دعم الديمقراطية والاقتصاد يهيمن على زيارة ماكرون إلى تونس

توقعات بتوقيع اتفاقيات اقتصادية وأمنية وثقافية وجامعية

السبسي لدى استقباله ماكرون عقب وصوله إلى تونس أمس (رويترز)
السبسي لدى استقباله ماكرون عقب وصوله إلى تونس أمس (رويترز)
TT

دعم الديمقراطية والاقتصاد يهيمن على زيارة ماكرون إلى تونس

السبسي لدى استقباله ماكرون عقب وصوله إلى تونس أمس (رويترز)
السبسي لدى استقباله ماكرون عقب وصوله إلى تونس أمس (رويترز)

بدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس، زيارة لدولة تونس تهدف إلى دعم «الانتقال الديمقراطي» في هذا البلد الذي يعاني صعوبات اقتصادية واجتماعية بعد سبع سنوات على ثورته.
ووصل ماكرون بعد الظهر إلى العاصمة تونس بعد أسبوعين على احتجاجات ومظاهرات تحوّل بعضها إلى أعمال شغب ليلية في الكثير من مدن البلاد. ومن المقرر أن يوقع خلال الزيارة سلسلة من الاتفاقيات في المجالات الاقتصادية والأمنية والثقافية والجامعية، وذلك في خضم اجتماعات مع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، ورئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد.
وأكد الشاهد في تصريحات لقناة «فرانس - 24»، أنه «على فرنسا أن تدعم الديمقراطية التونسية الفتية»، مضيفاً: «لا تولد ديمقراطية كل سنة على بعد ساعة (طيران) من فرنسا. نحن ديمقراطية حقيقية مع حرية صحافة وحرية تعبير، ولن تجدوا ذلك في كثير من الدول».
من جانبه، قال الرئيس الفرنسي في مقابلة مع صحيفة «لابراس» الحكومية التونسية، إنه سيعلن خلال زيارته «عن جهد إضافي في ثلاثة مجالات على الأقل، هي تقليص الفوارق الاجتماعية والجهوية وبطالة الشباب (...)، وزيادة الاستثمار في القطاعات الواعدة، ومنها الطاقات المتجددة والتكنولوجيات الجديدة».
ومع إشادته بـ«الإشارات الإيجابية» التي وجهتها الحكومة، اعتبر ماكرون أن «لدى الدولة التونسية إصلاحات يتعين أن تقوم بها حتى تصبح تونس وجهة أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية». ويرافق الرئيس الفرنسي في زيارة الدولة لتونس، التي تأتي بعد زيارتين للمغرب في يونيو (حزيران) 2017 والجزائر في ديسمبر (كانون الأول)، علاوة على زوجته بريجيت، الكثير من الوزراء، بينهم وزير الخارجية جان إيف لودريان، والتربية جان ميشال بلانكيه والكثير من رجال الأعمال، ضمنهم ستيفان ريشار (شركة اورنج) وكزافييه نيل (الياد).
وقالت الرئاسة الفرنسية، إنه تم توجيه نداء للشركات الفرنسية «للعودة للاستثمار المكثف في تونس». وأوردت صحيفة «الصباح» اليومية التونسية، أن «الحكومة التونسية تريد الاستفادة من الزيارة للتوصل إلى حل للدَين إزاء فرنسا»، وأعلنت أن قسماً من الدين بقيمة 30 مليون يورو سيتم تحويله إلى مشروعات استثمارية، لكن باريس لم تؤكد هذا المبلغ، كما أوردت وكالة الصحافة الفرنسية.
وتقول تونس: إن قيمة دينها العام إزاء باريس بلغ 2.380 مليار دينار (800 مليون يورو) في 31 ديسمبر 2016، وسيتم توقيع اتفاق من أجل تحسين التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، في حين لا تزال حالة الطوارئ قائمة في تونس منذ عامين، وكانت أعلنت في خضم اعتداءات شهدتها تونس خصوصاً في 2015.
لكن ماكرون يرغب في وضع زيارته تحت شعار التفاؤل.
وقالت الرئاسة الفرنسية: إن الزيارة تهدف إلى «دعم التجربة الديمقراطية التونسية، التجربة الانتقالية الوحيدة التي حققت نجاحاً منذ الربيع العربي» في 2011. وسيعبر ماكرون عن ذلك خصوصاً في كلمة أمام مجلس الشعب التونسي اليوم، ومن خلال لقاء مسؤولين من المجتمع المدني الناشط في البلاد. كما سيشارك مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد في المنتدى الاقتصادي التونسي - الفرنسي، الذي يعد لقاءً مهماً للأعمال تنظمه الغرفة التونسية - الفرنسية للتجارة والصناعة بالتعاون مع مستشاري التجارة الخارجية بفرنسا. إلى ذلك، من المتوقع أن يقوم ماكرون بزيارة إلى المتحف الوطني بباردو (غربي العاصمة التونسية) ويلتقي ممثلين عن المجتمع المدني. وكان ماكرون أكد خلال استقباله نظيره التونسي الباجي قائد السبسي (91 عاماً) في الإليزيه في ديسمبر الماضي، أن «العلاقة مع تونس لها أولوية»؛ لأن الروابط بين البلدين «استثنائية». لكن التونسيين ينتظرون مبادرات ملموسة من القوة الاستعمارية السابقة. وقال المحلل السياسي التونسي سليم خراط: إن التونسيين «لا يأملون بالكثير من وعود الدعم التي يقدمها المسؤولون الأجانب، ولا يصدقونها بالكامل»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية. وأضاف خراط: إنه «في عام 2011، وعدونا بخطة مارشال وبمساعدات استثنائية لم تصل أبداً. ومؤخراً، تمّ إطلاق الكثير من الوعود في إطار قمة تونس (للاستثمار) 2020، لكن نادراً ما تلي الوعود أشياء ملموسة».
بدوره، دعا رضا الشكندالي، الخبير الاقتصادي التونسي إلى عدم الإفراط في التفاؤل بشأن زيارة الرئيس الفرنسي إلى تونس، وأشار إلى الوعود الكثيرة التي قطعتها مجموعة من الدول والمنظمات المالية الدولية في منتدى الاستثمار «تونس 2020»، التي بقي الكثير منها حبراً على ورق.
ويشار إلى أن تونس تنتظر من ماكرون تنفيذ مقترحات طرحها خلال حملة الانتخابات الرئاسية، شملت العمل على إعادة جدولة الديون التونسية وتحفيز المؤسّسات الفرنسية على الاستثمار في تونس، إلى جانب تنظيم مؤتمر دولي حول ليبيا تكون فيه تونس شريكاً استراتيجياً؛ نظراً لحدودها ولعلاقاتها التاريخية مع ليبيا.
كما تنتظر تونس دعم ملفها التفاوضي مع الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاقية التبادل الحر الشامل الذي يشمل تحرير قطاعي الزراعة والخدمات، الذي سيمكّن الشركات الأوروبية من منافسة نظيرتها التونسية في مجالات حيوية بالنسبة للاقتصاد التونسي على غرار الإنتاج الفلاحي والقطاع الصحّي ومنظومة البنوك وقطاع الطاقة.
كما تعهد ماكرون بتقديم دعم فرنسي كبير لمبادرة دولية جديدة تسعى إلى إعادة مهاجرين أفارقة مستعبدين في ليبيا إلى بلدانهم، واقترح القيام بمبادرة أفريقية أوروبية مشتركة لمواجهة معضلة الاتجار بالبشر، وهي مبادرة لا تزال محل جدل بين دول الجوار الليبي.
وقبل الزيارة، كان ماكرون قد أكد التزام فرنسا بتوفير دعم مالي بمبلغ 1.2 مليار يورو على مدى خمس سنوات لفائدة مشروعات التنمية في تونس، كما يدعم خطة الاتحاد الأوروبي الذي يمنح تبرعات سنوية لفائدة تونس في حدود 300 مليون يورو. في المقابل، يطالب الحكومة التونسية بتنفيذ مجموعة من الإصلاحات حتى تصبح البيئة الاقتصادية التونسية جاذبة للاستثمارات الأجنبية، وتشمل مزيداً من الانفتاح في الاقتصاد التونسي ومكافحة الفساد والتهريب وتنظيم الاستثمار واستعادة التوازن المالي.
من جانبها، قالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، أمس: إنه يتعين «تسريع» الإصلاحات في تونس. وتعاني تونس صعوبات اقتصادية وتراجعاً للنمو سببه خصوصاً تراجع السياحة بعد اعتداءات في 2015، وحصلت في 2016 على خط قروض بقيمة 2.4 مليار يورو على أربع سنوات من صندوق النقد الدولي. وتعهدت سلطاتها في المقابل خفض العجز العام وتنفيذ إصلاحات اقتصادية.
وقالت لاغارد لقناة «فرانس - 24»: إنه «يجب أن نعرف أننا في مرحلة انتقال، حيث يتعين أن تتسارع الإصلاحات (...) لتوفير إطار لاقتصاد مستقر يطمئن المستثمرين، وحيث يكون بإمكان الشركات أن تعود للاستثمار، وحيث تصبح الشركات على استعداد مجدداً لإحداث فرص عمل». وأضافت: «يجب اتخاذ ما يكفي من الإجراءات لحماية الفئات الأشد فقراً (...) لكن في الوقت ذاته يجب أن نفهم أنه في بعض الميادين لا بد من دفع الضرائب (...)، ويتعين المرور تدريجاً من نظام التعويضات للجميع إلى نظام يهدف إلى دعم الفئات الأشد حاجة».



العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.


ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.