صالون جنيف للساعات الفاخرة يزداد جمالاً وتوسعاً هذا العام

التحاق شركات جديدة به لأول مرة يُثريه ويُنعشه

الجناح الخاص بـ«جيجر لوكولتر» شهد عدة احتفاليات بساعتها الجديدة «بولاريس»
الجناح الخاص بـ«جيجر لوكولتر» شهد عدة احتفاليات بساعتها الجديدة «بولاريس»
TT

صالون جنيف للساعات الفاخرة يزداد جمالاً وتوسعاً هذا العام

الجناح الخاص بـ«جيجر لوكولتر» شهد عدة احتفاليات بساعتها الجديدة «بولاريس»
الجناح الخاص بـ«جيجر لوكولتر» شهد عدة احتفاليات بساعتها الجديدة «بولاريس»

كل ما فيه تغير وتحسن. من المكان الذي انفتح أكثر وأصبح التجول بين أرجائه أكثر سهولة إلى التحاق شركات ساعات جديدة به، مثل «هيرميس» و«زينيت» و«جيرار بيريغو» وغيرهم ممن هجروا معرض «بازل» إليه أو فقط طمعوا في المشاركة في الاثنين لتكون الاستفادة أكبر.
منذ أعوام وعالم الساعات يمر بوعكة يحاول التعافي منها بأي شكل. أحيانا يكابر أصحابه ويُنكرون وجود أي أزمة على أساس أن مبيعاتهم لم تتأثر. وأحيانا أخرى يتفننون في إصدار ابتكارات أقرب إلى الاختراعات بفنيتها وتقنياتها وتعقيداتها. هذا العام لم يختلف كثيرا عن الأعوام السابقة. فالمكابرة لا تزال حاضرة والرغبة في تقديم الجديدة أيضا قوية وإن كان الجنوح إلى الاختراعات تراجع إلى حد ما باستثناء قلة قليلة من الصناع المستقلين الذين لا يزالون يعتبرون أن قوتهم تكمن في إصدارات محدودة بتقنيات عالية.

التركيز كان هذا العالم في صالون الساعات الفاخرة لعام 2018 على الجودة عوض الكم. كانت هناك فنية واضحة مع تركيزهم على إرثهم، أو بالأحرى أيقوناتهم الناجحة وكأنها تعويذات يتفاءلون بها.. دار «كارتييه» مثلا عادت إلى ساعاتها الأيقونية «سانتوس» للرجل و«بانثر» للمرأة. فالأولى كانت أول ساعة يد تطرحها الدار ويشهدها عالم الساعات في بداية القرن العشرين عندما طلب الطيار سانتوس من صديقه كارتييه أن يُبدع له ساعة يضعها على معصمه وتسهل عليه قراءة الوقت وهو يقود طائرته. أما مجموعة «بانثير» فهي الأخرى تشهد نجاحات مستمرة وتطويرات عصرية تجعلها من الكلاسيكيات التي لا تستغني عنها لا الدار ولا المرأة الأنيقة. هذا العام طعمتها الدار بالأحجار الكريمة والكثير من الفنية لتخرج وكأنها تحفة.
- «بياجيه»
دار «بياجيه» بدورها ركزت على قديمها لتجدده. للمرأة عادت إلى مجموعة «بوسيشن» وللرجل إلى «التيبلانو» أكثر الساعات نحافة في العالم. هذه المرة أبدعت ساعة ميكانيكية بسُمك 2 ملم فقط. وبهذا تحقق رقمين قياسيين متوّجة بذلك احتفالات العيد الـ60 لمجموعتها الرمزية «التيبلانو». الأول سُجّل مع ألتيبلانو آلتيمات أوتوماتيك، الساعة ذاتية التدوير الأرفع في العالم مع سماكة تبلغ 4.30 مم، والثاني مع ألتيبلانو آلتيمات كونسيبت، الذي يُشكّل الساعة الميكانيكية يدوية التدوير الأرفع في العالم مع سماكة تبلغ 2 مم فقط. غني عن القول إنها تقنية فريدة من نوعها.
فلتوفير أعشار الملليمتر استلزمت استعمال أشابة فائقة المتانة والصلابة، أساسها من الكوبالت، ما يحول دون التواء الساعة على الرغم من رفعها الفائق. ويعتمد هذا الموديل على التوحيد التامّ بين الحركة والعناصر الخارجية، إذ إن العلبة هي في الوقت عينه الجزء الخارجي والصفيحة الرئيسية للحركة. كما أُعيدت صياغة وتصميم وتطوير كلّ أجزاء المعايرة مع عجلات تبلغ سماكتها فقط 0.12 مم (مقارنة مع سماكة 0.20 مم في الحركة التقليدية). سماكة كريستال الساعة تقلّصت أيضاً إلى حدّ 0.2 مم فقط مقارنة بـ1 مم في الساعة التقليدية.
- «فان كليف أند أربلز»
مثل «كارتييه» و«بياجيه» تتخصص «فان كليف أند أربلز» في الجواهر أولا والساعات ثانيا. هذا العام توجهت للمرأة بساعة تجمع التقنية العالية بشاعرية التصميم وفخامة المواد. تقول الدار إنها ساعة تُخول للمرأة أن تملك الكون كله بين يديها وتلفه حول معصمها. فساعة «بويتيك أسترونومي» (أي علم الفلك الشاعري) ترجمة أنثوية لحركة الكون والأفلاك. وتأتي بعد أربع سنوات على إطلاق ساعة «ميدنايت بلانيتاريوم، الذي لاقى ترحيبا كبيرا من قبل الرجل، وهو ما شجع الدار أن تعيده بنسخة خاصة بالنساء وبحركة أوتوماتيكية، تجسدت في ساعة ليدي آربلز بلانيتاريوم. ساعة يدور فيها عطارد حول ميناء الساعة خلال 88 يوماً، بينما يستغرق كوكب الزهرة 224 يوماً والأرض 365 يوماً للدوران حوله. كما تضم هذه القطعة ابتكاراً رئيسياً يدور فيه القمر حول الأرض خلال 29.5 يوماً ليكمّل رقصة الباليه التي تتجلّى على ميناء الساعة.
- «ريتشارد ميل»
من الأمور التي يعشقها صناع الساعات الدخول في تحديات مع أنفسهم ومفاجأتنا بإصدارات تغذي روح المغامرة بداخلهم. من «بانيراي» التي تعشق البحار والغوص في الأعماق إلى «روجيه ديبويه» و«ريتشارد ميل» وغيرها من دور الساعات التي أكدت هذا العام اهتمامها برياضة البولو، باعتبارها رياضة الرجل الأنيق والراقي. فقد تعاونت «ريتشارد ميل» مثلا مع لاعب البولو العالمي بابلو ماك دونا، لتكون النتيجة RM 53 - وساعة 01 التي تنبض بروح رياضية تكشف عن حركة توربيون مُعلقة يمكن رؤيتها من خلال الزجاجة المصنوعة من الكريستال السافيري المصفح ذي الطبقات المتعددة. استغرق صُنعها سنوات من البحوث والدراسات حتى تتوفر على ميزات مقاومة لأكثر الصدمات قوة وعُنفا. يقول ريتشارد ميل بأن «البولو رياضةٌ خطيرة، إذ من الطبيعي أن يتعرض لاعبوها إلى صدمات قوية، كونها تقتضي التماس بين اللاعبين ببعضهم بعضا» ويستدل على هذا بما تعرض له اللاعب بابلو من كسور خلال مسيرته المهنية. كان مهما بالنسبة لريتشارد ميل أن تكون الساعة مقاومة لكل أنواع الصدمات وفي الوقت ذاته «أن تأتي بحركة مرئية وواضحة للعيان».
لتحقيق هذه المعادلة تعاون مهندسو الشركة مع شركة ستيتلر المتخصصة في مجال صناعة السيارات لإنتاج زجاجة رقائقية مُصفحة تتشكل من صفيحتين من الكريستال السافيري تفصل بينهما طبقة رقيقة أو غشاء من البولي فينيل، وهو ما يشكل سابقةً في عالم صناعة الساعات. فقد يتشقق زجاج الساعة نتيجة ضربة مطرقة البولو لكن من غير الممكن أن يتحطم، مما يحفظ حركة الساعة وميكانيكية التوربيون.
- {آي دبليو سي شافهاوزن}
احتفالا بعامها الـ150، قدمت شركة «آي دبليو سي شافهاوزن»
مجموعة من أيقوناتها بصورة جديدة. من هذه الأيقونات نذكر «بورتوفيينو»، «بايلوت»، «دافنشي» و«بورتغيزي». بهذه المناسبة قال المدير التنفيذي للدار كريستوف غرينجر - هير «إنّ الروح الريادية لمؤسس الدار وسعيه الدائم إلى تحقيق التميّز الهندسي تركا تأثيرا عميقا على أي إصدار يخرج من معاملها... وحتّى يومنا هذا، تزاوج ساعاتنا بين الهندسة الدقيقة والتصميم الاستثنائي مع الحفاظ على سمات ورموز مهمة».
من السمات التي يقصدها كريستوفر غرينجر - هير قرصه الأبيض أو الأزرق الذي يخضع كما يشرح كريستيانكنوب، المدير الإبداعي للدار إلى عملية طويلة ومعقدة، تُطلى فيها هذه الأقراص بـ12 طبقة من الورنيش عالي الجودة، كما تُصقل بشكل مسطّح وتُلمّع بالفرشاة، قبل أن يتمّ دمغها مرّات عدّة. وبالفعل فإن اللافت أن الساعات ذات القرص الأبيض تتمتع بعقارب مزرقة، بينما تمتاز الإصدارات ذات القرص الأزرق بعقارب مطلية بالروديوم.
- «جيجر لوكولتر»
شركة «جيجر لوكولتر» هي الأخرى عادت إلى قديمها لتطوره وتُطعمه بلمسة رياضية ومعاصرة. فمجموعتها الجديدة «بولاريس» مستلهمة من الساعة ميموفوكس بولاريس التي تعود إلى عام 1968، مع تجديدات معاصرة تليق برجل اليوم، الذي تصفه الدار بأنه رجل أنيق منفتح على العالم وعلى تجارب الحياة.
هذه الساعة ستكون رفيقته في رحلاته حيث إنها أوتوماتيكية بثلاثة عقارب، كرونوغراف وكرونوغراف مع توقيت العالم، بالإضافة إلى طرازين يتميّزان بالطابع المُعتّق، وهما جيجر - لوكولتر بولاريس دايت، وجيجر - لوكولتر بولاريس ميموفوكس.
تتميز البنية الهندسية لميناء الساعة بمجموعة من التشطيبات والتزيينات على ثلاث دوائر مشتركة لها نفس المركز: المركز المستوحى من ميموفوكس بولاريس مع التزيين الشمسي، والتزيين المبرغل الشكل على الدائرة الخارجية، حيث الساعات والدقائق، وإنهاء أوبالين المتلألئ على الطوق الداخلي الدوار. على ميناء هذه المجموعة تم تثبيت شعار جيجر - لوكولتر والأرقام العربية وعلامات الساعات بينما جاءت العقارب كبيرة الحجم مُلِئَت بمادة سوبرلومينوفا لتوفير رؤية جيدة في الظلام. وفي موديلين آخرين تم تطبيق سوبرلومينوفا بلونٍ مختلف بلمسة التعتيق العريقة وهو لون الفانيليا في إشارة وتحيةٍ إلى ساعة ميموفوكس بولاريس الأصل التي احتوت على مادة التريتيوم على عقاربها في ذلك الوقت.
بالنسبة لهياكل أو أقفاص الساعة فهي جديدة بالكامل وتتميّز بأبعاد ونِسَبٍ مصممة بأسلوب رياضي محض، بفضل الجمع بين الصقل الخطي الناعم اليدوي على سطوحها والعروات الرفيعة التي تتمركز أسفل قفص الساعة، بالإضافة إلى الأطواق الدائرية.
- «أ.لانغة أند صونة»
بدورها أبدعت دار «أ.لانغة أند صونة» الساعة الأولى في العالم لقياس أجزاء الثواني التي تسمح بقياسات وقت نسبية متعددة الساعات. فالعقارب الإضافية لإيقاف الوقت على منظمات الدقائق والساعات تجعل من الممكن إيقاف وقت دورات السباق والزمن المرجعي للأحداث التي تدوم حتى 12 ساعة. تعود بداية القصة إلى 17 يوليو (تموز) 2016، حين حقق لاعب الترايثلون الألماني يان فرودينو رقما قياسيا عالميا جديدا لسباق الترايثلون للمسافات الطويلة. اجتاز خلال فترة مذهلة بلغت 7 ساعات، 35 دقيقة، و39 ثانية، مسابقات السباحة لمسافة 3.8 كيلومترا، ركوب الدراجة لمسافة 180كيلومترا، والجري لمسافة 42.2 كيلومترا. واحتاج متسابق المركز الثاني، جو سكيبر البريطاني، إلى 20 دقيقة و44 ثانية إضافية للوصول إلى خط النهاية. غني عن القول إن ساعة كرونوغراف ميكانيكية واحدة هي التي تمكّنت أن تسجّل الساعات والدقائق والثواني الزمنين اللذين حققهما الفائز والمنافس الثاني بدقة. هذه الساعة هي «تريبل سبليت» TRIPLE SPLIT من إيه. لانغيه أند صونه.
يُعد كرونوغراف أجزاء الثانية الوحيد في العالم الذي يمكنه قياس الأوقات المضافة والنسبية لفترة تصل إلى 12 ساعة، وفي الوقت نفسه، حطم الرقم القياسي للدار الذي سجلته ساعة «دابل سبليت» DOUBLE SPLIT، في عام 2004. مع عداد إيقاف الوقت للدقائق القافزة، وعداد إيقاف الوقت المستمر للساعات، تضرب ساعة «تريبل سبليت» الجديدة نطاق قياس وظيفة إيقاف الوقت بمقدار 24. وهذا يشمل الكثير من التطبيقات الأكثر تنوعا وإثارة للاهتمام: على سبيل المثال مقارنة الزمن الذي يحتاجه متنافسان في سباق الفورمولا 1 أو سباق ماراثون. ويمكنها أيضا تسجيل أوقات الأحداث التي تبدأ بالتعاقب، مثل مرحلتي الانطلاق والعودة لرحلة جوية طويلة المدى. تأتي الساعة بإصدار محدود بـ100 قطعة - وتتمتع بوظيفة الارتداد إلى الخلف(فلايباك) التي تنطوي على ثلاثة أزواج من العقارب أيضا. وهكذا، يمكن إعادة تعيين الكرونوغراف توقيت وإعادة تشغيله على الفور بضغط دافع الكرونوغراف السفلي حتى خلال إجراء القياس.


مقالات ذات صلة

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)
خاص النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

خاص صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

لا تزال المرأة ضحية معايير محددة للجمال تلعب فيها الإعلانات وأحياناً صناعة الترفيه والموضة دوراً محورياً يترك أثره في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول)…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة 6 نساء مؤثرات وفاعلات من بنات مدينة طنجة تميزن عن العارضات المحترفات بمصداقيتهن وقربهن من الواقع (نيو طنجير)

المصممة كنزة بناني تستعين بنساء طنجة المغربية لإعادة توجيه البوصلة

في لقطات تحاكي تكونيات اللوحات الاستشراقية، تظهر فيها المرأة عنصراً مركزياً في النسيجين الاجتماعي والثقافي بعيداً عن التصورات المفروضة أو المتخيلة

جميلة حلفيشي (لندن)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
TT

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)
كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

على ما يبدو فإن شهر سبتمبر (أيلول) المقبل سيكون حافلاً بالهدايا والمفاجآت الإبداعية؛ فحتى قبل أن يفيق عشاق الموضة من سكرة خبر تعاون جون غاليانو مع محلات «زارا» الشعبية لمدة عامين، وطرحه أول مجموعة في هذا الشهر، انتشر خبر عودة كريستوفر كاين مديراً إبداعياً لقسم الأزياء الجاهزة في دار «مالبوري» البريطانية، وتقديمه هو الآخر أول تشكيلة له، خلال أسبوع لندن المرتقب، في سبتمبر 2026.

كريستوفر كاين (غيتي)

غني عن القول إن الخبر استُقبل بحماسة كبيرة؛ إذ يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات. فآخر عرض لها كان في عام 2017.

ما يزيد من الحماس والترقب أن كريستوفر يتمتع بأسلوب جريء يميل إلى ألوان النيون الصارخة والتصاميم المتمردة، إضافة إلى اعتماده على مزج مواد وخامات متنوعة من الدانتيل إلى المطاط. في المقابل، تُعتبر «مالبوري» واحدة من دور الأزياء البريطانية العريقة التي تشتهر بتصميم الحقائب والمنتجات الجلدية أكثر. هذه المعادلة بين الفني المتمرِّد والكلاسيكي المعاصر من بين أكثر الأمور المثيرة في هذه العلاقة.

من هو كريستوفر كاين؟

وُلِد في عام 1982 باسكوتلندا، وتخرج في معهد «سانترال سانت مارتن» الشهير. نجح في شد الانتباه في حفل تخرجه؛ إذ قدَّم مجموعة مختلفة بتصاميمها الضيقة وألوانها المتضاربة. هذه المجموعة سلّطت الضوء عليه، وجعلت اسمه يتردد في أوساط الموضة بوصفه مصمماً واعداً.

كانت دوناتيلا فيرساتشي أكثر مَن انتبهت إلى موهبته، ودعمته بأن عبّدت له الطريق لصقل قدراته خلال أولى سنواته المهنية.

في عام 2006، أطلق علامته الخاصة بالتعاون مع شقيقته تامي، التي تولّت إدارة الجانب المالي والإبداعي معه. وسرعان ما رسَّخ مكانته، في وقت كانت فيه الموضة تحتفي بالاختلاف وبتنوع المدارس الإبداعية. في عام 2009، سلّمته دوناتيلا فيرساتي قيادة خط «فيرسيس»، الخط الأصغر والشبابي التابع لخط «فيرساتشي»، واستمر عمله معها إلى 2012.

من عرض كريستوفر كاين في عام 2009 (غيتي)

لكن رغم نجاحاته الفنية، لم يسلم من تبعات الأزمات الاقتصادية التي أودت بالعديد من المصممين المستقلين من أمثاله. في منتصف عام 2023، اضطر للإعلان عن إجراءات إغلاق علامته، وتعيين إداريين لتصفيتها. طوال هذه العملية، كان الأمل لا يزال يخامره بأن يجد مشترياً أو مستثمراً جديداً. لم يحصل هذا، ولم تعد العلامة إلى نشاطها الكامل، ما جعله يبقى بعيداً عن أضواء ساحة الموضة، باستثناء عودة مؤقتة في عام 2024، عبر تعاونه مع علامة «سيلف بورتريت». كان التعاون ناجحاً بكل المقاييس، حيث نفذت المجموعة بسرعة، إلا أنه لم يُترجم في تجربة ثانية.

«مالبوري»... فصل جديد

لهذا، فإن تعيينه في «مالبوري» مديراً إبداعياً، يمثل تحولاً استراتيجياً له وللدار على حد سواء. هو سيعود إلى منصات العرض العالمية وإلى دائرة الضوء مرة أخرى، بينما ستحصل «مالبوري» على فرصة لإحياء قسمها الخاص بالأزياء الجاهزة، بعد سبع سنوات تقريباً من الغياب.

من عرض دار «مالبوري» حين كانت في أوج قوتها في عام 2012 (غيتي)

تأسست الدار في منطقة سومرست، عام 1971، كشركة للمنتجات الجلدية، ولم تتحوَّل إلى مجال الأزياء إلا فيما بعد. لإنجاح هذه الخطوة، استعانت بمصممين، مثل ستيوارت فيفرز، وإيما هيل، وجون كوكا. رغم نجاحهم في ترسيخ هالة بريطانية عصرية على منتجاتها، فإن تأثيرات الأزمة الاقتصادية وجائحة «كورونا»، كانت أقوى من إمكاناتهم الإبداعية. فالمرأة لم تستعد رغبتها في اقتناء حقائب يد موسمية، كما لم تستعد الدار توازنها بالكامل. فـ«مالبوري» بنت سُمعتها ونجاحاتها التجارية على الإكسسوارات الجلدية أولاً والأزياء ثانياً. ففي التسعينات وبداية الألفية، طرحت حقائب يد ناجحة، مثل «روكسان» و«بايزووتر» و«أليكسا» وغيرها كان لها الفضل في إنعاشها وإبقائها في الصدارة، وهذا يعني أن على كريستوفر كاين أن يقدم حقائب لا تقل نجاحاً، من الناحية التجارية، حتى يسند قسم الأزياء الجاهزة ويرسّخ مكانته أكثر.


«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
TT

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية
لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم. فقد فتح متحف «فيكتوريا أند ألبرت» أبوابه لاحتفاء استثنائي هو الأول من نوعه في المملكة المتحدة، وهو مكرّس لها ولإرثها المتواصل. معرض بعنوان سكياباريللي: حين تتجلَّى الموضة لتصبح فناً (Schiaparelli: Fashion Becomes Art) لا يدخلك عالم إلسا وحدها، بل أيضاً عوالم أصدقائها سلفادور دالي وجان كوكتو وبابلو بيكاسو وغيرهم ممن تعاونت معهم.

لم تفقد الدار في أي مرحلة روحها الإبداعية المسكون بجنون الفن (سكياباريللي)

أثَّرت فيهم بقدر ما أثَّروا فيها، وأثبتت أنها كانت ندّاً لهم في مجالها. فرادتها تتمثل في أنها لم تتعامل مع الموضة كأزياء يجب أن تكون جميلة وأنيقة فحسب، بل أن تكون ذكية ومرحة تعبق بالفن أولاً وأخيراً. بهذا الجنوح نحو كل ما هو سريالي كانت كمَن يُعبِر عن فن يسري في دمها.

في مذكراتها تروي كيف أنها كانت ترى نفسها عادية لا تتمتع بجمال تُحسد عليه، وكيف كانت تأخذ بذور أزهار حديقة بيت العائلة وتزرعها في فمها وأنفها وأذنيها على أمل أن تتفتح كوردة. ما كانت تشعر بأن ما تفتقده من جمال كلاسيكي عوَّضت عنه بثقافة ورؤية فنية فذة. فتصميم الأزياء بالنسبة لها، وفق قولها «ليس مهنة، بل هو فن».

يتتبع المعرض قصة الدار من التأسيس إلى اليوم (سكياباريللي)

هذه الروح هي التي تسري في أرجاء معرض مليء بالتلاعبات البصرية، حيث يتحول حذاء إلى قبعة، وتتفرع عظام على سطح فستان، ويصبح قرص هاتف مرآة مدمجة وهلم جرا من التصاميم التي تتراوح بين الغرابة والإبداع.

تتنقل بين أرجاء المعرض في رحلةٍ آسرة تمتد من عشرينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. يروي فيها كل قسم فصلاً من قصتها كواحدة من بين أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ الموضة، كاشفاً عن إرث الدار منذ لحظاتها التأسيسية وصولاً إلى تجلّياتها الراهنة بقيادة المدير الإبداعي دانيال روزبيري. هذا الأخير جعل لقاء الماضي بالحاضر لعبته، بدليل حواره الإبداعي المتواصل بينه وبين المؤسسة.

كان الفن بالنسبة للمصممة جزء لا يتجزأ من الموضة (سكياباريللي)

يضم المعرض أكثر من 400 قطعة، تشمل 100 إطلالة و50 عملاً فنياً، إلى جانب الإكسسوارات، والمجوهرات، واللوحات، والصور، وقطع الأثاث، والعطور، والمواد الأرشيفية. من أبرز المعروضات: فستان «الهيكل العظمي» من عام 1938 - وهو النسخة الوحيدة المعروفة الباقية حتى اليوم، وجزء من المجموعة الدائمة لمتحف فيكتوريا وألبرت، إلى جانب فستان «الدموع» من العام نفسه، بالإضافة إلى القبعة الأيقونية التي تستحضر شكل حذاء مقلوب؛ وجميعها جاءت ثمرة تعاونها مع الفنان سلفادور دالي. كما يضم المعرض أعمالاً لفنانين كبار، من بينهم بابلو بيكاسو، جان كوكتو، مان راي، وإيلين آغار، فضلاً عن عدد من تصاميمها المخصّصة لعالمَي المسرح والسينما.

يرسخ المعرض صوتها كفنانة سريالية من الطراز الرفيع (سكياباريللي)

يُختتم المعرض بلمسة معاصرة آسرة، تتجلّى فيها إبداعات لدانيال روزبيري، تألَّقت بها نجمات عالميات مثل أريانا غراندي ودوا ليبا، في خاتمة درامية تشكل حواراً بصرياً بين إرث الدار ورؤيتها الراهنة.

في هذا السياق، صرَّح تريسترام هانت، مدير متحف فيكتوريا وألبرت: «يحتفي معرض (سكياباريللي: حين تتجلّى الموضة لتصبح فناً) بإحدى أكثر المصممات إبداعاً وجرأة في تاريخ الموضة. ويضمّ متحف فيكتوريا وألبرت واحدة من أكبر وأهم مجموعات الأزياء في العالم، إلى جانب أبرز مجموعة لقطع سكياباريللي في بريطانيا. إن التعاون الذي جمع الدار بعالم الفن وعوالم الأداء يجعل من الدار والمرأة التي كانت وراء تأسيسها موضوعاً مثالياً لمعرض استثنائي بهذا المستوى في متحف فيكتوريا وألبرت».

يخلق المصمم الحالي دانيال روزبيري في كل موسم حوارا إبداعيا مع إرثها (سكياباريللي)

كما قالت دلفين بيليني (Delphine Bellini)، الرئيسة التنفيذية لدار سكياباريللي: «لقد أعادت إلسا سكياباريللي، بخيالها الجريء ورؤيتها الراديكالية، رسم الحدود بين الموضة والفن. وهذا ما يحتفي به هذا المعرض: تأثيرها المتجدد من خلال تعاوناتها الأيقونية مع كبار فناني القرن العشرين، وبذلك المزج الريادي بين الإبداع وعالم الأعمال. وبفضل مجموعاته الاستثنائية، وخبرته العميقة في مجالي الموضة والتصميم، وتأثيره الثقافي الواسع، وقدرته على وصل التراث بالابتكار، يشكِّل متحف فيكتوريا وألبرت الإطار الأمثل لعرض إرثها، إلى جانب إبداعات دانيال روزبيري، التي تواصل حمل روحها السريالية قدماً، من خلال تصاميم نحتية جريئة في تكريم لرؤيتها الإبداعية وإعادة ابتكارها لقرنٍ جديد».

فنية الدار لم تخفت بل زاد وهجها في السنوات الأخيرة ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

في عام 1973 توفيت بعد 19 عاماً من اعتزالها، ودُفنت باللون الوردي، لونها المفضل الذي جعلته جزءاً من هويتها وهوية دار لم تنسَها. فمديرها الإبداعي الحالي روزبيري، لا يزال يرسم ملامحها. نجاحه في خلق الاستمرارية يكمن في أنه لم يُقدس إرث الماضي إلى حد التقيد به، بل يحاوره بلغة معاصرة وواقعية.


صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
TT

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

هذا العام، غُبن اليوم العالمي للمرأة إلى حد ما. لم يحظَ باحتفالات تليق بما تحققه من إنجازات، ولم تُفتح لها المنابر بما يكفي للتنديد بما تعانيه من نكسات والمطالبة بتصحيحها. فقد غطى التصعيد الأميركي الإيراني على نشرات الأخبار فتوارى الحدث خلف دخان حجب السماء وأعتم النهار.

لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك محاولات إيجابية، ولو خجولة، لإبقاء الشعلة النسوية متقدة طوال الشهر مع تسليط الضوء على قضايا قديمة عادت لتشتعل من تحت الرماد بعد أن خُيِل للجميع أنه قُضي عليها. والمقصود هنا تحديداً تلك النظرة التي لا تنفصل عن جسد المرأة وتضعها تحت ضغوطات شتى.

فمنذ قرون، وهذا الجسد ساحة تُسقِط عليها المجتمعات تصوراتها عن الجمال والهوية والرغبات. من التماثيل الحجرية إلى منصات عروض الأزياء ومناسبات السجاد الأحمر، ومن لوحات كبار الفنانين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تغيَر شكل «المرأة المثالية» مراراً، وفي كل مرة يترك أثراً عميقاً في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء.

الممثلة آن هاثاواي تلقي خطاباً في الأمم المتحدة في اليوم العالمي للمرأة (أ.ف.ب)

في القرن الواحد والعشرين، تؤكد حالة النجمة ديمي مور أن هذه الإشكاليات النسوية لا تزال قائمة، بعد أن ظهرت مؤخراً بمظهر غيَّر ملامحها ووزنها بشكل مقلق تلبية لإملاءات هوليوود والموضة. حالتها ليست منفردة، فهي تختصر الضغوطات الخارجية وحالات التنمر التي تتعرض لها المرأة عموماً، إلى جانب خوفها من الإقصاء.

علاوة على ذلك، أفاد استطلاع بريطاني تم إجراؤه على مجموعة من الفتيات حديثاً، أنهن يشعرن بأن المجتمع يحكم عليهن بناء على مظهرهن أكثر من قدراتهن وكفاءاتهن. هذا الإدراك المبكر يربط القيمة بالهيئة، ويجعل أي انحراف عن الشكل المرسوم من قبل جهات خارجية، سواء هوليوود أو الموضة أو وسائل الإعلام، مصدر قلق على الصحة النفسية والجسدية، لا سيما عندما تتحول إلى شبه إدمان. فالنجاح في الكثير من الأوساط لا يزال يرتبط بالجمال، وليس أدل على هذا من مظهر السياسيات الجمهوريات في حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بينما أصبح يعرف بوجه «مارا لا غو»: وجه مشدود، وابتسامة هوليوودية، وشعر أشقر، وماكياج واضح. كلما تقيَّدن بشروط جمال معيَن، ارتفعت فرصهن للحصول على مناصب مهمة.

أوبرا وينفري عانت لعقود طويلة من الوزن الزائد واعترفت أخيراً بأنها تدين برشاقتها للأدوية (أ.ب)

لكن هل هذه الصورة الجمالية جذابة فعلاً؟ سؤال صعب لأن الجمال في عين الناظر. لكن الخوف هنا لا يتعلق بالإجراءات التجميلية بل بالنحافة المفرطة، التي أصبحت سمة من سمات نجمات مثل أريانا غراندي، وديمي مور، وكيلي أوزبورن ومايلي سايروس وحتى أوبرا وينفري وغيرهن كثيرات. فمن لا يتذكر استماتة أوبرا وينفري لإنقاص وزنها بكل الوسائل. قهرت كل الصعاب التي مرَّت بها، لكن هاجس الرشاقة ظل يؤرقها لخمسة عقود تقريباً. ورغم أنها جرَّبت كل الحميات، لا تزال لحد اليوم تحارب من أجل الرشاقة. لهذا ليس غريباً أن يتوسَّع الأمر ليشمل المرأة العادية التي تتخذ من هؤلاء النجمات قدوة تحتذي بها.

نيكول كيدمان ونحافة واضحة في السنوات الأخيرة (سكياباريلي)

النجمة ديمي مور لها تجارب متكررة مع شكلها. سبق واعترفت بخضوعها لعدة إجراءات تجميلية شملت أجزاء مختلفة من جسدها بما في ذلك ركبتيها. المفارقة أن مور نفسها تحدّثت علناً عن معاناتها السابقة مع صورة الجسد، وكيف أن كل الإجراءات التي خضعت لها لم تمنحها سوى سعادة مؤقتة. خلال الترويج لفيلمها «ذي سابستانس» The Substance، الذي جسَّدت فيه شخصية نجمة تجري وراء الشباب الدائم، تحدثت عن تجربتها في التسعينيات، حين كانت نحافة المرأة معياراً أساسياً للنجاح. وروت كيف تحوَّل التدريب الرياضي الصارم خلال تصوير فيلم «A Few Good Men» إلى هوس، وكيف دخلت في علاقة غير صحية مع الطعام استمرت حتى انتهائها من فيلم G.I.Jane. لاحقاً تحدثت عن لحظة وعي دفعتها إلى التصالح مع ذاتها، وكيف أنها لم تعد تعيش علاقة «عدائية» مع جسدها، بل تركز على النوم والتأمل وكتابة يومياتها، وتتبنى نظاماً غذائياً متوازناً.

ديمي مور في واحدة من إطلالاتها الأخيرة بعد التجميل والتنحيف (رويترز)

غير أن هذا التصالح مع الذات لم يدم طويلاً بالنظر إلى صورها في كل من ميلانو وباريس حديثاً. كان مظهرها مثيراً بباروكة بقصة «كاري». كانت الإجراءات التجميلية مُوفَقة إلى حد كبير، وفق قول د. خيسوس أوليفاس مينايو، المدير السريري ومدير المعهد البرتغالي لـ«الليبيديما»: «عند مقارنة صورها الحديثة بصورها قبل عدة سنوات، يبرز مدى الشد في ملامح وجهها، بحيث يبدو خط الفك أكثر تحديداً، والجلد أكثر تماسكا، كما تبدو ملامح الوجه بشكل عام أكثر نحتاً وتناسقاً». لكنه يضيف أن «تقلبات الوزن وإنقاصه بشكل كبير يمكن أن تؤثر على الوجه. فعندما تنخفض دهونه، تبرز البنية العظمية، غير أنها في الوقت ذاته تسبب ترهل الجلد أو ظهور فراغات، خصوصاً حول الجزء السفلي من الوجه وخط الفك. وغالباً ما يبدأ المرضى في هذه المرحلة بالبحث عن علاجات تعيد دعم البنية وتشد الجلد».

إطلالة ديمي مور تظهر فيها بنحافة مفرطة (أ.ف.ب)

الخوارزميات ودورها

وبغض النظر عن وجه ديمي مور وجمالياته، فإن جسدها النحيل بعظامه البارزة، أكثر ما أثار القلق وأدَّى إلى فتح ملفات قديمة اعتقد الجميع أنها طُويت للأبد.

فبعد أكثر من عقد من المناداة بالتنوع الجسدي وتقنين ظهور عارضات «أنوركسيات» على منصات عروض الأزياء، وسنوات من انتشار عبارات مثل «إيجابية الجسد» و«التصالح مع الذات» منحت نساء كثيرات الشجاعة على الظهور بأجساد لا تنتمي إلى القالب النمطي السابق، عاد الضغط ليطفو على السطح مرة أخرى. السبب على ما يبدو توفر وانتشار حقن «الأوزمبيك» و«مونجارو» في أوساط النخبة، مما جعل الخيط بين استعمالها لأسباب صحية أو فقط للحصول على الرشاقة رفيع للغاية. مؤخراً بدأت تنتشر محتويات على تطبيقات الـ«تيك توك» و«الإنستغرام» تمجِّد الرشاقة، بعناوين مثل «ماذا آكل في يومي»، و«كيف أفقد وزني» ونصائح حول «التنظيف الغذائي» وما شابه من آخر الحميات. كل هذا مرفوق بصور لأجساد نجمات وشخصيات معروفة تتراوح بين الرشاقة والنحافة. فهن دائماً ورقة رابحة في كسب التفاعلات. من هذا المنظور، تم تداول صور ديمي مور بفستان أسود من دون أكتاف بشكل مُكثَّف حوَل الحديث من ترشيحها عن مسلسل «لاندمان» إلى نحافتها، وما إذا كانت تعاني من مشكلة صحية أو تستخدم أدوية لإنقاص الوزن.

كيلي أوزبورن أثارت مؤخرا موجة من القلق على صحتها بعد ظهورها بنحافة مفرطة (أ.ب)

أليكس لايت، مؤلفة كتاب «لستَ صورة (قبل): كيف تتصالحين مع جسدك أخيراً وإلى الأبد» You Are Not a Before Picture: How to Finally Make Peace with Your Body, for Good تقول إن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في المحتوى الذي يروِج لثقافة النحافة على الإنترنت. أحياناً بطرق غير مباشرة، تحت مسميات «العافية» و«الانضباط» و«الأهداف الصحية اللطيفة»، لكن النتيجة واحدة وهي إعادة إنتاج «فكرة أن الجسد مشروع للتحسين والتصليح». وتوضح لايت أن أحد أهم الأسباب في انتشار هذه الظاهرة، أن الخوارزميات لا تكافئ المحتوى المتزن والمتوازن، بينما تكافئ الصور الصادمة والدراماتيكية. هذه الخوارزميات تُفسر أيضاً سبب عودة بعض المؤثرين الذين بنوا شهرتهم على خطاب حب الذات، لعرض تجارب مرتبطة بخسارة الوزن. لكن السؤال الجوهري بالنسبة لأليكس لايت هو «من يستفيد من الترويج لهذه النحافة؟» الإجابة بالنسبة لها غالباً ليست الفرد، بل صناع حميات تدر عليهم المليارات من الدولارات.

مسؤولية الموضة

ورغم أنها لم تُشر بأصابع الاتهام لصناعة الموضة فإن هذا لا يستثنيها. في تصريح سابق للمصممة البريطانية ستيلا مكارثني حول هذا الموضوع قالت إنها تُحمِل الموضة جزءاً كبيراً من المسؤولية. وهي على حق لأن نظرة على تاريخ الموضة تُثبت أنها في كل حقبة ترسخ نموذجاً جمالياً نحيلاً داخل اللاوعي، من خلال صور الإعلانات وعروض الأزياء والحملات المصورة، بغض النظر عما تجره من نتائج كارثية.

تتحمل الموضة جزء كبير من المسؤولية في الترويج للنحافة (ديور+ فندي)

قوانين صارمة ولكن

في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي روَجت لمظهر «هيروين شيك» تظهر فيه العارضات بشكل «أنوريكسي» للغاية، الأمر الذي أثار قلقاً تداعى صداه في كل العالم في عام 2007 إثر وفاة إيزابيل كارو وهي عارضة أزياء فرنسية سابقة عن عمر يناهز 28 عاماً بسبب مرض فقدان الشهية. لم تكن إيزابيل حالة فردية إذ تعرضت عارضات أخريات إلى نفس المصير، بسبب ضغوطات تفرض عليهن فقدان أوزانهن بشكل مبالغ فيه.

بعد أن دقَّت الجهات الصحية نواقيس الخطر، وتسرَّب الخوف في النفوس من تأثيرات هذه الصور على صغار السن، حاول قطاع الموضة أن يُغيِر جلده ويحتضن الاختلاف. لكنه واجه مقاومة من قبل بعض المصممين، فتدخلت الحكومات على الخط، لتنص قوانين تُجرِم التعاون مع عارضات نحيفات بشكل مفرط أو صغيرات السن، وفرضت غرامات على وكالات الإعلان أو دور الأزياء في حال عدم التزامهم بهذا القانون، حسبما قالته وزيرة الصحة الفرنسية ماريسول تورين آنذاك. وقال الفرنسي أوليفييه فيران البرلماني الاشتراكي الذي صاغ التعديلين إن القانون سيفرض فحوصات منتظمة وغرامات مالية، وأضاف أنه سيتعيَن على العارضات تقديم شهادات طبية تظهر مؤشراً لكتلة الجسم لا يقل عن 18 - أو نحو 55 كيلوغراماً لطول قدره 1.75 متر - قبل التعاقد معهن. في عام 2017 أصبح لزاماً على العارضات الحصول على شهادة طبية إلزامية لمزاولة المهنة، في حين وقَّعت مجموعتا السلع الفاخرة «إل في إم إتش» و«كيرينغ» في العام نفسه وثيقة تلزم بإلغاء المقاس 32 كشرط للتقدم الاختبار الأداء للعارضات.

مع مرور الوقت تبيَّن أن معظمها مجرد إجراءات نظرية. فالمصممون يُفضلون ابتكار أزياء للأجسام الرفيعة والمقاييس الصبيانية. فكلما خلَّت هذه الأجساد من أي تضاريس أو منحنيات تُبرز جمال التصاميم أكثر. كما أن إنتاج وبيع الملابس بقياسات كبيرة إلى جانب أنه مكلف بالمقارنة، يتطلب مهارة أكبر ليأتي بالشكل المطلوب.

تعرضت المغنية أديل للتنمر بسبب وزنها الزائد في الماضي قبل أن تكتسب رشاقتها الحالية (غيتي)

حرب لاغرفيلد على البدانة

المصمم الراحل، كارل لاغرفيلد كان واحداً ممن أعلنوا الحرب على الوزن الزائد. عانى منه هو شخصياً لسنوات، قبل أن يتبع ريجيماً قاسياً قال إنه نبع من رغبته في ارتداء تصاميم هادي سليمان، مصمم دار «ديور» في القسم الرجالي، الذي طرح أول تشكيلة له في عام 2001، عبارة عن تصاميم رشيقة للغاية لا تناسب الرجل الممتلئ، فما البال بالسمين؟ كارل لاغرفيلد لم يكتفِ بهذا، بل استعمل كلمة «بدينة» لوصف المغنية أديل، مضيفاً أن كل من تنتقد رأيه أو لها رأي مخالف عن النحافة هي «امرأة كسولة ومتكاسلة».

صورة أرشيفية تعود إلى عام 2025 لديمي مور (إ.ب.أ)

المشكلة أنه حتى المرأة باتت مقتنعة بما تُمليه الموضة، مما جعل النيات الطيبة لفك ارتباط هذه الصناعة بالعارضات النحيفات ضعيفة، بدليل الصور التي باتت تطالعنا مؤخراً في عروض الأزياء وتُعزِزها صور نجمات هوليوود مثل ديمي مور ونيكول كيدمان وغيرهما.