غضب في إسلام آباد من اتهام ترمب لها بالكذب وتلويحه بإيقاف المساعدات

قال إن أميركا قدمت 33 مليار دولار لها دون مقابل في حملة محاربة الإرهاب

الجرائد المحلية الباكستانية تناولت جميعها تغريدات ترمب حول العلاقات مع إسلام آباد (أ.ب)
الجرائد المحلية الباكستانية تناولت جميعها تغريدات ترمب حول العلاقات مع إسلام آباد (أ.ب)
TT

غضب في إسلام آباد من اتهام ترمب لها بالكذب وتلويحه بإيقاف المساعدات

الجرائد المحلية الباكستانية تناولت جميعها تغريدات ترمب حول العلاقات مع إسلام آباد (أ.ب)
الجرائد المحلية الباكستانية تناولت جميعها تغريدات ترمب حول العلاقات مع إسلام آباد (أ.ب)

ردت إسلام آباد بغضب على اتهامات الرئيس الأميركي لها «بالكذب» بشأن إيواء متطرفين، في آخر حلقة من الخلافات التي تهز تحالفهما، واستدعت السفير الأميركي ديفيد هايل لديها، كما أكد متحدث باسم السفارة، قائلا إن هايل التقى مسؤولين، لكنه أضاف: «ليس لدينا أي تعليق حول جوهر اللقاء». ووجه الرئيس دونالد ترمب انتقادات لاذعة لإسلام آباد، مهددا بحرمانها من المساعدات المالية الخارجية. وعلى إثر ما قاله ترمب في تغريدة في بداية العام الجديد، عقد رئيس الوزراء الباكستاني شهيد خاقان عباسي اجتماعا لمجلس الأمن القومي الثلاثاء، كما جاء في تقرير وكالة الصحافة الفرنسية، حضره قائد الجيش ومسؤولون عسكريون كبار بالإضافة إلى مسؤولين حكوميين، بحسب ما قال متحدث باسم وزارة الخارجية. وزير خارجية إسلام آباد خواجة آصف وصف التغريدة الغاضبة بأنها حركة سياسية «للاستهلاك المحلي». وأضاف آصف على «تويتر»: «سنرد على تغريدة الرئيس ترمب قريبا إن شاء الله... سنجعل العالم يعرف الحقيقة... الفرق بين الحقائق والخيال». وقال آصف لتلفزيون «جيو تي في»، كما نقلت «رويترز» إنه «يصب من جديد على باكستان جام إحباطاته من الإخفاقات في أفغانستان حيث هم محاصرون في طريق مسدود». ومضى قائلا إن باكستان ليست بحاجة للمساعدة الأميركية.
وكان ترمب هاجم إسلام آباد في تغريدته الأولى لعام 2018 فكتب في ساعة مبكرة من صباح الاثنين أن «الولايات المتحدة وبحماقة أعطت باكستان أكثر من 33 مليار دولار من المساعدات في السنوات الـ15 الأخيرة، في حين لم يعطونا سوى أكاذيب وخداع معتقدين أن قادتنا أغبياء». وأضاف: «يقدمون ملاذا آمنا للإرهابيين الذين نتعقبهم في أفغانستان من دون مساعدة تذكر. انتهى الأمر!». وسارعت باكستان إلى الرد معلنة أنها قدمت كثيرا للولايات المتحدة وساعدتها في «القضاء» على تنظيم القاعدة فيما لم تحصل سوى على «الذم وعدم الثقة» وذلك في تعليقات غاضبة من وزيري الخارجية والدفاع.
وقال مسؤول بمجلس الأمن القومي الأميركي أول من أمس الاثنين، إن البيت الأبيض لا يعتزم إرسال 255 مليون دولار مساعدات لباكستان «هذه المرة»، وأضاف أن «الإدارة تواصل مراجعة مستوى تعاون باكستان». ولم يتضح حتى الآن ما الذي دفع ترمب لانتقاد باكستان لكنه يشكو منذ مدة طويلة من أن إسلام آباد لا تبذل ما يكفي للتصدي للمتشددين الإسلاميين.
خطاب ترمب في أغسطس (آب) الماضي الذي اتهم فيه إسلام آباد بإيواء «الذين ينشرون الفوضى»، أدى إلى عقد سلسلة من اللقاءات الدبلوماسية الرفيعة في الولايات المتحدة وباكستان. وأبلغت إدارة ترمب الكونغرس أنها تدرس وقف مساعدة بقيمة 255 مليون دولار مخصصة لإسلام آباد، بسبب عدم تشديدها الإجراءات ضد المجموعات الإرهابية في باكستان. ومن أكثر ما يقلق المسؤولين الأميركيين موقف إسلام آباد من شبكة حقاني القوية، أحد فصائل حركة طالبان الأفغانية بزعامة سراج الدين حقاني، المتهمة بالوقوف وراء عدد من أعنف الهجمات الدامية على القوات الأميركية في أفغانستان. رئيس أركان الجيش الأميركي الأسبق الجنرال مايك مولن وصفها بأنها «ذراع حقيقية» للاستخبارات الباكستانية. ووجدت هذه المجموعة منذ سنوات ملاذا آمنا في المناطق القبلية بشمال غربي باكستان. غير أن الجيش الباكستاني شن عملية عسكرية في تلك المناطق في 2014 ويصر الآن على أنه قضى على جميع الملاذات الآمنة في البلاد.
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد ذكرت في 29 ديسمبر (كانون الأول) أن إدارة ترمب «تبحث بعمق» ما إذا كانت ستوقف مساعدات بقيمة 255 مليون دولار لباكستان. وأضافت الصحيفة أن مسؤولين أميركيين سعوا للقاء عضو في شبكة حقاني المرتبطة بحركة طالبان بعد اعتقاله في باكستان في محاولة للحصول على معلومات بشأن أميركي واحد على الأقل محتجز رهينة لكن طلبهم قوبل بالرفض.
ويقول مراقبون إنه من دون معلومات إضافية، ستكون التغريدة مجرد كلام فارغ بين الحليفين اللذين تراجعت علاقتهما المتوترة غالبا بشكل كبير في عهد ترمب. وقال محلل شؤون الأمن والدبلوماسية حسن عسكري لوكالة الصحافة الفرنسية إن «ترمب معتاد على الإدلاء بتصريحات متشددة، من شأنها فقط أن تفسد الأجواء وتخالف السلوك الدبلوماسي».
وقال محلل آخر هو امتياز غول لوكالة الصحافة الفرنسية، إن تلك التصريحات «من شأنها فقط أن تفاقم التوتر الذي تشهده العلاقات الثنائية منذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض».
بعد اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 أقامت واشنطن تحالفا استراتيجيا مع إسلام آباد لمساعدتها في حربها ضد المتطرفين. ولطالما اتهمت واشنطن وكابل، إسلام آباد، بإيواء متطرفين أفغان منهم عناصر في طالبان، يعتقد أنهم مرتبطون بالمؤسسة العسكرية الباكستانية التي تسعى لاستخدامهم درعا إقليمية لمواجهة العدو الهندي.
وقال الجنرال دولت وزيري المتحدث باسم وزارة الدفاع الأفغانية لـ«رويترز»: «فخامة الرئيس ترمب أقر الواقع. لم تساعد باكستان قط أو تساهم في التعامل مع الإرهاب».
وقال حمد الله محب سفير أفغانستان في واشنطن في تغريدة على «تويتر» إن تغريدة ترمب «رسالة مشجعة للأفغان الذين يعانون على يد الإرهابيين المتمركزين في باكستان منذ فترة طويلة جدا».
وتنفي إسلام آباد باستمرار اتهامها بغض الطرف عن العمليات المسلحة منتقدة الولايات المتحدة لتجاهلها الآلاف الذين قتلوا على أراضيها والمليارات التي أنفقت على محاربة المتطرفين.
ودافعت الصين، التي بلغت قيمة استثمارها في مشروع بنى تحتية في باكستان 54 مليار دولار، عن حليفتها الجديدة مشيدة بـ«مساهمة (إسلام آباد) البارزة في قضية مكافحة الإرهاب العالمية»، بحسب ما أعلن متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية.
ويقول المحلل غول إنه بالنسبة لباكستان، فإن الاعتقاد السائد هو أن الهند، القوة النووية والخصم اللدود، تغذي عداء ترمب تجاه إسلام آباد. والهند التي تعتبر باكستان أنها تمثل تهديدا لوجودها، لطالما تنازعت مع إسلام آباد النفوذ في أفغانستان، حيث قامت ببناء سدود وطرق وبرلمان جديد في الدولة المضطربة، وقدمت مساعدات هائلة وقامت بتدريب قوات الأمن. ودعا ترمب ومسؤولون آخرون في الإدارة الأميركية، الهند، إلى لعب دور أكبر في أفغانستان، وهو ما ترفضه إسلام آباد التي تخشى أن يتم تطويقها. وقال غول: «المحاولة الأولى لباكستان ستكون إضعاف خطاب الهند بشأن باكستان».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».