ورقة غربية ـ إقليمية لـ«رسم الحدود» بين الأسد ورئيس الوزراء... و«حيادية الأمن»

مصادر غربية تتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن معايير الموقف الأميركي... ومفاوضات فيينا اختبار للمشاركة في سوتشي

دي ميستورا يحمل وثائقه في مفاوضات جنيف أمس (أ.ف.ب)
دي ميستورا يحمل وثائقه في مفاوضات جنيف أمس (أ.ف.ب)
TT

ورقة غربية ـ إقليمية لـ«رسم الحدود» بين الأسد ورئيس الوزراء... و«حيادية الأمن»

دي ميستورا يحمل وثائقه في مفاوضات جنيف أمس (أ.ف.ب)
دي ميستورا يحمل وثائقه في مفاوضات جنيف أمس (أ.ف.ب)

صاغ وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون وحلفاؤه الغربيون والإقليميون مبادئ تصورهم للحل السياسي السوري في ورقة خطية تضمنت مقترحات عملية للإصلاح الدستوري، وتقليص صلاحيات الرئيس و«رسم الحدود» بينه وبين رئيس والوزراء والإدارات المحلية، وتأسيس «جمعية المناطق» مع البرلمان، و«حيادية» الجيش والأمن، إضافة إلى «انسحاب الميليشيات الأجنبية» من سوريا، بحيث تكون هذه خريطة عمل مقترحة للمبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا.
كما بعث الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، رسالة خطية إلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تضمنت معايير محددة يجب أن تتحقق قبل مشاركة الأمم المتحدة في «مؤتمر الحوار الوطني السوري» في سوتشي يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين. أحد المعايير، هو «الانخراط البناء» لوفد الحكومة السورية في مفاوضات السلام في فيينا التي بدأت أمس، خصوصاً لجهة المشاركة في بحث ملف الدستور.
والتقى دي ميستورا، أمس، كلاً على حدة، الوفد الحكومي السوري برئاسة بشار الجعفري، ووفد «هيئة التفاوض» المعارضة برئاسة نصر الحريري. واستمر اجتماع المبعوث الخاص مع الوفد الحكومي نحو ساعتين، من دون أن ترشح أي معلومات عنه حتى مساء أمس، كما لم يدلِ الجعفري بأي تصريح لدى وصوله. وقال دبلوماسي غربي: إن محادثات فيينا «الوقت المناسب لاختبار قدرة الروس على إقناع النظام بالالتزام بتعهداته. وحان الوقت كي تأخذ روسيا زمام الأمور إذا كانت تريد إنقاذ مؤتمر سوتشي من مقاطعة المعارضة». وأوضح ان وفد «الهيئة» سيلتقي وفدا روسيا اليوم «كي يطلب الضغط على وفد الحكومة»، اضافة الى تعديل «وثيقة سوتشي».
وكان فريق الأمم المتحدة زار دمشق الأسبوع الماضي، وسأل الخارجية السورية سلسلة من الأسئلة عن الإصلاح الدستوري ومرجعية اللجنة الدستورية وعلاقتها بمفاوضات جنيف وتنفيذ القرار 2254، لكن دمشق رفضت إعطاء أي جواب، واكتفت بالقول: إن الأجوبة ستأتي في فيينا.
وكان لافتاً أن دي ميستورا والمبعوثين الغربيين كثفوا جهوداً خاصة للبحث عن تفاصيل موقف الوفد الحكومي ومدى انخراطه في ملف الدستور، على اعتبار أنه في الجولة الثامنة رفض الجعفري بحث ملف الدستور قبل «إعادة سلطة الدولة على جميع الأراضي السورية وتحريرها من الإرهاب». كما أن مقربين من دمشق تمسكوا بأن الإصلاح الدستوري يجب أن يكون ضمن الدستور الحالي لعام 2012 والآليات المتوفرة، أي عبر لجنة التشريعات في البرلمان التي تقترح تعديلات على الدستور.

من غوتيريش إلى لافروف
وكان موضوع «الإصلاح الدستوري» ملفاً أساسياً في رسالة من غوتيريش إلى لافروف والاتفاق الموقّع بين الرئيسين دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في نوفمبر (تشرين الثاني)؛ إذ إن دولاً غربياً والأمم المتحدة تمسك بأنه «يلتزم الرئيس بشار الأسد بالتوصل إلى دستور جديد وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة بموجب القرار 2254». ولم ينجح ألكسندر لافرينييف، مبعوث الرئيس الروسي، في الحصول من دمشق على تعهد كهذا.
وأقصى ما حصل عليه، هو بيان رئاسي سوري مفاده استعداد لـ«إصلاح دستوري (في دستور عام 2012) وإجراء انتخابات برلمانية» من دون ذكر الرئاسية والقرار 2254 وعملية جنيف. وقام لافرينييف بـ«ملء الفراغ» عندما أعلن بنفسه في آستانة التعهد الذي كان «مطلوباً من الأسد»، بحسب وعود موسكو.
مرد التمسك الغربي والدولي بـ«معايير غوتيريش»، يتعلق بمتطلبات المشاركة في مؤتمر سوتشي، خصوصاً أن الجانب الروسي وجه دعوات إلى الدول الأربع دائمة العضوية في مجلس الأمن (باعتبار أن روسيا هي الخامسة) والدول الإقليمية البارزة والمجاورة لسوريا و«ضامني» عملية آستانة، أي إيران وتركيا (وروسيا) بصفة «مراقبين». ولن يقرر مسؤولو الدول الغربية المشاركة أو المقاطعة في انتظار قرار «الهيئة التفاوضية» ونتائج مفاوضات فيينا.
اللافت، أن أنقرة ودولاً إقليمية أخرى دخلت على الخط في تشجيع «الهيئة» المعارضة للمشاركة في سوتشي؛ إذ إن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أبلغ رئيس «الهيئة» نصر الحريري، أول من أمس، بالمشاركة في سوتشي وطرح الأسئلة والمطالب، وضرورة البقاء في العملية السياسية.
لكن واقع الحال، أن قيام وفد الحكومة السورية بـ«الانخراط البناء» في مفاوضات فيينا يلبي أحد متطلبات «معايير غوتيريش» إلى لافروف للمشاركة الأممية في مؤتمر سوتشي وليس جميعها؛ إذ إن هناك متطلبات أخرى، بينها أن اللجنة الدستورية يجب أن تضم ممثلين من الحكومة السورية والمعارضة وأطرافاً أخرى، وأن يتم الاتفاق على مهمة وصلاحية اللجنة الدستورية ضمن عملية جنيف، وأن اللجنة الدستورية يجب أن تشرف على الحوار الوطني وصوغ دستور جديد، إضافة إلى أن مؤتمر سوتشي يجب أن يعقد لمرة واحدة فقط ويدعم عملية جنيف تحت إشراف الأمم المتحدة، وإلى تكرار طلب آخر يتعلق بـ«التزام الأسد إقرار دستور جديد لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف الأمم المتحدة بموجب القرار 2254 وعملية جنيف». وتم التأكيد على أن «تشرف» الأمم المتحدة على العملية الانتخابية من الألف إلى الياء، وعدم الموافقة على الاكتفاء بأن تتم الانتخابات بـ«رقابة» الأمم المتحدة.
وتكتسب هذه الشروط أهمية؛ ذلك أن وثيقة البيان الختامي لمؤتمر سوتشي التي نشرتها «الشرق الأوسط» قبل يومين، تضمنت تشكيل ثلاث لجان: دستورية لإجراء إصلاح دستوري (وليس إقرار دستور جديد)، ولجنة انتخابات، وهيئة رئاسية لمؤتمر سوتشي الذي دعي إليه 1600 سوري.

ورقة غربية ـ إقليمية
في موازاة ذلك، بدا أن إدارة الرئيس ترمب باتت واضحة في رؤيتها السياسية عندما قدمت استراتيجية للملف السوري، تضمن سلسلة من المبادئ، بينها «البقاء العسكري المفتوح» شرق سوريا، ودعم الاستقرار والإعمار هناك، واستعمال ذلك ورقةً في التفاوض مع موسكو.
وبعد محادثات طويلة، أقر تيلرسون ونظيراه البريطاني بوريس جونسون والفرنسي جان إيف لودريان وحلفاؤهم الإقليميون، ورقة للحل في اجتماعات وزارية في باريس الثلاثاء الماضي. وقالت مصادر دبلوماسية غربية لـ«الشرق الأوسط» أن الورقة اقترحت على دي ميستورا أن «يضغط» على وفدي الحكومة والمعارضة لـ«إجراء مفاوضات جوهرية للإصلاح الدستوري، ومعايير عملية لإشراف الأمم المتحدة على الانتخابات، وخلق بيئة آمنة ومحايدة في سوريا لإجراء الانتخابات بما في ذلك إجراء حملات انتخابية من دون خوف»، إضافة إلى إجراءات بناء الثقة.
وأضافت المصادر إن الورقة أكدت بوضوح أن الدول المعنية «مستعدة للمساعدة في إعادة إعمار سوريا فقط عندما يتحقق الانتقال السياسي الجدي والجوهري والشامل عبر التفاوض بين الأطراف المعنية برعاية الأمم المتحدة لتنفيذ القرار 2254 وبيان جنيف، وعندما تتأسس بيئة حيادية تسمح بالانتقال: «السياسي.
وتضمنت الورقة، بحسب المصادر الدبلوماسية الغربية، ثلاثة عناصر: يتعلق الأول بثمانية مبادئ للإصلاح الدستوري بينها «صلاحيات الرئيس»، بحيث تعدل عما هي في الدستور الحالي للعام 2012 وتتضمن 23 صلاحية بهدف «تحقيق توازن بالصلاحيات وضمانات لاستقلال المؤسسات المركزية الأخرى والإدارات الإقليمية» في إشارة إلى الإدارات المحلية.
كما تضمن مبدأً آخر، يتعلق بصلاحيات رئيس الوزراء بـ«تقوية صلاحياته، ورسم حدود السلطة بين الرئيس ورئيس الوزراء» بحيث لا يعتمد تعيين رئيس الوزراء على قرار الرئيس، إضافة إلى صلاحيات برلمان وتأسيس مجلس آخر يعكس «تمثيلاً إقليمياً» (إدارات محلية)، مع سحب صلاحيات الرئيس من حل البرلمان أو المجلس الإقليمي.
وكانت «وثيقة سوتشي» أشارت إلى «الحكم الذاتي» في سوريا، في حين أشارت ورقة دي ميستورا السابقة لمبادئ الحل السياسي إلى «الإدارات المحلية». وتحدثت المسودة الروسية للدستور السوري عن «جمعية مناطق» تؤسس إلى جانب البرلمان. كما تشير وثائق المعارضة والحكومة إلى «اللامركزية» أو «الإدارات المحلية».
وتلمح جميع هذه الوثائق إلى مناطق سيطرة ذات غالبية كردية شرق سوريا وشمالها ومناطق معارضة، في حين يُعتقد أن واشنطن تشير في وثائقها إلى منطقة شرق نهر الفرات الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية بدعم التحالف الدولي ضد «داعش».
وتناولت الورقة الغربية - الإقليمية، بحسب مصادر غربية: «إصلاح أجهزة الأمن» بحيث تخضع للسلطة المدنية وإنهاء الحصانة عنها، إضافة إلى عملها في شكل حيادي مع خضوعها للمساءلة والمحاسبة. وتختلف هذه البنود عن «وثيقة سوتشي» التي تحدثت عن جيش وأجهزة أمن تحت الدستور، في حين أشارت ورقة دي ميستورا إلى «جيش مهني» وخضوع أجهزة الأمن لـ«قانون حقوق الإنسان».
العنصر الثاني، بحسب المصادر، يتعلق ببنود مؤثرة بـ«إشراف» الأمم المتحدة على الانتخابات بمشاركة النازحين واللاجئين بموجب القرار 2254، بحيث تؤسس مؤسسات وفق معايير دولية «تشرف» على الانتخابات بما فيها «هيئة انتخابية مهنية وحيادية ومتوازنة»، إضافة إلى صلاحية قوية للأمم المتحدة بقرار من مجلس الأمن لـ«تولي المسؤولية الكاملة لإجراء انتخابات حرة وعادلة في سوريا»، عبر تأسيس هيئة الانتخابات ومكتب سياسي لدعم الانتخابات و«دور في الاعتراف بنتائج الانتخابات». وتعتبر هذه الشروط أساسية، بحسب تعريف الأمم المتحدة لمعنى «الإشراف» والفرق بينه وبين «المراقبة».
ويتناول العنصر الثالث إجراءات بناء الثقة وتوفير البيئة المحايدة لإجراء الانتخابات، وتشمل بنوداً عدة، بحسب المصادر، بينها «الانخراط البناء» من الأطراف السورية في عملية جنيف، ووقف العمليات القتالية و«حيادية أجهزة الأمن»، إضافة إلى «انسحاب الميلشيات الأجنبية وإطلاق برنامج لنزع السلاح والاندماج والتسريح» للعناصر المسلحة والوصول إلى الوثائق المخصصة للسجل المدني.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.