أركون يحلل المسألة الأخلاقية والفقهية في الفكر الإسلامي

في كتاب صدر له بعد رحيله بثلاثة أشهر

أركون يحلل المسألة الأخلاقية والفقهية في الفكر الإسلامي
TT

أركون يحلل المسألة الأخلاقية والفقهية في الفكر الإسلامي

أركون يحلل المسألة الأخلاقية والفقهية في الفكر الإسلامي

هذا هو آخر كتاب صدر لمحمد أركون بالفرنسية بعد رحيله بثلاثة أشهر فقط، وهو يتحدث فيه عن موضوع الساعة؛ أي المشاكل الأخلاقية والفقهية والسياسية التي تشغل العالم العربي والإسلامي حاليا. وقد أراد توسيع المسألة الأخلاقية لكي تشمل ليس فقط المسار العربي الإسلامي وإنما الأوروبي الغربي أيضا؛ فالغرب مأزوم أخلاقيا ويعاني انحرافات خطيرة وإن كانت أزمته من نوع آخر. لقد أراد البروفسور أركون دراسة المسألة الأخلاقية والفقهية القانونية من جميع أبعادها، ومن خلال الماضي والحاضر على حد سواء. وهو يهدف من خلال هذا الكتاب إلى تحرير الفكر العربي من السجن الدوغمائي المتحجر الذي رسخته حركات الإسلام السياسي والأصولية الإسلاموية منذ عام 1970. والواقع أن الخطاب الديني المهيمن علينا حاليا يجهل أو يتجاهل المكتسبات الإيجابية والتحريرية العظمى للحداثة الأوروبية. وهو بجهله هذا يحرم نفسه الأدوات الفكرية والمعرفية النقدية التي من دونها سوف يظل على هامش حركة التاريخ والعولمة الكونية. وبالتالي فلا يكفي أن نجتر إلى ما لا نهاية أقوال الفقهاء القدامى وفتاواهم أيا تكن أهميتهم ومكانتهم. فالماضي مضى ولن يعود. لا ريب في أنه ينبغي الاطلاع على منجزات الفكر الإسلامي الكلاسيكي فيما يخص هذه المسائل وبخاصة منجزات الفلاسفة والمعتزلة وكبار الفقهاء والعلماء. ولكن ينبغي تجاوزها لأن حلولهم كانت مبدعة ومناسبة بالنسبة لعصرهم لا بالنسبة لعصرنا. على هذا النحو يحصل التواصل والقطيعة مع التراث. نأخذ منه روحه، جوهره، حسه الأخلاقي، ونطرح القشور والقوالب المتكلسة. هناك قيم روحانية وأخلاقية عالية في التراث الإسلامي الكبير. ولكن ينبغي تحيينها، تجسيدها، نفض الغبار عنها، ثم صهرها داخل بوتقة الحداثة. على هذا النحو تحصل المصالحة التاريخية بين الأصالة والمعاصرة، أو بين الإسلام والحداثة.
يتألف الكتاب من أربعة فصول كبيرة تتفرع إلى أقسام كثيرة. الفصل الأول يستعرض التقلبات التي طرأت على المسألة الأخلاقية داخل الفكر الإسلامي عبر مساره الطويل. وهنا يتحدث أركون عن المصادر الأساسية الثلاثة للأخلاق: أي الدين، والفلسفة، والثورات العلمية التي تعاقبت على أوروبا منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم. ثم يتحدث أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي السابق في السوربون عن ذلك التوتر الصراعي الشهير بين العقل والإيمان. وهنا يقيم مقارنة مضيئة بين الأخلاق السائدة في الحضارة الرأسمالية الغربية، والأخلاق السائدة في ظل الأنظمة الإسلاموية الأصولية. ونلاحظ أنه ينتقد بقوة كلتا الجهتين. أركون لم يكن ينتقد فقط دوغمائية الجهة الإسلامية وطابعها القمعي على المستوى الأخلاقي. لاحظ الكبت الجنسي الرهيب مثلا أو ملاحقة المرأة على كل شاردة وواردة والاشتباه بها، ناهيك عن حد الرجم في الأنظمة الأصولية الطالبانية أو رش وجوههن النضرة بحامض الأسيد لتشويه جمالهن، ناهيك عن جرائم الشرف المرعبة، إلخ. ما علاقة كل ذلك بالأخلاق الحقيقية؟ وإنما كان ينتقد أيضا وبالحدة نفسها إباحية الغرب وتحلله من كل القيود واختزال الأخلاق إلى مجرد براغماتية منفعية أو إشباع للغرائز الاستهلاكية. لاحظ كيف يتحدثون الآن عن زواج الشواذ، أو عن استئجار بطون الأمهات! شيء مرعب ويدل على أنها حضارة فقدت صوابها وثوابتها الأخلاقية. لحسن الحظ أن هناك مقاومة لهذا التوجه الانحرافي داخل المجتمع الفرنسي نفسه. نعم هناك شرائح كبيرة من الرأي العام تقف في وجه هذا الانزلاق الخطير الذي قد يدمر العائلة ويقضي على الحضارة الإنسانية بكل بساطة. بمعنى آخر فإن المسألة الأخلاقية معكوسة: من جهتنا هناك زيادة في الكبت والحرمان، ومن جهتهم زيادة في التسيب المادي الشهواني وانعدام كل الضوابط والكوابح. هكذا نلاحظ أن العالم الإسلامي يعاني شيئا والعالم الغربي يعاني عكسه. ولكن خير الأمور أوساطها كما يقول التراث الإسلامي الكبير وكما يقول المعلم الأول أرسطو أيضا. فالكرم حد متوسط بين الإسراف والبخل، والشجاعة حد متوسط بين التهور والجبن، وقس على ذلك. وقد كان أركون فيلسوف التوازن والاعتدال: لا إفراط ولا تفريط.
لا أستطيع أن أدخل في كل متاهات هذا الكتاب المكثف الذي يتأرجح باستمرار بين تحليل نواقصهم وتحليل نواقصنا عن طريق منهج المقارنة المضيء لكلتا الجهتين.
في الفصل الثاني من الكتاب يتحدث أركون عن الحقوق الإنسانية داخل الفضاء التاريخي للبحر الأبيض المتوسط. وهو فضاء واسع يشمل العالم العربي من جهة والعالم الأوروبي من جهة أخرى. بمعنى آخر فإنه يشمل كلتا الضفتين، كما يقول جاك بيرك؛ فنحن نعيش على ضفة وهم يعيشون على الضفة الأخرى، ولا يفصل بيننا إلا هذه البحيرة الهادئة التي تدعى: البحر الأبيض المتوسط. كم قطعناها مرارا وتكرارا عندما ننتقل بالطائرة من الرباط أو تونس أو الجزائر أو بيروت أو الإسكندرية إلى باريس ومدريد وروما إلخ؟ وهنا يطرح أركون هذا السؤال: هل يمكن التحدث عن أصول إسلامية لحقوق الإنسان؟ ثم يقيم مقارنة نافعة جدا بين الإعلان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدره سالم عزام في اليونيسكو بتاريخ19-9-1981 والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948. في الحالة الأولى تتخذ حقوق الإنسان الصفة الإسلامية وفي الحالة الثانية الصفة العلمانية الكونية: بمعنى أنها موجهة إلى جميع شعوب الأرض أيا تكن أديانها وأعراقها أو تراثاتها ولغاتها. إنها تنطبق على الإنسان في كل زمان ومكان دون أي تمييز. ونلاحظ أن أركون يرفض صفة العالمية أو الكونية التي ادعاها عن غير حق إعلان سالم عزام. لماذا؟ لأن الإعلام الإسلامي لحقوق الإنسان خاضع للمرجعيات الدينية الإسلامية التي لا تنطبق إلا على المسلمين؛ فهي مرفوضة من قبل الشعوب الأخرى سواء أكانت مسيحية أم يهودية أم بوذية أم كونفوشيوسية أم هندوسية إلخ.. بمعنى آخر وحده الإعلان العلماني لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة ينطبق على الجميع ويستحق لقب الكونية. وهو إعلان يستمد مرجعيته الفكرية من فلسفة الأنوار لكانط وجان جاك روسو ومونتسكيو.. إلخ. وهنا يكمن الفرق بين مرجعية الحداثة ومرجعية التراثات الدينية الخصوصية. فالتراث البوذي مثلا محصور بالبوذيين ولا يعترف به المسلمون أو اليهود أو سواهم، وربما لا يعرفونه أصلا. إنه مقدس بالنسبة للبوذيين فقط. نقطة على السطر. وقل الأمر ذاته عن التراثات الدينية الأخرى أيا تكن عظمتها وسعة انتشارها عالميا. وحدها الفلسفة التنويرية العقلانية تنطبق على الجميع دون استثناء. بهذا المعنى فإن فلسفة الأنوار كونية في حين أن التراثات الدينية تظل خصوصية ومحصورة بأصحابها. ولكن رغم كل ذلك فإن أركون يعترف للإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان بميزة أساسية: وهي أنه يعترف بشيء اسمه إنسان أو حقوق إنسانية. فهذا شيء مرفوض من قبل المتطرفين. من هو الإنسان حتى نعترف به؟ إنه لا شيء، إنه حشرة.. وقل الأمر ذاته عن الديمقراطية حاليا؛ فمشاركة قوى الإسلام السياسي في العمليات الانتخابية أكبر دليل على أنها تراجعت عن فكرة الحاكمية الثيوقراطية واعترفت بالحاكمية الشعبية مصدرا أعلى للشرعية. ولكنهم الآن أصبحوا يعترفون بحكم الشعب على الأقل ظاهريا. هكذا نلاحظ أن الحداثة تتغلغل في العالم العربي حتى عن طريق الأصوليين! وهنا يكمن مكر العقل في التاريخ. إنه يستخدم حتى أعداء التقدم لتحريك عجلة التقدم! وهي فكرة هيغلية بامتياز كما هو معلوم.
لا أستطيع التوقف عند كل فصول هذا الكتاب المهم ولكن لا يمكن أن أختتم هذا العرض قبل التوقف عند الفصل الثالث الذي يتخذ العنوان التالي «الأديان التوحيدية على أفق 2010» بحثا عن معنى المستقبل. وحده الفصل الرابع والأخير سوف أهمله ليس لأنه الأقل أهمية ولكن لأن المجال يضيق. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. يلاحظ المفكر الجزائري الكبير أن المسيحية الأوروبية متفوقة على اليهودية والإسلام من حيث الانفتاح على الحداثة والتخلص من دوغمائيات القرون الوسطى. وقد تجلى ذلك بعد المجمع الكنسي المشهور باسم الفاتيكان الثاني حيث تصالحت المسحية البابوية مع الحداثة وقدمت تنازلات كبيرة لها. أما المذهب البروتستانتي فكان قد تصالح مع الحداثة قبل ذلك التاريخ بزمن طويل وسبق الكاثوليك إلى ذلك. وسبب ليبرالية المسيحية الغربية واستنارتها أنها تعيش في أحضان مجتمعات أوروبية ديناميكية جدا ومغموسة بالحداثة العلمية والفلسفية من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها. هذا في حين أن المجتمعات الإسلامية تشهد موجة تتريث هائلة منذ انتصار الخميني عام 1978 بل وحتى منذ ظهور حركة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا عام 1928. وبشكل من الأشكال يمكن اعتبار الخميني «إخوان مسلمين» وإن كان شيعي المذهب؛ فقد خرج على أصول التشيع الكلاسيكي عندما سيّس المذهب مثل حسن البنا، ودعا إلى حكم ولاية الفقيه. وهو المعادل الموضوعي لمفهوم الحاكمية عند المودودي وسيد قطب. في كلتا الحالتين تبقى الكلمة الأخيرة لرجل الدين. ويرى أركون أن الإسلام السياسي الحالي بكلا شقيه أحدث قطيعتين خطيرتين على المستوى المعرفي؛ القطيعة الأولى كانت مع التراث الإنساني والفلسفي العقلاني للعصر الذهبي المجيد الذي يشمل القرون الستة الأولى من عمر الإسلام، حيث أشرقت أنواره على العالم. بعدئذ انهارت الحضارة الإسلامية ودخلنا في العصور السكولائية التكرارية الاجترارية أو ما يدعى بعصر الانحطاط، ولا نزال غاطسين فيها حتى الساعة. وأما القطيعة الثانية التي نعانيها فهي مع الحداثة الأوروبية المتواصلة استكشافا وعلما وفهما منذ القرن السادس عشر وحتى اليوم؛ فهي أيضا مجهولة أو مرفوضة من قبل حركات الإسلام السياسي التي تعد الغرب بمثابة الشيطان الأكبر. وبالتالي فتشطب ليس فقط على سياساته الظالمة وإنما أيضا على كل حضارته بما فيها الجوانب الأكثر تحريرا للروح البشرية. وهكذا يذهب الصالح بجريرة الطالح ونحرم أنفسنا فتوحات الحداثة العلمية وكنوزها الفلسفية التي لا تقدر بثمن. وهكذا نؤبد تخلفنا إلى الأبد. على نفسها جنت براقش! وكنتيجة لهاتين القطيعتين الكبيرتين، الأولى مع الذات، والثانية مع الآخر، فإننا نعاني حاليا ما نعانيه.
أخيرا يرى أركون ما يلي، وهنا أصل إلى عمق تفكيره وبيت القصيد: نحن بحاجة إلى الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة لكل الطوائف والمذاهب دون استثناء. كل واحد مدعو للخروج من جلده، من سجنه، من قفصه. ولكن هذا لا يكفي، في رأيه، وإنما ينبغي الخروج أيضا من الدوغمائية العلمانية المتطرفة للغرب ذاته. لا ريب في أن معارك فولتير وسواه كانت مشروعة في القرن الثامن عشر ضد الطائفية والمذهبية ويشكر على ذلك كل الشكر. ولكن تحليله للظاهرة الدينية لم يعد كافيا الآن. إنه يبدو اختزاليا أو تبسيطيا أكثر من اللزوم. تحليل كانط كان أعمق منه وأنضج بكثير؛ فالدين أخطر مما نتصور وأعقد من ذلك، ولا يمكن القضاء عليه بهذه الطريقة. يمكن القضاء على الأصولية الدينية ولكن ليس على العاطفة الدينية السامية. لا أحد يستطيع القضاء على الدين، معاذ الله! يمكن القضاء على الفهم الانغلاقي والمتعصب للدين، ولكن ليس على الدين ذاته كما توهم فلاسفة التنوير الراديكالي. الدين سيبقى إذن بعد عملية التفكيك الفلسفية الهائلة التي يدعو إليها أركون، والتراث الإسلامي سوف يظهر عندئذ على حقيقته بكل نقائه وعظمته وسموه بعد عملية التفكيك - أو التعزيل - هذه لا قبلها. وهذا يعني أننا دخلنا في صيرورة رهيبة نرى بداياتها ولا يعلم إلا الله نهاياتها. وهنا تكمن أكبر مغامرة استكشافية -وأخطر مغامرة! - في تاريخ الفكر العربي. ولا يمكن للعرب أن يصلوا إلى بر الأمان، إلى الشاطئ الآخر، إلا بعد خوض غمراتها.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.