غوتيريش يحذر من مخاطر تهدد العالم في 2018

ميركل تعتبر أوروبا أولوية وماي تسلط الضوء على تقدم «بريكست»

أنطونيو غوتيريش يلقي كلمة في لاهاي في 21 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
أنطونيو غوتيريش يلقي كلمة في لاهاي في 21 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش يحذر من مخاطر تهدد العالم في 2018

أنطونيو غوتيريش يلقي كلمة في لاهاي في 21 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)
أنطونيو غوتيريش يلقي كلمة في لاهاي في 21 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أمس، من المخاطر التي تهدد أمن العالم في عام 2018، في وقت أكد فيه الرئيس الصيني التزامه بدعم المنظمة الأممية «بقوة»، فيما تباينت الأجندة الأوروبية للعام الجديد بين داعمة لاتحاد الدول الـ27 وأخرى مشددة على ضرورة تنفيذ «بريكست».
ووجه أنطونيو غوتيريش، أمس «رسالة إنذار أحمر» للتنبيه إلى المخاطر التي تهدد العالم في 2018، داعياً إلى «الوحدة» في تمنياته للعام الجديد. وقال غوتيريش في بيان: «عندما بدأت مهامي قبل عام وجهت نداء لجعل عام 2017 عاماً للسلام. لكن العكس هو ما حدث، وبشكل جذري، مع الأسف». وأوضح أن «النزاعات ازدادت حدة وبرزت مخاطر جديدة. ففي جميع أنحاء العالم بلغت المخاوف من الأسلحة النووية مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة»، في إشارة إلى الأزمة مع كوريا الشمالية. كما أن «التغيرات المناخية تفوقنا سرعة»، فيما «لا تزال الفوارق الاجتماعية تتضاعف»، إلى جانب «انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان»، بحسب رئيس الوزراء البرتغالي السابق الذي أسف لانتشار التيار القومي ومعاداة الأجانب.
ولفت غوتيريش إلى أن «المشكلات تتعمم على مستوى الكوكب، فيما ينكفئ الأفراد على ذواتهم». وأكد ختاماً: «يمكننا حل النزاعات وتجاوز الكراهية وحماية قيمنا المشتركة. ولكن علينا أن نكون متحدين للتمكن من ذلك»، لافتاً إلى أن «الوحدة هي الطريق التي يجب اتباعها ومستقبلنا رهن بها»، داعياً قادة العالم إلى «إعادة بناء الثقة عبر جمع الشعوب حول أهداف مشتركة».
من جهته، تعهّد الرئيس الصيني شي جينبينغ أمس، بأن تؤدي بلاده دورها في الدفاع عن النظام الدولي ومكافحة التغير المناخي والعمل على رفع مستوى معيشة مواطنيها، وذلك في خطابه بمناسبة حلول العام الجديد.
وأكد شي أن بلاده ملتزمة بالإصلاحات الاقتصادية في عام 2018، الذي يتزامن مع ذكرى مرور 40 عاماً على التحول الاقتصادي الذي قاده الزعيم دينغ شياو بينغ، وقال إن «الإصلاح والانفتاح هما الطريق التي يجب أن نسلكها لتحقيق التقدم في الصين المعاصرة ولتحقيق الحلم الصيني»، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
ووعد الرئيس في خطابه الذي نقلته وكالة «شينخوا» الرسمية بأن يخرج جميع سكان الأرياف بحلول عام 2020 من نطاق الفقر. وأوضح أنها ستكون المرة الأولى في تاريخ الصين التي يتم فيها القضاء على الفقر المدقع، مشدداً على أن ذلك يمثل «وعدنا الرسمي».
واعترف شي بوجود تقصير في العمل الحكومي. وأضاف: «لذا يجب أن نعزز شعورنا بالمسؤولية ونقوم بعمل جيد لضمان رفاه الناس». وتابع أن «رفاه الناس هو أكبر إنجاز سياسي للحزب والحكومة».
وعلى الصعيد الدولي، أكد شي أن الصين «ستدعم بقوة سلطة الأمم المتحدة»، وستفي بالتزاماتها الدولية بفاعلية وستبقى ملتزمة بحزم تعهداتها لمكافحة التغير المناخي. وتتنافى هذه التعهدات مع مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي ينتقد الأمم المتحدة باستمرار وأعلن انسحاب بلاده من اتفاق باريس بشأن مكافحة التغير المناخي. وعلى الصعيد الأوروبي، شددت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على تماسك الاتحاد الأوروبي الذي سيكون «المسألة الحاسمة» في السنوات المقبلة، حسبما جاء في نص خطابها بمناسبة نهاية العام.
واعتبرت ميركل في الخطاب أن «27 دولة في أوروبا يجب أن تكون أكثر من أي وقت مضى وبقوة أكبر متشجعة على تشكيل مجتمع متكافل. هذا الأمر سيكون المسألة الحاسمة في السنوات المقبلة»، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. وأشارت إلى أن مستقبل ألمانيا «مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل أوروبا»، مذكرة بأن برلين وباريس «تريدان العمل معاً لتحضير أوروبا بالشكل الأفضل إلى تحديات المستقبل». وتابعت: «سيكون علينا كأوروبيين تمثيل قيمنا بتضامن وبثقة في الداخل، كما في الخارج».
وتأتي هذه التصريحات في وقت يهزّ فيه أسس المؤسسة الأوروبية خروج بريطانيا من الاتحاد والخلافات العميقة بين الدول، خصوصاً في قضية استقبال اللاجئين. وأكدت ميركل أن الأمر متعلّق بضمان أوروبا قوية اقتصادياً وعادلة، وقادرة أيضاً على «الدفاع بطريقة منسجمة عن حدودها الخارجية، وكذلك أمن مواطنيها». وفي منتصف ديسمبر (كانون الأول)، تعهّدت ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالكشف عن رؤية مشتركة لإصلاح منطقة اليورو الوحيدة التي تشمل 19 دولة تبنّت العملة الأوروبية الموحدة. وقد ساد التوتر على النقاشات بين هذه الدول، إذ إن دول الشمال مثل ألمانيا وهولندا تبدو مترددة في تبني سياسات تقاسم المخاطر، مقابل دول الجنوب مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا التي تعتبر السياسة المالية متساهلة جداً.
وبعد 3 أشهر على الانتخابات التشريعية الألمانية التي خرجت منها ميركل منتصرة لكن ضعيفة، تعهدت المستشارة بالعمل على تشكيل «سريع لحكومة مستقرة»، ما يعني الحصول على أكثرية في مجلس النواب.
وقالت المستشارة التي تحكم منذ 12 عاماً: «لأن العالم لا ينتظرنا. علينا الآن أن نخلق الشروط التي ستسمح لألمانيا بأن تبقى بحال جيدة بعد 10 أو 15 عاماً».
وبعد فشل المحادثات بين الخضر والليبراليين، يعقد المحافظون في أوائل يناير (كانون الثاني) مفاوضات استطلاعية تبدو معقدة مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي. وحتى لو حصل توافق، ليس من المتوقع تشكيل حكومة جديدة قبل نهاية مارس (آذار).
من جانبها، قالت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي في رسالتها بمناسبة العام الجديد، إن 2018 سيكون عام «الثقة المتجددة والفخر» بالنسبة لبريطانيا التي تواجه تحدي الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وأشارت ماي إلى أن 2017 كان عام التقدّم بالنسبة لبريطانيا على مستوى المرحلة الأولى من مفاوضات «بريكست»، مضيفة أن 2018 يجب أن يكون عاماً «نواصل فيه إحراز تقدم جيد نحو (...) اقتصاد مناسب للمستقبل، ومجتمع قوي وأكثر إنصافاً للجميع». وتابعت: «وأياً تكن التحديات التي قد نواجهها، أنا أعلم أننا سنتمكن من التغلب عليها».
غير أن غرف التجارة البريطانية التي تمثل آلاف الشركات في كل أنحاء البلاد حذرت من أن مجتمع الأعمال يفقد صبره بانتظار توضيح ما سيحدث بمجرد مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي. وأردفت ماي أن «نجاح بريكست أمر بالغ الأهمية، لكنه لن يكون الحد الأقصى لطموحاتنا»، موضحة أنها تريد «نهجاً متوازناً» للإنفاق العام.
ولفتت من جهة ثانية إلى سعيها للقضاء على التحرش في أماكن العمل، وكذلك «القضاء على كل التعصب والتمييز في مجتمعنا».
وعلى الصعيد الدولي، قالت ماي إن بريطانيا ستعمل على معالجة ملفات التطرف وتغير المناخ والنفايات البلاستيكية في المحيطات. وفي 21 ديسمبر، اضطرت ماي لقبول استقالة نائبها وحليفها المقرب داميان غرين الذي أقر بأنّه كذب بشأن اكتشاف مشاهد غير لائقة في حاسوبه، لتجد نفسها أكثر عزلة على رأس الحكومة البريطانية. وكان غرين بالفعل أحد الداعمين النادرين بلا شروط لتيريزا ماي، التي عليها أن تدير حكومة منقسمة بشأن «بريكست»، وأن تثبت سلطتها لحسم بعض الملفات الأساسية في المفاوضات بشأن العلاقة المستقبلية بين بلادها والاتحاد الأوروبي.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended