السرد الروائي ما بعد صدام... رحيل النص

أغلب الذين تصدوا للكتابة الجديدة جاءوا من خارج المشهد الأدبي

الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد
الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد
TT

السرد الروائي ما بعد صدام... رحيل النص

الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد
الحلة عاصمة السخرية - تحت سماء الشيطان - عشرون شتاء - المكاريد

ربيع 2003 أطاحت هزة مجتمعية بمقياس التحول الاجتماعي الكبير بنظام حديدي، هو نظام صدَّام حسين، قوامه الخوف والرعب والخشية من مشاهدة النفس في مرآة الصدق، فجميع الأشياء مراقبة وتخضع للتقارير التي تؤدي إلى الأقبية السرية والموت بلا محاكمة.
التحوّل الدراماتيكي الذي أزاح «جمهورية الخوف» في العراق، بدا وكأنه نهاية حقبة التكتم المضني، واستبداله بالانفتاح على مختلف المستويات، ومنها مستوى الأدب والفن عبر تهشيم الشكل الخارجي لطبيعة النص، وفق ضرورة المتن الحكائي، لا سيما في عالم السرد. حدث ذلك، ليس بانسحاب الأسماء التي وقفت مندهشة إزاء هذا الانزياح، بل من خلال كل الذين تصدوا لذاكرتهم بحرية تامة، وتوق للبوح خارج محددات النص السردي دون الالتفات إلى الدرس النقدي القديم. والملاحظ أن أغلب الذين تصدوا للكتابة الجديدة قدموا من خارج المشهد الأدبي متدرعين بأسمائهم فقط، دون دعاية مسبقة أو نشر في صحف أو مجلات، وهذه واحدة من مظاهر رحيل شكل النص التي ندافع عنها في هذه المقالة. ولا ننسى هنا الإشارة إلى أن ما خدم هذا الاتجاه هي عملية تسويق النص عبر توفر إمكانية الطباعة ضمن سياق تجاري متاح للجميع في سوق مفتوحة بلا أبواب. ثم إن تلك النصوص لم تتجه نحو الإسفاف، بل تولدت ذائقة ثقافية سياسية، إن جاز التعبير، ساعدت في إصدار الكثير من الكتب المؤثرة دون الخضوع للرقابة التي أضرت كثيراً بالكتابة منذ بداية بزوغ عالم الطباعة في العراق.
نعم، ثمة رأي يقول: إن الرقابة في الأيام الأخيرة لنظام صدام لم تعد فاعلة بسبب أن ما يطبع متشابه ويسير مع الجدار، وبرزت في المشهد كتابات الرئيس نفسه في الحقل الأدبي مثل «زبيبة والملك» حتى «اخرج منها يا ملعون» تحت اسم مؤلف مجهول «رواية لكاتبها» في إشارة لمسخ الأسماء، وجعلها غير ذات أهمية والاكتفاء بالإشارة للمتن الممسوخ والمتكرر لكتابة لا تكشف ولا تنير، إنها فقط تشير إلى السذاجة في الطرح، وتدوير نفايات الأفكار في تشابه يفضي إلى لا شيء.

الخروج من عنق المجايلة
إزاء المتغيرات العسكرية وسقوط نظام البعث، انفتحت أبواب العراق على مصاريعها بكل الاتجاهات، وسكنت فورة العوز والفقر في جانب البوح والتعبير، وصعدت نبرة التعبير المباشر، وتزايد عدد الصحف - مع غياب الرقيب كذلك - والفضائيات والإذاعات، وخرجت الجموع من أقبيتها إلى الشوارع تعبر عن مكنوناتها، أما الكتابة الحقيقية التي تبحث في جذور الماضي تحت ضوء الحاضر فإنها وقفت مرتبكة من القوالب القديمة، في القصة أو الشعر أو الرواية، أو مبحث اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أكاديمي متخصص، فحصل الزحاف الجديد المتمثل بخلط كل ذاك القديم وفق واقع جديد بآليات مختلفة في البوح والانتقال إلى التعبير الصادق والخروج إلى الضوء دون خلفية سابقة في المشهد الأدبي أو الصحافي. وأصبح للوجوه الجديدة الحضور الكافي، وهي تجترح طريقاً جديداً في تفاصيل متن السرد، بعيداً عن الأشكال الأدبية واختلافاتها الجيلية (نسبة إلى الأجيال الأدبية العراقية) حتى توقف السجع بعد الألفين، حيث كانت المجايلة تعني الاختلاف في طريقة الكتابة وفق عالم النقد، فهذا أدب واقعي يتبعه القص الواقعي والشعر والمسرح، وهذا أدب تجريبي في الستينات في كل المجالات، وهذا سبعيني يقترب من اليومي في التناول، وهذا ثمانيني حاصره التوجه التعبوي وارتحال الكثير من المبدعين إلى خارج العراق هرباً من البطش والحفاظ على النوع، وهذا تسعيني يغترف من كل الذين سبقوه، ولكن بتسويق أقل، والاعتماد في أغلب الأحيان على الاستنساخ. كل هذا التنوع والاختلاط والتوقف عن الكتابة لأغلبهم ثم بزوغ المتغير الهائل في زوال صدام استدعى أو شكّل النصوص الجديدة في المتن والتغير الشكلي برمته ليصنع أسماء جديدة.

كتّاب جدد
أكثر ما يهمنا في متابعة النصوص الجديدة، كتّابها الذين حضروا المقاعد الأمامية في المشهد الكتابي - لا نستطيع القول الأدبي أو الفني - وسوف نمر على بعضهم، معتذرين للآخرين لعدم إمكانية حصر كل ما نشر، إضافة إلى تمثيل هذا الشكل الجديد بطريقة السرد، باعتبار المؤلف شاهداً على مرحلة.
في كتاب المؤلف قيس حسن «تحت سماء الشيطان... مفكرة شخصية لأربعة عقود عراقية» يتجلى الهروب من الخطاب المتوارث، والانزياح إلى أساسيات السرد الحديث في الاقتراب من القارئ بصيغة جديدة هو ما عمد إليه حسن في الكتابة خارج متن التجنيس الأدبي، رغم الانحياز إلى منطقة المذكرات، ولكن ليس بروح المنتهي من الأيام، وكأن التجربة في نزعها الأخير كما كانت المذكرات تكتب في نهاية العمر، بل هي الشروع ببداية التفكير في كشف المستور من الحكاية التي عاشها أيام الصمت ومحاولة الهرب وطريقة تشكل البشر وسط فضاء والتواءات التشوه. وحسن لا يخجل من قول الحقيقة، أي لم ينخرط في المعارضة رغم عدم الاقتناع بالنظام، بل تتبع خيط اعترافاته ومشاهداته لكيفية تشكل حيوات الآخرين، وهو يعبر الحدود هارباً من الخدمة الإلزامية في الجيش إلى إيران عبر إقليم كردستان.
فيما ينقل لنا الكاتب حمودي نشمي في كتابه «عشرون شتاءً»، وهو الطبيب والضابط المجند، تجربته المضنية في تحمل حياة لا يقوى على تجرعها الإنسان الذي يجنح للمدنية: «بدأنا بصفوف منتظمة، قامات منتصبة، رؤوس مرفوعة، نفوس ذليلة وأمعاء فارغة، نمرُ أمام منصة الاستعراض وكبار الضباط يتوسطهم علي حسن المجيد وزير الدفاع، وهو مزهو بتخريج كوكبة من الضباط الأشاوس الجياع الذين سيلقنون العدو الدروس، وأي دروس؟!».
أما الكاتب نوفل الجنابي فينتقل من عالم السيناريو إلى نسق التأليف الجديد في كتابه «الحلة... عاصمة السخرية».
في ظل انبثاق الكتابة الجديدة التي خرجت من التشكل الجديد للجنس الأدبي، حيث يبدو العنوان الفرعي التابع للرئيسي -الحلة- مفتوحاً على قراءة سسيولوجية متفحصة للحيوات البشرية، وأثرهم في تشكل الحياة الاجتماعية إزاء مواجهات قاهرة ومرة لاضطهاد سياسي يقود البشر لمصائرهم دون أن يستطيعوا التحكم بنهايتها، وهم يتمسكون بالأمل.
إننا إزاء هذه النماذج المنتقاة، نشهد سرداً معاكساً للتأليف التقليدي، الذي يتكئ على آلية السيناريو التي تقطع أوصال السرد، وصولاً إلى التشويق المنشود، باعتماده على السرد الموصول بالتاريخ اليومي لرواية المخبوء من الحكي في زمن الخوف. وبذلك يحقق السرد الجديد شكله الخاص في الكتابة والتلقي يذكرنا بدرس جعفر الخليلي في سردياته الخمسينية المبكرة خارج سرب القص التقليدي والإيفاء بإيصال المتن الحكائي، وفق الحدث المؤثث بزمنه الاجتماعي الذي حصل في أوانه.
نتيجة لهبوب رياح التغير، وبفضل الخبرة المتراكمة، أضاف كتاب عراقيون من الداخل، ومن المهجر، إضافات جنحت نحو المذكرات، أو البوح الذاتي، وكانت ظاهرة عدم استيعاب النص الشعري أو السرد تتفشى في ثنايا كتاباتهم، فكانت إسهامات الكاتب محمد غازي الأخرس في كتابه «المكاريد»، وخضير الزيدي في أسطرة الواقع اليومي ونبش «سكراب» الحياة العراقية، وإظهار المسكوت عنه في الكراجات ودفاتر الخدمة العسكرية والمقاهي وحكايا العجائز إلى ضوء السرد الحديث، ورشيد هارون في متابعة دواخل النفس البشرية المسحوقة، وكشف عوالم المقابر الجماعية في كتاب «أذكر أني»، ومن المهجر فوزي كريم و«مراعي الصبار» وشوقي عبد الأمير في «يوم في بغداد» ورياض رمزي في «الديكتاتور فناناً» وهم يكشفون عمق المسكوت عنه في نقل تفاصيل تاريخية يشتركون بها مع مجايليهم، مما أثار الكثير من الجدل في بعض التفاصيل الصغيرة ومدى مصداقيتها.
النص الجديد يحتاج إلى قراءة نقدية لترسم شكله السردي الحديث، حتى لا يبدو ابناً عاقاً للسرد العراقي. لأن الكتابة نوع من التخفيف عن الهم أو هي حبل الإنقاذ خشية السقوط في هاوية التاريخ.
* كاتب وشاعر عراقي



الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
TT

الأرض لا تدور بنا فقط... مغناطيسيتها قد تؤثّر في الشيخوخة

للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)
للأرض أثر فينا يتجاوز الجاذبية (ناسا)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة نوتنغهام الإنجليزية عن أنّ المجال المغناطيسي للأرض قد يؤثّر في كيفية إنتاج خلايا الجسم للطاقة، والأداء البدني، وحتى العمر الافتراضي للكائن الحيّ.

وتقدّم النتائج، المنشورة الأربعاء في دورية «الشيخوخة» لبحوث الشيخوخة، رؤى جديدة حول كيفية تفاعل هذه القوة غير المرئية مع العمليات البيولوجية الأساسية في الجسم، ممّا قد تكون له تداعيات مهمّة على فهمنا لعملية الشيخوخة وأمراض التنكس العصبي، مثل باركنسون وألزهايمر.

وعزا الباحثون هذه التأثيرات إلى الميتوكوندريا، وهي تراكيب دقيقة داخل الخلايا مسؤولة عن توليد جزء كبير من الطاقة اللازمة للحياة. فقد تغيّرت عمليات التمثيل الغذائي للطاقة في الميتوكوندريا عند خفض المجال المغناطيسي، وكذلك مستويات «فوق الأكسيد»، وهو جزيء شديد التفاعل تنتجه الميتوكوندريا.

وقال الباحث جاكوب ريد، طالب الدكتوراه بجامعة نوتنغهام: «البحوث في هذا المجال نادرة، إذ تركز غالباً على إعداد البشر لرحلات الفضاء. ومع ذلك، لا نزال نعرف قليلاً جداً عن سبب حاجة الكائنات الحيّة إلى المجال المغناطيسي. جمع هذا المشروع بين خبرات في الفيزياء والهندسة وعلم الأحياء، وتقنيات ومعدات مبتكرة ومتخصّصة جداً، لدراسة الجوانب الفسيولوجية والمرضية أيضاً».

وأضاف في بيان الأربعاء: «يفتح هذا العمل آفاقاً جديدة محتملة لنهج علاجي غير جراحي يستهدف الميتوكوندريا لعلاج أمراض عدّة. نأمل أن يُسهم هذا البحث في إبراز أهمية المجالات المغناطيسية للحياة».

حجب المجال المغناطيسي

درس الفريق البحثي ما يحدث عند حجب المجال المغناطيسي للأرض بصورة شبه كاملة. وباستخدام نظام حجب مغناطيسي صُمّم خصوصاً لهذا الغرض، خفّض الباحثون المجال المغناطيسي المحيط بذبابة الفاكهة إلى مستوى يقارب الصفر. وقارنوا بين ذباب سليم وآخر يحمل خللاً في جين «بينك 1»، المرتبط بمرض باركنسون الوراثي المبكر لدى البشر.

ووجد الباحثون أنّ عزل الذباب عن المجال المغناطيسي للأرض أدّى إلى تغيّرات في وظائف الميتوكوندريا، وهي مراكز إنتاج الطاقة في الخلية، والعمر الافتراضي والأداء البدني، مع تفاوت لافت في التأثيرات تبعاً للحالة الصحية للميتوكوندريا لدى الذباب.

ووفقاً لهم، كانت النتائج لافتة للنظر؛ إذ أدّى حجب المجال المغناطيسي للأرض عن الذباب الذي يحمل طفرة في جين «بينك 1» إلى زيادة متوسط عمره بنحو 20 في المائة، رغم تراجع أدائه البدني. وفي المقابل، كانت استجابة الذباب السليم مختلفة تماماً؛ فمع أن مدّة حياته الصحية تأثرت، فإن حركته تحسّنت.

وتُجرى البحوث العلمية على ذبابة الفاكهة لأنها توفّر نموذجاً حيّاً سريعاً وبسيطاً، يشترك مع الإنسان في نسبة كبيرة من جيناته الأساسية، ونحو 60 إلى 75 في المائة من الجينات المسببة للأمراض، بما فيها أمراض الأعصاب. وتتميَّز ذبابة الفاكهة بدورة حياة قصيرة جداً لا تتجاوز أسبوعين، ممّا يتيح للعلماء مراقبة تأثير الطفرات الجينية عبر أجيال عدّة في وقت قصير.

وتُظهر نتائج هذه التجارب أنّ البيئة المغناطيسية المحيطة بالكائن الحيّ يمكن أن تؤثر في العمليات البيولوجية الأساسية، بما فيها إنتاج الطاقة والأداء البدني ومتوسط العمر.

وعلّقت أستاذة بيولوجيا الميتوكوندريا في كلية الطب والعلوم الصحية بجامعة نوتنغهام، البروفسورة ليزا تشاكرابارتي: «نعيش حياتنا بأكملها في ظلّ وجود المجال المغناطيسي للأرض؛ فهو يخترق أجسامنا وخلايانا وكل كائن حيّ على هذا الكوكب، ومع ذلك، لا نعرف سوى قليل عمّا إذا كانت هذه القوة غير المرئية تؤثّر في آلية عمل خلايانا، وكيفية حدوث ذلك».

وأضافت: «تطرح نتائجنا احتمالاً مثيراً للاهتمام، وهو أنّ المجال المغناطيسي للأرض يُشكّل جزءاً من البيئة البيولوجية التي تكيّفت معها الحياة عبر مسار التطوّر»، موضحة أنّ «فهم كيفية استشعار الخلايا للمجالات المغناطيسية واستجابتها لها قد يكشف في نهاية المطاف عن طرق جديدة للتحكّم في وظائف الميتوكوندريا في حالات الشيخوخة والمرض».


«إيكيبانا»... حين تصغي الزهور إلى ما في داخلنا

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
TT

«إيكيبانا»... حين تصغي الزهور إلى ما في داخلنا

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)
تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)

قد يجلس شخص أمام مجموعة من الزهور ليضعها في إناء، فيبدو المشهد لأول وهلة بسيطاً للغاية. لكنه في اليابان قد يتحول لحظةَ تأمل ومواجهة مع النفس. فمنذ أكثر من 500 عام، يمنح فن الـ«إيكيبانا» الياباني لتنسيق الزهور مريديه فرصة للابتعاد قليلاً عن ضجيج الحياة، في حين يجد فيه جيل جديد وسيلة لاستعادة الهدوء والتوازن وسط عالم سريع الإيقاع، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

و«إيكيبانا»، وتعني باليابانية «الزهور الحية»، هو أحد الفنون اليابانية التقليدية التي تقوم على تنسيق الزهور والأغصان والأوراق بطريقة تجمع بين الجمال والتأمل. ويُعرف هذا الفن أيضاً باسم «كادو»، أي «طريق الزهور»، في إشارة إلى أن ممارسته ليست مجرد ترتيب للزهور، وإنما رحلة تقوم على الصبر والانتباه والتفاعل مع الطبيعة.

وعلى خلاف كثير من أساليب تنسيق الزهور في الغرب، التي قد تركز على وفرة الزهور وتنوع ألوانها وإبراز جمالها، يهتم «إيكيبانا» بالمساحة والتوازن والخطوط والعلاقة بين الزهرة والأغصان والإناء. وقد تبدو النتيجة في كثير من الأحيان بسيطة، بل شديدة البساطة، لكن وراء هذا الهدوء قواعد ورؤية عميقة للطبيعة والحياة.

تُبرز هذه الصورة التي نشرها هيرويوكي أوكادا تنسيقاً لزهور «إيكيبانا» على طراز «إكينوبو» الحر (أ.ب)

ولا يقوم «إيكيبانا» على البحث عن تنسيق مثالي واحد، ولا توجد فيه بالضرورة إجابة واحدة صحيحة. لكل زهرة شكلها وشخصيتها، ولكل غصن اتجاهه، تماماً كما لكل إنسان طريقته الخاصة في رؤية الأشياء. ولذلك؛ يمكن للزهور نفسها أن تنتج تنسيقات مختلفة، وفق الشخص الذي يقف أمامها.

يقول هيرويوكي أوكادا، البالغ 40 عاماً، الذي بدأ دراسة «إيكيبانا» قبل نحو 7 سنوات، إن ممارسة هذا الفن تحمل شيئاً من «التطهير»، وتأثيراً علاجياً. ويعمل أوكادا اليوم مدرساً في مدرسة «إيكنوبو» في كيوتو، وهي من أقدم مدارس «إيكيبانا» وأشدها ارتباطاً بالتقاليد اليابانية.

يقول أوكادا: «عندما تنسق الزهور، فأنت تتعامل مع حياة موجودة أمامك؛ مع الجمال بالطبع، لكنك في الوقت نفسه تكتشف ما في داخلك. إنك تواجه نفسك وجهاً لوجه».

وربما يعكس أوكادا نفسُه الطريقة التي وجد بها هذا الفن طريقه إلى الحياة المعاصرة. فهو يرتدي عادة سلاسل فضية وسراويل الجينز، كما يعطي دروساً في أداء الشقلبة الخلفية، لكنه يختار الكيمونو الأنيق عندما يقدم عروضاً رسمية لتنسيق الزهور.

وبالنسبة إليه، فإن كثيراً من الأشخاص الذين يتجهون اليوم إلى «إيكيبانا» لا يبحثون فقط عن هواية جديدة، بل عن شيء أشد بساطة وعمقاً: لحظة هدوء، أو شعور بالهدف، أو مساحة للابتعاد عن الضغوط اليومية.

يوضح هيرويوكي أوكادا مدرب «إكينوبو إيكيبانا» أسلوباً أساسياً لتنسيق الزهور يسمى «شوكا شوفوتاي» داخل استوديو في طوكيو (أ.ب)

زهور تساعد على الهدوء

تقوم فلسفة «إيكيبانا» على علاقة مباشرة بالطبيعة، حتى لو اقتصرت تلك العلاقة على إناء صغير داخل منزل. فمراقبة نمو الزهور والنباتات، والانتباه إلى شكل الأوراق وانحناء الأغصان وملمس البتلات... كلها أجزاء من التجربة.

وتقول سينكو إيكنوبو، الرئيسة المقبلة لمدرسة «إيكنوبو»، إن الأمر في جوهره يتعلق «بالعلاقة بين الشخص الذي يبدع والزهور».

وتنحدر سينكو من عائلة ارتبطت بهذا الفن عبر أجيال عدة، فيما يشغل والدها حالياً منصب رئيس المدرسة. وتقول إنها شاهدت كيف أصبح «إيكيبانا» جزءاً من حياة أشخاص في مراحل مختلفة؛ من نساء يحاولن الموازنة بين العمل والأمومة، إلى أخريات يعتنين بوالديهن المتقدمين في السن.

وتشير جانيت هافيلاند جونز، أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة رودغرز الأميركية، إلى أن دراسات عدة أظهرت أن الزهور، وحتى روائحها، يمكن أن تعزز مشاعر السعادة لدى الإنسان. ولا يقتصر الأمر، بالنسبة إلى أوكادا، على منظر الزهرة أو رائحتها؛ إذ يرى أن لمس البتلات والأوراق جزء أساسي من التجربة، بما يشبه الشعور بالراحة عند مداعبة قطة صغيرة أو جرو.

أما مايو شيميزو، التي تعمل في مجال التعليم عبر الإنترنت وتتلقى دروساً لدى أوكادا منذ نحو 3 سنوات، فتصف فن «إيكيبانا» بأنه تجربة قريبة من اليوغا، والتأمل، وحتى اللعب.

سينكو إكينوبو الرئيسة المعينة لمدرسة «إكينوبو» تتحدث خلال مقابلة في طوكيو

زهرة تختصر دورة الحياة

ومن أشهر أساليب مدرسة «إكينوبو» التقليدية «شوكا شوفوتاي»، الذي يحاول تقديم الزهور والأغصان كما قد تظهر في الطبيعة؛ بعضها يمتد نحو الضوء، وبعضها ينحني أمام الرياح. وحتى الإناء نفسه يصبح جزءاً من التكوين، سواء أكان مصنوعاً من الخشب أم من الفخار.

وتحمل عناصر التنسيق معاني مرتبطة بالحياة. فالعنصر الأطول؛ «شين»، يمثل جوهر الإنسان وامتداده نحو السماء. ويأتي «سوي» أقصر منه، ليعبر عن خصوصية الزهرة وتفردها، وقد تظهر عليه علامات ذبول بسيطة؛ في إشارة إلى مراحل العمر المتقدمة. أما «تاي»، فيمثل المستقبل؛ ولذلك تختار له زهرة متفتحة أو أوراقاً صغيرة نضرة، في إشارة إلى ما يولد وينمو.

ومع ذلك، فلا يعيش «إيكيبانا» في الماضي وحده. فقد ظهرت أساليب أرحب، تقترب من باقات الزهور الغربية، وتمنح المبتدئين مساحة أكبر للتجربة بعيداً عن القواعد الصارمة.

ولعل سر استمرار هذا الفن أكثر من 5 قرون يكمن في أنه لا يتحدث عن الزهور وحدها. فالزهرة تتفتح ثم تذبل، والأوراق تتغير، والأغصان تنحني، وفي كل ذلك صورة صغيرة من حياة الإنسان نفسه.

وهكذا؛ لا يصبح فن «إيكيبانا» مجرد طريقة لوضع الزهور في إناء، بل طريقة للنظر إليها... وربما للنظر إلى أنفسنا أيضاً. كما يبقى جسراً بين الأجيال، تنتقل عبره مهارات فن قديم من يد إلى أخرى، ومن حياة إلى حياة.


قطّ يخطف الأنظار في بوليفيا... لكنه لا يحبّ الشهرة!

«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
TT

قطّ يخطف الأنظار في بوليفيا... لكنه لا يحبّ الشهرة!

«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)
«تيغرينو»... شهرةٌ أكبر من احتماله (رويترز)

بات قطّ برّي صغير يختبئ في غابات بوليفيا الضبابية مَعْلماً سياحياً غير متوقَّع، إذ تتدفّق إليها موجات من الزوّار أملاً في إلقاء نظرة على الحيوان الذي صنّفه العلماء نوعاً جديداً كلياً.

لكن ثمة مشكلة واحدة: «تيغرينو»، الاسم المحبّب الذي أُطلق عليه، لا يحبّ الاهتمام.

ذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أنّ القطّ الصغير، المرقّط ببُقع كبيرة تشبه بُقع الفهد، سريع التوتر، لذا يُبعده القائمون على محمية للحياة البرّية قرب لاباز عن أنظار العامة، رافضين إتاحته للحشود المتشوّقة للاقتراب منه. ويوم الأحد، خرج «تيغرينو» بحذر من مأواه، واستنشق الهواء، وتجوّل قليلاً لبضع دقائق، قبل أن يعود متسلّلاً إلى أوراق الأشجار.

كلّ العيون عليه... وعيناه على مخبئه (رويترز)

ينتمي «تيغرينو» إلى نوع «ليوباردوس تيلكايو»، وهو أول نوع حيّ من القطط البرّية يصفه العلماء منذ أكثر من قرن. ولا يتجاوز طوله 18 بوصة (46 سنتيمتراً) من الرأس حتى قاعدة الذيل، ولا يزيد وزنه على 3 أرطال (1.4 كيلوغرام)، ممّا يجعله أصغر من القطة المنزلية العادية.

صغيرٌ على كلّ هذه الأضواء (رويترز)

وأثار الاكتشاف، المنشور يوم الخميس الماضي في دورية «كارنت بيولوجي»، موجة من الحماسة على وسائل التواصل الاجتماعي. وتوافد زوّار من أنحاء بوليفيا وخارجها إلى محمية «سيندا فيردي» للحياة البرّية، حيث يعيش «تيغرينو» منذ عام 2017، حين أحضرته عائلة كانت قد حاولت، دون جدوى، تربيته على أنه قط منزلي عادي.

وقال المؤسِّس المُشارك للمحمية، مارسيلو ليفي: «أصبح (تيغرينو)، في غضون أيام قليلة فقط، سفيراً للحفاظ على الطبيعة»، مضيفاً أن تصنيفه على أنه نوع جديد أسهم في رفع الوعي بالحاجة إلى حماية القطط البرّية وموائلها في الغابات الاستوائية البوليفية.

وأردف ليفي: «إنه حيوان بالغ الصغر، وقد أصبح شيئاً شديد الأهمية لنا».