أفلام منعت من العرض والأسباب كثيرة

بينها «مولد أمّة» لغريفيث و{أوليفر تويست}

غيرت فروب مع شون كونيري  في «غولدفينغر»
غيرت فروب مع شون كونيري في «غولدفينغر»
TT

أفلام منعت من العرض والأسباب كثيرة

غيرت فروب مع شون كونيري  في «غولدفينغر»
غيرت فروب مع شون كونيري في «غولدفينغر»

لا يعرف منع الأفلام دولاً دون أخرى فهو منتشر بين دول متعددة على اختلاف مناهجها السياسية أو الأسباب التي تعتمدها للمنع. هناك نحو 77 دولة أصدرت في مراحل مختلفة من حياتها قرارات منع أفلام بعضها دول لاتينية وأخرى آسيوية غير عربية وثالثة أوروبية. إسرائيل منعت. الولايات المتحدة منعت. الاتحاد السوفياتي أيامه منع وبالطبع دول عربية كثيرة منعت.
والمنع، في الوقت ذاته، ليس جديدا. كذلك لا يعرف المنع أسباباً دون أخرى، فالسياسة تتدخل في فرضه لكنها ليست وحدها. هناك منع لأسباب دينية ومنع لأسباب تعود إلى العنف، وأخرى إلى قضايا عالقة في المحكمة قد تخص حقوق الملكية لم يتم حلها قبل توزيع الفيلم مما تسبب في منعه.
بالتالي، هناك كثير من أسباب وظروف وسياسات المنع لكن النتيجة واحدة، ولو لحين.

عدو غير مُدان
كان 1907 هو العام الذي شهد أول قرار منع في العالم. حدث ذلك في أستراليا وبسبب فيلم بعنوان «قصّة عصابة كَلي» لصاحبه تشارلز تايت. هذا الفيلم هو أول فيلم روائي طويل في تاريخ السينما في أي مكان، وسرد القصّة الحقيقية للخارج عن القانون ند كَلي (1854 - 1880) وكان شاباً من المزارعين نشأ على كراهية القانون ورجال البوليس الذين أودعوا والده في السجن إلى أن مات فيه. ذات يوم يتحرش رجل بوليس بشقيقته فيتصدى له ثم يقرر الانتقام من النظام بأسره لاجئاً وشقيقيه وصديقين لهما للقيام بأعمال نهب قبل أن يتم إلقاء القبض عليه سنة 1880 ومحاكمته وإعدامه. هناك فصل مهم في أحداثه جعلت مشاهديه يقدرون فعل ند كَلي ويتعاطفون معه، وهو المشهد الذي نرى فيه رجال البوليس يحيطون بفندق حطت فيه العصابة ثم يفتحون النار من دون تفريق بين أفرادها وبين الأبرياء فيه. هذا وتحويل البطل إلى شهيد قومي دفع السلطات الأسترالية لمنع عرضه لزمن طويل.
بعد ثماني سنوات أثار فيلم «مولد أمّة» لديفيد وورك غريفيث، الذي دارت أحداثه خلال الحرب الأهلية الأميركية، عواصف عاتية كونه أيد منظمة كوكلس كلان العنصرية المتطرفة في مقابل تصوير السود الأميركيين كخطر يهدد القيم الاجتماعية والأخلاقية. على أن هذا المنع لم يكن قراراً فيدرالياً ما يجعله شاملاً، بل محلياً تداولته مدن دون أخرى من بينها شيكاغو ولاس فيغاس وولايات معينة من بينها ولايتا أوهايو وكانساس.
في الثلاثينات والأربعينات كانت هناك أفلام أخرى جرى منعها في الولايات المتحدة ولو إلى حين من بينها Scarface لهوارد هوكس لأنه «يلمع صورة المجرمين» كما جاء في القرار الذي تم نقضه فشهد الفيلم عروضه الكاملة سنة 1938. وبعد سبعة أعوام تم منع فيلم لفريتز لانغ بعنوان «شارع قرمزي» (مع إدوارد ج. روبنسون في البطولة) بسبب خلوّه من مضامين تدين الجريمة ونهاية لا تصوّر المجرمين وقد واجهوا العقوبات المفترضة.
كان هذا كذلك وضع أفلام بوليسية كثيرة في الثلاثينات، بينها عدة أفلام أنتجتها وورنر في مطلع العقد من بطولة جيمس كاغني من أهمها «العدو العام» (The Public Enemy). هذه الأفلام لم تُصادر لكن قراراً صدر بالطلب من هوليوود بعدم تحويل المجرمين إلى أبطال. بعد ذلك شاهدنا كاغني وهو ينهار خوفاً من الموت في «ملائكة بوجوه متسخة» (1938).

ممنوع لأسباب دينية
كل ما منع في الولايات المتحدة سمح به في عام المنع ذاته بعدما تمسك أصحاب الأفلام بالنصوص الدستورية التي تجيز حرية الرأي. لذلك فإن ما يبقى ماثلاً هو فعل المنع وليس سببه أو تأثيره. هذا وحده يسير عكس الكثير من الدول الأخرى التي تلتزم بقرار المنع للأبد أو تتراجع عنه بعد سنوات عدة. وسنفاجأ بكم شكلت الرقابة هاجساً حتى في دول غربية أخرى من بينها إسرائيل ذاتها التي كانت منعت، سنة 1965، فيلماً من سلسلة أفلام جيمس بوند، هو «غولدفينغر»، لأنه شرير الفيلم الأول (الألماني الراحل غيرت فروب) كان أدرج على أساس أنه كان متعاطفاً مع النازية.
كذلك تم منع فيلم «أوليفر تويست» المقتبس عن رواية تشارلز ديكنز والذي أخرجه ديفيد لين سنة 1948 بسبب أن صورة اليهودي في الفيلم كانت «معادية للسامية». هذا المنع كان أول قرار من نوعه في إسرائيل. والسبب الديني أيضاً وقف وراء منع «العشاء الأخير للمسيح» (لمارتن سكورسيزي، 1988). وفي عام 2004 تم منع «جنين، جنين» لمحمد بكري بتهمة الإساءة إلى المجتمع الإسرائيلي بسبب مشاهده المعادية للهجوم على مخيم جنين. بعد عدة أشهر صدر قرار بالتراجع عن ذلك المنع.
وفي حين أن أكثر فيلم تم منعه من العرض في الدول الإسلامية (عربية وغير عربية) في الآونة الأخيرة كان «نوح» للأميركي دارن أرونوفسكي (2014) فإن أكثر الأفلام ذات المعالجات الدينية التي تكرر منعها في الدول الغربية كافة خلال حقب متوالية هو «اليهودي سوس» الذي قام بإخراجه فيت هارلان سنة 1940 بمباركة من وزير البروباغاندا الألماني جوزف غوبلز. الفيلم يسرد حكاية حدثت وقائعها الفعلية في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين عندما تسلل اليهود إلى بلاط الدوق الألماني كارل ألكسندر وسعوا لاستحواذ القوّة الاقتصادية وكسب ثقة الدوق وابتزازه معاً حسب ما يروي الفيلم.
المثير للملاحظة هنا أن المؤلف نفسه، ليون فيوختوانغر، كان يهودياً كذلك منتج الفيلم لاحقاً (أوتو ليمان). أيضاً حقيقة أن الفيلم الذي منع سنة 1945وما زالت النسخة الأولى منه ممنوعة من العرض العام إلى اليوم (هناك نسخة مقبولة بعدما تم وضع مقدمة تعلن ظروف إنتاج الفيلم وأنه معالج من وجهة نظر معادية للسامية) شهد عروضاً عربية تسللت في الستينات إلى مصر ولبنان والعراق قبل أن تختفي مجدداً.
بالنسبة لدول مثل الاتحاد السوفياتي وبلغاريا وألمانيا الشرقية وبولندا وسواها فقد شمل قانون المنع نوعين من الانتاجات: الأفلام المستوردة وتلك المنتجة محلياً. هذه الأخيرة كانت لها مواصفاتها المحددة: عليها ألا تخلد شخصيات قومية في الفترة السابقة للحكم الشيوعي، وعليها أن تبتعد عن الحكايات المحتفية بالثقافات القومية والدينية طالما أنها لا تنضوي على دعاية لرعاية النظام الشيوعي لها، و - بالتالي - أن تكون أداة دعائية للداخل والخارج حول حسنات ومحاسن ذلك النظام.
بذلك كان أفضل مخرجي الاتحاد السوفياتي من بين أكثرهم مواجهة لمصاعب العمل. فمعظم ما حققه أندريه تاركوفسكي ووجه بصد رقابي نتج عنه إما المنع أو العرض المحدود (بما في ذلك «أندريه روبلوف» سنة 1967 حيث جاء في قرار المنع «لأنه عمل فني تحت نظام طاغ». كذلك كان حال المخرج سيرغي بارادجانوف (صاحب‬«عاشق كريب» و«ظلال جدودنا المنسية» وحال المخرجة لاريسا شوبتكو التي واجهت الرقابة أكثر من مرّة آخرها سنة 1977 عندما أخرجت «صعود» حول جندي روسي تعاون مع العدو الألماني عندما ألقي القبض عليه.

تابو من نوع آخر؟

* الممثل إدريس ألبا يشير إلى أن وجود «تابو» من نوع آخر مستتر. في تصريح له يوم أمس الخميس ذكر أن الوقت «حان لقيام رجل أسود للعب شخصية جيمس بوند» وأضاف: «جيمس بوند قد يكون امرأة سوداء أو حتى امرأة بيضاء. ما اعتقده أن المشاهد بات يرغب من منتجي هذه السلسلة فعل شيء مخالف للتوقعات».
كان إلبا قد نفى سابقاً أنه تلقى عرضاً للقيام بتمثيل شخصية جيمس بوند، لكنه عبر كذلك عن أنه لا يمانع في ذلك.


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز