الجنود ما عادوا جنوداً... والموت صار تقنية رقمية

عن «أدب الحرب» الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة

الروايات عن  حرب العراق عكست مشاعر الرّعب والقلق عند الجنود الأميركان متجاهلة معاناة الضحايا
الروايات عن حرب العراق عكست مشاعر الرّعب والقلق عند الجنود الأميركان متجاهلة معاناة الضحايا
TT

الجنود ما عادوا جنوداً... والموت صار تقنية رقمية

الروايات عن  حرب العراق عكست مشاعر الرّعب والقلق عند الجنود الأميركان متجاهلة معاناة الضحايا
الروايات عن حرب العراق عكست مشاعر الرّعب والقلق عند الجنود الأميركان متجاهلة معاناة الضحايا

تكمن قيمة الأدب أساساً وقبل كل شيء في قدرته على نقل المشاعر الإنسانية الاستثنائية التي تنتجها تجارب عميقة في مواجهة الموت والحياة والحب والأقدار خارج إطار اليومي والعادي والمألوف. ولطالما كان أدب الحروب في الغرب مساحة رحبة وموضعاً ثرياً لاستكشاف أقصى حدود الخوف الإنساني ومعنى التجربة الوجودية برمتها، لا سيما أن مسرح الحضارة الغربية بمجمله عاش مآسي وحروباً كونية وإقليمية عديدة خلال المائة سنة الأخيرة أُبيدت خلالها أجيال كاملة وأُزيلت مدن برمتها عن وجه المعمورة أو كادت.
لكن هذا اللون الأدبي الخاص في الرواية والشعر والذي عاش عهده الذهبي خلال النصف الأول من القرن العشرين متأثراً بأجواء الحربين العالميتين والحرب الأهلية الإسبانية، يبدو هذه الأيام كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، فالأعمال الصادرة حديثاً والتي يمكن أن تصنَّف ضمنه -وإن فاز بعضها بجوائز أدبية أو حقق أرقام مبيعات ممتازة– لا ترقى بأي حال إلى مستوى النصوص الكلاسيكية لهذا الأدب، وتكتفي بمناوشات سيكولوجية فردية تقصر عن نقل عمق التجربة المفترضة لمن شهد هذه الحروب، بل وتحول البعض منها إلى مجرد حكايات مشتقة من سردية البروباغندا الرسمية عن الحرب. فما الذي حدث لأدب الحرب حتى بدا كأنه يذهب إلى موته كجنرال قديم متقاعد، كانت له صولات وجولات لكن خدماته لم تعد تصلح في الحروب الجديدة، ولم يتبقَّ له من الحياة سوى انتظار قدره المحتم؟
لقد كانت الحرب العالمية الأولى بمثابة حرب مثقفين بامتياز حتى عدّها المؤرخون أكثر حروب البشر اشتغالاً بالأدب، وكانت حقائب الجند المقتولين لا تخلو بأي حال من كتاب أو كتابين، رواية أو شعراً أو قصصاً قصيرة، فاختلطت نصوص العهد الفيكتوري الرومانسية بالدماء والطين في الخنادق. لكن تلك اللغة المتأنقة القديمة لم تكن بقادرة على التعبير عن تجربة الجنود القاسية ومواجهاتهم اليائسة قبل الموت الأكيد، فكتب الناجون من الحرب رسائل ونصوصاً وأشعاراً تحررت من ربقة الشكل الأدبي السائد وجمود لغته، وانتهوا إلى أن أطلقوا أدباً جديداً بالكلية -سواء بالشكل وبالأدوات اللغوية أو بالمضمون- نجح في نقل أجواء الخنادق الكئيبة إلى كل بيت. أشعار كيبلنغ من تلك الفترة مثلاً تأخذ قارئها دون رحمة إلى أجواء أسلاك شائكة وأميال من اختلاط الموت بالتراب اللزج والبرد القارص والاكتئاب الأسود. كتابات تلك الفترة جبلتها تجربة الحرب بالأساطير الموروثة التي حملها الجنود معهم، وتمتماتهم الدينية ولغتهم الفجة بدت مترددة بين النثر والشعر وبين الحاضر والماضي، في حيرة جميلة ساعدتها الرموز على موازنة النص ليلامس شغاف القلوب.
بين الحربين العالميتين، عاشت إسبانيا في الفترة 1936 – 1939 ما كان بمثابة حرب عالمية صغرى اتسمت بدمويتها المفرطة ومواجهاتها القريبة وعلى نحو أهم بانخراط نخب رفيعة التثقيف لا سيما بين اليساريين الذين تدفقوا من بلاد كثيرة لإسناد الجمهوريين في مواجهتهم لعدوان جيش الجنرال فرانكو المدعوم من القوى الفاشية. كان بين تلك الأفواج من حاملي السلاح شعراء وروائيون وفنانون وحالمون كثر شُكِّلوا من خلال انخراطهم المباشر في أهوال حرب أهلية مؤلمة وتجربة إنسانية متقدمة على حدود الفجيعة والألم أنتجت بعضاً من أهم كلاسيكيات الرواية والشعر والرسائل والفن التشكيلي، وأسهمت في إعادة صياغة المناخ الأدبي الغربي برمته.
الحرب الإسبانية مع ذلك كانت آخر الحروب التقليدية المعتمدة على شجاعة المقاتلين وصلابتهم في تحمل القصف وعوامل الطبيعة ومن ثم مواجهة العدو وجهاً لوجه. فالحرب العالمية الثانية شهدت بداية سحب التكنولوجيات لزمام المبادرة من العنصر البشري في المعارك، وكسرها لكل مقياس إنساني في القتال، لتنتهي وقد أعادت تشكيل قصة الحرب بمجملها. لقد اصطدم الوعي البشري وبحدة غير مسبوقة بفكرة التقدم العبثي الذي أنتج قدرة هائلة على الإيذاء منتصراً على المسافة والجغرافيا بل وسرعة الصوت ليأخذ القتل إلى أناس أكثر في وقت أقل. غيّرت التكنولوجيا الإحساس بالحرب، إذ لم تعد مجرد معارك يخوضها الجنود، بل صارت حروب مدن يقضي فيها ألوف المدنيين ويتحكم بها علماء رياضيات وفيزياء وكيمياء لم تعرفهم معارك البشر من قبل. وقد انعكس ذلك بطبيعة الحال على أدب تلك الفترة الذي بدا سجلاً أميناً لمشاعر الذهول الجمعي والعجز وفقدان الأمل أو المعنى، إذ لم تعد الأسلاك الشائكة والخنادق تعبر عن أهوال الحرب، فهذا عصر رموزه الهولوكوستات ومعسكرات الموت الجماعي والقنابل النووية والهلع، ولم تعد الشجاعة أو النبل لتعني شيئاً.
الحرب الكورية ولاحقاً حرب فيتنام كانت بشكل أو آخر امتداداً للحرب العالمية الثانية على مستوى الوعي الإنساني، ومثّل أدبها انقطاعاً تاماً عن الماضي وتحولاً عن أدب الحرب كما عرفناه قبل 1939. ومع ذلك فإننا يمكن أن نبدأ بتلمس تطور نوعي شامل في طبيعة الحرب ذاتها بدءاً من حرب أفغانستان، ثم حرب الخليج الأولى عام 1991 والثانية 2003 لدرجة أن فيلسوف ما بعد الحداثة الفرنسي بودليارد نشر مقالة هامة شاعت وقتها كان عنوانها «حرب الخليج لم تقع»، بمعنى أن الحرب تغيرت بالمجمل، ولم تعد مطلقاً تشبه خبرتنا -حتى ذلك الحين- عن الحرب.
حرب الإمبراطورية الأميركية اليوم دخلت في أفق جديد تماماً. فتقنيات القتل الجديدة مثل «الدرون» والصواريخ الموجَّهة حصرت موضوع الموت في المقتول دون القاتل، وحوَّلت المقتول إلى مجرد إحداثيات يعتمد رصدها على شبكة تحتية من أدوات الاتصال فائقة الذكاء. لم تعد المعارك مواجهة بين طرفين، بل هي أشبه بصياد يطارد فريسته وهو يحتسي القهوة في مكتب آمن على بعد آلاف الأميال، كما لو كانت لعبة فيديو أخرى. نتيجةُ ذلك كانت عزل الإنسان عن أجواء المعركة، فبينما شارك 15% من الأميركيين مثلاً في الحرب العالمية الثانية بأنفسهم، فإن المجهود الحربي الأميركي في أثناء حرب العراق لم يحتجْ إلا إلى أقل من 1% منهم، غالبهم في مهمات مساندة لوجيستية واتصالات، وكثير منهم شاركوا في الحرب –بشكل أو بآخر– دون مغادرة مقرات عملهم في القواعد الأميركية، الأمر الذي جعل التجربة الإنسانية عن الحرب تتضاءل وتتسطح وتقتصر على عدد محدود من التقنيين، مع شبه انعدام في الخسائر البشرية مقابل كتلة ضحايا هائلة سحقها الموت على الجهة الأخرى.
النموذج المستجدّ للحرب جعل كل كتابة أدبية عنها بمثابة خداع للذات حول ادعاء فهم أبعاد التجربة الإنسانية التي ترافق أهوال الموت الجماعي هذه، ناهيك بتصور صيغة الحرب ذاتها. ولذا فإن مراجعة سريعة للأعمال الروائية الأميركية الصادرة حديثاً تحت تيمة أدب الحرب تكشف عن هزال فظيع في القيمة الإنسانية والفنية للأعمال رغم أرقام المبيعات الخادعة أحياناً. مثلاً رواية «أخضر على أزرق» (إليوت أكيرمان – 2015) التي تروي جانباً من حرب أفغانستان، تبدو كأنها نص كتبه موظفو استخبارات لا أكثر، بينما رواية «دمٌ شاب» (مات غالاغر – 2016) التي تعالج حرب العراق تبدو كرواية سيكولوجية تحبس مشاعر الرعب والقلق على المستوى الفردي المحض للجندي الأميركي، ولا تمسّ معاناة مئات الألوف من ضحاياهم، فكأنها أدب اعترافات شخصية لتاجر مخدرات في مدينة أميركية باهتة أكثر منها رواية حربٍ هائلة.
عندما جمع الشاعر البريطاني المعروف ويليام بتر ييتس كتاب أكسفورد عن النتاجات الأدبية التي أفرزتها الحرب العالمية الأولى، أخذ قصائد الشعر التي خطتها أيدي الجنود، واستبعد تلك التي كتبها الضباط وكبار القادة رغم أن بعض الأخيرة كانت قيِّمة دون شك. بالنسبة إلى ييتس، المعاناة السلبية من الخطوط الخلفية لا تؤهل صاحبها لوصف تجربة الحرب على حقيقتها.
كل أدب الحرب المعاصر ينتمي إلى مجموعة المعاناة السلبية ذاتها التي تفشل في التأهل للحديث عن عمق التجربة البشرية في هذه الحالة الاستثنائية حد التلاشي. لقد تغيرت الحرب: فالجنود ما عادوا جنوداً، والموت صار تقنية رقمية، وغدت الضحايا بالأكوام، ولن يكون آخرها «أدب الحروب».



وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».