أجواء تصعيدية بين باريس وأنقرة... وماكرون يسعى لاحتوائها

وزير خارجية تركيا يذكر بتاريخ فرنسا الاستعماري

أجواء تصعيدية بين باريس وأنقرة... وماكرون يسعى لاحتوائها
TT

أجواء تصعيدية بين باريس وأنقرة... وماكرون يسعى لاحتوائها

أجواء تصعيدية بين باريس وأنقرة... وماكرون يسعى لاحتوائها

احتدم الجدل بين باريس وأنقرة على خلفية التصريحات التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ووزير خارجيته جان إيف لودريان، يوم الثلاثاء، وفيها حذرا الجانب التركي من تحول العملية العسكرية التي أطلقها في العشرين من الشهر الماضي في منطقة عفرين إلى «غزو» أو «اجتياح» لأراض سورية.
وكما حصل في مناسبات سابقة، فقد رد المسؤولون الأتراك بحدة على باريس، وكالوا لها الاتهامات. وكان أعنفها ما صدر عن وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، أمس، إذ اعتبر أنه لا يحق لفرنسا ولا لأي دول أخرى، إعطاء بلاده دروساً بخصوص عملية «غصن الزيتون»، التي قال إنها «تستهدف التنظيمات الإرهابية في منطقة عفرين بريف محافظة حلب السورية». وأضاف أن أهداف «غصن الزيتون» معروفة وواضحة ويعلمها الجميع، وأن أنقرة زوّدت الأطراف كافة بالعملية وأهدافها قبل إطلاقها، وتابع: «قمت بتزويد وزير الخارجية الفرنسي بمعلومات عن أهداف عملية (غصن الزيتون)، وكذلك فعل الرئيس إردوغان في اتصال هاتفي مع ماكرون، لكن وللأسف فإن هذه التصريحات حول العملية، تُظهر سياسة ازدواجية المعايير لدى الأوروبيين، فعندما يتحدثون للعموم يقولون مثل هذه العبارات، وعندما يتحدثون إلينا يقولون إنكم محقون في هذه العملية».
ولم يكتف جاويش أوغلو بذلك بل عاد إلى تاريخ الاستعمار الفرنسي وإلى الصفحات السوداء فيه التي ما زالت عالقة بصورة باريس. وقال الوزير التركي في تصريحات صحافية أمس في أنقره وفق ما نقلت عنه وكالات: «نحن لسنا فرنسا التي اجتاحت الجزائر».
وكانت القوات الفرنسية قد اجتاحت الجزائر في عام 1832 وبقيت هناك حتى نهاية حرب الاستقلال في العام 1962، التي أسفرت عن مئات آلاف من القتلى الجزائريين. وبمناسبة أو من غير مناسبة، يعود الملف المذكور إلى واجهة الأحداث بين باريس والجزائر. وحتى تاريخه، لم تقدم باريس على تقديم «الاعتذار» الذي يطلبه الطرف الجزائري لقلب هذه الصفحة الدامية.
من جانبه، أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن الحديث عن الغزو «فكرة خاطئة تماماً»، وأن «العالم كله يعرف ويجب أن يعرف أن تركيا لا تتحرك ضمن منطق الغزو».
غير أن الرئيس الفرنسي سعى أمس من تونس إلى «احتواء» الجدل وخفض حدة التصعيد بإعلانه أن تصريحات الوزير التركي «طمأنته» وأن تركيا تريد فقط «توفير الأمن على الحدود ولن تذهب أبعد من المواقع التي تحتلها اليوم كما أنها لن تبقى لأجل طويل في المنطقة». وفي الوقت عينه، رفض ماكرون التراجع عن تصريحاته السابقة التي نشرتها صحيفة «لو فيغارو» في عدد أمس (الخميس)، والتي صبَّت الزيت على النار.
لم يكن لهذه الهجمات أن تمرَّ دون رد فرنسي جاء هذه المرة على لسان الناطقة باسم الخارجية الفرنسية التي عبرت مجدداً عن «قلق فرنسا من التدخل التركي في عفرين». وإلى جانب التخوفات الفرنسية من أهداف العملية التركية، فإن باريس أضافت إليها التبعات الإنسانية المترتبة عليها.
وجاء في المؤتمر الصحافي الإلكتروني للخارجية أمس أن العملية التركية و«إن كانت مبررة بسبب شواغل الأمن المشروعة لتركيا، إلا أنها لا تعني أن تزيد الوضع الإنساني وأوضاع المدنيين سوءاً». ولكن أهمية التنبيه لما يترتب على العمليات التركية أن باريس تضعه في السياق نفسه من التنديد بما يقوم به النظام السوري. وقد أدانت فرنسا عمليات القصف التي استهدفت في 29 يناير (كانون الثاني) مستشفى وسوقاً في مدينة سراقب وسوقاً أخرى في اليوم التالي في أريحا، إضافة إلى عمليات القصف اليومية في الغوطة الشرقية أو محافظة إدلب. واعتبرت باريس أن هذه العمليات التي «لا يمكن قبولها» تنتهك القانون الإنساني الدولي، داعيةً روسيا وإيران «الضامنتين لمسار آستانة وحليفتي النظام» إلى اتخاذ الإجراءات التي من شأنها وضع حد لعمليات القصف وإيصال المساعدات الإنسانية من غير عوائق.
بيد أن التصويب على تركيا تركز أيضاً على ملف احترام حقوق الإنسان في تركيا وعلى الانتهاكات التي يتعرض لها العاملون في إطار الجمعيات الناشطة في هذا الحقل. وهكذا، فإن باريس أعربت عن «قلقها العميق» بسبب قرار القضاء التركي إبقاء تانر كيليتش، رئيس الفرع التركي لمنظمة «العفو الدولية» قيد الاحتجاز بطلب من الادعاء رغم قرار قضائي من محكمة في إسطنبول بإخراجه من السجن. وكيليتش متهم وعشرة آخرون، بينهم عاملون اجتماعيون من ألمانيا والسويد، بالانتماء إلى «تنظيم إرهابي» (أي التابع لحركة فتح الله غولن)، وقد اعتقل هؤلاء في يونيو (حزيران) الماضي. والمهم في هذا الموضوع أن باريس تتكئ اليوم على هذا الملف للرد على ما تعتبره «نكراناً للجميل» من طرف أنقرة، باعتبار أن باريس كانت العاصمة الغربية الأولى التي فتحت أبوابها في 5 يناير أمام إردوغان منذ محاولة الانقلاب التي جرت ضده في 16 يوليو (تموز) من العام 2016، وما تبعها من عمليات قمع وحبس وتسريح في كل القطاعات العسكرية والمدنية.
ونبهت باريس أمس أنها «مستمرة بمتابعة محاكمة كيليتش والمدافعين الآخرين عن حقوق الإنسان عن قرب». كذلك دعت تركيا «مجدداً» إلى «احترام التزاماتها الأوروبية والدولية في مجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية».
وكان الرئيس الفرنسي قد تحدث إلى إردوغان عند لقائه به في قصر الإليزيه عن ملف حقوق الإنسان وتحديداً عن المجموعة قيد المحاكمة حالياً، بحسب ما أشارت إليه الخارجية أمس.
وتقول مصادر رسمية في باريس إن الجانب التركي كان يعول على فرنسا لمد يد العون له في المفاوضات الصعبة مع الاتحاد الأوروبي. لكن أمله خاب عندما صارحه ماكرون بأن دخول تركيا إلى الاتحاد أمر بالغ الصعوبة، عارضاً عليه بدل ذلك «اتفاق شراكة». وكان رد الرئيس التركي أن بلاده «لن تقف على أبواب أوروبا إلى الأبد». والحال أن المفاوضات بين الجانبين الأوروبي والتركي لم تنجح في الانتهاء من أي ملف من الملفات الـ36 التي يتعين التفاوض والاتفاق بشأنها. ولاكتمال الصورة، يتعين الإشارة إلى ملف خلافي إضافي يعود دورياً إلى الواجهة والخاص بالمذبحة الأرمنية على يد الأتراك بداية القرن الماضي.
وخلال حقل عشاء ليل الثلاثاء الماضي أقامته الجالية الأرمنية جرياً على عادتها كل عام، أعلن ماكرون عن عزمه إدراج «يوم لذكرى إبادة الأرمن» في عام 1915.
وكما حصل من توتر بين العاصمتين في عام 2001، عندما «أقرَّت» فرنسا رسمياً بأن ما حصل للأرمن بين العامين 1915 و1917 كان عملية إبادة جماعية، فإن قرار ماكرون من شأنه أن يدفع العلاقات مع تركيا إلى التصعيد.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.