أفلام منعت من العرض والأسباب كثيرة

بينها «مولد أمّة» لغريفيث و{أوليفر تويست}

غيرت فروب مع شون كونيري  في «غولدفينغر»
غيرت فروب مع شون كونيري في «غولدفينغر»
TT

أفلام منعت من العرض والأسباب كثيرة

غيرت فروب مع شون كونيري  في «غولدفينغر»
غيرت فروب مع شون كونيري في «غولدفينغر»

لا يعرف منع الأفلام دولاً دون أخرى فهو منتشر بين دول متعددة على اختلاف مناهجها السياسية أو الأسباب التي تعتمدها للمنع. هناك نحو 77 دولة أصدرت في مراحل مختلفة من حياتها قرارات منع أفلام بعضها دول لاتينية وأخرى آسيوية غير عربية وثالثة أوروبية. إسرائيل منعت. الولايات المتحدة منعت. الاتحاد السوفياتي أيامه منع وبالطبع دول عربية كثيرة منعت.
والمنع، في الوقت ذاته، ليس جديدا. كذلك لا يعرف المنع أسباباً دون أخرى، فالسياسة تتدخل في فرضه لكنها ليست وحدها. هناك منع لأسباب دينية ومنع لأسباب تعود إلى العنف، وأخرى إلى قضايا عالقة في المحكمة قد تخص حقوق الملكية لم يتم حلها قبل توزيع الفيلم مما تسبب في منعه.
بالتالي، هناك كثير من أسباب وظروف وسياسات المنع لكن النتيجة واحدة، ولو لحين.

عدو غير مُدان
كان 1907 هو العام الذي شهد أول قرار منع في العالم. حدث ذلك في أستراليا وبسبب فيلم بعنوان «قصّة عصابة كَلي» لصاحبه تشارلز تايت. هذا الفيلم هو أول فيلم روائي طويل في تاريخ السينما في أي مكان، وسرد القصّة الحقيقية للخارج عن القانون ند كَلي (1854 - 1880) وكان شاباً من المزارعين نشأ على كراهية القانون ورجال البوليس الذين أودعوا والده في السجن إلى أن مات فيه. ذات يوم يتحرش رجل بوليس بشقيقته فيتصدى له ثم يقرر الانتقام من النظام بأسره لاجئاً وشقيقيه وصديقين لهما للقيام بأعمال نهب قبل أن يتم إلقاء القبض عليه سنة 1880 ومحاكمته وإعدامه. هناك فصل مهم في أحداثه جعلت مشاهديه يقدرون فعل ند كَلي ويتعاطفون معه، وهو المشهد الذي نرى فيه رجال البوليس يحيطون بفندق حطت فيه العصابة ثم يفتحون النار من دون تفريق بين أفرادها وبين الأبرياء فيه. هذا وتحويل البطل إلى شهيد قومي دفع السلطات الأسترالية لمنع عرضه لزمن طويل.
بعد ثماني سنوات أثار فيلم «مولد أمّة» لديفيد وورك غريفيث، الذي دارت أحداثه خلال الحرب الأهلية الأميركية، عواصف عاتية كونه أيد منظمة كوكلس كلان العنصرية المتطرفة في مقابل تصوير السود الأميركيين كخطر يهدد القيم الاجتماعية والأخلاقية. على أن هذا المنع لم يكن قراراً فيدرالياً ما يجعله شاملاً، بل محلياً تداولته مدن دون أخرى من بينها شيكاغو ولاس فيغاس وولايات معينة من بينها ولايتا أوهايو وكانساس.
في الثلاثينات والأربعينات كانت هناك أفلام أخرى جرى منعها في الولايات المتحدة ولو إلى حين من بينها Scarface لهوارد هوكس لأنه «يلمع صورة المجرمين» كما جاء في القرار الذي تم نقضه فشهد الفيلم عروضه الكاملة سنة 1938. وبعد سبعة أعوام تم منع فيلم لفريتز لانغ بعنوان «شارع قرمزي» (مع إدوارد ج. روبنسون في البطولة) بسبب خلوّه من مضامين تدين الجريمة ونهاية لا تصوّر المجرمين وقد واجهوا العقوبات المفترضة.
كان هذا كذلك وضع أفلام بوليسية كثيرة في الثلاثينات، بينها عدة أفلام أنتجتها وورنر في مطلع العقد من بطولة جيمس كاغني من أهمها «العدو العام» (The Public Enemy). هذه الأفلام لم تُصادر لكن قراراً صدر بالطلب من هوليوود بعدم تحويل المجرمين إلى أبطال. بعد ذلك شاهدنا كاغني وهو ينهار خوفاً من الموت في «ملائكة بوجوه متسخة» (1938).

ممنوع لأسباب دينية
كل ما منع في الولايات المتحدة سمح به في عام المنع ذاته بعدما تمسك أصحاب الأفلام بالنصوص الدستورية التي تجيز حرية الرأي. لذلك فإن ما يبقى ماثلاً هو فعل المنع وليس سببه أو تأثيره. هذا وحده يسير عكس الكثير من الدول الأخرى التي تلتزم بقرار المنع للأبد أو تتراجع عنه بعد سنوات عدة. وسنفاجأ بكم شكلت الرقابة هاجساً حتى في دول غربية أخرى من بينها إسرائيل ذاتها التي كانت منعت، سنة 1965، فيلماً من سلسلة أفلام جيمس بوند، هو «غولدفينغر»، لأنه شرير الفيلم الأول (الألماني الراحل غيرت فروب) كان أدرج على أساس أنه كان متعاطفاً مع النازية.
كذلك تم منع فيلم «أوليفر تويست» المقتبس عن رواية تشارلز ديكنز والذي أخرجه ديفيد لين سنة 1948 بسبب أن صورة اليهودي في الفيلم كانت «معادية للسامية». هذا المنع كان أول قرار من نوعه في إسرائيل. والسبب الديني أيضاً وقف وراء منع «العشاء الأخير للمسيح» (لمارتن سكورسيزي، 1988). وفي عام 2004 تم منع «جنين، جنين» لمحمد بكري بتهمة الإساءة إلى المجتمع الإسرائيلي بسبب مشاهده المعادية للهجوم على مخيم جنين. بعد عدة أشهر صدر قرار بالتراجع عن ذلك المنع.
وفي حين أن أكثر فيلم تم منعه من العرض في الدول الإسلامية (عربية وغير عربية) في الآونة الأخيرة كان «نوح» للأميركي دارن أرونوفسكي (2014) فإن أكثر الأفلام ذات المعالجات الدينية التي تكرر منعها في الدول الغربية كافة خلال حقب متوالية هو «اليهودي سوس» الذي قام بإخراجه فيت هارلان سنة 1940 بمباركة من وزير البروباغاندا الألماني جوزف غوبلز. الفيلم يسرد حكاية حدثت وقائعها الفعلية في منتصف العقد الثاني من القرن العشرين عندما تسلل اليهود إلى بلاط الدوق الألماني كارل ألكسندر وسعوا لاستحواذ القوّة الاقتصادية وكسب ثقة الدوق وابتزازه معاً حسب ما يروي الفيلم.
المثير للملاحظة هنا أن المؤلف نفسه، ليون فيوختوانغر، كان يهودياً كذلك منتج الفيلم لاحقاً (أوتو ليمان). أيضاً حقيقة أن الفيلم الذي منع سنة 1945وما زالت النسخة الأولى منه ممنوعة من العرض العام إلى اليوم (هناك نسخة مقبولة بعدما تم وضع مقدمة تعلن ظروف إنتاج الفيلم وأنه معالج من وجهة نظر معادية للسامية) شهد عروضاً عربية تسللت في الستينات إلى مصر ولبنان والعراق قبل أن تختفي مجدداً.
بالنسبة لدول مثل الاتحاد السوفياتي وبلغاريا وألمانيا الشرقية وبولندا وسواها فقد شمل قانون المنع نوعين من الانتاجات: الأفلام المستوردة وتلك المنتجة محلياً. هذه الأخيرة كانت لها مواصفاتها المحددة: عليها ألا تخلد شخصيات قومية في الفترة السابقة للحكم الشيوعي، وعليها أن تبتعد عن الحكايات المحتفية بالثقافات القومية والدينية طالما أنها لا تنضوي على دعاية لرعاية النظام الشيوعي لها، و - بالتالي - أن تكون أداة دعائية للداخل والخارج حول حسنات ومحاسن ذلك النظام.
بذلك كان أفضل مخرجي الاتحاد السوفياتي من بين أكثرهم مواجهة لمصاعب العمل. فمعظم ما حققه أندريه تاركوفسكي ووجه بصد رقابي نتج عنه إما المنع أو العرض المحدود (بما في ذلك «أندريه روبلوف» سنة 1967 حيث جاء في قرار المنع «لأنه عمل فني تحت نظام طاغ». كذلك كان حال المخرج سيرغي بارادجانوف (صاحب‬«عاشق كريب» و«ظلال جدودنا المنسية» وحال المخرجة لاريسا شوبتكو التي واجهت الرقابة أكثر من مرّة آخرها سنة 1977 عندما أخرجت «صعود» حول جندي روسي تعاون مع العدو الألماني عندما ألقي القبض عليه.

تابو من نوع آخر؟

* الممثل إدريس ألبا يشير إلى أن وجود «تابو» من نوع آخر مستتر. في تصريح له يوم أمس الخميس ذكر أن الوقت «حان لقيام رجل أسود للعب شخصية جيمس بوند» وأضاف: «جيمس بوند قد يكون امرأة سوداء أو حتى امرأة بيضاء. ما اعتقده أن المشاهد بات يرغب من منتجي هذه السلسلة فعل شيء مخالف للتوقعات».
كان إلبا قد نفى سابقاً أنه تلقى عرضاً للقيام بتمثيل شخصية جيمس بوند، لكنه عبر كذلك عن أنه لا يمانع في ذلك.


مقالات ذات صلة

«اللحمة» في السينما المصرية... تاريخ طويل من «الهيبة» و«التمني»

يوميات الشرق عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة» منفرداً بكميات من اللحوم (يوتيوب)

«اللحمة» في السينما المصرية... تاريخ طويل من «الهيبة» و«التمني»

لم تكن «اللحمة» مجرد طعام على موائد المصريين، بل كانت دائماً تحمل معنى أكبر، فهي دليل وليمة محترمة، وعلامة على «الستر» و«الهيبة».

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)

«فلسطين 36»... الملحمة المنسية التي سبقت النكبة

أياً تكن الانتقادات التي توجه إلى فيلم آن ماري جاسر «فلسطين 36» سيبقى لوقت طويل محطةً أساسيةً في مسار السينما الفلسطينية.

سوسن الأبطح
يوميات الشرق ماكس هوانغ مع جاكي شان (فيسبوك)

ماكس هوانغ: خبرتي مع جاكي شان ساعدتني في «7DOGS»

أكد هوانغ أنّ التحدّي الأكبر كان الحفاظ على التوازن بين الأداء البدني العنيف والحضور التمثيلي للشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنانة المصرية تارا عماد شاركت في «سفن دوجز»  (حسابها على فيسبوك)

تارا عماد: نفذت معظم مشاهد الأكشن بنفسي في «سفن دوجز»

قالت الممثلة المصرية تارا عماد إن فيلم «سفن دوجز» بمنزلة تجربة سينمائية جديدة بالنسبة لها، وعدته «مغامرة كاملة».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج محمد أبو سيف (حسابه على فيسبوك)

محمد صلاح أبو سيف: تجنبت إخراج فيلم عن والدي

أكد المخرج المصري محمد أبو سيف نجل المخرج الراحل صلاح أبو سيف أن أسرته قامت قبل سنوات بإهداء مكتبة ومقتنيات والده لوزارة الثقافة المصرية.

انتصار دردير (القاهرة)

مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
TT

مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)

في نهاية فيلم «البارح العين ما نامت» (عُرض في قسم «نظرة ما» وهو إنتاج لبناني-فلسطيني، بدعم من «صندوق البحر الأحمر» و«مؤسسة الدوحة للأفلام»)، تسير بطلة الفيلم، ريم، في الحقول الممتدة رغم نداء شقيقها للتوقف والعودة إليه. إلى جانبها شاب يحب ريم ويناديها بدوره بالعدول عن السير نحو ما يبدو هدفاً مجهولاً وبعيداً عنهما وعن القرية التي يعيشون فيها، جنباً إلى جنب مع تلك المشكلات المتوارثة من جيل إلى آخر ومن زمن إلى زمن.

الكاميرا في فيلم ركان مياسي (المخرج والكاتب) تحرص على البقاء بعيدة بدورها. المشهد عام، من على مسافة مئات الأمتار، ينقله المخرج كما لو كان يرسم لوحة: الحشائش، والأشجار، والصخور، والأرض المفتوحة، والجبل في الواجهة.

الدافع الذي يجعل ريم (تؤديه ريم المولى) تنطلق مبتعدة وغير عابئة بالنداءات هو أنها وصلت إلى مرحلة عليها أن تتمرد على كل شيء، حتى ولو لم تكن البدائل جاهزة. تمرّدها على بيئة تخسر فيها المرأة مهما اتجهت، وتدفع الثمن حتى ولو لم تكن سبباً في المشكلة أو الخلاف.

إنه فيلم ذكي، لكنه يعاني من بعض النواقص في تأمين لُحمة أفضل بين مشاهده، خصوصاً خلال ربع ساعته الأولى على الأقل.

يدور حول فتاة تجد نفسها مطلوبة لتكون زوجة رجل لمجرد أن التقاليد تفرض ذلك، بعد أن تسبب شقيقها في صدم رجل من عشيرة أخرى بشاحنته. العشيرة تطالب بالزواج منها ومن شقيقتها جواهر فدية وإلا فالعقوبة القتل.

تقاوم ريم بصمت كل ما يُفرض حولها. حياتها، واحدة من قبائل البدو في سهل البقاع بلبنان، تشبه أنشوطة الحبل حول عنقها. وعندما يُفصل بينها وبين شقيقتها، تشعر بأنها خسرت معركتها مع الجميع. تركض مبتعدة، وفي ابتعادها رغبة في التحرر ونيل الحرية.

«فراولة» (لومن فيلمز)

على الرغم من أن الفيلم يتبنى وجهة نظر ريم، غير أنه لا يسعى إلى الحكم على التقاليد نفسها، ولا إلى تجريم الخيارات القليلة المتاحة. يصوّر قسوة الوضع على ريم وشقيقتها، لكنه لا يلج مطلقاً إلى تحويل الحكاية إلى فاجعة أو الشخصيات إلى خطابات كما فعلت أفلام أخرى.

عين ركان مياسي تحيط بالمكان المُعاش جمالياً. هذا الفيلم كان ينبغي أن يُعرض بنظام الشاشة الكبيرة لكي تحتل جمالياته المكانة التي تستحقها.

مراوحة

فيلم آخر عُرض في القسم نفسه هو «فراولة» (Strawberries، والعنوان الفرنسي: La Más Dulce)، وهو إنتاج مغربي-إسباني لليلى مراكشي، حول امرأة مغربية تُدعى مريم (تؤديها هاجر غريغا) تهاجر إلى إسبانيا للعمل في حقول الفراولة لمساعدة عائلتها. يُطلعنا الفيلم في مقدمته على أنها كانت سجينة لفترة قصيرة؛ هذه الخلفية ستعقد شهادتها لاحقاً عندما تحاول الكشف عن العبودية والفساد المستشري في مزارع الثمار، حيث يستغل البعض براءة بعض الفتيات ويجبرهن على الدعارة.

حسناء (تؤديها نسرين الراضي) هي الضحية التي يعالجها الفيلم. تريد مريم الوقوف إلى جانبها لكنها لا تستطيع، وبعد حين، عندما تعود حسناء من خلوة نظمها أحد مديري المزرعة مع أحد الأثرياء وهي على شفير الموت، تجد مريم نفسها مضطرة للكشف عما يجري. لكنها مرة أخرى تلتزم الصمت حفاظاً على عملها وخوفاً من ردّة فعل أشرار المكان.

نجلاء فتحي وعايدة رياض في «أحلام هند وكاميليا»

قصصياً، هذا يشبه المراوحة في مكان واحد لفترة طويلة قبل وصول الفيلم إلى لحظاته الأخيرة، حيث تُلقي مريم خطبة عصماءً أمام المحكمة لفضح ما يجري.

استمدت المخرجة الحكاية من حادثة حقيقية، لكنها تحافظ على نبرة غير حادة بما يكفي، بقدر ما هي فرصة لطرح الموضوع. يفشل السيناريو في ترتيب الأحداث بشكل أفضل، ويضر تردد مريم في الإفصاح أو عدم الإفصاح بالقضية المطروحة، إذ إن هذا التردد ليس جوهر ما سعت المخرجة إلى تحقيقه في الفيلم.

هناك لحظات صادقة تجمع بين النساء العاملات، تستحق المتابعة، لكن الفيلم لا يسير على خط واحد بل يتحرك أفقياً، مما ينتج عنه تشتت الغاية الأساسية.

السينما العربية سلطت الضوء على معاناة المرأة والقيود الاجتماعية عبر عقود من الأفلام

أفلام أخرى

المرأة العربية كانت موضوعاً ساخناً عبر العقود، وتطرّقت إليه أفلام متعددة مثل «الحرام» (هنري بركات، 1965)، و«ليل وقضبان» (أشرف فهمي، 1973)، و«أريد حلاً» (سعيد مرزوق، 1975)، بالإضافة إلى عدد كبير من الأفلام غير المصرية. كثير منها نبش في الأوجاع الناتجة عن هضم الحقوق والتقاليد، لكن بعضها لم يكن سوى توظيف لموضوع ينتهي بالإدانة من دون تقديم حلول.

المخرج محمد خان تناول موضوع المرأة في المجتمع المصري في أكثر من فيلم، من بينها «أحلام هند وكاميليا»، و«زوجة رجل مهم» (كلاهما 1988). الأول يتناول رغبات خادمتين في الانعتاق من سلطة اجتماعية تحاول كل منهما التخلي عن عذوبة الحياة وأحلامهما، والثاني يحكي معاناة زوجة ضابط مخابرات من فاشية زوجها وسوء معاملته.

خارج النماذج المصرية، انتشرت في السينمات العربية أفلام تنتقد وضع المرأة، من بينها بالطبع «وجدة» لهيفاء المنصور، و«صمت القصور» لمفيدة التلاتلي، إضافة إلى فيلم المخرجة اليمنية خديجة السلامي المنسي «أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة» (2015).


شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

«حكايات متوازية» (مومنتو فيلمز)
«حكايات متوازية» (مومنتو فيلمز)
TT

شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

«حكايات متوازية» (مومنتو فيلمز)
«حكايات متوازية» (مومنتو فيلمز)

PARALLEL TALES ★★

إخراج:‫ أصغر فرهادي‬

فرنسا | دراما (2026)

عروض: مسابقة مهرجان كان

يقول المثل: «من راقب الناس مات همّاً»، لكن عند المخرج الإيراني أصغر فرهادي، الذي يُنجز أفلامه في أوروبا، هذه المراقبة «بصبصة» تتيح للكاتبة الروائية سيلفي (إيزابل أوبير) تأليف روايتها عبر منظار في شقتها المتواضعة، إذ يمكنها مراقبة الجيران. من هذه المراقبة تنبثق خيوط قصصية تأمل أن تصلح لرواية جديدة.

تستخدم سيلفي طابعة يدوية، لا بد أنها وضعت عليها رواياتها السابقة قبل الانتقال إلى الكمبيوتر. ومع ذلك، حين يركّز فرهادي الكاميرا عليها أثناء الطباعة، نلاحظ أن سرعتها في الطباعة لا تتلاءم مع شخص اعتاد استخدام الآلة لعقود.

علينا أن نترك هذه الملاحظة جانباً، إذ إن فرهادي ليس مهتماً بالإجابة عليها، بل بصياغة دراما نفسية، حتى لو لم يتعمق كثيراً في هذا المجال. ما تسترق النظر إليه سيلفي قد يتحول إلى مادة قصصية، غير أن هذا الاحتمال يضيع وسط رغبة فرهادي في التركيز على الفكرة وبناء خط سردي يربط بين حياة الكاتبة وحياة الشخصيات الثلاث التي تتجسس عليها، وما يلي ذلك من أحداث متداخلة، بما في ذلك سرقة شاب لنصف الرواية التي وضعتها الكاتبة.

يمتد أحد هذه الخيوط صوب حياتها الخاصة؛ فالمنظار التلسكوبي يحمل قصة موازية أيضاً، إذ كان والدها يتجسس من خلاله على زوجته وعشيقها في البيت المقابل نفسه.

يمط فرهادي الأحداث على مدار ساعتين وعشرين دقيقة. إنه يريد أن يقول كل شيء، لكن ليس كل ما يريد قوله له تأثير أو أهمية. حتى التصور الدرامي الذي يبدأ بسرقة الشاب لنص الرواية وما يمكن أن يقع نتيجة لذلك، لا يقدّم الحكاية بما يؤدي إلى معنى شامل وعميق.

FATHELAND

★★★1/2

إخراج:‫ بافل بافيلوفسكي

بولندا/ ألمانيا | سيرة حياة (2026)

عروض: مسابقة مهرجان كان

حسب كتاب السيرة الذي أعدّه مورتن هوي جنسن العام الماضي عن حياة الروائي توماس مان (1875–1955)، كان الرجل نموذجاً للتضارب في الآراء؛ يتجه في مواقفه يميناً ثم يناقض ذلك في مواقف أخرى. يعكس مواقف معادية للحداثة، لكنه لاحقاً يميل إلى تبني نظرة يسارية وليبرالية.

«وطن» (ذ ماتش فاكتوري)

يختار فيلم بافل بافيلوفسكي الجديد «وطن» عدم التورط في محاولة فهم الروائي الألماني بالكامل، بل يكتفي بسرد جزء من حياته مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما قام برحلة انطلقت من مدينة فرانكفورت إلى مدينة فايمر مع ابنته إريكا.

من ناحية، يلتقي «وطن» مع فيلميه السابقين «إيدا» و«حرب باردة» في كونه متابعة لمرحلة تاريخية، كاشفاً صعوبتها على شخصياته. ويختلف في كونه، في الوقت نفسه، ليس حكاية خيالية، بل عملاً واقعياً (على الأقل كأساس) لرحلة الكاتب وابنته المحاطَين بأزمات سياسية تعود إلى تلك الفترة التي وُلدت فيها ألمانيا من جديد، إضافة إلى أزمات شخصية تنبع من علاقة مضطربة بين توماس مان وابنته.

لا يحاول بافيلوفسكي سرد التاريخ كما هو، بل يتدخل فيه (باعترافه) لصالح بناء حالة درامية، ما يعني أن اهتمام المخرج ليس سرد التاريخ بقدر ما هو تحويله إلى قراءة خاصة.

ومن أبرز هذه القراءات وأكثرها تكراراً التوتر القائم بين مان (هانز زيشلر) وابنته (ساندرا هولر). لا يسعى المخرج لتناول دوافع هذا التوتر أو البحث فيها، بل يكتفي بعرضها. والنجاح الذي يحققه يكمن في جعل المشاهد يقبل هذا الواقع كما نراه. ومع ذلك، فإن الفيلم متماسك وقوي من الناحية الفنية، بحيث لا تهم اختيارات المخرج فيما اختار البحث فيه.

MOULIN ★★

إخراج:‫ لاشلو نيميز‬

فرنسا/ بلجيكا | سيرة (2026)

عروض: مسابقة مهرجان كان

اختيارات مخرج «ابن شاوول» (Son of Saul) من الأفلام حتى الآن تشترك في كونها محاولة لفرض قراءة للتاريخ كما يراه المخرج. صحيح أنه لا يؤلف هذا التاريخ، بل يعرضه، لكن ما يعرضه لا يخلو من وجهة نظر متكررة؛ وهي أيضاً وجهة نظر تفترض ما تقدمه وتسعى إلى فرضه.

«مولان» (بيتشيبوي برودكشنز)

في فيلمه الجديد «مولان»، يستخدم هذا الأسلوب لسرد حكاية المقاوم الفرنسي جان مولان، الذي اعتقله «الغيستابو» خلال احتلال ألمانيا لفرنسا، وتعذّبه حتى أدّى ذلك إلى وفاته.

الحكاية التي يسردها نيميز واضحة وحقيقية، لكنها ليست مُساقَة كقصة حياة، بل كقصة موت. وبعد البداية التي تظهر مولان وهو يخطط مع رفاقه لعمليات المقاومة، يتوقف السرد عن الأحداث التي تبدو مشوقة، ويصبح التركيز متابعة لمشاهد التحقيق والعنف المصاحب لها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


من باريس... ولادة صالون للسينما السعودية المستقلة

مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)
مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)
TT

من باريس... ولادة صالون للسينما السعودية المستقلة

مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)
مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)

في خطوة تجمع بين السينما والفنون البصرية والحوار الثقافي، تستعد المخرجة السعودية جيجي حزيمة لإطلاق «صالون السينما السعودية المستقلة» في العاصمة الفرنسية باريس، بوصفه مشروعاً ثقافياً وفنياً يسعى إلى إعادة تقديم السينما السعودية المستقلة ضمن سياق فني وإنساني يتجاوز فكرة العروض التقليدية. ومن المقرر انطلاقة الدورة الأولى للصالون في التاسع من يوليو (تموز) المقبل، ليصبح منصة سنوية مخصصة للسينما السعودية المستقلة وسينما المؤلف.

في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أوضحت جيجي أن المشروع يحمل بعداً يتجاوز تنظيم فعالية سينمائية عابرة، وأضافت: «صالون السينما السعودية المستقلة هو منصة ثقافية وفنية سنوية أطلقتها في باريس بهدف إعادة تقديم السينما كفن حي ومساحة للتأمل والحوار، بعيداً عن الاستهلاك السريع والصيغ التجارية التقليدية». وأبانت أن برنامج الصالون يجمع بين عروض الأفلام والنقاشات الفنية والمعارض التشكيلية، مستهدفاً جمهور السينما والفنون في فرنسا وأوروبا.

تؤمن حزيمة بضرورة التواصل الثقافي عن طريق السينما والفنون البصرية (الشرق الأوسط)

رهان على سينما المؤلف

تؤكد حزيمة أن الفكرة بدأت من رغبة في خلق مساحة تحتضن «سينما المؤلف» والأعمال التي تمتلك لغة بصرية وإنسانية خاصة، وأضافت: «الفكرة بالنسبة لي لم تكن مجرد تنظيم عروض أفلام، بل خلق مساحة تحتضن سينما المؤلف والأصوات الفنية التي تمتلك رؤية بصرية وإنسانية خاصة».

وبحماسة عالية، تصف جيجي المبادرة بأنها محاولة لصناعة «سياق ثقافي» يحيط بالأفلام، أكثر من كونها مساحة عرض فقط، موضحةً أن تجربتها الشخصية التي خاضتها في عواصم عالمية لعبت دوراً محورياً في تشكيل رؤيتها للمشروع، قائلةً: «عملت لسنوات ضمن مساحات السينما المستقلة في نيويورك ولندن، وكنت قريبة من تجارب سينمائية تؤمن بالسينما لغةً فنيةً وإنسانيةً، لا منتج تجاري فقط».

وتشير إلى أن تجربتها مع تأسيس شركة إنتاج مستقلة جعلتها أكثر قرباً من التحديات التي تواجه الأعمال ذات اللغة الشخصية والشاعرية، خصوصاً تلك التي تتحرك خارج القوالب السائدة، مبينةً أن كثيراً من الأفلام المهمة تحتاج إلى بيئة ثقافية تحيط بها وتفتح حولها حواراً حقيقياً مع الجمهور.

وبسؤالها عن السينما السعودية المستقلة اليوم، ترى حزيمة أنها تمتلك صوتاً فنياً يستحق الحضور عالمياً ضمن إطار ثقافي وفني متكامل، قائلةً: «أؤمن بأن السينما ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل وسيلة لفهم الإنسان والعالم، وأن السينما السعودية المستقلة اليوم تمتلك لغة فنية تستحق أن تُقدَّم عالمياً ضمن سياق ثقافي وفني حقيقي».

ويضم برنامج الدورة الأولى عرض فيلمها الروائي الجديد «ثم يأتي الشتاء And Then Comes Winter»، الذي تصفه بأنه «عمل سينمائي شاعري يتناول العلاقات الإنسانية والهشاشة العاطفية في عالم يقف على حافة الحرب»، إلى جانب برنامج للأفلام القصيرة لمخرجين ومخرجات سعوديين، يُعرض بعض أعمالهم للمرة الأولى في أوروبا عبر منصة الصالون.

مشهد من أحدث أفلام حزيمة «ثم يأتي الشتاء» (الشرق الأوسط)

«ثم يأتي الشتاء»

يبدو فيلم «ثم يأتي الشتاء» امتداداً واضحاً لروح السينما التي تحاول جيجي حزيمة الدفاع عنها من خلال مشروعها الثقافي، حيث ينتمي إلى سينما التأمل والمشاعر الداخلية أكثر من اعتماده على الحدث المباشر أو الحبكات المتسارعة، ويتحرك بإيقاع بصري هادئ قائم على اللقطات الطويلة والصمت والمساحات الشعورية الممتدة، مع حضور محدود للحوار مقابل تركيز أكبر على التعبير البصري والانفعالات الإنسانية الدقيقة.

ورغم أن الفيلم ناطق باللغة الإنجليزية، فإن حكايته تبدو قريبة من أي مشاهد، لأنه ينشغل بالإنسان أولاً؛ بالخوف، والارتباك، والهشاشة، والشعور المفاجئ بفقدان الأمان في عالم يقف على حافة الحرب، حيث تتحول الوحدة والقلق إلى حالة شعورية مستمرة ترافق شخصيتيه الرئيسيتين طوال الفيلم.

ويحمل الفيلم أيضاً انعكاساً واضحاً لتجربة مخرجته الشخصية ورؤيتها المختلفة داخل المشهد السينمائي السعودي، خصوصاً أن جيجي، المولودة في منطقة مكة المكرمة، عاشت خارج السعودية لأكثر من 20 عاماً، وهو ما منح تجربتها السينمائية حساً بصرياً وثقافياً أقرب إلى سينما المؤلف العالمية والأفلام ذات الطابع الإنساني والشاعري.

المخرجة السعودية جيجي حزيمة (الشرق الأوسط)

تجربة فنية متكاملة

وفي جانب موازٍ للعروض السينمائية، يتضمن الصالون معرضاً تشكيلياً مشتركاً مع الفنانة السعودية هناء حجازي، بهدف خلق حوار بين الصورة السينمائية والصورة التشكيلية، وتحويل الحدث إلى مساحة متعددة الفنون. وهنا توضح حزيمة أن فكرة الربط بين السينما والفنون البصرية جاءت من إيمانها بأن التجربة الفنية المتكاملة تفتح أفقاً أوسع للتأمل والتفاعل، مضيفةً أن الصالون يسعى إلى تقديم تجربة ثقافية «أكثر حميمية وعمقاً»، تحتفي بالحوار الإنساني والفني بعيداً عن الطابع التنافسي المعتاد في الفعاليات السينمائية.

تقول في هذا السياق: «المشروع يحاول إعادة تقديم فكرة الصالونات السينمائية والثقافية بروح معاصرة، من خلال خلق مساحة تجمع بين السينما، والفكر، والفن، والحوار الإنساني، ضمن تجربة ثقافية أكثر حميمية وعمقاً». وترى أن المبادرة تستعيد أيضاً روح الصالونات الثقافية العربية التاريخية ولكن من خلال السينما، ضمن انطلاقة سعودية معاصرة من باريس، معتبرة أن هذا الجانب يمنح المشروع خصوصيته داخل المشهد السينمائي العربي.

جيجي حزيمة خلف الكواليس (الشرق الأوسط)

سينما تترك أثراً طويلاً

وحسب حزيمة، فإن الصالون يمثل «حالة سينمائية وموقفاً ثقافياً وفنياً»، أكثر من كونه فعالية عرض أفلام، إذ تسعى من خلاله إلى المساهمة في بناء سينما سعودية تمتلك قيمة إنسانية وفنية طويلة الأمد، وتترك أثراً بصرياً وثقافياً للأجيال المقبلة. كما تؤكد أن المشروع يركز على خلق مساحة للأفلام التي تمنح الجمهور تجربة شعورية وفكرية، وتترك أثراً داخلياً يتجاوز لحظة المشاهدة العابرة، قائلةً: «هناك حاجة لمساحات أهدأ وأكثر صدقاً تحتفي بالأفلام التي تترك أثراً داخلياً، وتمنح الجمهور تجربة شعورية وفكرية».

كما ترى حزيمة أن هذا المشروع يحمل أيضاً بعداً رمزياً على مستوى السينما السعودية، قائلةً: «أعتقد أن من أكثر الأمور التي تميّز هذه المبادرة أنها تُعد من أولى المبادرات في تاريخ السينما السعودية التي تقوم فيها مخرجة سعودية مستقلة بتأسيس صالون سينمائي وفني يحمل رؤيتها الشخصية خارج الإطار المؤسسي التقليدي».

يشار إلى أن هذا المشروع يأتي تحت مظلة شركة الإنتاج المستقلة التابعة لها «Look At The Wall Productions»، بالشراكة مع مدرسة إيسرا للسينما في باريس، وبشراكة ثقافية مع حي سينما التابع لـ«فن جميل»، إلى جانب تعاون مع معهد العالم العربي بباريس، فيما تتولى «ميم للفنون» الرعاية الإعلامية الرقمية للصالون.

Your Premium trial has ended