واشنطن وإسلام آباد والدبلوماسية الهادئة

الحرب الكلامية مستمرة بين الحكومة والمعارضة

رئيس حزب «تحريك إنصاف» عمران خان مع طاهر القدري (يسار) خلال احتجاجات ضد الحكومة في لاهور (إ.ب.أ)
رئيس حزب «تحريك إنصاف» عمران خان مع طاهر القدري (يسار) خلال احتجاجات ضد الحكومة في لاهور (إ.ب.أ)
TT

واشنطن وإسلام آباد والدبلوماسية الهادئة

رئيس حزب «تحريك إنصاف» عمران خان مع طاهر القدري (يسار) خلال احتجاجات ضد الحكومة في لاهور (إ.ب.أ)
رئيس حزب «تحريك إنصاف» عمران خان مع طاهر القدري (يسار) خلال احتجاجات ضد الحكومة في لاهور (إ.ب.أ)

دخلت باكستان والولايات المتحدة الأميركية في حالة من الدبلوماسية الهادئة للتعامل مع العلاقات الثنائية التي شهدت أخيراً تدهوراً سريعاً، لمعالجة بعض من الشكاوى التي يوجهها الجانبان ضد بعضهما بعضاً، بحسب مسؤول بارز في وزارة الخارجية الباكستانية أفاد بذلك يوم أمس (السبت). وقال المسؤول، الذي فضل عدم ذكر اسمه، في مقابلة غير رسمية، إن باكستان والولايات المتحدة منخرطتان في مفاوضات مستمرة، ولكنها خارج المجال العام، وإن التعاون مع الولايات المتحدة لم يتأثر على الرغم من التطورات الأخيرة.
ولقد شهدت العلاقات بين الحليفين القديمين كثيراً من التدهور خلال الشهرين الماضيين، إثر تغريدة أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اتهم فيها باكستان بممارسة الألاعيب المزدوجة، ثم علقت الإدارة الأميركية كل أوجه المساعدات الأمنية إلى إسلام آباد، بيد أن المسؤولين في باكستان قالوا إنه على الرغم من حالة الجمود الراهنة في العلاقات بين البلدين التي يمكن ملاحظتها، ينخرط الجانبان في حالة من الدبلوماسية الهادئة على مختلف المستويات، بغية تحسين العلاقات المتوترة. ونفى المسؤولون الباكستانيون أن تكون إسلام آباد قد علقت كل أوجه التعاون العسكري والاستخباراتي مع واشنطن في أعقاب التغريدة الشهيرة التي أطلقها الرئيس الأميركي، مؤكدين أن التعاون مع القوات الأميركية مستمر على مساره المعتاد، ولم يحدث أي تغيير يذكر في التعاون العسكري والاستخباراتي بين البلدين.
كان وزير الدفاع الباكستاني خورام داستغير قد صرح بأن بلاده قد أوقفت كل أوجه التعاون الميداني على المستوى العسكري والاستخباراتي مع القوات الأميركية في أفغانستان. وتستمر المحادثات بين إسلام آباد وواشنطن على محورين: أولاً، الاتصالات العسكرية لا تزال عميقة ومستمرة. ولقد تحدث الجنرال باجوا، قائد الجيش الباكستاني، مع قائد القيادة المركزية الأميركية بشأن التعاون المشترك والمستمر بين البلدين.
ولقد قامت نائبة مساعد وزير الخارجية الأميركي، آليس ويلز، هذا الأسبوع بزيارة إلى باكستان، جددت خلالها المطالب الأميركية بتطهير الأراضي الباكستانية من الملاذات الإرهابية المحتملة. وتشاطر الجانبان تلك المعلومات عبر وسائل الإعلام بشأن هذه التفاعلات التي أسفرت عن تصور مفاده أن المحاولة الثانية لإنقاذ العلاقات الثنائية، في أعقاب الخطاب الرسمي الأميركي ضد باكستان بعد الإعلان عن السياسة الأميركية الجديدة إزاء جنوب آسيا، لا تسير على ما يرام.
ولقد تعززت هذه التكهنات على أيدي خواجة آصف، وزير خارجية باكستان، الذي أعلن أمام لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الباكستاني أنه لا يوجد تغيير يذكر في الموقف، نظراً لأن الولايات المتحدة لا تزال متمسكة بموقفها.
وتجدر الإشارة إلى أن عملية التقارب السابقة التي بدأت مع اجتماع بين رئيس وزراء باكستان ونائب الرئيس الأميركي مايكل بنس، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد انتهت الشهر الماضي من دون تحقيق انفراجة تذكر.
وطالما أكدت باكستان، مراراً وتكراراً، على ضرورة اهتمام الولايات المتحدة بشواغل الإرهاب الدولي بصورة جادة، وتيسير عودة اللاجئين الأفغان في باكستان، وإقامة سياج عازل على طول الحدود الباكستانية الأفغانية.
ورداً على سؤال يخص تعليق باكستان تقاسم المعلومات الاستخبارية مع الولايات المتحدة بعد تغريدة الرئيس الأميركي ترمب الأخيرة، وتعليق المساعدات الأمنية، قال المسؤولون في الخارجية الباكستانية: «إن التعاون مستمر مع الولايات المتحدة على كل المستويات».
وفي الأثناء ذاتها، طلب الجانب الأميركي من باكستان إقناع قيادة شبكة حقاني بالتوجه إلى مائدة المفاوضات مع الحكومة الأفغانية، كجزء من عملية السلام الأفغانية تحت الإشراف الأفغاني.
والتوتر بين واشنطن وإسلام آباد عكس نفسه عل العلاقات السياسية بين الحكومة والمعارضة، التي طالب أحد أقطابها، رئيس حزب «تحريك إنصاف»، بإنهاء أي تعامل مع واشنطن.
وتدهورت الأمور أكثر وأكثر عندما تبنى المجلس الوطني، الخميس، قراراً يدين رئيس حزب «تحريك إنصاف»، عمران خان، لسبه العلني للبرلمان أمام حشد جماهيري بمدينة لاهور.
وكان عمران خان قد أقدم على سب البرلمان الباكستاني خلال تجمع لعدد من أحزاب المعارضة بمدينة لاهور، الأربعاء الماضي، بقوله: «ألعن البرلمان الذي يدعم المجرم نواز شريف».
واستخدم السياسي شيخ راشد أحمد، الذي يعد حليفاً لعمران خان، كلمات مشابهة، حيث أعلن استقالته وتخليه عن مقعده بـ«المجلس الوطني»، احتجاجاً على استبداد الحكومة، وعلى فسادها المالي. وقاد حزب ديني الاحتجاجات، التي شاركت فيها كل الأحزاب السياسية في البلاد، والتي بدأت في مدينة لاهور مساء الأربعاء الماضي. وحضر التجمع المعارض آلاف طالبوا بإزاحة حكومة حزب «الرابطة الإسلامية» عن السلطة في إسلام آباد، وكذلك في ولاية البنجاب التي شهدت الاحتجاجات. وبدأ حزب «باكستان أوامي تحريك» الديني الحشد الاحتجاجي ضد عمليات القتل التي تعرض لها نشطاؤه منذ عامين في لاهور علي يد الشرطة. وشارك في التجمع كل أحزاب المعارضة، ومنها «حزب الشعب الباكستاني»، و«باكستان تحريك إنصاف»، و«الجماعة الإسلامية»، وغيرها من أحزاب المعارضة.
وفي رد فعل على الاحتجاجات الحزبية، أدان «المجلس الوطني» الباكستاني، خلال جلسته الخميس الماضي، كلمة عمران خان، باستصدار قرار الإدانة ضده. وقرأ قرار الإدانة الوزير الفيدرالي، بليغ الرحمن، حيث قال: «إن سب عمران وراشد للبرلمان يعتبر بمثابة سب للشعب بأكمله»، وقال نص القرار الذي مرر بأغلبية الأعضاء إن «البرلمان يعد قلعة للديمقراطية، ولا يمكن بحال لاستقرار البلاد ورخائها أن يتحقق من دونه»، وغاب أعضاء حزب «تحريك إنصاف» المعارض عن جلسة المجلس الوطني التي شهدت قرار الإدانة.
وخلال المؤتمر الجماهيري، كرر راشد سبه للبرلمان، معلناً استقالته وتخليه عن مقعده بالمجلس الوطني. وأعلن خان تأيده لراشد بتكرار «سبه» للبرلمان. وقوبلت تلك الكلمات بحق برلمان البلاد من قادة أحزاب المعارضة بانتقادات حادة من أعضاء المجلس الوطني.
وأفاد المعارض البارز علام طاهر القادري، الذي قاد الحشود الحزبية المعارضة خلال المؤتمر، بأن الاحتجاجات لن تتوقف حتى تستقيل حكومة حزب «الرابطة الإسلامية» الحاكم. وطالب علام كذلك باستقالة رئيس وزراء البنجاب شاباز شريف (شقيق رئيس الوزراء السابق نواز شريف)، حيث أتهمه بأنه يقف وراء الأوامر التي صدرت للشرطة بفتح النار على حشود أنصار حزب «باكستاني أوامي تحريك» منذ عامين، الذي أدى إلى مقتل 19 عاملاً من أنصار الحزب.
وقد تعاني البلاد من عدم الاستقرار حال استمرت الاحتجاجات لفترة غير معلومة، خصوصاً أن الحزب الحاكم يحشد صفوفه لتسيير مسيرات مضادة لأعضائه من العمال في المراكز الحضرية لإقليم البنجاب في مواجهة المعارضة.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended