د. سامي الجمعان: المسرح السعودي يتحرك ويشاغب ولا يراوح مكانه

هناك ظلم لتجربتنا المسرحية.. ومسرحنا يفعل ما يفوق ظروفه وبيئته الصارمة

د. سامي الجمعان
د. سامي الجمعان
TT

د. سامي الجمعان: المسرح السعودي يتحرك ويشاغب ولا يراوح مكانه

د. سامي الجمعان
د. سامي الجمعان

بدأ الكاتب المسرحي السعودي د. سامي الجمعان حياته الثقافية من المسرح، وحصل في عام 1987 على أول جائزة تمثيل في المسرح السعودي على مستوى الخليج، وذلك في مهرجان مسرح الشباب الخليجي في الشارقة. وشهدت خشبة المسرح صعوده نحو الإخراج المسرحي وكتابة النص. ثم تفرغ لدراسة المسرح أكاديميا، فكانت رسالة الماجستير التي حصل عليها بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف في السرديات والدراما. أما الدكتوراه فكانت عن دراسته «خطاب الرواية النسائية السعودية وتحولاته».
وحققت الأعمال التي أخرجها حضورا على المسرح، وفازت بجوائز محلية وخليجية (حاز على أكثر من تسع جوائز في مجال الإخراج والتأليف المسرحي). وقد حققت النصوص المسرحية التي كتبها نجاحا ملحوظا، بينها نصه «والقافلة تسير» الحائز على جائزة أفضل نص في مهرجان مسرح الشباب الخليجي عام 1993. ونصه «حدث في مكة» الحائز عام 2011 على المركز الثاني، في مسابقة تأليف وزارة الثقافة والإعلام. كما فاز نصه «موت المؤلف» في مهرجان المسرح السعودي الرابع عام 2007 بجائزة أفضل نص.
وللجمعان عدد من الدراسات النقدية، بينها دراسة بعنوان «حضور ألف ليلة وليلة في المسرح العربي»، وأخرى بعنوان «المسرحية في الأدب العربي». وله كتاب بعنوان: «موت المؤلف.. نص وبيانات مسرحية». كما أصدرت له وزارة الثقافة والإعلام مجموعته المسرحية الثانية بعنوان «حدث في مكة ومسرحيات أخرى». وصدر له كتيب بعنوان «الظاهرة التمثيلية عند العرب». وحرر كتاب «في المسرح السعودي» الصادر عن كرسي الآداب السعودية بكلية آداب جامعة الملك سعود بالرياض عام 2013. واختير نصه عن الشاعر الجاهلي الأعشى للمسرحية الرئيسة في مهرجان سوق عكاظ 2013.
لدى الجمعان مشروع تأليف مسرحي يحمل عنوان «مسرحة الرموز والتجارب المسرحية العربية»، يمثل تجربته الكتابية في مجال المسرح، ويتضمن الجانب النظري لهذا المشروع واستراتيجياته.
«الشرق الأوسط» التقت الدكتور سامي عبد اللطيف الجمعان، الباحث والكاتب المسرحي، وأستاذ الأدب والنقد بجامعة الملك فيصل في الأحساء، وعضو مجلس إدارة جمعية المسرحيين السعوديين، ومدير فرع جمعية الثقافة والفنون بالأحساء سابقا، في الأحساء شرق السعودية حيث يقيم، وأجرت معه الحوار التالي.

المسرح والأحكام المسبقة

> أين يقف المسرح السعودي اليوم؟ لماذا لا نلحظ تراكما في التجربة المسرحية على الرغم من مرور كل هذه السنوات؟
- إن أردت جوابا حاسما فموجزه أن مثل هذا السؤال ينتمي إلى فئة الأحكام المقولبة عن المسرح السعودي. والمقولبة هي التي تتبنى منظور الحكم المسبق / الجاهز، وهو حكم يظلم كثيرا تجربتنا المسرحية السعودية، بل في اعتقادي ان أصحاب هذه الرؤية هم أبعد ما يكونون عن المسرح السعودي ومشهده، لأن الواقع مغاير ومختلف. نحن حيال تجربة تتنامى وتتطور وتتكرس بشكل لافت، ونحن كعاملين في هذا الحقل نمتلك أدلة قاطعة على ثراء التجربة وتفرع أغصانها.
> ما هذه الأدلة؟
- من تلك الأدلة، ما تقوله الإحصاءات والأرقام التي تشير إلى حراك مسرحي سعودي يزيد سنة عن الأخرى. أيضا المنافسة الخليجية والعربية التي بدأت التجربة المسرحية السعودية تقتحمها بجدارة، على المستويين الخليجي والعربي. أضف إلى هذا وذاك التنوع الفني المنتمي إلى التجربة، من حيث المدارس المسرحية المعمول في إطارها، ناهيك بتجربة النص المسرحي السعودي التي بدأت تبلغ حد الاحترافية عبر أسماء لامعة.
> على الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على تأسيس أحمد السباعي (عام 1961) لأول تجربة للعرض المسرحي، حملت اسم «دار قريش للتمثيل القصصي»، فإن المسرح السعودي لا يزال يراوح مكانه. مَن يتحمل المسؤولية عن ذلك؟
- سأكررها في كل محفل، وسأقول بأعلى ما أوتيت من قوة: المسرح السعودي لا يراوح مكانه، وحكمي هذا يتكئ على الموضوعية لا على الانفعالية أو العاطفية والارتجال. مسرحنا ينجز، يتحرك، يشاغب، يصمد، يغامر، يفعل ما يفوق ظروفه المحيطة وبيئته الصارمة. ولكن دعني أُرِحْكَ من هذه الدوامة بتحديد مكمن مشكلة المسرح السعودي ومعضلته الأساسية، المتمثلة في موقف ثقافتنا المجتمعية من فن المسرح، وتوجسنا الاجتماعي منه، وترددنا الرسمي في دعمه وتكريس حضوره، مما أدى إلى أن يصبح المسرح هامشيا في حاجتنا الاجتماعية إليه، بينما المسرح له خاصية التأثير الاجتماعي المستمر، بحيث يصبح تفاعل الناس معه تفاعلا يوميا وعادة متواترة. ومتى ما وصلنا إلى هذه الحالة الثقافية الاجتماعية في فهمنا لدور المسرح، سنسحب تهمنا تلك ونلقي بها عرض البحر.

> لماذا تنجح «الممانعة» الاجتماعية في إعاقة المسرح السعودي، ويفشل المسرحيون في الدفاع عن قضيتهم؟
- ببساطة شديدة، لأن تيار الممانعة يدرك موقف مجتمعنا المتوجس من الفنون عامة، ويلعب على هذا الوتر، بينما لم يحسن المسرحي السعودي تسويق بضاعته الفنية، ولا تسويق إبداعه. وفي ظني، إن السبب في هذا هو عدم جديتنا كمسرحيين في صنع موقف اجتماعي مغاير للسائد في الوعي بدور المسرح وأثره. فنحن نصنع المسرح كمنتج، ولا نصنع آليات تسويقه اجتماعيا، وهو ما أدى إلى نخبوية جماهيرية خانقة.

من يدعم المسرح؟

> أين تقف جمعية المسرحيين؟ هناك من يرى أنها لم تسهم في دفع الحركة المسرحية للأمام وحسب، بل أضرت بها أيضا. كيف تراها أنت؟
- أيضا هو اتهام باطل بكل المقاييس، فجمعية المسرحيين المتهمة دائما من دون وجه حق، وقعت في إشكالية تنظيمية شأنها شأن الجمعيات الأخرى، على الرغم من أن بداياتها الأولى كانت رصينة ومنظمة، فضلا عن المنجز الذي حققه مجلس إدارتها الحالي بالتعاون مع أعضائها، الذي يحاول البعض طمسه أو تجاهله. ولا أدري هل يستطيع أحد مسح تاريخ مثبت وموثق، فعلى الرغم من الإمكانات الضعيفة من جانب، والهجوم الإعلامي الكاسح على المجلس منذ البدايات من جانب آخر، أود من كل منصف العودة إلى ما سعيت لإنجازه، وهذا ليس من باب الدفاع إنما من باب إحقاق الحق. وصدقني كان الطموح أكبر والتطلعات أجمل لولا العثرات التي وقفت في الطريق ويصعب تجاوزها، لأن المال مثلا هو عصب النشاط والحركة، وهذا غير متوفر. فالإدارة الحالية على أقل تقدير تطالب بدعم مادي لعقد جمعيتها العمومية وترشيح المجلس الجديد، ولكن لا مجيب، وستبقى إشكالية الدعم المالي بُعْبُعاً لكل مجلس حالي أو مقبل.
> كيف تقيم مساهمة القطاع الخاص، والشركات، وخصوصا مساهمة «أرامكو» في إثراء التجربة المسرحية؟
- «أرامكو» ضربت مثالا حيا وحقيقيا على دعمها للمسرح. ودربت المواهب السعودية، ودعمت المهرجانات المحلية، وأتاحت الفرصة للمسرحيين للعمل في مهرجاناتها. ولكنني أقول ما زال المنتظر من هذه الشركة السعودية العملاقة أكبر، والطموح في دعمها أكثر. قبل أيام قليلة، دعتنا الشركة إلى معرض إثراء المعرفة الذي تنظمه من أجل حضور عرض مسرحي. وقد سرني أن النسبة الأكبر من الطاقم من الشباب السعودي المتدرب، الذي خضع في بريطانيا لورش عمل كثيرة في مجال المسرح. أما القطاعات الأخرى فيبدو أنها حتى الآن غير مقتنعة بالمسرح.

المسرح ووسائط الإعلام المتعددة

> لماذا لا يوجد عرض مسرحي سعودي امتدت به الحياة، أسوة بالتجارب المسرحية العربية والخليجية مثلا؟
- عروض جميلة ومتقنة بالفعل كان مصيرها التلاشي. وهذه مسألة أوافقك عليها إن كنت تقصد بامتداد الحياة به إطالة أمد عرضه. وهي إشكالية حقيقية تواجه المسرح السعودي والكثير من المسارح العربية، وهي قصر حياة العروض، على الرغم من الفترات الزمنية الطويلة التي نهدرها في التحضير. ويعود هذا إلى قلة الدعم المادي، ثم القاعات غير المتوفرة وغير المجهزة، والنفَس المسرحي القصير لدى المسرحي السعودي. وهذا ينسحب أيضا على المسرح الخليجي، فهو يواجه أيضا إشكالية قِصَر النفَس المسرحي نفسها، وصغر حياة العروض.
> برأيك، هل يمكن للمسرح كموقع إبداعي أن يحظى بمكانة في وسائط الإعلام المتعددة المعاصرة؟
- المسرح الآن يناضل من أجل هذا، فالهجوم الكاسح للحركة السينمائية، وتطور دور السينما، فضلا عن برامج التواصل الاجتماعي، وقوة حضور الإنترنت، سرق جميعه الضوء من المسرح. وهذه حقيقية علينا أن نعترف بها، ولكن يجب أن نعرف بأن المسرح يمتاز بنكهته «الفرجاوية» الخاصة، فلفرجته ومشاهدته متعة لا يحققها غيره، على اعتبار الأداءات الحية، والنبض التواصلي الوجداني المباشر، والأثر الذي يتركه المسرح في نفوس الجماهير. وبالتالي فالمسرح رغم قوة منافسيه سيبقى بذلك الوهج الخاص الذي لا يمتلكه سواه.

> كيف ترى وسائل التواصل الاجتماعي كـ«تويتر» التي تستخدم اليوم لصناعة حالة حوارية ذات قوالب مسرحية؟ هل يمكن أن نلجأ إلى العالم الافتراضي بعد أن عجزنا عن صناعة واقعنا المسرحي على الأرض؟
- لكل نوع جمالياته وطقوسه. وأنا أرى أن نستبدل الفكرة التنافسية بين المسرح والعوالم الفنية والإلكترونية الأخرى بفكرة أكثر حضارية، هي الفكرة التفاعلية، بحيث نستثمر التكنولوجيا في فن المسرح. ونستثمر منتج وسائط التواصل الاجتماعي في صناعة أفكار المسرح، وهي مشاريع قائمة على مستوى العالم حاليا، حيث صناعة المسرحية «الفيس بوكية» مثلا، وتشكيل نصوص مسرحية من تغريدات الـ«تويتر»، وهكذا. لا ننسى أن الفنون والعلوم تراكمية وتفاعلية، يأخذ بعضها من البعض الآخر ومن هنا يفترض أن ننطلق.

المشروع المسرحي

> اشتغلت أكاديميا على مسرح التراث من خلال كتابك «حضور ألف ليلة وليلة في المسرح العربي». ألا تعتقد أن الاشتغال بالتراث استهلك الكثير من المسرح الخليجي الجاد؟
- لأن الصلة وثيقة بين التراث وفن المسرح، فهذا الأمر طبيعي للغاية. ومنذ أن نشأ المسرح على أيدي اليونانيين وغيرهم وهو يتكئ على التراث ويتعاطى مع صيغه. فالمسرح اليوناني في بواكيره نهل من الأساطير، واستوحى التاريخ، وجسد الرموز والأبطال. فوجد فن المسرح في تراث الأمم كنزا لا ينضب ومصدرا لا ينتهي. وكتابي الذي أشرت إليه هو في الأصل رسالة ماجستير جمعت بين حقلين: حقل المسرح وحقل السرديات القديمة، ممثلة في الكتاب القصصي العظيم «ألف ليلة وليلة»، في محاولة مني لتقصي تلك الفاعلية وقياس مدى تأثير «ألف ليلة وليلة» في المسرح العربي عامة. وانتهيت إلى أن المسألة لا تقتصر على التأثير، بل تبلغ مرتبة «الحضور»، والحضور هنا بمعناه الفلسفي العميق يعني «الهيمنة»، هيمنة قصص «ألف ليلة وليلة» في حضورها على الكتاب وقدرة موتيفاتها السحرية على جذب أقلامهم.
> ماذا بعد كتابك «موت المؤلف وبيانات مسرحية»؟ إلى أين تحمل قضية المسرح؟
- قيمة هذا الكتاب الذي صدر عام 2009 في حمله توثيقا لثلاث تجارب مهمة أصدرتها على شكل بيانات مسرحية. الأولى تجربة أحمد السباعي المسرحية التي لم تكتمل، وخوضي في القضايا الدائرة حولها. ثم واقع المسرح السعودي وإشكالية القبضة الاجتماعية المحيطة به. ثم مشروعي التأليفي الذي عنونته بـ«مسرحة الرموز والتجارب المسرحية العربية». وهذا المشروع هو خلاصة ما انتهت إليه تجربتي الكتابية في مجال المسرح، فضمنته الجانب النظري لمفهوم المشروع واستراتيجياته، ثم نصا مسرحيا يعتبر بمثابة التطبيق على المشروع، وهو نص «موت المؤلف». ما أود الإشارة إليه، وهذا ما يحبطنا، هو أن نقادنا لا يطلعون على تجاربنا ولا يتأملونها. لك أن تتصور أن بعض النقاد العرب على اطلاع على هذا الكتاب والمشروع، وكتبوا عنه أكثر من نقادنا ومسرحيينا. فنحن تنقصنا جدية التأمل في التجارب السعودية والتعامل معها نقديا.
> أصدرت مجموعتك المسرحية «حدث في مكة.. ترنيمة إلى أحمد السباعي». ماذا تقول للسباعي أبي التجربة المسرحية السعودية؟
- أقولها بفخر: كم أعتز بك أيها السباعي الأديب المغامر. أيها المتطلع لواقع أجمل. فليرحمك الله لأنك كنت تصنع المسرح في زمن لم يعرف المسرح. وسامح الله من أحبطك ووقف في وجه مشروعك الثري. وأقول للسباعي: كم أعجبتني جديتك وعنايتك بالتفاصيل. كم كنت حضاريا في إعطائك الأدوار لأصحابها. فالمؤلف تركته للكتابة، والمخرج للإخراج، من دون أن تستأثر بكل شيء كونك صاحب المشروع والقائم عليه. رحمك الله، ولو كان مشروعك اكتمل ربما كنا نتحدث الآن عن واقع مسرحي سعودي مغاير.
> لك دراسة بعنوان «خطاب الرواية النسائية السعودية وتحولاته». كيف رأيت تحولات هذا الخطاب؟
- بداية، كان لي هدف من التوجه إلى الرواية بصورة عامة في أطروحة الدكتوراه، الإحاطة بالسرديات قديمها وحديثها، ضمن مشروع نقدي متكامل، حيث خصصت الماجستير للجمع بين جنسي القصص القديم والمسرح. وفي الدكتوراه اتجهت إلى القص الحديث ممثلا في الرواية، وكانت تطلعا للجمع بين الحقلين مسرحا وسرديات، وهذا بحد ذاته ثراء وليس انتقالا غير مبرر، كما يعتقد البعض. أما عن كتاب «خطاب الرواية النسائية السعودية» فتحركت فيه باتجاه رصد منعرجات وتحولات خطاب الكاتبات السعوديات عبر نافذة الرواية، وانتهيت إلى أن الكاتبة السعودية أنجزت خطابا متباينا في حيله ومقولاته وآلياته، حسب المرحلة التي كانت تعبرها. وبالتالي فالانكسارات في الخطاب حدثت مرتين بعد عام 1980 وبعد عام 2001 أيضا، إلا أن الانكسار الثاني في توجهات الخطاب كان قويا وحادا وملحوظا ومن دون مواربة، علما بأنني أعيد هذا التحول السريع والقوي إلى ما واكب المرحلة من أحداث ذات مرجعية سياسية ودينية وثقافية واجتماعية، يوجد لها تفضيل في الدراسة.

خلافات

> كيف تطور الخلاف داخل جمعية الثقافة والفنون في الأحساء، خصوصا بينك وبين عبد العزيز السماعيل، مدير عام جمعية الثقافة والفنون، إلى خصومة مستحكمة رغم تاريخكما الطويل في التعاون والتبادل المسرحي؟
- بداية، أعترض على كلمة «خلاف»، لأن أخلاقياتي ترفض شخصنة القضايا والمسائل. وعبد العزيز السماعيل أخ عزيز وقريب من النفس. كل ما في الأمر أنني أختلف معه في آلية إدارته لجمعية الثقافة والفنون، كونها تقوم على التنظير أكثر من الفعل، وتبنى على الطموحات والأحلام المتجاوزة أكثر من الواقع ومعطياته. وهذه الطرق عفى عليها الزمن، وبات التعاطي الآني والفعلي مع الواقع في حدود معطياته هو الوسيط الناجع لمشروعاتنا. ولكي أكون أكثر موضوعية، أشير إلى مثال بسيط. عد إلى تصريحات الزميل السماعيل بعد تعيينه مباشرة كمدير عام للجمعية، واقرأ الوعود العريضة التي تحدث بها، وهي موجودة وموثقة. ثم لاحظ كيف تحدث عن أحلام وردية وطموحات لم يستطع بعد السنة الرابعة له تحقيق شيء منها. على سبيل المثال، تحدث عن الانتخابات وها هو يتناساها. وتحقق عن الفترة المحددة لمديري الفروع، وهي فترتان، وها هو يتناساها. تحدث عن رؤساء اللجان والمدة الزمنية المحددة لهم، وتناساها. وتحدث عن البنى التحتية وتناساها. تحدث عن التحولات الجذرية في مسار الفعاليات، وها هي الفروع تقدم ما قدمناه قبل ثلاثين عاما، والشريط يعيد نفسه إلا من المهرجانات المسرحية التي هي في أصل مشروعات فروع لا مشروعات كيان واستراتيجيات إدارة. ثم إن أكثر شخص كان ينادي بتجديد الدماء في الفروع هو الزميل السماعيل، ولكنه ضعف أمام هذا البرنامج لأسباب غير معلومة، ما أدى إلى تكلس بعض الفروع وبقاء الحال على ما هو عليه. تلك هي القضية ولا غير، اختلاف في وجهات النظر من أجل مصلحة جمعية لا شخصية. وهذا حق مشروع لنا، لأننا أبناء جمعية الثقافة، ومنجزها أخذ من أعمارنا وجهدنا الكثير. وقد اعتبرناها كمنتمين إليها مشروع حياة. تلك هي الفكرة التي يجب أن يعيها كل من يعتقد أن الجمعية حكر عليه وملك خاص له، فهي مؤسسة باقية بصفتها الرسمية والأفراد كلهم إلى زوال.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.