روي هودجسون: التدريب متعة سادية ومن المعاناة تشعر بالسعادة

المدير الفني لكريستال بالاس نجح في إنقاذ النادي واسمه الكبير وما زال يتمتع بطاقة كبيرة رغم تجاوزه السبعين

هودجسون نجح في إنقاذ مسيرة كريستال بالاس وأبعده عن منطقة الخطر (أ.ف.ب)
هودجسون نجح في إنقاذ مسيرة كريستال بالاس وأبعده عن منطقة الخطر (أ.ف.ب)
TT

روي هودجسون: التدريب متعة سادية ومن المعاناة تشعر بالسعادة

هودجسون نجح في إنقاذ مسيرة كريستال بالاس وأبعده عن منطقة الخطر (أ.ف.ب)
هودجسون نجح في إنقاذ مسيرة كريستال بالاس وأبعده عن منطقة الخطر (أ.ف.ب)

لم يكن المدير الفني لنادي كريستال بالاس روي هودجسون يوماً ما من نوعية المدربين الذين ينظرون إلى الوراء. ولو كان الأمر كذلك لظل حتى الآن - حسب اعترافه - في نفس الدائرة المغلقة لحياته بالذهاب إلى النادي الذي كان يشجعه، وهو صغير، ويمشي مع والده لمشاهدة فريق الرديف بالنادي في أسبوع، ثم مشاهدة الفريق الأول في الأسبوع التالي من شرفة ملعب هولميسديل روود.
لقد كان الشعور بالطموح الكامن لنادي كريستال بالاس ورغبة هودجسون في العودة إلى العمل مرة أخرى بعد 14 شهراً من ترك منصبه كمدير فني للمنتخب الإنجليزي، هو الذي أقنعه بالعودة إلى النادي الذي بدأ العمل به قبل أكثر من نصف قرن من خلال جلسات مع فريق الشباب بالنادي.
وكان والده بيل، وهو من مقاطعة تاينسايد البريطانية، قد انتقل للعمل في العاصمة البريطانية لندن قبل الحرب العالمية الثانية، ثم عاد من القتال ليتزوج ويستقر كسائق حافلة في الضواحي الواقعة جنوب النهر.
يقول هودجسون: «لقد اعتبر نفسه لندنياً، لكنه كان يشجع ناديين: نيوكاسل في شبابه، ثم عندما انتقل إلى مدينة كرويدون، كان يشجع كريستال بالاس. وقبل وفاته مباشرة، أطحنا بنادي إنترميلان الإيطالي من بطولة أبطال الكؤوس الأوروبية في عام 1989. وكنت سعيداً حقاً لأنه عاش على الأقل لرؤية تلك اللحظة. لكن أن يراني مع كريستال بالاس فهذه قصة أخرى! أنا متأكد من أنه كان سيكون فخوراً وسعيداً للغاية».
وبعد ما يزيد قليلاً عن أربعة أشهر على تعيينه مديراً فنياً لنادي كريستال بالاس، كان البعض يشكك في قدرته على قيادة الفريق لبر الأمان، ولا يتذكر سوى الإخفاق الأخير للمدير الفني المخضرم مع المنتخب الإنجليزي في البطولات الأخيرة، وافترض أن هذا الرجل قد انتهى، ولذا فمن الصعب ألا نعجب بقدرة هذا المدير الفني المخضرم على العودة إلى التألق من جديد.
ورغم أن هودجسون قد بلغ السبعين من عمره، وتعد هذه هي المهمة التدريبية رقم 20 في تاريخه، فإنه يملك طاقة هائلة للتدريب بكل قوة، وربما أكثر من أي وقت مضى، كما أن لديه قدرة كبيرة على نقل طاقته وحماسه إلى لاعبيه، بدءاً من ويلفريد زاها مروراً بجيمس تومكينز ووصولاً إلى باكاري ساكو ومارتن كيلي، وهم اللاعبون الذين نجح هودجسون في إعادتهم إلى المستوى القوي الذي كانوا عليه من قبل.
وقبل تولي هودجسون قيادة كريستال بالاس، كان الفريق قد حقق أسوأ بداية له في الدوري الإنجليزي الممتاز عبر تاريخه، حيث خسر سبع مباريات من دون إحراز أي هدف، بما في ذلك أربع مباريات تحت قيادة المدير الفني الهولندي فرانك دي بور. ووصل هودجسون لتولي قيادة الفريق في ظروف صعبة للغاية، وحتى جدول المباريات وضعه في اختبار صعب في أول مباراتين له أمام كل من مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد. لكن خلال 16 مباراة منذ ذلك الحين، ورغم قائمة الإصابات الطويلة، نجح كريستال بالاس في حصد 25 نقطة، ولم يخسر في آخر 12 مباراة بالدوري الإنجليزي الممتاز سوى أمام آرسنال.
وكان هناك بعض الأوقات - مثل تعثر الفريق على ملعب الاتحاد أو عندما أضاع فريقه ركلتي جزاء في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع أمام كل من بورنموث ومانشستر سيتي - التي فكر فيها هودجسون في المنطق وراء استئنافه لحياته المهنية مرة أخرى.
يقول المدير الفني المخضرم: «كنت سأضحك كثيراً لو أخبرني شخص ما في عام 1976 بأنني سوف أستمر في مهنة التدريب حتى السبعين من عمري. لقد ساعدت بوبي هوتون في نادي هالمشتاد السويدي وكان عمرنا لا يتجاوز الثلاثين عاماً. كنا نقول: ألن يكون من الرائع أن نقوم بذلك لمدة 10 سنوات وندخر بعض المال، ثم نبدأ عملاً صغيراً سوياً، كشركة سياحة مثلاً. لم تكن لدينا أفكار عن كرة القدم أكثر من ذلك».
وأضاف: «إنها متعة سادية، فالمعاناة لا تتوقف أبداً وهذه هي المشكلة. وهناك الكثير من المديرين الفنيين الشباب الذين يحترمون حقيقة قيامي بذلك لفترة طويلة، ويسألونني عن كيفية القيام بهذا الأمر في كثير من الأحيان. ويسألون: هل بات الأمر أسهل من ذي قبل؟ هل يمكنك الاسترخاء أكثر خلال المباريات؟ لكن المأساة أنني أقول لهم: لا، فالأمر يزداد سوءاً. عندما تضع قدمك على أول السلم فهذا هو المكان الذي يمكنك بسهولة التراجع عنده. وعندما تكون محظوظاً بما فيه الكفاية وتنجح في الصعود، فإن الشيء الوحيد الذي يمكنك أن تراه هو الانزلاق الموجود خلفك، لكنك لا ترى درجات السلم التي تأخذك لأعلى».
ويتابع: «أنت تتعلم أن تكون أقوى بمرور الوقت، لكن كلما ظللت في هذه المهنة لفترة أطول فسيكون من الصعب عليك الابتعاد عنها. إنها ليست شيئاً يمكنك الذهاب بعيداً عنه، وحتى لو كنت لا تحقق الفوز، فقد تشعر ببعض الراحة والرضا من حقيقة أنك تقوم بعملك بشكل صحيح. لكنني أعاني خلال المباريات، فنحن نتابع كل ما يحدث ونبذل قصارى جهدنا ولا نترك أي كرة إلا ونحاول أن نحصل عليها، ونتمنى أن ينجح دفاعنا في إيقاف كل الكرات العرضية. نحن نستمتع بالمباريات إلى حد ما، لكن قلبك دائما يخفق».
إن المشهد الذي يذهب فيه المدير الفني لنادي مانشستر سيتي جوسيب غوارديولا إلى هودجسون خلال الوقت المحتسب بدلاً من الضائع للمباراة التي انتهت بالتعادل السلبي بين كريستال بالاس ومانشستر سيتي، في ليلة رأس السنة الجديدة، يلخص الاحترام الذي يحظى به هودجسون من قبل أقرانه من المديرين الفنيين. وقد تحدث هودجسون وغوارديولا عن فريقيهما، وقال هودجسون: «لقد كانت محادثة لطيفة».
لقد عبر هودجسون عن إعجابه بالطريقة التي يلعب بها مانشستر سيتي والجهد الكبير الذي يبذله الفريق حتى الرمق الأخير من عمر المباريات. يقول هودجسون: «أنا أحب الطريقة الرائعة التي يلعبون بها. وما زلت أشعر بالكثير من المتعة وأنا أشاهد الفرق الجيدة وهي تلعب، وأستمتع برؤية تحركات اللاعبين المتناسقة. الأمر يشبه رقص الباليه، فهناك الكثير من التفاعل في مباريات كرة القدم: بينك وبين زملائك في الفريق وكيف يدعم كل لاعب زملاءه ويعمل من أجل الآخرين ويركض وينتظر المساعدة. لكنني أستمتع أيضا بالجانب الآخر المتمثل في الضغط على الخصم، وكيف يعمل اللاعبون بقوة لاستعادة الكرة».
لقد تسلم هودجسون مهمة فريق يعاني من انعدام الثقة، لكن النادي كان حريصاً على توفير كل عوامل النجاح للمدير الفني المخضرم، فأصبحت تقام الحصص التدريبية على شكل المباريات لتشجيع اللاعبين على التعاون فيما بينهم، ولكي يعرف كل لاعب دوره في المباريات جيداً. لقد نجحت هذه الطريقة من قبل مع هودجسون في فولهام ووست بروميتش ألبيون ومالمو وكوبنهاغن.
يقول هودجسون: «لم نسمع أي أحد يقول: لماذا نقوم بذلك بحق الجحيم؟ لكن العكس هو ما حدث تماماً، حيث جاء بعض الأشخاص إلينا وقالوا: نحن نحب هذا وبحاجة إلى المزيد، ونرجوكم أن تستمروا في هذا الأمر. الفريق يستمد زمام المبادرة منك ومن طاقتك وحماسك، وكل ذلك ينتقل إلى اللاعبين. أنا قلق من أن يكون تقدمي في السن قد لا يجعلني قادراً على التأكد من مواصلة ذلك».
وبفضل العمل الكبير الذي قام به، نجح هودجسون في الارتقاء بكريستال بالاس إلى المركز الثاني عشر في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز، ويبدو أنه سيتلقى العديد من العروض خلال فترة الانتقالات الشتوية الحالية. يقول هودجسون: «أعمل في نادٍ لديه إمكانات جيدة حقاً، كما أن ملاك النادي يفكرون بطريقة صحيحة. الشيء الوحيد الذي نفتقر إليه هو التأكد من أن لدينا 11 لاعباً لديهم القدرة على تحقيق الاستقرار التام في الدوري الإنجليزي الممتاز، حتى لا يمكننا النظر إلى الحمل الثقيل الموجود على كاهلنا ونتساءل: هل سنستمر في الدوري الإنجليزي الممتاز، أم سنهبط لدوري الدرجة الأولى»؟.



قصة صورة ميسي ويامال الرضيع... من صدفة القرعة إلى نهائي مونديال 2026

ميسي مع يامال (أ.ب)
ميسي مع يامال (أ.ب)
TT

قصة صورة ميسي ويامال الرضيع... من صدفة القرعة إلى نهائي مونديال 2026

ميسي مع يامال (أ.ب)
ميسي مع يامال (أ.ب)

عندما تلتقي نبوءات القدر بروح الساحر الأرجنتيني وفتى كاتالونيا الذهبي، تُكتب فصول في تاريخ كرة القدم لا يمكن لأعتى مخرجي السينما تخيلها.

إنها حكاية النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي والفتى الإسباني المعجزة لامين يامال، اللذين بدأت قصتهما برواية إنسانية صامتة قبل نحو 19 عاماً، لتتجسد اليوم في قمة المجد الكروي على أرض ملعب نيوجيرسي بالولايات المتحدة، في نهائي مونديال 2026، بين رضيع يُغسل في حوض بلاستيكي أزرق، وأسطورة حية تبحث عن ختام إعجازي لمسيرتها، تقف لغة الأرقام شاهدة على مسار أسطورتين التقيتا صدفة، وتواجهتا قدراً.

ميسي خلال مشاركته في برنامج تابع لـ«منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)» وهو يحمل يامال (أ.ب)

صدفة «القرعة» وغرفة ملابس «كامب نو»

في خريف عام 2007، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) بالتعاون، مع صحيفة «دياريو سبورت» الكاتالونية مبادرة إنسانية لإعداد تقويم خيري. اعتمد المشروع على قرعة علنية للعائلات المقيمة في أحياء كاتالونيا للمشاركة في جلسة تصوير مع لاعبي نادي برشلونة.

ابتسم الحظ لعائلة قادمة من حي روكا فوندا في ماتارو من أب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، كانت تحمل طفلاً رضيعاً لم يتجاوز عمره 5 أشهر يُدعى لامين يامال.

ميسي مع يامال ووالدته (أ.ب)

داخل غرفة الملابس الخاصة بالفريق الزائر في ملعب «كامب نو»، وقف شاب خجول وانطوائي في العشرين من عمره يُدعى ليونيل ميسي.

لم يكن ميسي قد تُوّج حينها بأي كرة ذهبية. وبتوجيه من المصوِّر الإسباني خوان مونفورت، تقدم ميسي بارتباك ليحمل الرضيع يامال، ويساعد والدته شيلا إيبانا، في تحميمه داخل حوض بلاستيكي أزرق.

ظلَّت هذه اللقطة منسية في أرشيفات الوكالات حتى نشرها والد يامال معلقاً: «بداية أسطورتين».

مسار البرغوث من كاتالونيا إلى مجد الأبدية

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

بينما كان الرضيع يامال يخطو خطواته الأولى نحو مراكز التكوين، كان ميسي يحول ملاعب العالم إلى مسرح شخصي لاستعراضاته السحرية التي لا تنتهي. امتدَّت مسيرة الساحر الأرجنتيني مع نادي برشلونة لتشمل سبعمائة وثمانياً وسبعين مباراة، دكَّ خلالها شباك الخصوم بستمائة واثنين وسبعين هدفاً، وقاد الفريق للفوز بخمسة وثلاثين لقباً، بينها عشر بطولات في الدوري الإسباني، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا.

ميسي محمولاً على الأعناق بعد قيادة الأرجنتين للفوز على إنجلترا والتأهل للنهائي (أ.ب)

واصل ميسي كتابة التاريخ بعد رحيله عن كاتالونيا، فخاض مع باريس سان جيرمان خمساً وسبعين مباراة أحرز فيها اثنين وثلاثين هدفاً متوَّجاً بالدوري الفرنسي مرتين، قبل أن ينقل سحره إلى الملاعب الأميركية رفقة إنتر ميامي محققاً كأس الدوريات ومحطماً ركام الأرقام القياسية.

وعلى الصعيد الدولي، قاد البرغوث منتخب التانغو لإنهاء عقدة العقود بالتتويج بلقب كوبا أميركا مرتين متتاليتين، واعتلاء عرش العالم في مونديال قطر 2022، مسجلاً أكثر من مائة هدف دولي جعلته الهداف التاريخي المطلق لبلاده برصيد مرصع بثماني كرات ذهبية.

صعود الصاعقة يامال وكسر الحواجز القياسية

على الجانب الآخر من الحكاية، دخل لامين يامال ذات الأكاديمية التي تخرج منها ميسي والمعروفة باسم «لا ماسيا»، ليبدأ في مطاردة شبح الرجل الذي حمله يوماً بين يديه.

لامين يامال في الجانب الإسباني (رويترز)

وفي شهر أبريل (نيسان) من عام 2023، دخل يامال تاريخ النادي الكاتالوني من أوسع أبوابه، عندما أصبح أصغر لاعب يشارك في مباراة بالدوري الإسباني بعمر 15 عاماً و290 يوماً.

تحول الفتى المعجزة سريعاً إلى الركيزة الأساسية للبلوغرانا، مسجلاً ما يزيد عن 15 هدفاً وصانعاً عشرات الأهداف الحاسمة، مما دفع إدارة النادي لتحصينه بعقد خيالي يتضمن شرطاً جزائياً بقيمة مليار دولار.

لامين يامال (أ.ف.ب)

ولم يتأخر التوهج الدولي ليامال؛ إذ قاد منتخب الماتادور الإسباني باقتدار مذهل للتتويج بلقب يورو 2024 وهو في الـ16 من عمره فقط، حاصداً جائزة أفضل لاعب شاب في البطولة، بعدما أبهر القارة العجوز بأهدافه ومراوغاته الساحرة.

مصادفات رقمية غريبة تجمع بين الملهم والتلميذ

فسيفساء مبتكرة للفنان ألكينت بوزيغو في مدينة جاكوفا بغرب كوسوفو تجمع ميسي ويامال بالحبوب والبذور احتفاءً بلقائهما المرتقب في نهائي كأس العالم 2026 (أ.ف.ب)

لا تقتصر العلاقة بين النجمين على مجرد صورة قديمة، بل تمتد إلى تفاصيل رقمية مذهلة تكاد تطابق جيناتهما الكروية على المستطيل الأخضر.

فكلا اللاعبين تخرج من مدرسة «لا ماسيا» العريقة، وكلاهما استهلَّ مشوارهما المونديالي بارتداء القميص رقم تسعة عشر.

والمثير للدهشة أن ميسي سجل هدفه المونديالي الأول في نسخة 2006 بعمر 18 عاماً، وهو نفس العمر الذي سجل فيه يامال هدفه المونديالي الأول في النسخة الحالية.

وتكتمل فصول هذه المفارقة العجيبة في طريقة تسجيل هذا الهدف؛ إذ نجح يامال في هز الشباك مستخدماً قدمه اليمنى الضعيفة، وفي الزاوية ذاتها التي وضع فيها ميسي كرته، قبل 20 عاماً تماماً، وكأن القدر يعيد صياغة المشهد بحذافيره ليؤكد المؤكد.

صورة توثق ملامح ميسي ويامال بريشة الفنان ألكينت بوزيغو في مدينة جاكوفا، تحيةً لصراع الأجيال المرتقب في نهائي كأس العالم 2026 (أ.ف.ب)

صراع الأجيال في المشهد المونديالي الأخير

تتجه أنظار العالم بأسره نحو ملعب نيوجيرسي في الولايات المتحدة الأميركية؛ حيث يضرب التاريخ موعداً استثنائياً في المباراة النهائية لبطولة كأس العالم الحالية.

تكتسي هذه المواجهة المباشرة بين الأرجنتين وإسبانيا طابعاً درامياً فريداً، بعد أن تسببت الظروف في تأجيل مباراة «الفيناليسيما» السابقة، ليدخر القدر هذا الصراع المثير إلى المسرح الأعظم على الإطلاق.

فسيفساء من الغلال والبذور توثق ملامح ميسي ويامال بريشة الفنان ألكينت بوزيغو في مدينة جاكوفا تحيةً لصراع الأجيال المرتقب في نهائي كأس العالم 2026 (أ.ف.ب)

يقف ميسي بعمر التاسعة والثلاثين طامحاً إلى تخليد اسمه بلقب مونديالي ثانٍ يختم به مسيرته الأسطورية، بينما يقف في مواجهته يامال بعمر التاسعة عشرة، يقود أحلام الإسبان نحو النجمة المونديالية الثانية، في مباراة تختصر صراع الأجيال وتبرهن على أن الطفل الذي غُسل ذات يوم في حوض بلاستيكي صغير، كبر لينافس ملهمه على عرش كرة القدم العالمية.


«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
TT

«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)

أُوقِف 141 شخصاً، ليل الثلاثاء-الأربعاء، في باريس وضواحيها، على هامش الاحتفالات المرتبطة بمواجهة فرنسا وإسبانيا في الدور نصف النهائي من «مونديال 2026»، وفق حصيلة أولية صادرة عن مديرية شرطة باريس.

وأوضحت المديرية أن هذه التوقيفات مرتبطة، بشكل رئيس، «لاستخدام مقذوفات الألعاب النارية الموجهة ضد قوات الأمن وخدمات الطوارئ». ووفق المصدر نفسه، لم تُسجَّل إصابات خطرة.

وأُقصي المنتخب الفرنسي من المربع الذهبي للعرس الكُروي العالمي بخسارته أمام إسبانيا 0-2. وفي العام الماضي، وفي التاريخ نفسه، أُوقِف 175 شخصاً. وخلال ليلة 13- 14 يوليو (تموز) الحالي، «أُوقف 98 شخصاً، مقابل 176» العام الماضي.

ونُشر نحو 7000 عنصر من الشرطة والدرك في باريس وضواحيها يومي 13 و14 يوليو.


بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
TT

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

حين تُسند إدارة قمة كروية ساخنة بحجم مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، فإن القرار لا يحمل في طياته مجرد صافرة تدير تسعين دقيقة من الركض، بل يفتح الباب واسعاً أمام قراءة في كتاب التاريخ وقصص الكفاح الإنساني.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

هذا هو حال الحكم الأميركي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفتح، الذي وجد نفسه تحت مجهر الصحافة البريطانية والأرجنتينية على حد سواء، ليس فقط كقاضٍ لواحدة من أكثر المواجهات إثارة وتاريخية في عالم كرة القدم، بل كفأل حسن دائم يرافق قائد «التانغو» ليونيل ميسي أينما حل وارتحل في الملاعب الأميركية والمونديالية.

من أزقة الدار البيضاء إلى الهندسة الميكانيكية

لم تكن طريق إسماعيل الفتح البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً مفروشة بالورود، فالرجل الذي ولد في أزقة الدار البيضاء المغربية عام 1982، غادر وطنه في سن الثامنة عشرة محملاً بحلم غامض بعد فوزه بقرعة تأشيرة التنوع الهجرة العشوائية عام 2001.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وفي الولايات المتحدة، لم يكتفِ الفتح بالبحث عن لقمة عيش تقليدية، بل واصل تحصيله الأكاديمي بجدية وعصامية لافتة، ليتخرج عام 2006 في جامعة تكساس العريقة حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إلا أن عشق الساحرة المستديرة ظل يراوده ليتخذ قراره الجريء بدخول عالم التحكيم رسمياً عام 2011، شاقاً طريقه خطوة بخطوة في الدوري الأميركي للمحترفين حتى حصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عام 2016، وهو العام ذاته الذي دوّن فيه اسمه كأول حكم يقود مباراة رسمية تُطبق فيها تقنية الفيديو المساعد في الملاعب الأميركية.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

تميمة حظ ميسي وهواجس الصحافة البريطانية

وقد أحدث اختيار الفتح لموقعة نصف النهائي في أتلانتا ضجة كبرى في الأوساط الرياضية البريطانية، حيث أبدت الصحف اللندنية قلقاً بالغاً من تعيينه، واصفة إياه بالحكم المفضل لليونيل ميسي.

وتستند هذه الهواجس إلى إحصائية مثيرة للاهتمام، إذ إنه منذ انتقال البرغوث الأرجنتيني إلى صفوف إنتر ميامي الأميركي، أدار له الفتح خمس مباريات نجح ميسي في الفوز بها جميعاً.

وتوزعت هذه المواجهات بين بطولتين هما كأس الدوريات ضد فريقي شارلوت وناشفيل (والتي تُوج ميامي بلقبها)، والدوري الأميركي للمحترفين ضد ناشفيل، أورلاندو سيتي، ونيوانغلاند ريفولوشن، سجل خلالها ميسي ستة أهداف حاسمة.

ولا يتوقف هذا الرابط الروحي مع الكرة الأرجنتينية عند هذا الحد، بل يمتد إلى ليلة لوسيل التاريخية في مونديال قطر 2022، حين كان الفتح حكماً رابعاً في المباراة النهائية الأسطورية التي شهدت رفع ميسي لكأس العالم بعد التغلب على فرنسا بركلات الترجيح.

قمة التحليق القاري والعالمي وغضب إسباني

ويعتبر الفتح، اليوم، واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل تراكم خبراته في المواعيد الكبرى، حيث أدار نهائي كأس العالم للشباب تحت عشرين عاماً في 2019، وشارك في أولمبياد طوكيو 2021، بالإضافة لثقة الفيفا به لقيادة قمم قارية كبرى مؤخراً؛ كنهائي كأس القارات للأندية بين باريس سان جيرمان وفلامنغو البرازيلي، ونهائي دوري أبطال الكونكاكاف.

ورغم هذا الصعود السريع، لم يخلُ مشواره من الجدل، فقبل هذه الموقعة المنتظرة، أثار تحكيمه في مباراة إسبانيا وأوروغواي (1-0) بالمونديال الحالي غضباً عارماً في الصحافة الإسبانية التي اتهمته بـ«التساهل المفرط» مع خشونة لاعبي أوروغواي تحت قيادة مارسيلو بيلسا، رغم قيامه بطرد لاعبهم أغوستين كانوبيو في نهاية اللقاء.

سجل مونديالي حافل بالنجاح في نسختين

ويعتبر المغربي الأميركي اليوم واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل حضور هادئ وحازم في الملاعب الكبرى، وتجربة مونديالية ثرية تمتد عبر نسختين متتاليتين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (إ.ب.أ)

ففي مونديال قطر 2022، قاد الفتح بنجاح ثلاث مباريات كحكم ساحة، استهلها بمواجهة البرتغال وغانا في دور المجموعات، ثم مباراة البرازيل والكاميرون، قبل أن يدير موقعة كرواتيا واليابان في ثمن النهائي، والتي حسمتها ركلات الترجيح.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (رويترز)

وفي النسخة الحالية لعام 2026، يواصل الحكم المغربي الأصل تألقه، حيث ستكون قمة إنجلترا والأرجنتين هي مباراته الرابعة في البطولة، بعد أن أدار بكفاءة عالية مباريات اليابان ضد هولندا (2-2)، وأوروغواي ضد إسبانيا (0-1) في المجموعات، ثم مواجهة البرازيل والنرويج (1-2) في دور الستة عشر.

تحدي أتلانتا وسلاح البطاقات الملونة

ويدخل إسماعيل الفتح تحدي أتلانتا على أرضية ملعب «مرسيدس بنز» محاطاً بطاقم أميركي خالص، وفي جعبته صرامة تكتيكية وأرقام تحكيمية واضحة تثير حذر المعسكرين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وقد وجه الإعلام البريطاني رسائل تحذيرية للاعبي منتخب «الأسود الثلاثة» ومدربهم الألماني توماس توخيل من الاندفاع البدني الزائد، كون الفتح لا يتردد في إشهار البطاقات الملونة لضبط اللعب، وهو ما أظهره بوضوح خلال مبارياته السابقة في هذه النسخة.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وبين مهندس ميكانيكي صاغ نجاحه بدقة متناهية، وتطلعات ميسي لنهائي جديد، ورغبة إنجلترا في كسر العقدة، تتجه الأنظار صوب صافرة ابن الدار البيضاء الحامل لراية التحكيم الأميركي في واحدة من أعظم قمم الساحرة المستديرة.