أورسولا غوين... سيدة الفانتازيا الأدبية

خلّفت 20 رواية تُرجمت إلى أكثر من 40 لغة

أورسولا غوين
أورسولا غوين
TT

أورسولا غوين... سيدة الفانتازيا الأدبية

أورسولا غوين
أورسولا غوين

لم يرتقِ أحدٌ بفن كتابة الفانتازيا الأدبيّة في الغرب كما فعلت الروائيّة الأميركيّة أورسولا غوين (1929 – 2018). السيّدة التي رحلت الأسبوع الماضي عن عالم رفضت دوماً قبوله على حاله، تحدّته بالخيال والكلمات التي صنعت منها صلصالاً لخلق فضاءات أخرى بألوان وأشكال نحتتها في عشرين رواية ومائة وعشرين قصّة قصيرة خلال خمسين عاماً أطلّت في كل منها من علٍ على واقعنا وأَرْتنا أن مأساتنا التي نعيش ليست بالضرورة قدراً محتماً.
قبلها كانت الفانتازيا وكتابات الخيال العلمي فضاء يهرب إليه الخائبون من الواقع، فأعادت غوين صياغته ليصير مخبر تجارب فكريّة تستكشف فيه وعود غدٍ أفضل للبشر. الفانتازيا عندها ميدان مواجهة وجدل ورفض لنظام الأشياء، فلم تتأخر يوماً في كتاباتها ونشاطها السياسي كما حضورها الاجتماعي المحبب في الأجواء الثقافيّة عن انتقاده وتحديه، كما لو أنها كارل ماركس روائياً: لا تكتفي بفهم العالم، بل تريد تغييره.
عندما قدّمت غوين نصوصها الأولى بدت غريبة عن صنعة طالما قامت على شخصيّات رجال غاضبين، ومعدات تدمير فضائيّة، وصراعات قاسيّة للسيطرة وتأسيس هيمنة إمبراطوريّات كونيّة من خلال إلغاء الآخرين. لكن أسلوبها المصقول، وخيالها الاستثنائي، وشجاعتها الأدبيّة، قلبت تلك الصنعة رأساً على عقب، وأعادت لها توازنها الذي حرمتها منه البطريركيات الاجتماعيّة، وأعطتها عمق الفكر لتتأهل أدباً معترفاً به. رغم ذلك كان يحزنها وصفها بسيدة أدب الخيال العلمي، وتصرّ على تعريف ذاتها الأدبيّة بأنها روائيّة وشاعرة أميركيّة، محذرةً الجميع من سجنها داخل صناديق صغيرة، «لأنها ستمد مخالبها من تلك الصناديق في كل الاتجاهات».
الحقيقة أنها كسبت شهرتها في عالم الأدب من وراء روايات الفانتازيا، فبيعت منها ملايين النسخ واقتبست أعمالاً سينمائيّة وتلفزيونيّة –وإن لم ترضَ عنها أبداً- وتُرجمت إلى أكثر من 40 لغة ما زال معظمها قيد الطّبع بعد أكثر من خمسين عاماً على ظهورها الأوّل، واعتمدت كآداب تدرّس في المدارس ونماذج أيقونيّة للنوع الأدبي ودراسات اليوتوبيا والجندر في الجامعات الأميركيّة. لكنّها كانت أيضاً تنسج القصائد وتدبّج المقالات وتكتب الحكايا للأطفال، وقد أبدعت ترجمات بذائقة فائقة الحساسيّة لكتاب (التاو)، وقصائد التشيليّة غابرييلا ميسترال، حائزة «نوبل للأدب» 1945. إضافة إلى وضعها دليلاً لإرشاد الكتّاب، واحتفظت بوجود دائم على الإنترنت من خلال مدونتها التي سجلّت فيها أفكارها اليوميّة إلى وقت قريب.
أشهر رواياتها ربما تكون «المحرومون» يوتوبيا ملتبسة (The Dispossessed: An Ambiguous Utopia - 1974)، وثلاثيّة ساحر إيرثسي (The Wizard of Earthsea - 1969) التي لحقتها خمسة أو ستة أجزاء فيما بعد. لكن أغلب النقاد يُجمعون على أن أهمها على الإطلاق كانت «يد الظلام اليسرى» (The left hand of Darkness - 1969) التي حصلت على اهتمام أكاديمي غير مسبوق، وتحولت إلى نموذج كلاسيكي يدرّس في الجامعات سواء كنص أدبي نسوي أو كفانتازيا خيال علمي تذهب بعيداً من تسلية القراء إلى حفزهم للتفكير. وبالفعل فقد كانت تقول: «فقط عندما تلمع الأفكار في العقول، تُفتح عيوننا كي نرى».
فازت سيّدة الفانتازيا الأولى بثلاثيّة جوائز الخيال العلمي الأرفع «هوغو» و«نيبولا» –وهي المرة الوحيدة في تاريخ الجائزئتين أنْ مُنحتا لذات العمل- إضافة إلى جائزة «لوكَس»، وعشرات التكريمات الأخرى. كما منحتها مكتبة الكونغرس لقب «أسطورة حيّة» في فئة الأدب تقديراً لمساهماتها في الثقافة الأميركية، لكن كهنة أكاديميّة نوبل تجنبوا تشريفها لجائزتهم، ربما لأنها كانت صوتاً لا يفتر عن انتقاد الرأسماليّة وأدوات الهيمنة ومعابد البطريركيّة التقليديّة. لم يعْنها هذا بشيء، فهي السيدة التي ارتدت نصوصُها ثوبَ الاكتفاء المطلق والحرية المطلقة في التحليق من دون انتظار الثناء الذي يؤرق الكاتبين عادة. وبعكس أغلب الكتّاب المعاصرين الذين يبنون مجدهم في ظل تجار الكتب، فإن غوين كانت تدعم المكتبات العامة، وتدعو اليافعين والأطفال لزيارة عوالمها الخياليّة الفّذة باستعارتها من مكتبات مدارسهم، وبقيت حتى آخر أيّامها أهم منتقدي تأثيرات الشركات المعولمة كـ«أمازون» و«غوغل» على شكل الثقافة وحقوق المبدعين لا سيّما المختلفين منهم عن الأنماط والسرديّات السائدة.
نصوصها الروائيّة كأنها خيالٌ متفجرٌ. كلمات تمتلك قدرة عجائبية على إعادة تشكيل تصورات القارئ عن شروط وجوده في هذا العالم، فتكسر له المألوف من الأحوال، وتتحداه ليرتقي فيرى الأشياء الممكنة الأخرى. عوالمها انشغال بفهم معنى الهويّات الإنسانيّة، ولعبٌ جليل بالتشكيلات المجتمعيّة والأدوار الجندريّة وعلاقات القّوة، للنظر في ترتيبات عيش مغايرة تليق بالنّوع البشري. سؤالها الدائم في كل ما كتبت –كما تقول عنها مارغريت أتوود في «ذي غارديان»: «أيُّ عالم ذلك الذي تريدون العيش فيه؟»، إذ إن غوين تَعِدنا -من دون أن يرتعش لها جفن- بأننا يمكن أن نرى ما نريد. وصْفَتُها للثورة: «لا دماء، بل سيادة العقل والتضامن والتضحية». خيارها الشخصي ساطع وصريح: «جنّة اشتراكيّة فيها مساواة جندريّة، وثراء عرقي وعدالة اجتماعيّة وحكم محلّي ذاتي». لكنّ ذلك لم يكن ممكناً في حياتها، بل واقتصّت منها الأقدار بأن عاشت آخر أيّامها في أزمان ترمبيّة حالكة.
رغم صرامتها الأخلاقيّة وتمردها الفكري على الحاضر، فإن لغتها ونبرة جملها المكتوبة تحترم عقل قارئها، فلا خطابة من مكان عالٍ، ولا تنازل عن المعنى، بل نثر ساحر يأخذ بلباب العقل فيلحق به مختاراً طائعاً ناسياً أنّه يتهادى في دنيا الخيال فيبصر فضاءً موازياً لم يك يدرك قبلها أنه -إن أراد- موجود. كتابتها كنظارة ترتديها بقرب عقلك وأمام شبابيك روحك بعد عمر من قصر النظر، فتُفاجأ بشكل العالم: أبدع وأصفى وأصدق، حتى الظلام فيه أكثر وضوحاً، ثم تنسى أمر النظارات، ويصير إحساسك بالوجود كله كمولود للتوّ. وعلى غير ما تجري العادة عند مصادفة نجومك في الحياة، إذ تتساقط عنهم طبقة طلاء الذّهب ويبهتون –حسب الفرنسي فلوبير– فإن الأدباء الذين قابلوها وصفوا حضورها الشخصي بأنّه ساحر مفعم بالحنوّ والحب كما أسطرها، حتى لا تكاد تعرف إن كانت امرأة تسكنها القصائد والأفكار، أم قصائد وأفكار اتخذت شكل امرأة كي يراها الفنانون.
خيال غوين ليس أدباً بالمعنى التقليدي للكلمة. فرغم المركبات الفضائيّة والتنانين وأشكال الحياة المتنوعة التي تعتادها في رواياتها، فهي تكتب بحرفيّة عالم أنثروبولوجيا أوفدته الأرض سفيراً مفوضاً إلى كواكب مأهولة أخرى بحثاً عن معانٍ مغايرة للوجود، فتكتب لتسجّل وتحلل، وتصف وتفكك وتربط وتقارن ثم تعود لتروي رأي العين. ولا غرابة، فوالداها كانا أستاذَي أنثروبولوجيا جامعيَّين وقد تخصصا في دراسة ما تبقى من المجتمعات الأميركية أصحاب البلاد الأصليين بعد غزو الرجل الأبيَض المعجون بالموت، ولا بد أنها تشربت شيئاً من أحاديثهما ورحلاتهما العديدة، وغرقت لليالٍ طويلة تقرأ في كتاب «الغصن الذهبي» لجيمس فريزر، أحد أهم كتب الأنثروبولوجيا عن المجتمعات القديمة، واحتفظت باطّلاع دقيق على تطورات العلوم الاجتماعيّة جلّها.
تركت غوين بصمة لا تُنكر على الثقافة الشعبيّة الأميركيّة، وأثّرت أعمالها في أجيال متتابعة من كتّاب الفانتازيا الذين صاروا أعلام الصّنعة المعاصرين أمثال: نيل غايمان، ومارغريت آتوود، وتشاينا ميلفيل، ولا شك أن سلسلة «حرب النجوم» استعارت منها الكثير. وقد أبدعت شخصيّة الولد الساحر الذي يذهب إلى مدرسة عجيبة عندما كانت جي كي رولينغ لا تزال طفلة غرّة وقبل ولادة «هاري بوتر» بثلاثة عقود. وعلى الرّغم من جمعها ملايين الجنيهات بإعادة كتابة فكرة غوين في أجواء إنجليزية، فإن رولينغ استبعدت تأثير سيّدة الفانتازيا على عملها، وهو أمر أثار حزن غوين العميق، لكّنه لم يقنع النّقاد الأدبيين أبداً.
درست الأدب الرومانسي في جامعات أميركيّة قبل فوزها ببعثة (فولبرايت) أوفدتها إلى باريس، فتعمقت في الأدبين الفرنسي والإيطالي اللذين يغصان بحضور النساء، مقارنةً بهمجيّة نظرة المجتمع الأميركي إليهن -أقله حينذاك- فعادت من هناك بصوت جديد. هي كانت من أشد منتقدي حرب فيتنام، والمنظومة الرأسماليّة التي تحكمت بأميركا والعالم وتدّمر البيئة وتسمم العقول، وزارها الشبان الأناركييون بحثاً عن الإلهام. ربما كانت غوين أناركيّة بمعنى ما. لكن الأناركيّة عندها ليست فوضى أو عقيدة بقدر ما هي طريقة أخرى لرؤية العالم، ومدرسة لإطلاق أعنّة الخيال. ولعل أشهر جملة نُقلت عنها «أيُّ هيمنة بشريّة يمكن مقاومتها وإسقاطها بالإرادة. المقاومة والتغيير تبدأ عادةً من الفن. وتحديداً من هنا –من فن الكلمات».
في باريس التقت بحب حياتها، المؤرخ تشارلز غوين، فحملت اسمه، وبقيا معاً حتى أخذها الموت منه. عاد الزوجان إلى الولايات المتحدة لاحقاً، وتخلّت عن دراسات أكاديميّة عليا لترعى أولادها، بينما التحق زوجها بجامعة بورتلاند ليدرّس التاريخ. عند غوين الحُبّ ليس إناء فاتناً يسكن زاوية الغرفة بل هو خبز يُعجَن كل يوم ليبقى طازجاً أبداً.
عندما توقف قلب هذه الجميلة النبيلة عن الخفقان في يوم بارد من أيام يناير (كانون الثاني) اللئيم هذا، بكتها الأحلام والحالمون، وتراجعت التنانين، ووقف لها الأكاديميون الجادون مع الهاكرز المهووسين تبجيلاً، بينما كانت عوالم أخرى ممكنة تستمر بالبقاء من أجلها رغم غصّة الفقد. كل ما كانت تخشاه أن ينساها العالم بسرعة –لأنه كوكب همجي ما زال يئدُ ذكرى الكاتبات الإناث- لكن هذا العالم الذي خيّب توقعاتها دوماً، سيقترف تخييبها لمرة أخيرة بعد، ويسطر اسمها في سِفر الخالدين.



مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
TT

مقاهي جدة التاريخية في رمضان… حين يصبح المساء طقساً اجتماعياً

مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)
مقاهي جدة التاريخية تستقطب السياح ليستمتعوا بالقهوة وأصالة المكان (الشرق الأوسط)

في جدة التاريخية، يبدأ المساء متأخراً في رمضان. بعد الإفطار وصلاة التراويح تتبدل ملامح الأزقة القديمة؛ تفتح المقاهي أبوابها على إيقاع مختلف، وتتحول الجلسات إلى محطات لقاء لا يقصدها الزوار بحثاً عن القهوة فقط، بل عن تجربة كاملة يعيشون فيها تفاصيل المكان. بين برحة نصيف وشارع الذهب، تتشكل اليوم هوية جديدة لمقاهي «البلد»، حيث يلتقي الجيل الجديد بتاريخ المدينة، في محاولة لإعادة تعريف المقهى داخل فضاء تراثي عمره قرون.

«ميناء»... حين يصبح المقهى نقطة انطلاق

خلف بيت نصيف مباشرة، اختار مقهى ميناء أن يكون جزءاً من التحول الذي تشهده المنطقة، لا مجرد مشروع جديد داخلها. المقهى يصفه مالكه محمد جوجو بأنه محاولة للمشاركة في صناعة التغيير نفسه، عبر تقديم القهوة المختصة ضمن قراءة معاصرة للمكان، تحافظ على التاريخ دون أن تمسّه.

مقهى ميناء نقطة التقاء وانطلاق لاكتشاف أزقة جدة التاريخية (الشرق الأوسط)

يقول جوجو لـ«الشرق الأوسط» إن الفكرة لم تكن إنشاء مقهى فقط، بل إعادة صياغة مفهوم المقهى والمحمصة داخل بيئة تاريخية، بحيث يلتقي الزمن الماضي بالحاضر في تجربة واحدة. فالمكان معاصر بطبيعته، لكنه يعيش داخل تاريخ طويل يجب احترامه لا استبداله. فاختيار الموقع جاء نتيجة علاقة شخصية مع جدة التاريخية؛ إذ أمضى جوجو عاماً كاملاً في دراسة الهندسة الإسلامية، والحرف التقليدية في البلد، متتبعاً تفاصيل الرواشين، والنجارة، والخزف، والجبس، قبل أن يقرر أن يبدأ مشروعه من هنا تحديداً.

يقول جوجو: «أصل جدة هو البلد»، معتبراً أن تأسيس المشروع في هذا الموقع منحه جذوراً حقيقية قبل التفكير في أي توسع لاحق. ولا يركّز ميناء على المنتج وحده، بل على التجربة الكاملة. فالقهوة المختصة -خاصة البن اليمني- تكتسب معنى إضافياً بوجود المقهى في حارة اليمن، بينما تتحول الخدمة والتواصل مع الزوار إلى جزء أساسي من هوية المكان.

«نحن لا نبيع قهوة فقط، بل نبيع تجربة»، يوضح جوجو، مشيراً إلى أن الزوار يقصدون جدة التاريخية لا للشراء السريع، بل للعيش داخل المكان. ومن هنا جاء اسم «ميناء»؛ نقطة ترسو عندها الرحلات قبل أن تنطلق من جديد. كثير من الزوار يبدأون جولتهم من المقهى، ثم يعودون إليه طلباً لتوجيهات جديدة لاكتشاف بقية الأزقة والمعالم، ليصبح المكان محطة تجمع تنطلق منها تجربة البلد كاملة.

ويمتد ارتباط المقهى بالمنطقة إلى التعاون مع حرفيين محليين شاركوا في تصميم عناصر المكان، من الإضاءة المصنوعة يدوياً إلى البلاطات والزخارف، في محاولة لخلق علاقة حقيقية بين المشروع والبيئة الحرفية المحيطة به. وخلال رمضان، يتجه المقهى إلى تطوير منتجات مستوحاة من الهوية المحلية، مثل الآيس كريم بنكهات عربية، ومشروبات مرتبطة بالمذاق الرمضاني، في استمرار لفكرة المزج بين التجربة المعاصرة وروح المكان التاريخي.

زوار جدة التاريخية يتجمعون في المقاهي بعد صلاة التراويح (الشرق الأوسط)

رمضان... موسم المقاهي الأكبر

يرى القائمون على المقاهي في المنطقة أن رمضان يمثل الذروة الحقيقية لحضور جدة التاريخية، إذ تتحول الأزقة إلى فضاء اجتماعي مفتوح يستقبل ملايين الزوار، معظمهم من داخل المملكة، يبحثون عن تجربة مختلفة لليالي الشهر الفضيل. وعلى شارع الذهب، أحد أكثر شوارع البلد حركة، افتُتح مقهى ميغوستا، وكانت انطلاقته الفعلية في منتصف شهر رمضان الماضي. ويقدم المقهى، المصمم بأسلوب ريفي بسيط داخل بيئة تاريخية، القهوة والمشروبات الحديثة، مع جلسات داخلية وخارجية تستوعب الزوار خلال جولتهم الليلية. يؤكد مالكه بسام ياسر أن رمضان يشكل موسماً رئيساً للسياحة المحلية، حيث يبحث الزوار عن أماكن تمنحهم تجربة المكان بقدر ما تقدّم لهم المشروبات، ما يدفع المقاهي إلى إضافة منتجات موسمية، ونكهات مرتبطة بالشهر الفضيل.

ومن أمام بيت نصيف مباشرة، يواصل مقهى هولا لوبز حضوره في جدة التاريخية حيث اختار مالكه أحمد أبو طه الموقع انطلاقاً من قناعته بأن البلد تمثل البيئة الأصدق لخلق تجربة تجمع بين التاريخ والحياة المعاصرة.

مقاهي جدة التاريخية تستعد لاستقبال زوارها مساءً في رمضان (الشرق الأوسط)

في رمضان، تتغير هوية المقهى بإضافة منتجات مستوحاة من تاريخ جدة تُقدَّم بنكهات حديثة تمنح الزوار تجربة متجددة دون الابتعاد عن روح المكان. ويبحث رواد المقاهي عن الأجواء الشعبية، والنكهات المرتبطة بالذاكرة، إلى جانب أسلوب الترحيب الذي يعكس طريقة استقبال أهل جدة قديماً.

وتتمثل الطقوس اليومية في تزيين المكان، واستقبال الزوار بطريقة تمنحهم شعور المشاركة في أجواء الشهر، مع الحفاظ على الطابع التاريخي عبر تطوير المنتجات بما ينسجم مع هوية الموقع. ويختصر أبو طه ليالي رمضان بوصفه ليالي رمضان في المقهى بأنها «ليالٍ تاريخية بنكهة حضارية».

مقاهي جدة التاريخية تجمع بين القهوة الحديثة وروح المكان التراثي (الشرق الأوسط)

المقاهي... قلب المشهد الليلي

وفي الشهر الفضيل، لا تعد مقاهي جدة التاريخية مجرد أماكن جلوس، بل نقاط اجتماع، ومحطات انطلاق داخل المدينة القديمة. يجلس الزوار طويلاً، يتبادلون الأحاديث، أو يخططون لمحطتهم التالية، بينما تتحول القهوة إلى سبب للبقاء أكثر، ومع كل موسم رمضاني تعيد مقاهي جدة التاريخية رسم علاقتها بالمدينة؛ بين الماضي الذي يحتفظ به المكان، والحاضر الذي يصنعه رواده.


عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
TT

عادات غذائية خاطئة تزيد الوزن في رمضان

الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)
الوجبات المتوازنة تساعد على إنقاص الوزن في رمضان (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)

قد يبدو شهر رمضان فرصة مثالية لمن يسعون للتخلص من الوزن الزائد؛ إذ يعتقد بعضهم أن الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب يكفي لإنقاص الدهون تلقائياً. لكن خبراء التغذية يؤكدون أن فقدان الوزن لا يعتمد على الصيام وحده، بل يتأثر بشكل كبير بالعادات الغذائية الخاطئة خلال وجبتَي الإفطار والسحور. ويحذر المختصون من أن بعض السلوكيات الشائعة قد تعرقل خسارة الوزن، بل قد تؤدي إلى زيادته رغم الصيام، وفق صحيفة «بورنيو بوست»، الماليزية.

وتشدد الدكتورة نورشام جوليانا نور الدين، رئيسة مجموعة أبحاث الإيقاع الحيوي ونمط الحياة بكلية الطب والعلوم الصحية في جامعة العلوم الإسلامية الماليزية، على أن فقدان الوزن يعتمد على إجمالي السعرات الحرارية ونوعية الطعام وحجم الحصص والنشاط البدني.

وتوضح أن الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون خلال الإفطار أو السحور قد يؤدي إلى زيادة الوزن، خصوصاً عند قلة الحركة واضطراب النوم؛ لأن الطاقة الزائدة تُخزن على شكل دهون. ومع ذلك، تشير إلى أن الصيام يمكن أن يساعد في ضبط الوزن إذا ترافق مع تغذية متوازنة ونشاط بدني منتظم.

القهوة والسهر ليلاً

في السنوات الأخيرة، أصبحت جلسات القهوة بعد التراويح شائعة، خصوصاً بين الشباب. وتوضح نور الدين أن شرب القهوة ليلاً ليس مثالياً من الناحية الفسيولوجية؛ إذ يعرقل النوم بسبب تأثير الكافيين الذي يمنع إفراز المواد المحفزة للنوم في الدماغ، ما يؤدي إلى تعب خلال النهار. كما أن القهوة مدرّة للبول، ما يزيد فقدان السوائل في وقت يحتاج فيه الجسم لتعويضها. بالإضافة إلى ذلك، قد تعوق مركبات القهوة امتصاص بعض المعادن مثل الحديد والكالسيوم، وتنصح بتجنب القهوة عند الإفطار.

الأكل الليلي المتكرر

يميل بعض الصائمين إلى تناول وجبات إضافية بعد التراويح، غالباً تكون غنية بالكربوهيدرات والسكريات. ويحذر الخبراء من أن الأكل المتأخر ليلاً يُبطئ عملية الأيض، ويعيد الجسم إلى وضع تخزين الطاقة، مما يقلل من فوائد الصيام في حرق الدهون. وتوصي نورشام بالاعتدال وتجنب الأطعمة الثقيلة أو السكرية التي قد تسبب اضطرابات في الهضم والنوم.

أهمية وجبة السحور

تشير نور الدين إلى أن تخطي السحور قد يخل بتوازن الجسم؛ لأن توقيت الوجبات يلعب دوراً مهماً في ضبط الساعة البيولوجية؛ فالسحور يهيئ الجسم لبداية يوم الصيام ويساعد الأعضاء على العمل بكفاءة، ما يدعم استقرار الطاقة.

كما تحذر من بدء الإفطار أو السحور بمشروبات وأطعمة شديدة الحلاوة، مثل المشروبات المحلاة والحلويات؛ لأنها تسبب ارتفاعاً سريعاً في سكر الدم يتبعه هبوط مفاجئ يؤدي إلى التعب وزيادة الرغبة في تناول السكريات. وتشير أيضاً إلى أن الإفراط في الملح يزيد الشعور بالعطش ويؤثر على جودة النوم، مما قد يؤدي إلى الجفاف أثناء الصيام.

توقيت الوجبات

تؤكد الدكتورة أرياتي أحمد، الأستاذة المشاركة بكلية العلوم الصحية في جامعة السلطان زين العابدين الماليزية، أن توقيت الإفطار والسحور عامل أساسي للحفاظ على الصحة خلال رمضان.

وتنصح بالبدء بأطعمة خفيفة سهلة الهضم لتجنب الانتفاخ أو الارتجاع، وللحد من الإفراط في الأكل نتيجة الجوع الشديد. أما السحور، فيوفر طاقة مستدامة ويحسن مستوى الترطيب قبل ساعات الصيام الطويلة.

الرياضة خلال الصيام

تدحض الدكتورة أرياتي الاعتقاد بأن النشاط البدني لا بدَّ أن يتوقف خلال رمضان، مشيرة إلى أن التمارين الخفيفة إلى المتوسطة مفيدة للحفاظ على اللياقة والكتلة العضلية وضبط الوزن.

وتوصي بممارسة أنشطة خفيفة قبل الإفطار بنحو 30 إلى 60 دقيقة، مثل المشي أو التمدد، أو بعد الإفطار بساعة إلى ساعتين لممارسة تمارين القوة المعتدلة.


قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
TT

قبل أضواء «سيزار»… معركة جديدة بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي

صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)
صورة تعبيرية عن الجدل بين السينما الفرنسية والذكاء الاصطناعي (شاترستوك)

في وقت تستعد فيه السينما الفرنسية للاحتفاء بنجومها على سجادة جوائز «سيزار» الحمراء، يرتفع صوت الاحتجاج داخل الوسط الفني ضد الذكاء الاصطناعي، بعد تحرّك لافت قاده نحو 4 آلاف ممثل ومخرج ندَّدوا بما وصفوه بـ«النهب المنظّم» عبر استخدام أصواتهم وصورهم من دون إذن.

وفي مقال نُشر على موقع صحيفة «لو باريزيان»، ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، حذَّرت هيئة «أدامي» التي أطلقت المبادرة قائلة: «نشهد تحوّلاً عميقاً في مهنتنا منذ وصول الذكاء الاصطناعي. هذه الأداة القيِّمة لبعض المهن هي أيضاً وحش نهم للفنانين من أمثالنا».

وضمَّت قائمة الموقِّعين أسماء بارزة في السينما الفرنسية، من بينهم سوان أرلو، وجيرار جونيو، وجوزيه غارسيا، إلى جانب الممثلات ليا دروكر، وإلودي بوشيه، وكارين فيار، في خطوة عكست حجم التوتر المتصاعد داخل الأوساط الفنية.

وشدَّد الفنانون على أن استنساخ الأصوات بات ظاهرة متكررة، مؤكدين أن القلق يزداد مع كل أسبوع جديد، في ظل منافسة تكنولوجية شرسة قد تغيّر شكل المهنة نفسها. وأشاروا أيضاً إلى أن الفنانين الأقل شهرة هم الأكثر هشاشة، إذ قد تدفعهم ضغوط العمل أحياناً إلى التنازل عن حقوقهم، رغم ما قد يحمله ذلك من مخاطر على سمعتهم ومسارهم المهني.

وطالب الموقِّعون بوضع إطار قانوني واضح ينظِّم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفني، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين الابتكار التقني وحماية حقوق التأليف والحقوق المجاورة.

ويأتي هذا التحرُّك ضمن موجة متصاعدة من المبادرات الفنية في مواجهة تأثير الذكاء الاصطناعي، إذ شهدت باريس مؤخراً وقفة احتجاجية شارك فيها عدد من الفنانين والممثلين.

وفي تطور أثار ضجة واسعة، اتهمت استوديوهات هوليوودية كبرى مؤخراً برمجية صينية تُدعى «سيدانس 2.0» بانتهاك حقوق التأليف، بعد انتشار فيديو مولَّد بالذكاء الاصطناعي جمع بين توم كروز وبراد بِت وحقق انتشاراً كبيراً على مواقع التواصل.

وبين وعود التكنولوجيا ومخاوف الفنانين، تبدو معركة السينما مع الذكاء الاصطناعي قد بدأت فعلياً، معركة قد تُعيد رسم حدود الإبداع وحدود المهنة في السنوات المقبلة.