أين اختفى وهج المجلات الثقافية في العراق؟

نشر فيها مشاهير الكتاب العرب

أين اختفى وهج المجلات الثقافية في العراق؟
TT

أين اختفى وهج المجلات الثقافية في العراق؟

أين اختفى وهج المجلات الثقافية في العراق؟

نهاية عام 2015، حضرت جلسة نقدية على هامش مهرجان «أثير للشعر العربي» في سلطنة عُمان، ألقى فيها الناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي محاضرة مهمة، أعقبتها مجموعة مداخلات كالعادة، أتذكر من بينها سؤالاً طرحه الدكتور علي جعفر العلاق، كان يبحث خلاله عن إجابة للسبب الكامن وراء توقف الحديث عن الحداثة وتجلياتها في الجامعات والمجلات العربية، ولماذا خفت الصراع الذي كان محتدماً أيام الثمانينات والتسعينات؟ فكانت إجابة السريحي التالية: «الحديث عن الحداثة انطفأ لحظة انطفأت مجلة الأقلام العراقية».
إجابة السريحي قد تكون شاهداً على ما كانت تحمله المجلات الثقافية في العراق من أهمية في إنتاج الثقافة وتصديرها، وقد كنتُ أذكر أيام التسعينات أننا - معشر الشعراء - لا يعترف بنا أحد من الكتاب الكبار في حرفة الأدب إنْ لم تنشر لنا مجلة «الأقلام» الثقافية قصيدة على صفحاتها، وقد كان نشر نصٍ على صفحاتها يمثل نشوة كبرى.
وعلى الرغم من التوجه الأحادي لفترة الثمانينات والتسعينات بالنسبة للمجلات الثقافية، وأنها رضيت أنْ تكون واجهة ثقافية للنظام السابق، فإن تلك المجلات كانت ممتلئةً بملفات ثقافية وحداثية تُسهم بصناعة الرأي العام وتصديره وتوجيهه، ولا ننسى إدارتها للملف الثقافي من خلال استكتاب خيرة الأسماء العربية النقدية والثقافية، مثل كمال أبو ديب وجابر عصفور وصلاح فضل وعبد الله الغذامي، وآخرين كثر أسهموا من خلال دراساتهم وبحوثهم في إغناء الملفات الثقافية التي كانت فيها مجلات (الأقلام، والمورد، وآفاق عربية، والتراث الشعبي، والثقافة الأجنبية، والموقف الثقافي) أشبه بالقنوات الفضائية هذه الأيام، بل إنها أرسخ كثيراً. وهنا، أذكر أن الجامعات العراقية راجعت تلك المجلات بدراسات ماجستير ودكتوراه، من خلال تناول ملفاتها ومناهجها ودراساتها وبحوثها ونصوصها الإبداعية ونقدها بالنقد والمراجعة والقراءة.
وكانت شخصيات ثقافية مهمة قد انتدبت لرئاسة تحرير تلك المجلات، بدءاً بعبد الجبار داود البصري، وعلي جعفر العلاق، وحاتم الصكر، وطراد الكبيسي، ومحسن جاسم الموسوي، وماجد السامرائي، وباسم عبد الحميد حمودي، وياسين طه حافظ، ومرشد الزبيدي، وأسماء أخرى مثلت رافداً مهماً لإغناء تلك المجلات، فضلاً عن آلية التوزيع الناجعة لتلك المجلات.
وذات مرة، ذكر لي رئيس تحرير مجلة «الأقلام» السابق الأستاذ ماجد السامرائي أن المجلة تصل بعد يومين فقط من طباعتها إلى معظم الدول العربية والعواصم الأوروبية، مثل باريس ولندن، ولا يكاد يوجد مثقف عربي لم يقتن مجلة «الأقلام» التي نافست «الآداب» البيروتية، بل تفوقت عليها في بعض المرات.
إن عدداً من المجلات الثقافية صدرت قبل 2003، ولم تصدر من مؤسسات الدولة، لكنها صدرت بأعداد قليلة واختفت، مثل مجلة «شعر 69»، التي أطلقت في عددها الأول بيان 69 لفاضل العزاوي وسامي مهدي وفوزي كريم وخالد علي مصطفى، ومجلة «الكلمة» التي أطلقت مشروع قصيدة النثر في العراق، فيما كان اتحاد الأدباء يصدر مجلة «الأديب المعاصر»، ومن ثم تغير عنوانها إلى «الأديب العراقي»، ولو بقيت على العنوان الأول لكان أفضل برأيي، وهناك مجلات صدرت بأعداد قليلة جداً وبنسخ محدودة، مثل مجلة «أشرعة» التي تبنت مشروع «قصيدة شعر»، فضلاً عن مجلات عراقية ثقافية تصدر من الخارج، مثل مجلة «جسور وألواح» اللتين كانتا تتبنيان مشروع قصيدة النثر في العراق.
أما الحديث عن المجلات الثقافية بعد عام 2003، فإنه يأخذ منحى آخر مختلفاً، ذلك أن الهيمنة المركزية انفلتت تماماً، ولم تعد الدولة المصدر الأساسي في تصدير المعلومة وتبنيها، فخرجت لنا مجموعة من المجلات الثقافية متزامنة طبعاً مع عدد من المجلات التي كانت الدولة تصدرها قبل 2003، ولكن بطبيعة الحال اختفت مجلات كانت معتمدة في وزارة الثقافة بسبب تغير فلسفة الدولة ومنهجها، حيث تلاشت النظرة القومية، بل حوربت كثيراً. لذلك أُلغيت مجلة «آفاق عربية»، كما أُلغيت مجلة مثل «الموقف الثقافي» و«الطليعة الأدبية»، وهذا يعني أن للدولة الجديدة فلسفة في إدارة الحكم من خلال هذه المجلات، ولست متيقناً من أن القائمين على إدارة الدولة عملوا هذه الأشياء بتخطيط أم لا، كما أن مجلات ثقافية أخرى صدرت بعيداً عن تمويل الدولة، مثل مجلة «بيت» التي تصدر من بيت الشعر في العراق، ولكنها للأسف لم تكمل أعدادها الأربعة، فتوقفت رغم مادتها الثرية، كما صدرت مجلة اسمها «نثر»، ولكنها لم تثن على ما أذكر، فيما أصدر بعض الأصدقاء مجلة مهمة في حينها، اسمها «جدل»، وقد تناولت ملفات ثقافية وسياسية واجتماعية مهمة، ولكنها للأسف توقفت بعد أن أصدرت نحو 20 عدداً، وعكف بعض الأصدقاء في المحافظات على إصدار عدد من المجلات الثقافية، مثل مجلة «البديل الثقافي» في ميسان، وهي مجلة مهمة تحاول أنْ تطرح مشروعاً لإدارة الدولة من خلال الثقافة، وقد اشتغلت كثيراً على الملفات الثقافية، وأصدر اتحاد أدباء البصرة مجلة «فنارات» وديالى مجلة «تامرَا»، وهذه الأيام أصدر مجموعة من الشعراء الشباب مجلة باسم «مسقى»، وهي مجلة مختصة في الشعر الحديث، حيث يعيدون لنا شكل الصراع الذي كنا نعتاش عليه أيام التسعينات.
إن جريدة «الأديب» هي الأهم برأيي من أغلب المجلات التي ظهرت بعد 2003، فهي صحيفة ثقافية مختصة بالأدب أعادت لنا أهمية المشروع الثقافي ونجاعته، وقد حققت مساحة واسعة في الهيمنة على مجمل المنشورات الأدبية لأهميتها، وللملفات البالغة الأثر في إدارتها، وقد استمرت لسنوات كثيرة حتى أنها درست في أطروحة دكتوراه في آداب المستنصرية.
ما يمكن ملاحظته على مجمل المجلات التي صدرت بعد 2003 في العراق أنها اتسمت بطابع محلي خالص، حتى تلك التي كانت تصدرها الدولة، مثل «الأقلام» التي تحدث عنها السريحي كما مر وغيرها، فقد قوطعت عربياً بشكل كبير، ولم تعد صفحات المجلات الثقافية العراقية ملعباً للمثقفين العرب، بل إن لغة التخوين والمقاطعة كانت السمة الغالبة لأكثر المثقفين العرب الذين قاطعوا النشاط الثقافي العراقي، بما فيه كتابة البحوث والدراسات ونشرها في مجلات العراق، وهذا يعني أن السياسة ألقت بكامل ثقلها على الثقافة، بل هيمنت هيمنة كبيرة على جل ملفاتها، وتحديد بوصلتها والحكم عليها.
إن معظم ما صدر من مجلات ثقافية بعد 2003 كان محدوداً أيضاً، ولم يتبنَ مدرسة أدبية أو ثقافية أو توجهاً نقدياً حداثياً أو حتى تقليدياً، إنما اتسمت بطابع يقترب من شكل الصفحات الثقافية في الصحف والجرائد، والفرق كبير بين الصفحات الثقافية في الصحافة والمجلات الثقافية، إلا أن مجلاتنا الثقافية تكاد تكون صفحة ثقافية بجريدة من الجرائد، ولكنها على شكل مجلة للأسف، كما أن مساحة الشغف والبحث عن المجلات من جانب القراء خفَتْ كثيراً، بل اختفت على ما يبدو، فقد كنا نذكر في أي يومٍ تصدر مجلة «الأقلام» أو «الثقافة الأجنبية»، وما زالت مكتباتنا تنوء بمئات النسخ من المجلات القديمة، تنتقل معنا أينما نذهب كأي سلعة ثمينة من سلع البيت، ولكن اليوم لا علم لأبناء الوسط الثقافي بوقت صدور المجلات الثقافية، ولا تحتفظ مكتباتهم إلا بنسخ محدودة من الإصدارات الحديثة.. فماذا يعني هذا؟ هل قضمت المواقع الإلكترونية أوراق المجلات الصفراء، أم أن المجلات لا تطبع ما يُثير الشهية المعرفية؟ يبدو أننا بحاجة ماسة إلى معرفة السبب وراء انطفاء وهيج المجلات الثقافية العراقية!



عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
TT

عادة نوم بسيطة قد تُنقذك

معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)
معظم البالغين يحتاجون إلى نحو 7 ساعات من النوم ليلاً (بيكسلز)

يشكو كثير من الناس من الشعور الدائم بأن الوقت لا يكفي، وأن يومهم يمضي في سباق متواصل لإنجاز المهام المتراكمة. ورغم محاولات تحسين الإنتاجية عبر تنظيم الجداول أو تقليل المشتتات، قد يكون الحل أبسط مما نتخيل: موعد نوم ثابت. فحسب الكاتبة وخبيرة إدارة الوقت لورا فاندركام، فإن غياب انتظام النوم لا يحرمك من الراحة فحسب، بل قد يكون سبباً رئيسياً في الشعور بالتسرع وضيق الوقت خلال النهار.

توضح فاندركام أن معظم الناس يستيقظون في وقت ثابت نسبياً بسبب التزامات العمل أو الدراسة، لكن قلة منهم يلتزمون بموعد نوم محدد. ونتيجة لذلك، قد يتمكن الشخص من الحفاظ على مستوى عام من الإنتاجية، لكنه يواجه صعوبة في التركيز المستمر طوال اليوم. ومع تراجع التركيز، تبدأ المهام في التراكم، ما يدفع إلى إنجازها على عجل. وعندما يسود التسرع، تزداد الأخطاء، فيضطر الشخص إلى إعادة العمل أو محاولة تدارك ما فاته، ليُهدر بذلك الوقت الذي كان يسعى إلى توفيره.

وتشير فاندركام، مؤلفة ثمانية كتب في إدارة الوقت، إلى أن المشكلة لا تكمن في قلة ساعات النوم على مدار الأسبوع، بل في عدم انتظامها. فقد يسهر الشخص لوقت متأخر في إحدى الليالي ويستيقظ مبكراً جداً، ثم يعوّض ذلك في الليلة التالية بالنوم في وقت عشوائي، بينما تكون عطلات نهاية الأسبوع غير منتظمة تماماً. هذا التذبذب المستمر، في رأيها، ينعكس سلباً على الأداء الذهني والتنظيم اليومي.

في ربيع عام 2021، أجرت فاندركام استطلاعاً شمل أكثر من 150 مشاركاً، أمضوا تسعة أسابيع في تطبيق تسع قواعد محددة مسبقاً لتعزيز الإنتاجية، من بينها الالتزام بموعد نوم ثابت. وتقول إن أحد المشاركين وصف تحديد موعد النوم بأنه «القاعدة الأقل جاذبية، لكنها الأكثر تأثيراً على الإطلاق»، في إشارة إلى الدور الكبير الذي يلعبه انتظام النوم في تحسين الأداء اليومي.

وتدعم نتائج علمية حديثة هذا الطرح؛ إذ توصلت دراسة نُشرت في يوليو (تموز) 2025 في مجلة «نيتشر» الطبية إلى نتيجة مماثلة. فقد تابع الباحثون أكثر من 79 ألف بالغ عامل في اليابان، ووجدوا أن عدم انتظام مواعيد النوم يرتبط بانخفاض الإنتاجية وزيادة الشعور بالانفصال عن العمل.

وترى فاندركام أن موعد النوم «يُحدد مسار اليوم بأكمله»؛ لأنه يساعد الفرد على معرفة عدد ساعات العمل المتاحة أمامه، ما يُسهّل تنظيم المهام بصورة واقعية. وتوضح أن الناس يدركون أن لليوم بداية واضحة، لكنهم غالباً ما يتعاملون مع نهايته على أنها مفتوحة وغير محددة. والحقيقة، كما تقول، أن اليوم له نهاية فعلية، وكل ما نخطط لإنجازه يجب أن يتناسب مع هذا الإطار الزمني، في عملية تشبه ترتيب قطع أحجية بحيث تتلاءم مع المساحة المتاحة.

وتشير فاندركام إلى أنها حددت لنفسها موعداً ثابتاً للنوم عند الساعة الحادية عشرة مساءً منذ سنوات، مؤكدة أن هذا الروتين يمكّنها من اتخاذ قرارات أكثر عقلانية بشأن كيفية استثمار وقتها خلال النهار.

من جانب آخر، توضح راشيل سالاس، اختصاصية طب الأعصاب وأستاذة في جامعة جونز هوبكنز، أن اضطراب النوم قد يؤثر سلباً في إيقاع الساعة البيولوجية، أي النمط الطبيعي للنوم والاستيقاظ في الجسم. وتنصح سالاس بمراقبة الوقت الذي يستيقظ فيه الجسم تلقائياً من دون منبه لبضعة أيام، ثم إجراء تعديلات تدريجية بمقدار 30 دقيقة عند الحاجة للوصول إلى جدول أكثر اتساقاً.

وتشدد سالاس على أن النوم حاجة إنسانية أساسية، وأن تأثيره يمتد إلى مختلف جوانب الصحة، من الإدراك والذاكرة إلى الهضم. وتؤكد أنه من الصعب التفكير في جانب من جوانب الصحة لا يتأثر بجودة النوم وكفايته.

وحسب «مايو كلينك»، يحتاج معظم البالغين إلى نحو سبع ساعات من النوم ليلاً، مع الإقرار بأن احتياجات النوم تختلف من شخص لآخر. وتنصح فاندركام بأنه بعد تحديد عدد الساعات التي تجعلك تشعر باليقظة والنشاط الذهني يومياً، يمكنك استخدام هذا الرقم لتحديد موعد نومك المثالي.

وتختم بقاعدة بسيطة: انظر إلى وقت استيقاظك اليومي، ثم اطرح منه عدد الساعات التي تحتاجها للنوم، لتحصل على موعد نوم واضح وثابت. فتنظيم نهاية اليوم، في نظرها، هو الخطوة الأولى لاستعادة السيطرة على بدايته.

الرأي


مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
TT

مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)
السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)

في الوقت الذي كانت مصر تتوقع فيه تحقيق انتعاشة سياحية لافتة في عام 2026 على غرار ما حققته في العام الماضي؛ فإن «حرب إيران» فجَّرت مخاوف من حدوث تأثيرات سلبية في هذا القطاع الحيوي، خصوصاً بعد تحذير أميركا لرعاياها من عدم السفر إلى 14 دولة بمنطقة الشرق الأوسط.

وأعرب خبراء سياحة ومرشدون سياحيون عن مخاوفهم من تأثيرات إلغاء بعض الحجوزات السياحية، خصوصاً من دول غرب ووسط آسيا التي تمر رحلاتها عادة بمنطقة الخليج العربي.

ووفق ثروت عجمي، رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر (جنوب مصر) فإن «الصراع الحالي لا بد أن يكون له تأثير في مصر، وإن كان لم يظهر حتى الآن بشكل واضح، لكن هناك مؤشرات تؤدي لمخاوف من هذه التأثيرات من بينها وضع الولايات المتحدة مصر ضمن 14 دولة حذرت من زيارتها».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لدينا الآن مجموعات من السائحين الأميركيين من المتوقع أن يكملوا برنامجهم السياحي، ويسافروا لكن بعد التحذير الأميركي أعتقد أن فرص مجيء أفواج أخرى في المدة القليلة المقبلة ستكون ضعيفة».

ونشرت السفارة الأميركية بالقاهرة بياناً على صفحتها بـ«فيسبوك» ذكرت فيه أنه «يجب على الأفراد الذين يخططون للسفر أن يكونوا على استعداد للتغييرات في خططهم؛ حيث قد تحدث إغلاقات في الأماكن الجوية في البلدان المجاورة»، وأكد البيان أنه «نظراً للتوترات العالية في المنطقة، تظل بيئة الأمن معقدة، ويمكن أن تتغير بسرعة».

حركة الطيران بالشرق الأوسط تأثرت بأحداث حرب إيران (وزارة الطيران المدني)

وأشار الخبير السياحي المصري، أيمن الطرانيسي، إلى «تزايد المخاوف في القطاع السياحي المصرى من أن تلقي تداعيات الحرب في إيران بظلالها على مؤشرات الانتعاشة السياحية التي بدأت تتشكل مؤخراً».

وقال الطرانيسي لـ«الشرق الأوسط» إن «إلغاء عدد من السائحين القادمين من شرق آسيا حجوزاتهم بسبب اضطراب حركة الطيران يعكس حساسية القطاع لأي توترات إقليمية حتى إن كانت خارج الحدود المباشرة. ويأتي ذلك في وقت كانت فيه شركات السياحة تعول على تنوع الأسواق لتعويض سنوات التراجع».

ووجَّه وزير السياحة المصري، شريف فتحي، رسالة طمأنة حول أوضاع السياحة المصرية مع بدء اندلاع الصراع، وقال في كلمة أمام لجنة السياحة والطيران بمجلس النواب (البرلمان المصري)، قبل يومين، إن «مصر دولة آمنة ومستقرة، وإن التطورات الإقليمية والأحداث الجيوسياسية الحالية التي تشهدها المنطقة لم تؤثر في الحركة السياحية الوافدة إليها».

ولفت رئيس غرفة شركات السياحة بالأقصر إلى أن السوق السياحية الأوروبية تعد مصر بعيدة عن مناطق الاضطرابات، ورغم ذلك فإن التحذير الذي أطلقته أميركا لرعاياها سيؤثر في بقية الأسواق خصوصاً الصينية منها».

وخلال اللجنة البرلمانية التي ناقشت استراتيجية وزارة السياحة للترويج للأنماط المختلفة، وتعظيم فرص الاستثمار السياحي، أكدت النائبة سحر طلعت مصطفى، رئيس لجنة السياحة والطيران المدني بمجلس النواب، أنه في ضوء المستجدات الإقليمية الراهنة بالمنطقة، تبرز أهمية تعزيز جاهزية قطاع السياحة للتعامل بكفاءة مع أي تطورات محتملة، بما يضمن الحفاظ على استقرار الحركة السياحية الوافدة لمصر.

وتعوّل مصر على قطاع السياحة كواحد من أهم مصادر الدخل القومي، حيث حققت في العام الماضي دخلاً يصل إلى 24 مليار دولار، وفق مركز معلومات مجلس الوزراء، وحصلت على جائزة أفضل وجهة تراثية من منتدى السياحة العالمي، وتطمح مصر في جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2031.


ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
TT

ريما داس: اخترت سرد «ليس بطلاً» من منظور الأطفال

حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)
حرص صناع الفيلم على حضور العرض العالمي الأول في برلين (إدارة المهرجان)

يقدم الفيلم الهندي «ليس بطلاً» للمخرجة ريما داس عملاً إنسانياً هادئاً يتأمل التحولات الصغيرة التي تصنع فارقاً عميقاً في حياة الأطفال والكبار على حد سواء، وينتمي الفيلم، الذي حصد تنويهاً من لجنة تحكيم مسابقة «أجيال» بمهرجان «برلين السينمائي» في نسخته الماضية، للأعمال ذات الإنتاج المشترك مع تقديمه بشراكة هندية سنغافورية.

تدور أحداث الفيلم خلال صيف مفصلي في حياة طفل في الحادية عشرة يُدعى «ميفان»، يجد نفسه مُقتلعاً من إيقاع المدينة السريع إلى قرية أجداده البعيدة، حيث الزمن أبطأ، والعلاقات أكثر تعقيداً مما تبدو عليه للوهلة الأولى، لنشاهد في افتتاحية الفيلم، صدمة الانتقال لطفل اعتاد على الراحة والسرعة والاتصال الدائم، يُلقى به في فضاء لا يعترف بالعجلة ولا بالمكافآت الفورية.

حصد الفيلم تنويهاً من لجنة التحكيم في «برلين السينمائي» (إدارة المهرجان)

القرية ليست مجرد مكان جغرافي، بل هي عالم مغاير بقوانينه الخاصة، حيث كل شيء يتطلب انتظاراً، وكل علاقة تحتاج إلى وقت كي تتشكل، من هنا، يبدأ الصراع الصامت بين «ميفان» والمحيط الجديد، ويتجسد في علاقته المتحفظة بعمته الشابة «باهي»، وهي علاقة مثقلة بمشاعر غير منطوقة وماضٍ لم يُحسم بعد.

تنسج المعالجة الدرامية خيوطها عبر تفاصيل الحياة اليومية، والذهاب إلى المدرسة، والاحتكاك بأطفال القرية، ومراقبة الحيوانات والطبيعة، والانخراط تدريجياً في روتين يبدو بسيطاً لكنه يحمل دروساً عميقة، فلا يعتمد الفيلم على أحداث كبرى أو تحولات درامية صاخبة، بل يراهن على التراكم البطيء للحظات الصغيرة التي تُعيد تشكيل وعي الطفل بذاته وبالآخرين.

العلاقة بين ميفان وعمته تشكل العمود الفقري العاطفي للفيلم، فالتوتر بينهما لا يُحل عبر مواجهات مباشرة، ولكن من خلال صمت طويل يسمح للمشاعر الدفينة أن تطفو تدريجياً إلى السطح، حضور «ميفان» الهادئ داخل المنزل يُعيد فتح جراح قديمة، ويكشف هشاشة الكبار بقدر ما يكشف ارتباك الصغار.

صناع الفيلم خلال حضورهم في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

تطرح المعالجة أيضاً ثنائية لافتة بين العالم الرقمي وإيقاع القرية البطيء، فالطفل «ميفان»، ابن المدينة، يحمل داخله ضجيج التكنولوجيا وتوقعات الإنجاز السريع، بينما تفرض عليه القرية زمناً مختلفاً، بلا شاشات تُكافئه فوراً ولا مقارنات تُحفزه على السباق، هذا الاحتكاك بين السرعة والسكون لا يُدان فيه أي طرف، بل يُقدَّم بوصفه سؤالاً مفتوحاً حول ما نكسبه وما نخسره حين يتغير إيقاع حياتنا.

تقول مخرجة الفيلم ريما داس لـ«الشرق الأوسط» إن «ليس بطلاً» يمثل بالنسبة لها امتداداً لمسار فني تنشغل فيه دائماً بالطفولة بوصفها مساحة صدق خالص، مشيرة إلى أن فكرة الفيلم انطلقت من تساؤل بسيط لكنه عميق، وهو ماذا لو لم تكن البطولة مرتبطة بالإنجازات الكبرى أو التحولات الصاخبة؟ وماذا لو كانت البطولة في القدرة على البقاء، والتحمل؟

وأوضحت أن شخصية «ميفان» لم تُكتب على أنها بطل تقليدي، بل هي شخصية طفل يعيش ارتباكه بالكامل، من دون أن يملك أدوات تحليل مشاعره، بل يختبرها كما هي، بعفوية وتناقض، لافتة إلى أن اسم الفيلم «ليس بطلاً» يحمل موقفاً فكرياً واضحاً مرتبطاً بـ«مقاومة لفكرة الانتصار الدائم».

مخرجة الفيلم خلال حديثها في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأشارت إلى أنها لم تكن مهتمة بتقديم قصة نضج تقوم على التغلب أو الفوز، بل على التعلم البطيء، وعلى تقبل الفشل والانتظار والارتباك باعتباره جزءاً طبيعياً من النمو، لافتة إلى أن أكثر أشكال الشجاعة التي تلمسها في الحياة اليومية هي تلك الهادئة، التي لا تُعلن نفسها، بل تظهر في تفاصيل صغيرة متمثلة في الإصغاء، والصبر.

وعن اختيارها السرد من منظور طفل في الحادية عشرة، أوضحت أن الأطفال يرون العالم بلا فلاتر جاهزة، كما أنهم قادرون على احتضان التناقضات من دون الحاجة إلى تبريرها، مشيرة إلى أن «ميفان» لا يحلل مشاعره، بل يعيشها، وهو ما منح الفيلم مساحة لمراقبة علاقات معقدة من دون إصدار أحكام، عبر هذا المنظور الطفولي الذي سمح بأن يظهر الانتماء بوصفه تجربة تُكتسب تدريجياً، وليس مفهوماً يُشرح أو يتم فرضه.

قدم الفيلم جانباً إنسانياً (مهرجان برلين)

وتطرقت إلى حضور التكنولوجيا في الفيلم، مؤكدة أنها لم تكن تسعى إلى إدانتها، بل إلى مراقبة ما يحدث حين يلتقي إيقاع السرعة الرقمية بسكون القرية، مشيرة إلى أن الأطفال اليوم يتعرضون لضغط الضوضاء، والآراء المتدفقة، والمقارنات المستمرة، والمكافآت الفورية، حتى لو لم يدركوا أثر ذلك بشكل واعٍ.

وأوضحت أن الفيلم يحاول عكس هذه الحالة، وطرح سؤال حول ما نفقده وما نكسبه حين يتغير إيقاع الزمن من حولنا، لافتة إلى أن تجربتها في العمل مع الأطفال تغيّرت عبر السنوات، فبعدما كان الأطفال ينصتون إليها باعتبارها المخرجة التي تقود المشهد في تجاربها السابقة، أصبحت اليوم تشعر بأنها مطالبة بالإنصات إليهم أكثر، لأن عالمهم تغيّر، وأصواتهم باتت تحمل وعياً مختلفاً.