السعودية تدعم النمو الاقتصادي بالمحافظة على المستوى المعيشي

أعطت بدلاً للغلاء لمواجهة إصلاحات الطاقة وضريبة القيمة المُضافة

ينتظر أن تتجاوز وتيرة النمو الاقتصادي مستويات ارتفاع التضخم بعد الأوامر الملكية في السعودية (تصوير: خالد الخميس)
ينتظر أن تتجاوز وتيرة النمو الاقتصادي مستويات ارتفاع التضخم بعد الأوامر الملكية في السعودية (تصوير: خالد الخميس)
TT

السعودية تدعم النمو الاقتصادي بالمحافظة على المستوى المعيشي

ينتظر أن تتجاوز وتيرة النمو الاقتصادي مستويات ارتفاع التضخم بعد الأوامر الملكية في السعودية (تصوير: خالد الخميس)
ينتظر أن تتجاوز وتيرة النمو الاقتصادي مستويات ارتفاع التضخم بعد الأوامر الملكية في السعودية (تصوير: خالد الخميس)

يُنتظر أن تسهم الأوامر الملكية التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في المحافظة على وتيرة النمو الاقتصادي، وتجنيب آثاره من الإصلاحات الاقتصادية التي تشهدها البلاد، بدخول القيمة المضافة حيز التنفيذ مع بداية العام الحالي، إضافة إلى تعديل أسعار الطاقة.
وتضمنت الأوامر الملكية صرف بدل غلاء معيشة شهري قدره 1000 ريال (267 دولاراً) للمواطنين من الموظفين المدنيين والعسكريين لمدة سنة تعويضاً عن زيادة تكاليف المعيشة، وذلك بعد رفع أسعار البنزين وفرض ضريبة القيمة المضافة، مما سيخفف الأثر على مستوى المعيشة عند المواطنين، في الوقت الذي بدأت فيه عدد من شركات القطاع الخاص بإصدار قرارات مشابهة للقرارات الحكومية، وذلك بصرف بدل غلاء للموظفين، الأمر الذي سيعزز بشكل كبير من استمرار القوة الشرائية والطلب الداخلي، وهما العاملان اللذان يعتبران من مميزات الاقتصاد السعودي وأحد وسائل الجذب الاستثماري.
ويأتي ذلك بعد دعوات وجهها مسؤولون حكوميون في السعودية للقطاع الخاص للسير على خطى الحكومة، حيث قال الدكتور ماجد القصبي وزير التجارة والاستثمار أمس إن «القطاع الخاص يتفاعل مع الأوامر الملكية... وكلي يقين بأنه سيكون له مبادرات ومساهمات من خلال الغرف التجارية تسهم في تخفيف الأعباء على المواطنين»، وذلك من خلال تغريدة على حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر».
إلى ذلك، قال الدكتور عواد العواد، وزير الثقافة والإعلام السعودي، إن الدولة عنيت بمراعاة الجانب المالي لحياة المواطنين، فذللت الصعوبات أمام الأعباء المالية المترتبة بسبب ضريبة القيمة المضافة، فتحملت عن المواطن هذه القيمة عند شرائه مسكناً لأول مرة، عندما لا يزيد سعر المسكن عن 850 ألف ريال (267 ألف دولار)، والمسكن يعد من أساسيات الحياة.
وأكد العواد على أن تحمل الدولة ضريبة القيمة المضافة عن المواطنين المستفيدين من الخدمات الصحية والتعليمية في القطاع الأهلي، يوضح أن اهتمام القيادة ينصب على المستقبل، فالصحة والتعليم يعتبران أساسيين نحو بناء أجيال صحية وواعية، دون تحمّل أعباء مالية إضافية.
وأوضح الوزير أن تخصيص 50 مليار ريال (13 مليار دولار) لهذا الأمر، يدلل على حرص القيادة على رفاهية الشعب وسلاسة حياته المعيشية، دون منغصات. كما أنه سيساهم في ازدهار الاقتصاد ونمو حركته، معتبراً أن هذا من المحفزات التي ستساعد أيضاً رجال الأعمال في التحرك نحو مشاريع تنموية كبيرة للوطن تعود عليه بالنفع في قادم الأيام.
وجدد الوزير امتنانه للقيادة الرشيدة إثر ضخها نحو 30 مليار ريال في حساب المواطن، الذي سيستمر في دعم المستفيدين منه، فيصبح إجمالي دعم الدولة المقدم بعد الأوامر الملكية يقارب 80 مليار ريال، وهو ما يجسد الحرص الكبير لولاة الأمر على كل ما من شأنه أن يلبي احتياجات المواطن ويحقق تطلعاته.
وأشار وزير الثقافة والإعلام إلى أن «ما صدر من أوامر ملكية شملت الجميع عسكريين ومدنيين ومتقاعدين وطلاباً، عكست اهتمام وتقدير القيادة الكريمة لجميع أفراد المجتمع، كما أولت عناية خاصة بجنودنا البواسل على الحد الجنوبي الذين وهبوا أرواحهم فداءً للوطن، كما أولت عناية خاصة بالمواطنين الأقل دخلاً من مستفيدي الضمان الاجتماعي والمتقاعدين، جنباً إلى جنب مع شرائح المجتمع الأخرى».
من جهته، قال الدكتور إحسان بوحليقة، رئيس مركز «جواثا الاستشاري»، إن الرهان في الوقت الحالي هو تحقيق مستوى إيجابي من النمو الاقتصادي يؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة بمقدار أعلى مما قد يقضمه التضخم من دخل المستهلكين، حيث في حال كان دخل الفرد 4 آلاف ريال (1066 دولاراً)، وارتفع التضخم بمعدل 5 في المائة، فيما ارتفع الفرد بمعدل 7 في المائة، فإن الهدف من الحفاظ على مستوى المعيشة قد تحقق إلى حد بعيد، والعكس بالعكس.
وأضاف الدكتور بوحليقة: «مع الإقرار أن تحديد مقدار الدعم والضرائب هو شأن سيادي للحكومة - كما هو الأمر في سائر البلدان - إلا أن تزامن العديد من عوامل رفع الأسعار، بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة، يؤدي بطبيعة الحال إلى رفع تكلفة المعيشة، وبالتالي زيادة الضغوط التضخمية، ومن ثمة رفع مؤشر الأسعار، في توجه معاكس لما كان عليه الحال في العام 2017، عندما شهد مؤشر الأسعار هبوطاً للمنطقة السالبة لعشرة أشهر».
وتابع في تعليق على الأوامر الملكية لـ«الشرق الأوسط» أمس: «ثمة فرق جوهري بين العامين؛ فالعام الماضي 2017 كان عام ركود، حيث انكمش بنحو 0.5 في المائة، بالأسعار الثابتة، أما العام 2018، وعلى النقيض من العام الذي سبقه، فإن التوقعات الحكومية تقول إن الاقتصاد سيشهد نمواً - بالأسعار الثابتة - في حدود 2.7 في المائة في العام 2018، وهو ما يفيد توجب أن يتغلب النمو على التضخم بنتيجة صافية قدرها 2.7 في المائة، أي أن يتحسن مستوى الدخل بما معدله 2.7 في المائة».
وشدد رئيس مركز «جواثا الاستشاري» على أهمية أن تتحرك عجلة الإنفاق دون إبطاء لتسبق «التضخم» إلى الأسواق، مما يجعل تأثير «الأوامر الملكية» إبقاء المبادرة الاقتصادية بيد سياسات النمو.
وبيَّن أن أثر ارتفاع أسعار الطاقة، واستحداث ضريبة قيمة مضافة، تضخمي، إذ أخذت أسعار السلع والخدمات ترتفع مباشرة، ومن جهة أخرى، أثرت التكاليف المتصاعدة، وعدم وجود تحسن متزامن في الأفق القريب في الدخل، على معنويات المستهلك، فأخذ يحجم عن الإنفاق، لا سيما أنه مر بتجربة صعبة في العام الماضي 2017 تجسدت في تراجع الطلب الكلي وكساد الأسواق إجمالاً.
وأكد أنه في حال استمرار ذلك سيكون هناك ارتفاع الأسعار من جهة وعزوف المستهلك عن الإنفاق من جهة أخرى، فكان من شأن ذلك أن يضع الاقتصاد السعودي وجهاً لوجه أمام «ركود تضخمي»، وفي المقابل فإن إصلاح ذلك جاء عبر فتح قنوات ضخ نقدي ضخمة للأسواق، تؤدي لإنعاش معنويات المستهلك بدفعه للإنفاق، وبالتالي زيادة الطلب، مما يحرك الأسواق وينعشها، ويؤدي لنمو الاقتصاد المحلي. وشدد الدكتور إحسان بوحليقة على أنه على المدى القريب - خلال الأشهر الثلاثة المقبلة - تتجسد المبادرات الاقتصادية الحكومية التي سيعلن عن تفاصيلها في برامج «رؤية المملكة 2030» التسعة المتبقية، وهي برامج تنويع اقتصادي بامتياز، بحسب وصفه. وأكد أن تأثير «الأوامر الملكية» مباشر، ويدعم جيب الفرد مباشرة، مما يعني ارتفاع الإنفاق الخاص (استهلاك الأسر)، ليصل للأسواق بسرعة وبوتيرة شهرية مع صرف كل معاش، وكذلك سيصل الإنفاق الأكبر للأسواق لاحقاً مما أعلن في ميزانية العام 2018، التي يصل إجمالي إنفاقها إلى 1.110 ترليون ريال (296 مليار دولار)، منها 338 مليار ريال (90 مليار دولار) إنفاق رأسمالي واستثماري. وعما يتعلق بتجاوز وتيرة النمو وتيرة التضخم، قال إن بقاء مستوى الأجور في القطاع الخاص على ما هو عليه حالياً لم يعد خياراً، وإنما من المُجدي أن تنتج الأموال نمواً يسوق لزيادة الطلب على الموارد البشرية السعودية، ليفتح فرصاً وظيفية جديدة، ويُحسن الأجور إجمالاً، ويولد فرصاً للمنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، وبالتالي إذا كانت «الأوامر الملكية» مصلاً لوقاية الأسواق من شبح الركود التضخمي، فإنه ينتظر من القطاع الخاص المشاركة لدعم وتيرة النمو وتغلبها على التضخم.


مقالات ذات صلة

ترمب ضيف شرف قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» السعودية في ميامي

الاقتصاد ترمب خلال إلقائه كلمة في نسخة العام الماضي من «قمة ميامي» (الشرق الأوسط)

ترمب ضيف شرف قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» السعودية في ميامي

أعلن «معهد مبادرة مستقبل الاستثمار» مشاركة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، ضيف شرف متحدثاً في النسخة الرابعة من قمة «أولوية مبادرة مستقبل الاستثمار» بمدينة ميامي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «قطر للطاقة» (أرشيفية - رويترز)

صندوق النقد الدولي: «مصدات» الخليج ومرونة التصدير تمتصان صدمة الحرب

أكد صندوق النقد الدولي أن الأثر الاقتصادي للنزاع الراهن على دول مجلس التعاون الخليجي سيتوقف بشكل مباشر على «مدة الأزمة ونطاقها وكثافتها».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص الشركات الناشئة العربية تجذب المستثمرين رغم ضجيج الحرب

رغم التوترات الإقليمية المستمرة، تثبت منظومة الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرونة استثنائية وقدرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والدولية.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد مصنع تابع لـ«المجموعة السعودية للاستثمار الصناعي» (إكس)

«السعودية للاستثمار الصناعي» تطلق مشروعاً للبروتين الحيوي بـ373 مليون دولار

أعلنت شركة المجموعة السعودية للاستثمار الصناعي عن موافقة مجلس إدارتها على تطوير مشروع لإنتاج البروتين الحيوي في مدينة الجبيل الصناعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد إحدى أسواق المنتجات الغذائية في السعودية (واس)

التضخم السنوي في السعودية يواصل تباطؤه إلى 1.7 % في فبراير

تباطأ معد التضخم السنوي في السعودية للشهر الثاني على التوالي، ليسجل 1.7 في المائة خلال شهر فبراير (شباط) من 1.8 في المائة في يناير (كانون الثاني).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.