الهند تحتفل بعيد الميلاد الـ220 لشاعرها الأسطوري غالب

لا يزال مؤثراً في الهند المعاصرة

شعار محرك {غوغل} الذي احتفى بالشاعر الهندي
شعار محرك {غوغل} الذي احتفى بالشاعر الهندي
TT

الهند تحتفل بعيد الميلاد الـ220 لشاعرها الأسطوري غالب

شعار محرك {غوغل} الذي احتفى بالشاعر الهندي
شعار محرك {غوغل} الذي احتفى بالشاعر الهندي

احتفت شركة «غوغل» مؤخراً، في إطار مواصلتها لتكريم بعض أفضل الشخصيات الهندية، بعيد الميلاد الـ220 للشاعر الأسطوري ميرزا أسد الله خان غالب، الذي كتب باللغة الأردية والفارسية وعاش في القرن التاسع عشر إبّان حكم إمبراطورية المغول. ولد ميرزا أسد الله خان غالب (1797 - 1869)، الذي ربما لم تقل إسهاماته في الأدب المكتوب باللغة الأردية في أهميتها عن إسهامات شكسبير في الأدب الإنجليزي، في مدينة أغرا لعائلة أرستقراطية ذات أصول تركية، لكنه هاجر فيما بعد إلى نيودلهي حيث عاش بقية حياته. تم تصوير غالب على شعار «غوغل» وهو يطل من نافذة ذات قوس في قصر ممسكاً بورقة وقلم وكأنه على وشك تدوين بعض أشعاره الخالدة، على خلفية من سماء زهرية اللون، ومآذن على الجانب الأيمن في مكان ما بمدينة دلهي، حيث عاش الشاعر أكثر سنوات حياته.
ويعد هذا الشاعر البارز، الذي كرمه المغول بمنحه لقبي دابر الملك، ونجم الدولة، حتى يومنا واحدا من أشهر الشعراء وأكثرهم تأثيراً في شبه القارة الهندية، حيث تم ترجمة أعماله إلى الكثير من اللغات الهندية والأجنبية.
ومن غير المفاجئ أن يعبر ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة «مايكروسوفت»، والذي يشتهر بمهاراته في الكومبيوتر على مستوى العالم، مؤخراً عن حبه لأشعار غالب. وصرح ناديلا، في برنامج مايكروسوفت الهند، الذي يحمل اسم «التكنولوجيا للأبد، أما الأفكار فللهند» قائلا: «هناك أمران أشعر بالشغف نحوهما قاداني إلى تحقيق أحلامي هما الشعر وعلوم الكومبيوتر». ثم بدأ خطابه مقتبساً شعر ميرزا غالب: «آلاف الآمال، يخطف كل أمل منها أنفاسك. كان لدي الكثير من الأحلام، لكنها مع ذلك لم تكن كافية».
- روح غالب المشرقة
بدأ غالب يكتب الشعر وهو في الحادية عشرة من العمر بالفارسية والتركية. في الوقت الذي كان الجميع يكتبون بالفارسية البسيطة، التي كانت لغة البلاط آنذاك، كان غالب هو من منح هذه اللغة عمقها وروحها اللامتناهيتين. رغم أن غالب كان بارعاً حتى في الشعر الفارسي، كانت أشعاره التي تمثل العمود الفقاري للغة الأردية هي ما جعلت منه أسطورة، لم تطمسها الأيام رغم مرور قرون على وفاته، مع أن أعماله المكتوبة باللغة الأردية كانت أقل كثيراً من أعماله المكتوبة باللغة الفارسية.
كان غالب شاعر البلاط خلال فترة حكم الإمبراطور المغولي بهادر شاه ظفر، والذي كان هو الآخر شاعراً معروفاً، نفاه البريطانيون إلى مدينة رانغون بعد سقوط إمبراطورية المغول.
لقد عاش ميرزا غالب في حقبة كانت لها النصيب الأكبر من الاضطرابات طوال التاريخ السياسي والاجتماعي الهندي. كانت أشعاره تعبر في بعض الأحيان عن الاضطراب السياسي خلال فترة حكم إمبراطورية المغول التي انهارت وفتحت الطريق أمام شركة «الهند الشرقية» البريطانية لاحتلال الهند في حياته.
خلال السنوات الأخيرة من حكم المغول، لم يكن غالب إحدى الشخصيات البارزة البلاط فحسب، بل أيضاً كان معلم الشعر للأمير لفخر الدين ميرزا، الابن الأكبر للإمبراطور. كذلك قام الإمبراطور بتعيينه مؤرخاً ملكياً في بلاط المغول. بعد سقوط إمبراطورية المغول عانى غالب كثيراً ليجني رزقه، حيث تجول وعاش في أزقة ضيقة في منطقة تشاندي تشوك، ورأى بعينيه الجنون والتخريب يسيطران على شوارع مدينته الحبيبة، وشهد الحصار، وقتل طريقة حياة كاملة.
- أشعاره جزء من مفرداته اليومية
عاش الشاعر الفيلسوف، الذي طرح أسئلة عن الحياة، والدين، والمجتمع، الحياة بشروطه وطريقته وكتب كثيراً عن فلسفة الحياة والتصوف.
يركز الجانب الأكبر من أشعار غالب على مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم والثناء عليه، وهو ما يوضح أن غالب كان مسلماً مؤمناً. وكتب غالب قصيدة بعنوان «السحاب الذي يحمل الجواهر» تمجيداً وتكريماً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك كتب قصيدة مكونة من 101 بيت عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ووصف غالب نفسه فيها كعاص ينبغي أن يقف صامتاً أمام النبي محمد صلى الله عليه وسلم فهو غير جدير بمخاطبته.
اتسمت الكثير من أشعاره بالحزن النابع من تجارب الحياة الصعبة، فقد أصبح يتيماً في سن صغيرة، وعانى في طفولته كثيراً، ثم تزوج لكن تُوفي سبعة من أبنائه صغاراً. ساعدت بساطته وبصيرته في إقبال رجل الشارع العادي على شعره. الشاهد على ذلك لا يوجد في الأدب، بل في الطريقة التي جعل بها الرجل العادي أشعاره جزءا من مفرداته اليومية. يحبه الناس ويتذكرونه لأنه يمثل جزء من مشاعرهم، ويشكل وجدانهم، لا من أجل الظهور في هيئة المتعلمين المثقفين. حتى الطفل قادر على فهم أبياته، ويمكن للمرء العثور في الأزقة الضيقة بدلهي القديمة على مصلحي أحذية، وسائقي عربات ريكشا، يرددون أشعارا لغالب بحماس في تعاملهم مع الشوارع الغادرة، وأزمة الوجود الأفعوانية المتشابكة. لا عجب إذن من أن تمر القرون ولا يأتي أحد يستطيع أن يصل إلى مكانته، وأن تظل أشعاره تتردد كأقوال صادقة مثلما كانت منذ زمن مضى.
- لا يزال مؤثراً في الهند المعاصرة
بالنسبة إلى الذين لا يعرفون اللغة الأردية، تثير ترجمة أشعاره مزيجاً قوياً من الحب والجمال والنشوة واليأس. يقول دولان، طالب تاريخ بجامعة جواهر لال، يبلغ من العمر 25 عاماً: «تصدق أشعاره في أيامنا هذه وتلائم عصرنا هذا لأن تمرده يدفعنا نحو التساؤل عن الطبقية والتراتبية الاجتماعية». أما الذين يعرفون اللغة الأردية جيداً ينبهرون من قبضته القوية على اللغة التي تميزه. يقول المؤرخ رانا سافي: «يلمس غالب وترا في قلوب الجميع. من النادر ألا يشعر المرء بعد قراءة أبيات غالب الخالدة أنه قد لمس وجدانه».
لقد عاش ميرزا غارقاً في أحزانه، لكن ذلك لم يغيره، حتى عندما نفد ما معه من مال، وغرق في الديون، واصل العيش ببذخ.
بحسب أحد منشورات شركة «غوغل» كان غالب يعاني من مشكلات مالية، ولم يكن لديه يوماً ما وظيفة بدوام كامل، وكان يعيش بفضل رعاية أفراد من العائلة المالكة وأصدقائه الموسرين. لم يحظ إسهامه في الشعر والنثر بالتقدير الذي يستحقه في حياته، لكنه بدأ يجذب الانتباه حقاً بعد مماته. تم تحويل أعماله النثرية إلى أشعار غزل خالدة.
رغم كل الصعوبات المالية والاضطرابات العاطفية التي مر بها غالب، أبحر في حياته بذكاء وفكر وحب للحياة. وتُوفي عن عمر يناهز الواحدة والسبعين في منزل يقع في تشاندي تشوك في دلهي القديمة. تم تحويل المنزل، الذي يعد من مواقع التراث، إلى متحف ويجذب الكثير من الزوار القادمين من الهند وخارجها. يوجد داخل المتحف صور بالحجم الطبيعي لأشعار غالب باللغة الأردية مترجمة إلى الإنجليزية والهندية، وتمثال نصفي له، ونسخ من خطابات شهيرة مكتوبة بخط يده، وملابسه، وبعض الأواني النحاسية التي تعود إلى الزمن الذي عاش فيه الشاعر.
بالنسبة إلى المؤرخ سهيل هاشمي، يعد غالب أعظم شاعر في القرن الذي عاش فيه، ويستحق ما هو أكثر من ذلك. ويقول إن المأساة في خلوده، ومكانته الأدبية المرموقة، هي أن اللغة التي كتب بها، وهي الأردية، مرتبطة بديانة أو معتنقيها. يضيف قائلا: «لو كان قد كتب بالإنجليزية، لكان قد فاز بجائزة نوبل». الجدير بالذكر أنه تم إنتاج الكثير من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية التي تتناول قصة حياته.



مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: فتح مقبرتين للمرة الأولى أمام الزوار بالأقصر

مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مسؤولون مصريون خلال زيارة المقابر التي سوف يتم فتحها للجمهور قريباً (وزارة السياحة والآثار المصرية)

تستعد وزارة السياحة والآثار المصرية لفتح مقبرتين أثريتين «TT416»، و«TT417» للمرة الأولى أمام الزوار خلال الفترة المقبلة، وذلك بعد تنفيذ الوزارة مشروع ترميم وتطوير هاتين المقبرتين، بالإضافة إلى مقبرة ثالثة مفتوحة بالفعل بمنطقة الخوخة بالبر الغربي في الأقصر.

وتعود مقبرة أمنحتب المدعو رابويا (الأب) رقم (TT416)، حارس بوابة آمون بالكرنك، إلى عصر الملك تحتمس الثالث، كما تعود مقبرة ساموت (الابن) رقم (TT417) إلى عصر الملك تحتمس الرابع، أما المقبرة الثالثة (TT52) المفتوحة بالفعل أمام الزائرين فتعود إلى عصر تحتمس الرابع.

ويأتي مشروع الترميم في إطار «استراتيجية الوزارة للحفاظ على التراث المصري القديم وإتاحته للزائرين بصورة تليق بقيمته التاريخية»، وفق شريف فتحي، وزير السياحة والآثار المصري الذي أضاف في بيان صحافي الأحد، أن «أعمال الترميم لا تقتصر على صون العناصر الأثرية فحسب، بل تمتد لتشمل تحسين تجربة الزائر من خلال تطوير الخدمات والبنية التحتية، بما يعزز من مكانة مصر بصفتها وجهة سياحية عالمية للسياحة الثقافية».

جانب من الزخارف الأثرية بعد ترميمها بأحد مقابر الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، فإن «أعمال الترميم تمت وفق أحدث الأساليب العلمية، وبمشاركة فرق متخصصة من المرممين»، مؤكداً أن «المشروع يهدف إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على أصالة المقابر وحمايتها من عوامل التلف، وبين إتاحتها للزيارة بشكل آمن ومنظم».

وأشار إلى أن «المقابر الثلاث تمثل نماذج متميزة لفن وتصوير الحياة اليومية والعقائد الجنائزية خلال عصر الدولة الحديثة، وتُعد من الإضافات المهمة لخريطة الزيارة السياحية بالبر الغربي في الأقصر».

وتضمنت أعمال ترميم المقبرتين «TT416»، و«TT417»، المقرر افتتاحهما لأول مرة منذ اكتشافهما عام 2015، تنفيذ برنامج متكامل شمل الترميم الدقيق للمناظر الجدارية، وأعمال الترميم المعماري للجدران، إلى جانب إزالة الرديم، والتنظيف الميكانيكي، ومعالجة الشقوق، وتقوية الألوان وصيانتها.

كما شملت الأعمال تطوير البنية التحتية للزيارة، من خلال إنشاء أرضيات خشبية، وتركيب نظام إضاءة حديث، وتمهيد الفناء الخارجي، وإنشاء سلالم حجرية لتسهيل حركة الزائرين، بالإضافة إلى تزويد المنطقة بلوحات إرشادية وتعريفية، ومظلات خشبية ومقاعد لراحة الزائرين، فضلاً عن إعداد مادة تعريفية وكتيب إرشادي باللغتين العربية والإنجليزية.

فتح مقابر للزيارة يأتي ضمن مشروع سياحي طموح (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتتميز المقبرتان بتخطيطهما المعماري على شكل حرف (T)، وهو النمط السائد في مقابر الأسرة الثامنة عشرة، حيث تضم كل منهما صالة عرضية مزخرفة بمناظر الحياة اليومية، وصالة طولية تتضمن مناظر جنائزية. كما أعيد استخدام المقبرتين خلال العصر المتأخر، ما أضاف إليهما عناصر معمارية جديدة، مثل الغرف والآبار الجنائزية، وفق محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار.

وأضاف عبد البديع أن «مقبرة (رابويا) تزخر بمناظر زراعية وطقوس جنائزية مميزة، من بينها مشهد نادر لتقديم القرابين للإلهة رننوتت، بينما تحتوي مقبرة ساموت، رغم عدم اكتمالها، على زخارف فنية عالية الجودة».

أما مقبرة نخت (TT52)، (كاتب المخازن من عهد الملك تحتمس الرابع)، التي تُعد مفتوحة للزيارة، فقد شملت أعمال التطوير بها إحلال وتجديد نظام حماية المناظر والنقوش الجدارية، حيث تم استبدال الزجاج القديم الذي كان يحيط بها منذ تسعينات القرن الماضي بواسطة زجاج حديث يضمن الحفاظ على النقوش مع تحسين التهوية الداخلية، بالإضافة إلى تحديث نظام الإضاءة، وتنفيذ أعمال ترميم دقيقة للنقوش.

مناظر ورسومات نادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتسعى مصر إلى تطوير المواقع الأثرية بجنوب البلاد بعد تحقيق أرقام قياسية في أعداد السائحين خلال العام الماضي، ففي أسوان أعلن عمرو لاشين محافظ أسوان السبت عن بدء المرحلة التنفيذية لمشروع تطوير مداخل معبد فِيَلة، وذلك بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار، وتنفيذ مؤسسة الأغاخان للخدمات الثقافية. حيث يستهدف المشروع تعزيز الهوية البصرية للمنطقة، وإضفاء طابع حضاري وجمالي على المدخل الرئيسي لمعبد فيلة بما يتناسب مع قيمته الأثرية والتاريخية العريقة.


مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
TT

مصريون يُقبلون بشراهة على الأسماك المملحة رغم ضبط «أطنان فاسدة»

إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)
إقبال كبير على شراء الأسماك المملحة على «فيسبوك» (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

لا يبدو أن التنازل عن عادة تناول وجبة «الفسيخ» و«الرنجة» أمر مقبول لدى المصريين، خصوصاً في موسم «شم النسيم»، رغم التحذيرات المتكررة سنوياً من مخاطر تناول الأسماك المملحة، والبيانات الرسمية التي تعلن ضبط كميات كبيرة غير صالحة للاستهلاك الآدمي.

وتتصاعد وتيرة الرقابة الرسمية بالتزامن مع موسم الأعياد؛ إذ أعلنت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، الأحد، تكثيف حملات التفتيش على أماكن عرض وبيع وتداول الأسماك المملحة والمدخنة في مختلف المحافظات، في محاولة للحد من المخاطر الصحية التي تتكرر سنوياً. وبالتوازي مع ذلك، تتوالى الأخبار عن ضبط كميات كبيرة فاسدة، مرفقة بتحذيرات متجددة للمواطنين. فقد أسفرت حملات الهيئة العامة للخدمات البيطرية عن ضبط أكثر من 71 طناً من الأسماك المملحة والمدخنة غير الصالحة للاستهلاك الآدمي خلال أسبوع واحد فقط، وفق بيان وزارة الزراعة المصرية الأحد.

تنظيف «الرنجة» في أحد محال بيع الأسماك المملحة (الشرق الأوسط)

وفي محافظة الشرقية (دلتا مصر) تم ضبط نصف طن من أسماك «الرنجة» الفاسدة، في حين سجلت محافظة أسيوط (صعيد مصر) نحو 850 كغم من الأسماك المملحة غير الصالحة في عدد من مراكزها، وفي بورسعيد (شمال شرق مصر) تم ضبط نحو 13 كغم من سمك اللوت في حالة فساد شديد قبل طرحها بالأسواق.

وبينما تكثف الجهات الرقابية حملاتها في المحافظات بالتزامن مع «عيد القيامة» و«شم النسيم»، يظل الإقبال قائماً، مدفوعاً بثقة البعض في مصادر الشراء، أو بتقليلهم من حجم المخاطر، فتقول حنان العطار (36 عاماً)، وهي موظفة في شركة عقارات، لـ«الشرق الأوسط»، إن عادات الشراء تغيّرت بمرور الوقت؛ إذ «أصبحت الأسماك المملحة معروضة بشكل كبير في محال السوبر ماركت الكبيرة، ونظراً لارتفاع الأسعار الكبير نقوم عادة بمقارنة عروض الأسعار، فيما أتذكر أن والدي كان يحرص على الشراء من محل (فسخاني) محدد، لارتباطه لديه بثقة طويلة في البيع، ولضمان جودة المنتج».

محال بيع «الفسيخ» تروج لمنتجاتها (حساب أحد المحال على «فيسبوك»)

وخلال قيامها بشراء وجبة تكفي لعائلتها للاحتفال بـ«شم النسيم»، تقول زينب عبد الحميد، وهي ربة منزل (54 عاماً)، إن «خبرة الشراء تلعب دوراً حاسماً في تجنّب المنتجات غير الصالحة، وعادة نكتفي بـ(الرنجة) و(السردين)؛ لأن أغلب المشكلات تكون مرتبطة بـ(الفسيخ)»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتوضح أنها تعتمد على «مجموعة من المؤشرات البسيطة عند الاختيار، مثل تماسك السمكة، ورائحتها، ولمعان سطحها، باعتبارها دلائل على جودتها».

وبالتوازي مع التحذيرات والضبطيات، تسعى الدولة للتدخل عبر ضبط الأسعار وتوفير بدائل أقل تكلفة؛ إذ أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية، الأحد، طرح «الرنجة» بأسعار مخفضة داخل المجمعات الاستهلاكية ومنافذها، حيث يصل سعر الكيلوغرام إلى نحو 145 جنيهاً (الدولار يساوي 53.1 جنيه مصري)؛ أي أقل بنحو 45 جنيهاً مقارنةً بالأسواق الحرة التي تبدأ من 190 جنيهاً، في حين تتراوح أسعار الكيلوغرام من «الفسيخ» بين 280 جنيهاً و600 جنيه.

ذروة الموسم

ويقول مدحت شوقي، بائع في محل «فسخاني» بمحافظة الجيزة، لـ«الشرق الأوسط»، إن هذه الفترة تمثل ذروة الموسم بالنسبة لهم، موضحاً: «نوفر خدمة تنظيف (الرنجة) حسب رغبة الزبائن لتكون شرائح (فيليه)، مقابل 20 جنيهاً للكيلوغرام الواحد، ومن بداية الأسبوع الذي يبدأ بـ(سبت النور) حتى (شم النسيم) نكون في حالة طوارئ بسبب حجم الإقبال الكبير على شراء الأسماك المملحة على مدار اليوم».

ويربط محمد عبد الحليم، عضو شعبة الأسماك بغرفة الصناعات الغذائية، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بين موجة ارتفاع الأسعار الأخيرة وعدة عوامل متداخلة، فـ«تزامن هذه العوامل مع ارتفاع الطلب الموسمي خلال الأعياد يضاعف من وتيرة الزيادة في الأسعار، علاوة على زيادة تكلفة الإنتاج، فالسمك البوري، المكوّن الأساسي لـ(الفسيخ)، شهد ارتفاعاً ملحوظاً، ما انعكس مباشرةً على السعر النهائي للمنتج». ويشير إلى أن «رفع أسعار السولار لعب دوراً رئيسياً في ذلك؛ كونه يدخل في تشغيل مراكب الصيد، ونقل الأسماك، وحتى إنتاج الأعلاف، ما أدى إلى زيادة التكلفة عبر مراحل متعددة»، ويضيف: «(الرنجة) لم تكن بمعزل عن هذه الزيادات؛ إذ تأثرت بدورها بارتفاع سعر الدولار، باعتبارها منتجاً يعتمد في الأساس على الاستيراد من دول مثل هولندا، قبل تدخينها محلياً»، لافتاً إلى أن «بعض الأنواع المدخنة في الخارج يصل سعرها إلى نحو 1200 جنيه للكيلوغرام».

تتراوح أسعار «الرنجة» حسب درجة جودتها (الشرق الأوسط)

وعلى حد تعبير الدكتورة ياسمين العطار، أخصائية التغذية العلاجية بجامعة القاهرة، فإن «المسألة لا تتعلق بمجرد اختيار غذائي عابر، بقدر ما ترتبط بعادة راسخة تتوارثها الأجيال، وتُستعاد بوصفها جزءاً من طقس احتفالي لا يكتمل من دونها»، كما تقول لـ«الشرق الأوسط».

وتضيف أن «إلغاء هذا الطقس يكاد يكون أمراً مستحيلاً في مصر، لكننا نوصي دائماً بتقليل الكميات، والإكثار من شرب المياه، خصوصاً لمرضى الضغط والسكري»، مشيرةً إلى أن اقتران هذه المأكولات شعبياً بالليمون والبصل الأخضر يُعد من العادات الجيدة؛ لأنهما يساعدان على معادلة الملوحة المرتفعة نسبياً، ويحفّزان الهضم، ويقللان من حدة التأثيرات السلبية على الجسم، كما تقول.


انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
TT

انتحار سيدة الإسكندرية يفجع المصريين ويفجر سجالات حول الدوافع

وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)
وسائل التواصل الاجتماعي دعمت انتشار قصص الانتحار في مصر (الشرق الأوسط)

استيقظ المصريون على حادثة انتحار سيدة أربعينية، ليل السبت، من شرفة منزلها بالدور الـ13، في محافظة الإسكندرية وذلك عقب شكواها في بث مباشر، من «ظروف الحياة وعدم مشاركة أحد لها في مسؤولية طفلتيها»، وسط صدمة وجدل مجتمعي حول الدوافع.

ومكمن الفاجعة، أنها تحدثت خلال بث مباشر على «فيسبوك»، استمر قرابة الساعة، من دون أن يتدخل أحد من أقاربها أو أصدقائها للمساعدة وإيقافها. وسبق وظهر العديد من التهديدات بالانتحار في «لايفات على السوشيال ميديا»، لرجال ونساء، قبل أن يتدخل أحد من المعارف ويمنعها.

وظهرت سيدة الإسكندرية معلقة على سور شرفتها لدقائق قبل أن تفلت يديها وتسقط. واستخدم البعض هذه الطريقة وكذلك طول مدة الشكوى في البث، للاستدلال على أنها لم تكن قد استقرت على الانتحار... وكانت تعاني صراعاً داخلياً، ورغبت في أن تجد من يساعدها.

بينما ركز آخرون، على الدوافع، سواء المادية أو النفسية، والأزمات التي تواجهها المطلقات بعد الانفصال، مع مقترح أن تتكفل الدولة بهن، خصوصاً أن بعض الآباء لا يلتزمون بالإنفاق على أبنائهم بعد الطلاق.

مارة في أحد شوارع وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وتصدرت قصة انتحار سيدة الإسكندرية «ترند» مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وأعيد تداول ونشر آخر دقائق في حياتها، مرات ومرات، ما دفع «المجلس الأعلى للإعلام»، إلى مخاطبة «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات»، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحذف هذه المقاطع المصورة من جميع المنصات.

كما حظر المجلس تداول هذه المقاطع إعلامياً، أو نشر اسم السيدة الراحلة، مراعاة للأكواد الإعلامية المنظمة لتغطية حوادث الانتحار.

وعملت الراحلة في مجال الأزياء كموديل. وأرجعت أستاذة علم الاجتماع سامية خضر، «زيادة حالات الانتحار خصوصاً عند السيدات، إلى ضغوطات الحياة على المرأة في العصر الحالي، ما بين العمل والأعمال المنزلية، مع تراجع دور الدوائر القريبة للدعم، من الأب والأم والعائلة بوجه عام، وحتى الجيران».

وأضافت: «الروابط المجتمعية لم تعد متينة مثل ذي قبل، بفعل حالات عدم الاستقرار في مكان واحد، وكثرة التنقل، ما أضعف هذه الروابط التي كانت تخلق حالة من التوازن النفسي والدعم من قبل».

وسبق انتحار سيدة الإسكندرية بأسابيع، حادثة أخرى هزت الرأي العام المصري، بعد مقتل أم وأبنائها الخمسة على يد شقيقهم في حي كرموز بالإسكندرية. حيث اعترف باتفاقه مع أمه، على إنهاء حياة الأسرة بالكامل بعد تدهور حالتهم المادية إثر طلاق الأم من الأب وإصابتها بمرض السرطان منذ 5 سنوات، وكذلك رفض الأب الإنفاق على عائلته.

وقالت سامية خضر لـ«الشرق الأوسط» إن «الأوضاع المادية عامل من عوامل الضغط التي قد تدفع للانتحار، لكنها ليست العوامل الوحيدة... كثيرون لديهم أوضاع مادية صعبة، لكن يتحلون بإرادة قوية تجعلهم يتجاوزون هذه الأوضاع، أو يواجهونها دون التفكير في الانتحار».

ولأن حالات الانتحار باتت متكررة، «في ظل تزايد الضغوط النفسية والاجتماعية»، رأت النائبة سحر البزار أن الحل يكمن في إطلاق «خط طوارئ للنجدة النفسية»، على غرار خدمات النجدة الشرطية والإسعاف والمطافئ، في مقترح قدمته إلى الحكومة.

ويقوم خط «النجدة النفسية» على مركز وطني لإدارة الأزمات، يضم أطباء نفسيين واختصاصيين اجتماعيين مدربين، ويعمل من خلال قنوات متعددة تشمل المكالمات الهاتفية والرسائل والدعم الإلكتروني، وفق معايير جودة واستجابة محددة، حسب بيان للنائبة، التي اعتبرت أن احتواء الحالات التي قد تفكر في الانتحار «أولوية وطنية عاجلة».

وكان «المجلس القومي للطفولة والأمومة» وجه بعدم تداول محتوى انتحار سيدة الإسكندرية، «لما في ذلك من آثار سلبية جسيمة على الصحة النفسية للطفلتين وأسرتهما، واحتراماً لخصوصيتهما وكرامتهما الإنسانية».

ولا يعتبر أستاذ علم النفس جمال فرويز أن حالات الانتحار في مصر تشهد زيادة كبيرة كما هو متصور، لكن الزيادة في «تعرضنا لحالات الانتحار مع انتشار النشر عنها عبر السوشيال ميديا ووسائل الإعلام»، لافتاً إلى أن بعض الدول تحظر نشر أي أخبار أو معلومات عن الانتحار سواء في وسائل الإعلام أو حتى عبر السوشيال ميديا.

وكانت مصر تعد واحدة من أقل الدول في معدلات الانتحار وفق مؤسسة الصحة العالمية، حيث يتراوح المعدل بين 3 إلى 3.4 شخص من بين كل 100 ألف شخص، حسب إحصائية عام 2019.

وأشار فرويز في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى الأثر السلبي لانتشار هذه الوقائع وتخزينها في اللاوعي لدى المتلقي، وتكوين صور ذهنية عنها، ما تجعله عرضة لتكرارها عند المرور بأزمة ما، مستدلاً على ذلك، بانتشار حالات الانتحار تحت عجلات مترو الأنفاق.

ولا يعني ذلك التقليل من خطورة أمراض نفسية وأزمات شديدة يمر بها الفرد وتدفعه للانتحار حسب فرويز، مثل «حالات الاكتئاب الشديدة، واضطراب الشخصية الحدية خصوصاً لدى المراهقين والشباب، والفصام»، وكذلك الدخول في حالات مرضية نفسية نتيجة أزمات مادية أو صحية.

وكان فريق من المتفاعلين مع حادثة سيدة الإسكندرية حذروا من الخلط بين البحث عن الدوافع وتحليلها وتفاديها، والدخول في عملية تبرير للانتحار، لما في ذلك من مخاطر قد تدفع آخرين للقيام به.