السرد الروائي ما بعد صدام... رحيل النص

أغلب الذين تصدوا للكتابة الجديدة جاءوا من خارج المشهد الأدبي

الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد
الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد
TT

السرد الروائي ما بعد صدام... رحيل النص

الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد
الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد

ربيع 2003 أطاحت هزة مجتمعية بمقياس التحول الاجتماعي الكبير بنظام حديدي، هو نظام صدَّام حسين، قوامه الخوف والرعب والخشية من مشاهدة النفس في مرآة الصدق، فجميع الأشياء مراقبة وتخضع للتقارير التي تؤدي إلى الأقبية السرية والموت بلا محاكمة.
التحوّل الدراماتيكي الذي أزاح «جمهورية الخوف» في العراق، بدا وكأنه نهاية حقبة التكتم المضني، واستبداله بالانفتاح على مختلف المستويات، ومنها مستوى الأدب والفن عبر تهشيم الشكل الخارجي لطبيعة النص، وفق ضرورة المتن الحكائي، لا سيما في عالم السرد. حدث ذلك، ليس بانسحاب الأسماء التي وقفت مندهشة إزاء هذا الانزياح، بل من خلال كل الذين تصدوا لذاكرتهم بحرية تامة، وتوق للبوح خارج محددات النص السردي دون الالتفات إلى الدرس النقدي القديم. والملاحظ أن أغلب الذين تصدوا للكتابة الجديدة قدموا من خارج المشهد الأدبي متدرعين بأسمائهم فقط، دون دعاية مسبقة أو نشر في صحف أو مجلات، وهذه واحدة من مظاهر رحيل شكل النص التي ندافع عنها في هذه المقالة. ولا ننسى هنا الإشارة إلى أن ما خدم هذا الاتجاه هي عملية تسويق النص عبر توفر إمكانية الطباعة ضمن سياق تجاري متاح للجميع في سوق مفتوحة بلا أبواب. ثم إن تلك النصوص لم تتجه نحو الإسفاف، بل تولدت ذائقة ثقافية سياسية، إن جاز التعبير، ساعدت في إصدار الكثير من الكتب المؤثرة دون الخضوع للرقابة التي أضرت كثيراً بالكتابة منذ بداية بزوغ عالم الطباعة في العراق.
نعم، ثمة رأي يقول: إن الرقابة في الأيام الأخيرة لنظام صدام لم تعد فاعلة بسبب أن ما يطبع متشابه ويسير مع الجدار، وبرزت في المشهد كتابات الرئيس نفسه في الحقل الأدبي مثل «زبيبة والملك» حتى «اخرج منها يا ملعون» تحت اسم مؤلف مجهول «رواية لكاتبها» في إشارة لمسخ الأسماء، وجعلها غير ذات أهمية والاكتفاء بالإشارة للمتن الممسوخ والمتكرر لكتابة لا تكشف ولا تنير، إنها فقط تشير إلى السذاجة في الطرح، وتدوير نفايات الأفكار في تشابه يفضي إلى لا شيء.

الخروج من عنق المجايلة
إزاء المتغيرات العسكرية وسقوط نظام البعث، انفتحت أبواب العراق على مصاريعها بكل الاتجاهات، وسكنت فورة العوز والفقر في جانب البوح والتعبير، وصعدت نبرة التعبير المباشر، وتزايد عدد الصحف - مع غياب الرقيب كذلك - والفضائيات والإذاعات، وخرجت الجموع من أقبيتها إلى الشوارع تعبر عن مكنوناتها، أما الكتابة الحقيقية التي تبحث في جذور الماضي تحت ضوء الحاضر فإنها وقفت مرتبكة من القوالب القديمة، في القصة أو الشعر أو الرواية، أو مبحث اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أكاديمي متخصص، فحصل الزحاف الجديد المتمثل بخلط كل ذاك القديم وفق واقع جديد بآليات مختلفة في البوح والانتقال إلى التعبير الصادق والخروج إلى الضوء دون خلفية سابقة في المشهد الأدبي أو الصحافي. وأصبح للوجوه الجديدة الحضور الكافي، وهي تجترح طريقاً جديداً في تفاصيل متن السرد، بعيداً عن الأشكال الأدبية واختلافاتها الجيلية (نسبة إلى الأجيال الأدبية العراقية) حتى توقف السجع بعد الألفين، حيث كانت المجايلة تعني الاختلاف في طريقة الكتابة وفق عالم النقد، فهذا أدب واقعي يتبعه القص الواقعي والشعر والمسرح، وهذا أدب تجريبي في الستينات في كل المجالات، وهذا سبعيني يقترب من اليومي في التناول، وهذا ثمانيني حاصره التوجه التعبوي وارتحال الكثير من المبدعين إلى خارج العراق هرباً من البطش والحفاظ على النوع، وهذا تسعيني يغترف من كل الذين سبقوه، ولكن بتسويق أقل، والاعتماد في أغلب الأحيان على الاستنساخ. كل هذا التنوع والاختلاط والتوقف عن الكتابة لأغلبهم ثم بزوغ المتغير الهائل في زوال صدام استدعى أو شكّل النصوص الجديدة في المتن والتغير الشكلي برمته ليصنع أسماء جديدة.

كتّاب جدد
أكثر ما يهمنا في متابعة النصوص الجديدة، كتّابها الذين حضروا المقاعد الأمامية في المشهد الكتابي - لا نستطيع القول الأدبي أو الفني - وسوف نمر على بعضهم، معتذرين للآخرين لعدم إمكانية حصر كل ما نشر، إضافة إلى تمثيل هذا الشكل الجديد بطريقة السرد، باعتبار المؤلف شاهداً على مرحلة.
في كتاب المؤلف قيس حسن «تحت سماء الشيطان... مفكرة شخصية لأربعة عقود عراقية» يتجلى الهروب من الخطاب المتوارث، والانزياح إلى أساسيات السرد الحديث في الاقتراب من القارئ بصيغة جديدة هو ما عمد إليه حسن في الكتابة خارج متن التجنيس الأدبي، رغم الانحياز إلى منطقة المذكرات، ولكن ليس بروح المنتهي من الأيام، وكأن التجربة في نزعها الأخير كما كانت المذكرات تكتب في نهاية العمر، بل هي الشروع ببداية التفكير في كشف المستور من الحكاية التي عاشها أيام الصمت ومحاولة الهرب وطريقة تشكل البشر وسط فضاء والتواءات التشوه. وحسن لا يخجل من قول الحقيقة، أي لم ينخرط في المعارضة رغم عدم الاقتناع بالنظام، بل تتبع خيط اعترافاته ومشاهداته لكيفية تشكل حيوات الآخرين، وهو يعبر الحدود هارباً من الخدمة الإلزامية في الجيش إلى إيران عبر إقليم كردستان.
فيما ينقل لنا الكاتب حمودي نشمي في كتابه «عشرون شتاءً»، وهو الطبيب والضابط المجند، تجربته المضنية في تحمل حياة لا يقوى على تجرعها الإنسان الذي يجنح للمدنية: «بدأنا بصفوف منتظمة، قامات منتصبة، رؤوس مرفوعة، نفوس ذليلة وأمعاء فارغة، نمرُ أمام منصة الاستعراض وكبار الضباط يتوسطهم علي حسن المجيد وزير الدفاع، وهو مزهو بتخريج كوكبة من الضباط الأشاوس الجياع الذين سيلقنون العدو الدروس، وأي دروس؟!».
أما الكاتب نوفل الجنابي فينتقل من عالم السيناريو إلى نسق التأليف الجديد في كتابه «الحلة... عاصمة السخرية».
في ظل انبثاق الكتابة الجديدة التي خرجت من التشكل الجديد للجنس الأدبي، حيث يبدو العنوان الفرعي التابع للرئيسي -الحلة- مفتوحاً على قراءة سسيولوجية متفحصة للحيوات البشرية، وأثرهم في تشكل الحياة الاجتماعية إزاء مواجهات قاهرة ومرة لاضطهاد سياسي يقود البشر لمصائرهم دون أن يستطيعوا التحكم بنهايتها، وهم يتمسكون بالأمل.
إننا إزاء هذه النماذج المنتقاة، نشهد سرداً معاكساً للتأليف التقليدي، الذي يتكئ على آلية السيناريو التي تقطع أوصال السرد، وصولاً إلى التشويق المنشود، باعتماده على السرد الموصول بالتاريخ اليومي لرواية المخبوء من الحكي في زمن الخوف. وبذلك يحقق السرد الجديد شكله الخاص في الكتابة والتلقي يذكرنا بدرس جعفر الخليلي في سردياته الخمسينية المبكرة خارج سرب القص التقليدي والإيفاء بإيصال المتن الحكائي، وفق الحدث المؤثث بزمنه الاجتماعي الذي حصل في أوانه.
نتيجة لهبوب رياح التغير، وبفضل الخبرة المتراكمة، أضاف كتاب عراقيون من الداخل، ومن المهجر، إضافات جنحت نحو المذكرات، أو البوح الذاتي، وكانت ظاهرة عدم استيعاب النص الشعري أو السرد تتفشى في ثنايا كتاباتهم، فكانت إسهامات الكاتب محمد غازي الأخرس في كتابه «المكاريد»، وخضير الزيدي في أسطرة الواقع اليومي ونبش «سكراب» الحياة العراقية، وإظهار المسكوت عنه في الكراجات ودفاتر الخدمة العسكرية والمقاهي وحكايا العجائز إلى ضوء السرد الحديث، ورشيد هارون في متابعة دواخل النفس البشرية المسحوقة، وكشف عوالم المقابر الجماعية في كتاب «أذكر أني»، ومن المهجر فوزي كريم و«مراعي الصبار» وشوقي عبد الأمير في «يوم في بغداد» ورياض رمزي في «الديكتاتور فناناً» وهم يكشفون عمق المسكوت عنه في نقل تفاصيل تاريخية يشتركون بها مع مجايليهم، مما أثار الكثير من الجدل في بعض التفاصيل الصغيرة ومدى مصداقيتها.
النص الجديد يحتاج إلى قراءة نقدية لترسم شكله السردي الحديث، حتى لا يبدو ابناً عاقاً للسرد العراقي. لأن الكتابة نوع من التخفيف عن الهم أو هي حبل الإنقاذ خشية السقوط في هاوية التاريخ.
* كاتب وشاعر عراقي



ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
TT

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يصارع النمر الذي تسبب في مقتل رجل بريطاني في حديقة حيوان بجنوب يوركشاير.

وفي المقطع، يظهر الرئيس الأميركي مرتدياً بدلة وربطة عنق وهو يطارد النمر ويطرحه أرضاً، قبل أن يبدأ الاثنان في التعانق. وتحاكي بداية مقطع الفيديو -الذي تبلغ مدته 23 ثانية- لقطات حقيقية للحظات الأخيرة في حياة ويليام تشابمان، قبل أن يلقى حتفه إثر هجوم النمر عليه يوم السبت.

وفي مقطع الذكاء الاصطناعي الذي نُشر أمس (الثلاثاء) على منصة «تروث سوشيال» (Truth Social) التابعة للرئيس، يظهر ترمب جالساً على الأرض محاولاً صدّ «ألتاي»، وهو نمر سيبيري يزن 440 رطلاً (نحو 200 كيلوغرام)، بينما يقوم الحيوان بتوجيه ضربات بمخلبه.

ويظهر ترمب في الفيديو المُعدّل وهو يقفز ويركض خلف السنور الكبير، وقد أُرفق الفيديو بأغنية «The Lion Sleeps Tonight» لفرقة «The Tokens».

وشارك الرئيس الأميركي اللقطات الحقيقية للهجوم عبر منصته «Truth Social»، حيث أظهرت اللقطات اللحظات التي سبقت مقتل «تشابمان» إثر تعرضه لهجوم وحشي من النمر في حديقة «يوركشاير» للحياة البرية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

بعد دقيقة واحدة من نشر لقطات الهجوم الحقيقية، نشر ترمب مقطع فيديو مُجمّعاً لحيوانات مفترسة كبيرة تهاجم البشر. وتضمن الفيديو مقطعاً مُولّداً بالذكاء الاصطناعي لأسد يحطم زجاج قفصه لمهاجمة حارس حديقة حيوانات.

وطلبت شرطة جنوب يوركشاير من الجمهور عدم مشاركة «لقطات مؤلمة» لوفاة تشابمان.

تم استدعاء خدمات الطوارئ بعد الساعة 1:30 ظهراً بقليل يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن تسلق تشابمان إلى قفص النمر وتعرض للهجوم. وأُعلن عن وفاته في مكان الحادث بعد ذلك بوقت قصير.

نعت عائلة تشابمان فقيدها مساء أمس (الثلاثاء)، واصفةً إياه بأنه «ذكي، وودود، وجذاب». وفي بيانٍ لها، قالت العائلة إنه كان يعاني من «مرض نفسي حاد» لسنوات عديدة، وكان يتناول «أدوية قوية». وتابع البيان: «إن العائلة مفجوعة تماماً بفقدانه، وتكافح لاستيعاب ما حدث». وأعرب والدا تشابمان عن أملهما في أن «تبذل السلطات المختصة قصارى جهدها لكشف ملابسات ما فعله ابننا الرائع».

كان تشابمان قد نشر مقطع فيديو على صفحته في «إنستغرام» من داخل حظيرة الحيوان قبل لحظات من الهجوم، حيث صوّر نفسه وهو يقترب ببطء من السنور الضخم، وكان يُسمع صوت تنفسه الثقيل بوضوح.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها صحيفة «التلغراف» إلى أن تشابمان كان ممثلاً طفلاً سابقاً، وقد درس في «مدرسة جاكي بالمر للمسرح» (Jackie Palmer Stage School) في منطقة «هاي ويكومب» بمقاطعة باكينغهامشير.


مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
TT

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

الحبّ في مسرحية «بعدك» لرالف معتوق ليس مجرّد قصة رومانسية عابرة. فالمخرج يذهب إلى ما هو أعمق من معنى الحبّ، ويؤكد أنّ الحبّ وحده لا يكفي، وأنّ العلاقة السليمة بين الشريكين ترتكز على المصارحة. من هذا المنطلق، ينسج معتوق، كاتب العمل ومنتجه وبطله أيضاً، نصّاً إنسانياً مؤثّراً يضيء على موضوعات تشكّل الظلّ الذي يرافق أيّ علاقة بين اثنين. فكما تنطبق تعقيدات الحبّ على العلاقات بين الأم والأب والابن والأخ، تنسحب على العلاقة بين الشريكين والحبيبين أيضاً. ومن خلال معالجة هذه الموضوعات، يفتح العمل نافذة على علاقات تتصدّع لأسباب مختلفة، وعلى تجارب انفصال تتعدّد وجوهها، ويبقى الموت أقساها.

تتقلّب أحداث المسرحية بين تفاصيل صغيرة ومحطّات أساسية في حياة زوجين، اختار أحدهما الرحيل بقرار ذاتي. فنحن أمام قصة يُغلّفها الحبّ، بينما تختبئ تحت طبقاتها مشاعر الألم والصراع والهواجس والعُقَد. وبأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا والتعبير عمّا يدور في داخلنا. فلماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح ونعترف ونضع النقاط على الحروف، في محاولة لإنقاذ علاقة ما؟ أليس الأجدى أن نلجأ إلى المصارحة والحوار والاعتراف، لنرتقي بمشاعرنا إلى فضاء أكثر وعياً ونضجاً؟

«بعدك»... تجربة مسرحية مختلفة (رالف معتوق)

تستضيف خشبة مسرح «ديستريكت 7» في بيروت هذا العمل، من بطولة رالف معتوق ويمنى بو حنّا. ويجسّد الاثنان، بأداء متناغم ونبض شبابي، قصة حبّ رومانسية تحمل في طيّاتها خلفيات وأبعاداً طالما غضضنا النظر عنها.

وتدور أحداث العمل حول يمنى التي تعاني فقدان زوجها عاصي. فقد عاشا معاً 7 سنوات قبل أن يقرّر وضع حدّ لحياته بين عشية وضحاها. وبعد مرور 3 سنوات على رحيله، تقرّر العودة إلى الغناء، وهي هواية رغبت في ممارستها إلى جانب مهنتها الأساسية مهندسةً داخلية. لكنّ التوتر والقلق يسكنانها؛ فهي لم تعتلِ الخشبة منذ غيابه، وكانت تحتاج إلى دعمه الدائم. فتستحضره في حوار يميل إلى البوح والفضفضة، ويستعيدان معاً شريط حياتهما، طارحين أسئلة لطالما شغلت تفكيرهما، لكنّ أياً منهما لم يتجرّأ على تناولها، لاعتقادهما أنّ كلاً منهما يعرف الآخر. ومع تقدّم الأحداث، نكتشف معهما عُقَداً رافقت زواجهما، وأسراراً كبتاها في أعماقهما، ولو تمكّنا معاً من فتح صفحاتها، لربما استطاعا إنقاذ علاقتهما من الفقدان.

يقول المخرج وكاتب العمل رالف معتوق إنّ فكرة المسرحية وُلدت من أسئلة كان يطرحها على نفسه كلّما سمع بخبر فقدان أحد الشريكين للآخر. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتخيّل لقاءهما، وعمّا يمكن أن يتحدّثا، وما الذي قد يعترف به كلّ منهما للآخر. فالناس عادةً ما تتناول هذه المواضيع من باب النميمة وتأليف الأخبار، لكنها لا تغوص في العمق، ولا تبحث عمّا وراء كلّ قصة فقدان ووحدة».

تخيّل معتوق الموقف برمّته انطلاقاً من تصوّره الشخصي له، وكتبه بقلم تسيل منه المشاعر قبل الحبر. وكان هدفه أن يلامس الناس بصدق، ويدفعهم إلى الاهتمام بالحبّ قولاً وفعلاً. واختار أن يعالج العلاقة الثنائية، مشدّداً على أهمية الصحة النفسية، وفاتحاً الباب أمام تفاصيل صغيرة قد لا يعيرها المرء اهتماماً.

ويطلّ على موضوعات اجتماعية وعائلية، متوقّفاً بصورة رئيسية عند الطفولة، إذ إنّ ما نحمله من تعقيدات ومخاوف وصراعات يبدأ في تلك المرحلة. فالزوج الراحل في المسرحية كان يعاني ترسّبات نفسية، وخضع لجلسات علاج نفسي، لكنه توقّف عنها، ممّا أعاده إلى حالة من الصراع مع الذات.

وانطلق معتوق في قصته من واقع يعيشه اللبنانيون، إذ إنّ 65 في المائة منهم يعانون اضطراباً نفسياً، وإنّ شخصاً واحداً يُقدم على الانتحار كلّ يومين. وهي أرقام موثّقة، وفق النص، من جمعية «إمبرايس» (Embrace)، التي تهدف إلى تقديم الدعم النفسي والوقاية من الانتحار. وقد استند إليها معتوق في كتابة نصّ العمل.

يضيف مسرح «ديستريكت 7» بُعداً حميمياً إلى القصة. فمساحته التي لا تتجاوز 4 أمتار تولّد تفاعلاً لا شعورياً بين الممثلين والحضور، وهو ما شجّع معتوق على اختياره، لأنه يناسب قصة من هذا النوع، وكذلك تفادياً لتشتّت انتباه المشاهد. ويوضح: «اختياري (ديستريكت 7) لم يأتِ مصادفة. فالقرب من الجمهور، ومن مسافة مختصرة جداً، يزيد من متابعة العمل بدقّة».

تحضر يمنى بو حنّا في المسرحية بمواهب متعدّدة من بينها الغناء (رالف معتوق)

وتترك المسرحية أثرها في مشاهديها، إذ توقظ لديهم وعياً بأهمية العلاقات الإنسانية عموماً. وهو ما يؤكده معتوق، قائلاً: «سعدتُ بهذه النتيجة، إذ تلقّيت ردود فعل مباشرة من الحضور. فقد أكّدت لي إحدى السيدات أنها، ما إن تصل إلى بيتها بعد العرض، حتى تذهب لتقبيل أطفالها النائمين، كي لا يفوتها التعبير عن حبّها لهم. واعترفت سيدة أخرى بأنّها لن تؤجّل بعد اليوم احتضان أخيها وشقيقتها ومعانقتهما. فالحبّ يكون بالقول والفعل، ويأتي قبل الخبز أحياناً». أمّا عن أهمية المسرحية من الناحية المهنية في مشوار رالف معتوق، فيوجزها: «لا تشبه أيّ عمل آخر سبق أن كتبته أو أخرجته. انطلقتُ من موضوع حميم ودافئ، ليشكّل العمل تجربة خاصة لكلّ مَن يشاهده».


لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
TT

لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)

تزاحم المئات في هونغ كونغ، الثلاثاء، لمشاهدة لوحة لفنسنت فان غوخ لم تُعرض على الجمهور منذ أكثر من 6 عقود، وذلك قبيل بيعها في مزاد تنظّمه دار «سوذبيز» في نيويورك، إذ يُتوقّع أن تُحقّق نحو 180 مليون دولار.

ووفق «رويترز»، من المقرّر أن يختبر المزاد، الذي سيُنظّم في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، متانة سوق الفنّ الراقية، التي ظلّ فيها هواة الاقتناء يتنافسون على الأعمال النادرة المرموقة، من دون أن تثنيهم حالة عدم اليقين الاقتصادي السائدة.

وتُعدّ لوحة «شاتينييه إن فلور» أو «أشجار الكستناء المزهرة»، التي رُسمت في مايو (أيار) 1890، من أبرز أعمال الفنان الهولندي في أيامه الأخيرة في قرية أوفير سور واز الفرنسية، التي لفظ فيها أنفاسه بعد نحو شهرين، وهو في الـ37 من عمره.

واللوحة على وشك تسجيل رقم قياسي جديد في المزادات لأعمال فان غوخ، وفق سكوت نيشيل من قسم الفنّ الحديث والمعاصر في دار «سوذبيز» بنيويورك.

في اللوحة ربيعٌ لا يشبه خريف صاحبها (رويترز)

وقال: «هذا عمل يتجلّى فيه تفاؤل استثنائي وطاقة محمومة وحماسة وشغف وألوان زاخرة في مسيرة الفنان الإبداعية».

واللوحات التي أنجزها فان غوخ في مرحلة «أوفير سور واز» الأخيرة، بُعيد خروجه من مصحّة للأمراض النفسية في «سان ريمي دو بروفانس»، نادراً ما تُطرح في المزادات، وسيستقطب هذا الحدث اهتمام هواة الاقتناء والمتاحف والمستثمرين.

وقالت عاشقة الفن البالغة من العمر 50 عاماً، لي شانشان، التي قطعت نحو ساعتين ونصف الساعة قادمةً من مدينة شنتشن الجنوبية لمشاهدة اللوحة: «لم أسمع بهذه اللوحة من قبل، فأردت أن أراها بعيني».

وستُباع اللوحة، التي تُصوّر شجرة كستناء ضخمة مزهرة بتاجٍ من الأزهار يهيمن على التكوين بأسره، ضمن مجموعة من 12 لوحة طال غيابها عن الأنظار، تضمّ أعمالاً لبول سيزان وكلود مونيه.

وشملت الأعمال الخمسة التي كُشف عنها في دار «سوذبيز» بلندن أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي لوحة «هارلكين» للفنان سيزان، ولوحة «حديقة التويلري» للفنان مونيه.

وبعد رحيل فان غوخ في يوليو (تموز) 1890، انتقلت لوحة «شاتينييه إن فلور» إلى شقيقه ثيو، ثم إلى أرملة الأخير يوهانا فان غوخ بونغر وابنهما فنسنت ويليم.

ثم آلت ملكيتها إلى الناشر الألماني صامويل فيشر، مؤسّس دار «إس فيشر فيرلاغ»، قبل أن تنتقل إلى مجموعة جورج «بادي» ديسيلفا، كاتب الأغنيات الأميركي ومنتج الأفلام والمؤسِّس المشارك لشركة «كابيتول ريكوردز».

وعام 1953، اقتنت اللوحة جامعة الأعمال الفنية هارييت هاريس جوناس، التي كانت مجموعتها تحظى بأهمية دفعت متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك إلى تنظيم زيارات لرعاته لمشاهدة أعمالها في شقتها على جادة فيفث أفينيو.

وعام 1975، انتقلت اللوحة إلى عائلة بلاكييه، التي اقتنتها من تاجر الفن وايلدنشتاين.