شماعة لإفشال المبادرات، خاصة مع إصرار الجانب الإسرائيلي على اقتران تسليم السلاح بإنهاء الصراع دون مقابل سياسي حقيقي».

وشدد الدجني على ضرورة وضع رؤية متكاملة تربط حل معضلة السلاح بحل القضية الفلسطينية ككل، مع توفير ضمانات دولية لحماية الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول ببدء المرحلة الثانية دون تطبيق المرحلة الأولى، كما لا يمكن قبول صورة الانتصار التي ينشدها نتنياهو والمتمثلة في تسليم المقاومة سلاحها مقابل إعادة الإعمار فقط، فهذا طرح لا يمكن قبوله فلسطينياً».

وحول غياب إسرائيل عن هذه الاجتماعات، أكد الدجني أن إسرائيل «تغيب عن الصورة، لكنها موجودة في جوهر الأحداث، وواضح تأثيرها على إطار ميلادينوف الذي لا يحمل أي التزام جاد للانسحاب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن ما يُثار في الإعلام الإسرائيلي حول اجتماع ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» تحديداً، والحديث عن رفض الحركة لما طُرح، هو طرح غير صحيح، وهو جزء من إعلام إسرائيلي يجب الانتباه له وعدم الانسياق معه.

ويرى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قدّمت رؤية واضحة لتنفيذ خطة السلام بشكل سليم، وأبدت استعداداً للالتزام بما تم الاتفاق عليه، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالمرحلة الأولى، وهو ما يعرقل الانتقال إلى المراحل التالية، لافتاً إلى أن ميلادينوف لم يُقدّم أي خطة جديدة، بل طرح محاولات للالتفاف على جوهر «خطة السلام»، في إطار حالة من التهييج والتضليل الإعلامي.

فلسطينيون بجوار جثث ذويهم الذين قُتلوا خلال غارة جوية إسرائيلية شرق مخيم المغازي للاجئين (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الاجتماع دون موقف معلن من «حماس» سوى حديث الناطق باسم «القسام»، أبو عبيدة، الذي أكد قبل أيام أن «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحق شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال. وما لم يستطع العدو انتزاعه منا بالدبابات والإبادة، لن ينتزعه منا بالسياسة وعلى طاولة المفاوضات».

وحسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، فإنه حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة.

وفيما يخص إمكانية موافقة «حماس» على إطار نزع السلاح، أوضح الدجني أن الحركة قد توافق فقط في حال وجود رؤية سياسية واضحة، أما تسليم السلاح كمدخل للاستسلام فهو أمر مستبعد. وأضاف أنه «في قضية السلاح، لا قرار لـ(حماس) ولا لـ(فتح) ولا لأي فصيل بعينه، هذا قرار وطني يتحمل مسؤوليته الجميع؛ لأنه يخص أجيالاً قادمة وليس مرحلة تاريخية، والمقاومة المسلحة مشروعة بالقانون الدولي»، داعياً إلى «معالجة جذر المشكل المتمثل في الاحتلال هي السبيل الوحيدة للوصول إلى سلام عادل وشامل».

ويعتقد المدهون أن «حماس» ما زالت معنية بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الوسطاء، ودوراً عربياً أكثر لمنع أي تصعيد بهذه المرحلة الخطيرة، محذراً من أن أي عدوان على غزة في هذه المرحلة يُعد جريمة وتصعيداً خطيراً بحق شعب أعزل التزم بالتهدئة، وخاصة أن «حماس» فعلت ما عليها لتجنب استئناف الحرب.


حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended