روسيا في الشرق الأوسط: اختراقات استراتيجية وآفاق واسعة

روسيا في الشرق الأوسط: اختراقات استراتيجية وآفاق واسعة
TT

روسيا في الشرق الأوسط: اختراقات استراتيجية وآفاق واسعة

روسيا في الشرق الأوسط: اختراقات استراتيجية وآفاق واسعة

يمكن وبثقة القول إن 2017 كانت بالنسبة إلى روسيا سنةً شرق أوسطية بامتياز: نشاط موسكو في سياستها الخارجية تجاه الشرق الأوسط كان عالياً للغاية وغير مسبوق. القول إن الجزء الأكبر من جهودها في هذا الاتجاه كان بشكل أو بآخر مرتبطاً بسوريا، ليس فيه أي مبالغة. لقد امتص العمل على المسار السوري جزءاً كبيراً من قدراتها الدبلوماسية والمادية. لكن دورها الرئيسي في الأحداث في سوريا وحولها بات مفتاحاً لها في كشف إمكانيات جديدة وتعزيز موقعها في المنطقة.
فيما يتعلق بالمسار السوري، هنا تجدر الإشارة إلى الآتي: أولاً، ينظر في موسكو إلى أن أهم وأكبر نجاح لروسيا في عام 2017 هو القضاء على «داعش» في سوريا وبالدرجة الأولى القضاء على القاعدة المادية والجغرافية للإرهابيين. وهذا بدوره كان قد سمح للرئيس فلاديمير بوتين باتخاذ قرار مهم للغاية حول اقتراب انتهاء العملية الروسية لمكافحة الإرهاب في سوريا والانتقال إلى مرحلة التسوية السياسية. في المستقبل القريب سيجري تقليص الوجود العسكري الروسي في سوريا بشكل كبير. أما الجزء الباقي من القوات فسوف يتمركز في قاعدتين: في حميميم وفي طرطوس اللتين ستبقيان على الأراضي السورية على أسس قانونية.
ثانياً، أصبحت سنة 2017 بفضل جهود روسيا وحلفائها وشركائها إن لم تكن سنة الوقف التام للعمليات العسكرية بين الحكومة والمعارضة المسلحة في سوريا (عدا استمرار عملية مكافحة المجموعات الإرهابية المعترف بها رسمياً من قبل الأمم المتحدة) فلقد كانت سنة الانخفاض الكبير لكثافتها. نعم هناك خروقات لوقف إطلاق النار والمؤسف أنها ستتكرر.
ثالثاً، نجاح تنفيذ مشروع إنشاء مناطق خفض التصعيد كإجراء مؤقت والذي من خلاله تم تطبيق نظام وقف العمليات القتالية.
رابعاً، تطور التعاون بين الدول الثلاث الضامنة لهذا المشروع، روسيا وإيران وتركيا. بدا هذا جلياً في ظهور الإطار الجديد وهو القمة الثلاثية والتي لديها أفق أن تصبح دورية في المستقبل.
خامساً، استمرار الحوار الروسي - الأميركي في شأن سوريا أكان على مستوى الخبراء العسكريين أو على مستوى القيادة السياسية في الدولتين. الحديث هنا يدور حول المثلث الثاني أي - روسيا الولايات المتحدة الأميركية والأردن (مع مشاركة غير مباشرة لإسرائيل). الاختراق الهام في هذا المسار كانت قد شكلته المحادثات حول إنشاء منطقة خفض التصعيد الجنوبية الغربية. في الوقت نفسه فكما كان معلناً في الوثيقة المشتركة لرئيسي روسيا والولايات المتحدة الأميركية في دانانغ (في فيتنام) خلال منتدى «أبيك» بأن الطرفين مرتاحان لنجاح جهود الدولتين المبذولة في فعالية منع وقوع حوادث خطيرة بين العسكريين الروس والأميركيين مما ساعد في مكافحة «داعش». أما سادساً وأخيراً - إقدام روسيا على مبادرة خارقة وغير متوقعة في دعوتها إلى عقد مؤتمر حوار وطني سوري والذي بادرت بالتحضير له. المهم أن الإطار الجديد، وكما تشير القيادة الروسية، لن يؤدي إلى تقليص دور الأمم المتحدة في التسوية السورية، وإنما على العكس، فإن عقد هذا المؤتمر مدعو لمساندة دور الأمم المتحدة ومحادثات جينيف وهو يعتبر فقط مكملاً للجهود التي يبذلها جهاز المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا والمشاركون في عملية آستانة لتسوية الأزمة السورية.
الرئيس فلاديمير بوتين مرة أخرى أكد خلال لقائه الأخير مع الرئيس بشار الأسد في سوتشي أن المرحلة العسكرية للأزمة أوشكت على النهاية وحان وقت التسوية السياسية وأعلن أيضاً مع الرئيس دونالد ترمب في دانانغ أنه لا حل عسكرياً للأزمة في سوريا. لم يكن هذا تصريح علني فحسب، بل وإشارة قوية إلى الرئيس السوري وخصومه. لقد بدأت موسكو تناقش مع شركائها مشكلات مستقبل إعادة بناء سوريا. يمكن فقط الافتراض بأن التقليص الجدي للوجود العسكري مع الحفاظ على القواعد العسكرية سيوفر الجاهزية إلى تقديم المساعدة للقوات المسلحة السورية في مكافحة المجموعات الإرهابية إذا تطلب الوضع ذلك.
أما فيما يخص لقاء المعارضة السورية في الرياض، لقد تم التوصل إلى تشكيل وفد موحد للمشاركة في الجولة الثامنة للمحادثات في جنيف بما في ذلك مساعدة الممثل الروسي الخاص، مع أن ممثلي ما يسمى منصة موسكو كانوا قد عبروا عن عدم موافقتهم على بعض نقاط البيان الختامي التي تتناقض مع المبدأ المتفق عليه والذي تضمنه البيان وهو رفض أي شروط مسبقة مهما كانت هذه الشروط. بإمكان المؤتمر بحسب المبادرين أن يلعب دوراً هاماً في بناء العلمية السلمية وأن يقدم مساهمة خاصة في حل مسائل مختلفة مثل صياغة دستور سوري جديد أو التحضير لإجراء انتخابات عامة. في موسكو، هناك إدراك للصعوبات التي تواجهها والتي ستواجهها عملية إنجاز مشروع المؤتمر، لكن ننطلق من أن أولئك الذين سيقررون عدم المشاركة فيه سيعزلون أنفسهم بهذه الطريقة. مع ذلك لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به لضمان شمولية التمثيل في هذه الفعالية التي ستعقد في سوتشي - العاصمة الجنوبية لروسيا. بين تلك المسائل التي لم تلقَ حلاً إلى الآن على ما يبدو هي مسألة تمثيل الأكراد. حسب تصريح ديمتري بسكوف الناطق الصحافي باسم الرئيس الروسي فإن أصعب ما يواجه عملية التحضير لمؤتمر الحوار الوطني هو التوافق على قوائم المشاركين. بشكل أو بآخر فلقد تم تأجيل انعقاد المؤتمر أكثر من مرة وذلك بسبب العقبات التنظيمية.

علاقة نوعية مع السعودية
أما فيما يتعلق بتعاظم الموقع الروسي في المنطقة فهو بشكل خاص ناتج عن التغيرات النوعية لعلاقاتها مع عدد من اللاعبين الكبار في المنطقة. هذا بدا واضحاً على سبيل المثال في علاقاتها مع المملكة العربية السعودية. إن الزيارة الرسمية التاريخية الأولى للملك سلمان بن عبد العزيز نفسه إلى روسيا وزيارات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تدل على منعطف في العلاقات الروسية السعودية باتجاه الشراكة البناءة. يكفي في هذا السياق ذكر خطط المملكة العربية السعودية بالاشتراك مع صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي تأسيس صندوقين استثماريين - صندوق استثماري تقني وصندوق استثماري للطاقة برأسمال قدره مليار دولار لكل منهما، وكذلك مشاركة الشركة الروسية Eurasia Drilling في حفر الآبار مع شركة Saudi Aramco. وكذلك سيتم في المملكة تصنيع البندقية الكلاشنيكوف الآلية بترخيص من روسيا. لكن يبقى من غير الواضح هل ستذهب المملكة العربية السعودية إلى تطوير أوسع في التعاون العسكري التقني مع موسكو التي تحدث متفائلاً عن إمكانياتها في يوليو (تموز) من هذا العام رئيس شركة «روس تيخ» سيرغي تشميزوف.
وكذلك التحول الكبير الذي لا يقل أهمية عنها في العلاقات بين روسيا والإمارات العربية المتحدة. حيث تنمو السياحة الروسية إلى الإمارات بسرعة وكان قد ساعد في ذلك نظام إلغاء التأشيرات من قبل هذه الدولة. وأيضاً هناك آمال تعقد على نمو سياحة المواطنين الإماراتيين إلى روسيا. اقتراح موسكو لمشروع مشترك في تصميم طائرة مدنية مع الإمارات على قاعدة MC- 21 تتسع لـ250 راكباً مخصصة للسوق العربية كان جذاباً للغاية وطموحاً بالنسبة للشركاء الإماراتيين. تعلق روسيا آمالاً كبيرة على تطوير تعاون متعدد الجوانب مع هذه الدولة، بوجه الخصوص فإن شركتي «غازبروم نفط» و«موبادلة» بدأتا بدراسة إمكانية التنقيب والإنتاج المشترك في روسيا ودول ثالثة. تتسم روسيا كدولة عظمى بعلاقات متوازنة مع مختلف اللاعبين بمن فيهم من هم على خلاف بين بعضهم بعضا. في واحدة من مقالاتي السابقة كنت قد كتبت عن هذه الخصوصية التي تتمتع بها الدبلوماسية الروسية وقدرتها على عدم حرق الجسور والابتعاد عن التعامل أحادي الجانب وعن قدرتها في حال الضرورة وبموافقة الأطراف المتنازعة أن تلعب دور الوسيط المصالح وبما فيه عن طريق التحالف مع شركائها ممن لهم مصلحة في خفض التوتر بين الجيران. في سنة 2017 على وجه الخصوص، استمر تعاون موسكو مع دول مجلس التعاون ولم تتدخل في الوقت نفسه ولا بشكل من الأشكال في الأزمة التي ظهرت بين هذه الدولة وعدد من الدول الصديقة والمؤثرة في المنطقة، داعية الأطراف جميعاً إلى الحوار البناء. لقد استمرت روسيا بتعاونها الوثيق مع إيران وتركيا. يرون في موسكو أنه بمساعدة مثل هذه السياسة فإن روسيا تساهم في استقرار الوضع وليس فحسب، بل وفي تقريب مواقف الأطراف المتنازعة في بعض الأحيان.
لقد لعبت الاتصالات الدورية التي يقوم بها الرئيس بوتين مع قادة دول الشرق الأوسط دوراً كبيراً في إقامة سياسة خارجية متزنة ومتكافئة في هذه المنطقة والتي من نتائجها عدم وجود أعداء لروسيا في الشرق الأوسط بل لديها عدد كبير من الأصدقاء. هذه الاتصالات تكمل العدد الكبير من الزيارات واللقاءات على المستوى الرفيع التي جرت في سنة 2017.

عنصر جديد ـ قديم
تميزت سنة 2017 بتثبيت عنصر جديد في استراتيجية روسيا تجاه منطقة الشرق الأوسط وهو إنشاء قواعد عسكرية – وهي ظاهرة غير معتادة في السياسة الخارجية الروسية. لم يكن لدى موسكو قواعد عسكرية نهائياً في الخارج عدا منطقة رابطة الدول المستقلة (قواعد الاتحاد السوفياتي في فيتنام وكوبا كانت قد أغلقت). أما الآن، فإن موسكو لم تقم فقط ببناء قاعدتين في سوريا ومستمرة في تطويرهما، بل وبدأت في نوفمبر (تشرين الثاني) من هذا العام تحضر لاتفاق مع السودان بشأن إنشاء قاعدة عسكرية روسية في هذا البلد. جرى ذلك خلال لقاء الرئيس عمر البشير مع الرئيس فلاديمير بوتين ووزير الدفاع سيرغي شويغو في 25 نوفمبر من هذه السنة في سوتشي. نائب رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد (مجلس الشيوخ) السناتور فرانتس كلينتسيفيتش كان قد صرح أنه في حال إنشاء قاعدة روسية في السودان، بإمكان هذه الدولة أن تصبح الوسيط الرئيسي في التواصل بين روسيا والعالم الإسلامي. لكن السناتور لم يوضح ما الذي يقصده في قوله هذا.
روسيا بتعزيز وجودها في المنطقة، لا تنوي الدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها ولا تحاول إزاحة الولايات المتحدة أو استبدالها في المنطقة، فليس لديها ما يكفي من الموارد للقيام بذلك ولا حتى هناك ضرورة أو رغبة في صرفها على مثل هذه الأهداف.
واحدة من مكتسبات سنة 2017 هي – التقدم في التعاون العسكري والتقني مع دول هذه المنطقة. بحسب ما يبدو، فإن حجم مبيعات الأسلحة والتقنيات العسكرية الروسية إلى الخارج في هذه السنة سيتخطى ما تم بيعه في سنة 2016 حيث وصل حينها حجم مبيعات الأسلحة إلى 14 مليار دولار أميركي بينما يخطط لرفعه ليصل إلى 20 ملياراً والاحتفاظ بالمركز الثاني بين الدول المصدرة للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية. تنمو شريحة الشرق الأوسط في هذا المجال من التعاون. لا داعي للاعتقاد بأن مبيعات الأسلحة والتقنيات العسكرية هي فقرة شبه رئيسية في دخل الميزانية بعد مبيعات المواد الخام المختلفة وبالدرجة الأولى الهيدروكربونات كما كان سائداً. تحولت روسيا إلى مصدر لأنواع أخرى من المنتجات أيضاً. يكفي ذكر نمو صادرات الحبوب الروسية إلى الشرق الأوسط وهذا لا يثير الدهشة، ذلك أن موسكو تشغل المركز الأول في العالم بين المصدرين للحبوب. لقد تم في هذه السنة جني نحو 130 مليون طن من القمح.
تشغل المنظومات الصاروخية مكاناً خاصاً من بين المنتجات العسكرية التي يتم تصديرها إلى الشرق الأوسط. تم تنفيذ عقد بتوريد خمس مجموعات لواحدة من أنواع منظومات «إس - 300 - ب أم أو – 1» إلى إيران في أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام. الاختراق الحقيقي جرى حين تم توقيع عقد لتوريد نظام إس - 400 إلى تركيا، الدولة العضو في حلف شمال أطلسي (ناتو). موسكو تنطلق من أن هذه المنظومات تعتبر نظام أسلحة دفاعية حصراً، مع أن مسافة دائرة فعاليتها كبير إلى حد ما. ما بدا واضحاً هو أن تلك الدول التي كانت في الماضي القريب قد حاولت منع توريد أنظمة «إس - 300» و«إس - 400» إلى دول هي على خلاف معها، حتى أن وصل فيهم الأمر إلى توجيه إنذارات مهددين بالقيام بضربات وقائية، فهي الآن لا تحاول إعاقة روسيا. الحديث يدور هنا بالدرجة الأولى عن توريد هذه المنظومات إلى إيران وردة فعل إسرائيل على ذلك. أي دولة أخرى بما فيها الولايات المتحدة حريصة تجاه صادراتها على نفس الخط، معولة في ذلك على أن أنظمة الدفاع الجوي تساعد في الحفاظ على الاستقرار وتقي المنطقة من الانزلاق إلى المواجهات العسكرية. الرئيس السوداني وعدد من قادة دول المنطقة عبروا عن رغبتهم في الحصول على منظومة «إس - 300». فما هي الصفقات المنتظرة في المستقبل؟

إنجازات روسية وعراقيل أميركية
العقوبات التي فرضتها إدارة الولايات المتحدة الأميركية في أكتوبر تحت ضغط الكونغرس على عدد من شركات الدفاع الروسية والهيئات الاستخباراتية هدفها هو إعاقة روسيا في تطوير تعاونها مع الدول الأخرى في هذا المجال الاستراتيجي الهام. في موسكو، يقيمون هذا القرار بأنه منافسة غير نزيهة سببها أن عدداً كبيراً من أنواع المنتجات العسكرية الروسية تتفوق بجودتها على مثيلاتها الغربية. واحدة أخرى من منجزات هذه السنة - هي تقدم التعاون الاستراتيجي مع دول المنطقة في مجال الطاقة. الاتفاقات مع الدول الأعضاء في منظمة «أوبك» على تقليص الإنتاج بهدف الحفاظ على المستوى المطلوب لأسعار النفط في السوق العالمية لها أهمية خاصة وبالدرجة الأولى مع المملكة العربية السعودية حيث تتقاسم معها روسيا المركزين الأولين لإنتاج النفط في العالم. تبرز في هذا الإطار أيضاً الاتفاقات بين الشركة الروسية - «روس آتوم» وعدد من دول الشرق الأوسط على بناء محطات كهرذرية لتوليد الطاقة الكهربائية. يجري التقدم في إنجاز مشروع بناء محطة «أكويو» الكهرذرية في تركيا، حيث يخطط لتسليم هذه المنشأة في عام 2023. وهناك مشروع آخر بين تركيا وروسيا يحمل صفة استراتيجية للتعاون في مجال الطاقة - وهو بناء أنبوب نقل الغاز «السيل التركي». كل ما تم ذكره أعلاه كاف لوصف المستوى الذي وصل إليه التعاون الاقتصادي بين هاتين الدولتين والذي سيؤثر لفترة طويلة على نظام العلاقات بينهما بشكل عام.
وتكمل اللوحة خطط بناء محطتين كهرذريتين في إيران لتوليد الطاقة. يزداد عدد دول المنطقة التي إما أنها قد وقعت على عقود أو أنها تبدي اهتماماً بالتقنيات الروسية في مجال الطاقة النووية. في 22 نوفمبر من هذا العام دخلت حيز التنفيذ اتفاقية لبناء «روس آتوم» محطة كهرذرية مؤلفة من أربع مفاعلات لتوليد الطاقة في مصر مع الأخذ بعين الاعتبار أن القاهرة حصلت على قرض جزئي من روسيا لبنائها. وهناك محادثات تجري في هذا المجال مع الجزائر.
في عام 2013 فازت روسيا بمناقصة بقيمة 10 مليارات لبناء مفاعلين نوويين لإنتاج الطاقة في الأردن. إلا أنه إذا كان حتى هذه اللحظة يتم بناء المحطات الكهرذرية في كل مكان من قبل الشركة الروسية بالاعتماد على تمويل من قبل الدولة فإن «روس آتوم» الآن قررت الانتقال إلى نظام المصارف والقروض التجارية مما سيصعب عملية المحادثات وتنفيذ بعض الاتفاقات التي كان قد تم التوصل إليها في السابق، وخصوصا في ظروف العقوبات المفروضة. في الوقت نفسه، لا يمكن أن يكون لشركة «روس آتوم» مصلحة في تقديم تنازلات، حيث يوجد في جعبتها حجوزات لبناء 34 مفاعلا نوويا لإنتاج الطاقة في كل أنحاء العالم - أي أكثر من أي شركة أخرى، وإنجاز هذه المشاريع يحتاج إلى حشد موارد هائلة.في تلخيص نتائج هذه السنة الصعبة والمثمرة في الوقت نفسه بالنسبة إلى روسيا في منطقة الشرق الأوسط دائمة التبدل والمليئة بالتناقضات والتي تنمو بديناميكية، يجدر القول إنها فتحت أمام موسكو وشركائها آفاقاً جديدة للتعاون تأمل روسيا الاستفادة منها. مع الأسف، هناك عدد ليس بالقليل من الأزمات المحلية المسلحة وبؤر توتر لا تزال موجودة في هذه المنطقة تعيق النمو المستقر. قبل أسابيع كان وزير الخارجية سيرغي لافروف قال إن الصفقة النووية مع إيران مهددة بالانهيار بحسب رأي موسكو. فما الذي سيؤدي إليه هذا الحدث في حال وقوعه؟
أما ما مدى فاعلية قدرة روسيا على تذليل كل الصعوبات الموجودة وتبديد التهديدات التي تعيق تقدم نمو تعاونها مع دول الشرق الأوسط - فهذا ما سيكشفه المستقبل.



سباق خلافة غوتيريش: غرينسبان تتقدم خطوة ولا تتجاوز «الفيتو» ونسيبة تخضع لاختبار أول

المرشح التركي فريدون سينيرلي أوغلو مع الأمين العام للأمم المتحدة
المرشح التركي فريدون سينيرلي أوغلو مع الأمين العام للأمم المتحدة
TT

سباق خلافة غوتيريش: غرينسبان تتقدم خطوة ولا تتجاوز «الفيتو» ونسيبة تخضع لاختبار أول

المرشح التركي فريدون سينيرلي أوغلو مع الأمين العام للأمم المتحدة
المرشح التركي فريدون سينيرلي أوغلو مع الأمين العام للأمم المتحدة

حسّنت نائبة الرئيس الكوستاريكية السابقة ريبيكا غرينسبان حظوظها في السباق لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لكن من دون أن تتمكن بوضوح من تجاوز عقبة حق النقض «الفيتو» من اثنتين من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.

وأجرى الأعضاء الـ15 في المجلس، مساء الجمعة، اقتراعاً سريّاً هو السابع لاختيار الأمين العام العاشر للمنظمة الدولية، وهو الأول بعد دخول وزيرة الدولة الإماراتية للشؤون الخارجية لانا نسيبة إلى السباق.

وفيما لم يؤد انضمام نسيبة إلى تغييرات جوهرية في التوازنات السابقة، أعلنت تركيا ترشيح الأمين العام لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا فريدون سينيرلي أوغلو، ليأتي ذلك قبل تسعة أسابيع فقط من انتهاء ولاية غوتيريش الثانية في 31 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وحصلت غرينسبان، التي ترأست حتى قبل نحو ستة أشهر هيئة الأمم المتحدة المعنية بالتجارة والتنمية، على 11 صوتاً «تشجيع» مقابل أربعة أصوات «عدم تشجيع»، وفقاً لدبلوماسيين. وحل ثانياً المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الأرجنتيني رافاييل ماريانو غروسي بتسعة أصوات «تشجيع» وأربعة «عدم تشجيع» وصوتين بـ«لا رأي». وتلته وزيرة خارجية غويانا السابقة كارولين رودريغيز بيركيت بثمانية أصوات «تشجيع» وستة «عدم تشجيع» وصوت واحد بـ«لا رأي».

المرشح التركي فريدون سينيرلي أوغلو مع الأمين العام للأمم المتحدة

موقع نسيبة

جاءت في المركز الرابع نسيبة بسبعة أصوات «تشجيع» وستة «عدم تشجيع» وصوتين بـ«لا رأي». أما رئيس مجلس الشعب الأوغندي السابق أولارا أوتونو فحصل على أربعة أصوات بـ«تشجيع» و11 «عدم تشجيع». ونالت وزيرة الخارجية الإكوادورية السابقة ماريا فرناندا إسبينوزا صوتين «تشجيع» وعشرة «عدم تشجيع» وثلاثة بـ«لا رأي». وحققت الدبلوماسية الإكوادورية اللبنانية الأصل إيفون عبد الباقي أضعف نتيجة، بصوت «تشجيع» واحد و14 «عدم تشجيع».

ولم يتضح ما إذا كانت الأصوات المعارضة لأي من المرشحين صدرت عن الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا، لأن المجلس عاد إلى الاقتراع بأوراق غير مرمزة بالألوان بعدما استخدم أوراقاً ملونة تميّز أصوات الدول الدائمة في الاقتراع السادس في 16 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وأفاد دبلوماسيون بأن هذه العودة هدفت إلى منح الوزيرة نسيبة فرصة المرور بالإجراءات نفسها التي خضع لها منافسوها.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ب)

ويحتاج المرشح الذي سيوصي به المجلس إلى تسعة أصوات مؤيدة على الأقل، من دون أن يعترض عليه أي من الأعضاء الدائمين، قبل رفع اسمه إلى الجمعية العامة المؤلفة من 193 دولة للمصادقة النهائية.

وانطلقت جولات الاقتراع غير الرسمية في 30 يوليو (تموز) الماضي، وانسحبت منها الرئيسة التشيلية السابقة ميشيل باشيليت بُعيد الجولة الثالثة. وتصدّرت غرينسبان الجولات المتتالية، لكن رصيدها تأرجح بين عشرة أصوات مشجعة في الجولة الرابعة في 29 سبتمبر (أيلول) وتسعة في الخامسة في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، قبل أن يرتفع إلى 11 الجمعة. أما رودريغيز بيركيت، فتراجعت من تسعة أصوات مشجعة في الجولة الأولى إلى خمسة في الخامسة.

ويفيد دبلوماسيون بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب تبدي في النقاشات الداخلية معارضتها لها.

مرشحون جدد

كان دبلوماسيون قد أشاروا إلى أن الدول دائمة العضوية سترحب بمرشحين جدد مهما تأخرت العملية، مذكرين بأن كوفي أنان اختير للمنصب قبل 18 يوماً فقط من بدء ولايته. وبعيد الاقتراع السابع، أعلنت مصادر في وزارة الخارجية التركية أن ترشيح سينيرلي أوغلو (70 عاماً) قدم في رسالة وقعها الرئيس رجب طيب إردوغان، وسلمها المندوب التركي لدى الأمم المتحدة أحمد يلديز إلى الجمعية العامة ومجلس الأمن.

ويرجح أن يعكس المرشح التركي توجهات إردوغان، الذي يدعو منذ سنوات إلى إصلاح مجلس الأمن وينتقد هيمنة أعضائه الدائمين. غير أن ترشيحه قد يواجه عقبات، أبرزها من اليونان المجاورة لتركيا، وهي من الأعضاء العشرة المنتخبين في المجلس، إضافة إلى معارضة متوقعة من إسرائيل، الحليف الوثيق للولايات المتحدة.

جلسة لمجلس الأمن الدولي (رويترز)

وتشير تكهنات إلى أن الأصوات المؤيدة لغرينسبان، وهي يهودية مؤيدة لإسرائيل، جاءت أساساً من الأعضاء المنتخبين، تمسكاً بعرف التناوب الجغرافي غير المكتوب الذي يقضي بأن يذهب المنصب هذه المرة إلى أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. ويرجح أن تكون بينها أصوات الأعضاء الأفارقة الثلاثة، الحريصين على حماية مبدأ التناوب حين يحين دور قارتهم.

وكانت دول مجموعة أميركا اللاتينية والكاريبي (سيلاك) قد دعت في بيان مشترك في 27 أكتوبر (تشرين الأول) المجلس إلى احترام التناوب الإقليمي، على أن تبحث القمة الإيبيرية الأميركية في مدريد يومي 4 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري و5 منه استراتيجية المنطقة.


«باتريوت» لكييف وانفتاح على موسكو... معادلة أميركية صعبة

خلال لقاء وزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
خلال لقاء وزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
TT

«باتريوت» لكييف وانفتاح على موسكو... معادلة أميركية صعبة

خلال لقاء وزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)
خلال لقاء وزراء خارجية «مجموعة العشرين» (رويترز)

وافقت وزارة الخارجية الأميركية على صفقة محتملة لبيع أوكرانيا 500 صاروخ اعتراضي من طراز «باتريوت»، بقيمة تقديرية تبلغ 2.1 مليار دولار. وأكدت «الخارجية» أن «هذه الصفقة المقترحة ستدعم أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة، من خلال تعزيز أمن دولة شريكة تُعدّ قوةً للاستقرار السياسي والاقتصادي في أوروبا».

وزير الدفاع الدنماركي ييبي بروس خلال مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع في كوبنهاغن 22 أكتوبر 2026 (رويترز)

وعُدّت الخطوة محاولة لإبراز الدعم الدفاعي لكييف، رغم استمرار توتر علاقاتها بواشنطن. وجاء الإعلان بالتزامن مع اجتماع وزراء خارجية «مجموعة العشرين» في أتلانتا بولاية جورجيا؛ حيث أثارت مشاركة الوزير الروسي سيرغي لافروف اعتراضات غربية، فيما أعادت الضربات الأوكرانية لمنشآت نفطية روسية الخلاف مع إدارة الرئيس دونالد ترمب بشأن استهداف قطاع الطاقة إلى الواجهة.

وتضع هذه التطورات سياسة ترمب أمام اختبار متجدد بشأن كيفية الجمع بين تسليح أوكرانيا والانفتاح على موسكو والسعي إلى خفض أسعار الوقود. في المقابل، تتمسك كييف بالحاجة إلى حماية مدنها ومواصلة الضغط على الاقتصاد الروسي، في حين يخشى شركاؤها الأوروبيون أن يتحول الحوار مع موسكو إلى تطبيع للعلاقات، قبل تقديم أي تنازلات روسية فعلية.

من اليمين إلى اليسار: رئيس الوزراء النرويجي يوناس جار ستوره والرئيس الأوكراني والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب (إ.ب.أ)

صواريخ مؤجلة

غير أن المفارقة تكمن في الفارق بين الموافقة السياسية والجدول العسكري. وحسب «رويترز»، فإن هذه الصواريخ لم تصنع بعد؛ حيث نقلت عن مصدرين مطلعين أن تسليمها غير متوقع قبل السنوات الأولى من العقد المقبل. وبهذا المعنى فإن الصفقة لا توفر وحدها جواباً فورياً لاحتياجات الدفاع الجوي الأوكراني.

ومع ذلك، رحّب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالموافقة، لكنه حذّر من انتظار سنوات، مطالباً واشنطن والحلفاء الأوروبيين بتسليم صواريخ من مخزوناتهم الحالية وتعويضها لاحقاً بالإنتاج الجديد.

وقال في منشور على منصة «إكس»، الجمعة، إن «عمليات التسليم قد تبدأ في غضون سنوات قليلة فقط». وأضاف: «نحن نطلب من شركائنا الأميركيين إيجاد حل للفترة التي يوجد فيها خطر حقيقي وحاجة حقيقية لاستخدام صواريخ (باك-3) الاعتراضية»، مستخدماً الاسم المختصر للصواريخ.

رجال إطفاء يخمدون حريقاً اندلع في حي سكني عقب غارة جوية روسية على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ب)

وتُعد صواريخ «باتريوت» من بين أهم الأسلحة التي تستخدمها أوكرانيا لاعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ الروسية.

وذكرت وسائل إعلام أوكرانية أن كييف طلبت حزمة شتوية توفر 100 صاروخ اعتراضي شهرياً، في مواجهة الهجمات الروسية المتصاعدة على شبكات الطاقة والكهرباء.

وتشمل الصفقة صواريخ «باك-3 إم إس إي» وقطع غيار ودعماً لوجستياً، بتمويل من إسهامات كندية وألمانية ونرويجية، عبر برنامج «جمبستارت»، وأموال أوكرانية مدعومة بقرض أوروبي. وتتولى «لوكهيد مارتن» دور المتعهد الرئيسي، في حين لم تُعلن «الخارجية الأميركية» موعداً محدداً للتسليم. ومع ذلك، تمنح الصفقة سياسياً كييف إشارة إلى استمرار قناة التسليح الأميركية رغم الخلافات.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمستشار الألماني فريدريش ميرتس يسيران في ساحة الاستقلال بكييف الأحد (إ.ب.أ)

لكن قيمتها العملية ستتحدد بقدرة الحلفاء على سد الفجوة بين التعاقد والتسليم. فالدفاع عن منشآت الكهرباء خلال الشتاء لا يحتمل انتظار توسعة المصانع، وقد يصبح الإفراج عن مخزونات قائمة اختباراً أكثر إلحاحاً من حجم الصفقة المعلن. كما أن طبيعة الصواريخ الاعتراضية تجعل القرار متعلقاً بحماية المجال الجوي، ولا تعني تلقائياً تغيير موقف واشنطن من الضربات الأوكرانية داخل روسيا. فالقبول بتعزيز الدفاعات يمكن أن يتعايش مع الضغط لتقييد عمليات هجومية، وهو التمييز الذي يفسر جانباً من التناقض الظاهر في السياسة الأميركية.

اجتماع أتلانتا

وبعد الخلاف الذي أمكن تطويقه جرّاء حضور وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، اجتماع مجموعة الدول العشرين في أتلانتا، ورفض نحو ثلث المشاركين أخذ صورة جماعية معه، ذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أن الاجتماع يتجه إلى الاختتام السبت من دون بيان مشترك.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أتلانتا (د.ب.أ)

وأضافت أن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، سيصدر بياناً للرئاسة يلخص المناقشات. وعدّ دبلوماسيون الموقف الروسي من أوكرانيا بأنه متصلب، فيما أكد لافروف رفض موسكو أن تُشكل أوكرانيا تهديداً عسكرياً لمصالحها الأمنية.

وبدا أن الخلاف حول بروتوكول التصوير يتجاوز معنى إعادة مشاركة روسيا في الفعاليات الدولية. فواشنطن تريد تركيز «مجموعة العشرين» على الاقتصاد والطاقة والتجارة، فيما تُعيد الحرب فرض نفسها على جدول الأعمال.

ويأتي الاجتماع تمهيداً لقمة قادة المجموعة بفلوريدا، التي دعا إليها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من دون حسم مشاركته، وفق إذاعة «أوروبا الحرة»، الأميركية.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث في افتتاح لقاء وزراء خارجية «مجموعة العشرين» في أتلانتا (إ.ب.أ)

وقال وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، لصحافيين إن التقاط صورة مع لافروف أمر غير مقبول، لأنه «لا يوجد وضع طبيعي مع روسيا». وقال أحد المشاركين إن لافروف أقرّ بنفسه بوجود «مخاوف» بشأن الصورة الجماعية، وهو ما قوبل بإيماءات موافقة من كثيرين في القاعة.

وبهذا المعنى، ووسط شبه تجاهل إعلامي أميركي، مشغول بالانتخابات النصفية لاجتماع أتلانتا، كشف هذا الاجتماع عن حدود التقارب الأميركي الروسي؛ حيث تستطيع واشنطن استضافة لافروف وفتح قنوات معه، لكنها لا تستطيع ضمان قبول شركائها بصورة توحي بأن الخلاف مع موسكو أصبح خلفهم.

سكان يمرّون أمام مبنى تضرّر جرّاء ضربة صاروخية روسية ليلية على كييف 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

عودة قصف المصافي

ميدانياً، تجددت الهجمات على منشآت الطاقة الروسية، رغم ضغوط ترمب لوقف استهدافها، في محاولة لوقف ارتفاع أسعار الوقود قبل الانتخابات النصفية. فقد تعرضت 3 مصافٍ ومجمع للغاز والكيميائيات لهجمات مسيّرات، ليل الخميس-الجمعة، مع أضرار وصفت بالطفيفة في منشأة واحدة على الأقل. وحدد موقع «أسترا»، استناداً إلى مقاطع مصورة، مصفاة «نوفوكويبيشيفسك» التابعة لـ«روسنفت» في سامارا ضمن المواقع المستهدفة. وقالت السلطات المحلية إن شخصين قُتلا أثناء الاستجابة للحرائق، من دون إعلان تقييم مستقل شامل للأضرار.

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن الوقف الأوكراني المؤقت لتلك الهجمات لم يُقابل بوقف روسي من استهداف شبكات الكهرباء الأوكرانية، وهو ما قوّض عملياً فرص تثبيت تهدئة الطاقة، مع بقاء أيام على موعد تلك الانتخابات. غير أن عودة تلك الضربات تبرز معضلة كييف، التي تريد حماية أجوائها مع رفض خسارة وسيلة للضغط على موسكو. في المقابل تواجه محاولة ترمب الفصل بين حسابات الوقود ومسار الحرب حدوداً واضحة.

يصعد أشخاص إلى حافلة صغيرة وينزلون منها في محطة للحافلات على طريق تغطيه شباك واقية من الطائرات المسيرة وذلك خلال وقف مؤقت لإطلاق النار في مدينة خيرسون بجنوب أوكرانيا (أ.ف.ب)

إجلاء من مدينة أوليشكي الأوكرانية

ووصل عشرات المدنيين الذين تم إجلاؤهم من مدينة أوليشكي الأوكرانية، والتي تخضع للاحتلال الروسي، إلى بيلاروس، يوم السبت، ضمن عملية إنقاذ كبرى نُفذت في ظل أهم هدنة منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا قبل أربعة أعوام ونصف العام.

وبدأ مدنيون من أوليشكي، الواقعة على نهر دنيبرو، رحلة الخروج من المنطقة المدمرة في قوافل حافلات الجمعة، فيما بدأ وقف إطلاق النار في منطقة خيرسون الجنوبية عند الساعة الثالثة من صباح يوم الثلاثاء الماضي، ومن المتوقع أن يستمر حتى مساء الأحد.

وعُرض على السكان المتبقين، الذين يُقدَّر عددهم بنحو ألفي شخص، الاختيار بين التوجه إلى مناطق خاضعة لأوكرانيا أو لروسيا، أو البقاء في المدينة مع حصولهم على إمدادات غذائية وطبية مجددة.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال مؤتمر صحافي في أوسلو 20 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن من اختاروا الانتقال من أوليشكي إلى المناطق الخاضعة لأوكرانيا نُقلوا إلى مدينة أنابا الروسية قبل أن يستقلوا طائرات إلى مدينة جوميل في بيلاروس، رفقة دميترو لوبينيتس، مفوض أوكرانيا لحقوق الإنسان.

ووفقاً لـ«وكالة الإعلام الرسمية البيلاروسية (بيلتا)»، كان في استقبال مجموعة في جوميل فرقُ إنقاذ وفرق طبية ومتطوعون من «الصليب الأحمر».

وقال النائب الأوكراني، دافيد أراخاميا، إن 4 طائرات تقل مَن تم إجلاؤهم متوجهة إلى أوكرانيا هبطت في بيلاروس، وإن الركاب سيصلون إلى الأراضي الأوكرانية «خلال ساعات».

وقالت يانا لانتراتوفا، مفوضة حقوق الإنسان الروسية والممثلة الرئيسية في المهمة، إن الحافلات نقلت أيضاً سكان أوليشكي الراغبين في العيش في روسيا.


الدول المشاركة في «كوب17» تتعهد بإعادة جهود حماية الطبيعة إلى مسارها الصحيح

هامباردزوم ماتيفوسيان وزير البيئة الأرميني ورئيس مؤتمر الأطراف السابع عشر للتنوع البيولوجي يلقي كلمةً بالمؤتمر في يريفان (أ.ف.ب)
هامباردزوم ماتيفوسيان وزير البيئة الأرميني ورئيس مؤتمر الأطراف السابع عشر للتنوع البيولوجي يلقي كلمةً بالمؤتمر في يريفان (أ.ف.ب)
TT

الدول المشاركة في «كوب17» تتعهد بإعادة جهود حماية الطبيعة إلى مسارها الصحيح

هامباردزوم ماتيفوسيان وزير البيئة الأرميني ورئيس مؤتمر الأطراف السابع عشر للتنوع البيولوجي يلقي كلمةً بالمؤتمر في يريفان (أ.ف.ب)
هامباردزوم ماتيفوسيان وزير البيئة الأرميني ورئيس مؤتمر الأطراف السابع عشر للتنوع البيولوجي يلقي كلمةً بالمؤتمر في يريفان (أ.ف.ب)

اتفقت نحو 200 دولة، ليل الجمعة السبت، على نصَّين رئيسيَّين لحماية الطبيعة خلال «مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي (كوب17)» في أرمينيا، بعد أسبوعين من المفاوضات الشاقة التي أظهرت استمرار الخلافات بشأن عدد من القضايا الشائكة.

وعلا التصفيق بعيد افتتاح الجلسة الختامية الليلية، حين أعلن وزير البيئة الأرميني، هامباردزوم ماتيفوسيان، إقرار نصَّين مهمَّين تمَّ التَّوصُّل إلى تسويات بشأنهما. وقال الوزير الذي بدا عليه الارتياح: «أُنجز الأمر. ممتاز». ولم تُعلَن على الفور تفاصيل القرارات التي اتخذتها نحو 200 دولة مشاركة في المؤتمر، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن الحماسة التي سادت في البداية سرعان ما حلَّت محلها نقاشات محتدمة أحياناً، وتسويات انتُزعت بعد جولات طويلة من الأخذ والرد، بينما ظلَّ التَّقدُّم محدوداً في بعض الملفات.

واختُتم «كوب17» قرابة الساعة 10.20 صباحاً (06.00 بتوقيت غرينتش)، في حين كان عدد كبير من المشارِكين قد غادروا للحاق برحلاتهم الجوية.

إعانات تضرّ الطبيعة

يشكِّل النَّصُّ الأول الذي أُقرَّ «تقييماً عالمياً» لـ«اتفاق كونمينغ-مونتريال للتنوع البيولوجي» المُبرَم عام 2022، والذي يوازي «اتفاق باريس للمناخ» من ناحية الأهمية.

ويحدِّد الاتفاق 23 هدفاً يتعيَّن تحقيقها بحلول عام 2030، من بينها حماية 30 في المائة من الأراضي والمحيطات، ومكافحة التلوث، واستعادة النظم الإيكولوجية المتدهورة. إلا أنّ كل هذه الأهداف تقريباً متأخرة عن المسار المحدد لتحقيقها.

ويهدف النَّصُّ الذي أُقرّ خلال «كوب17» إلى إعادة الدول إلى المسار الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

وقالت كاثرين ويلر، من منظمة «فونا آند فلورا» غير الحكومية، «إن النَّصَّ لا يبعث على الحماسة ولا يتضمَّن تفاصيل، لكن مجرد تمكُّن الدول من التَّوصُّل إلى اتفاق يُعدُّ خبراً ساراً».

ودعت مسودة الوثيقة الدول إلى «تسريع» جهودها، وشدَّدت أيضاً، بصيغ مختلفة، على ضرورة «تعزيز التدابير» الرامية إلى معالجة الأسباب الجذرية لخسارة التنوع البيولوجي.

وشهدت المفاوضات نقاشات حادة بشأن الدعم المالي وغيره من الحوافز المقدَّمة للأنشطة الضارة بالطبيعة، مثل التنقيب عن النفط واستخراجه.

وقالت آن لامبريختس من منظمة «غرينبيس» لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» «حتى لو تناول القرار النهائي المسألة بعبارات ضعيفة نسبياً، فقد لمسنا زخماً سياسياً كبيراً فيما يتعلق بالحوافز المالية الضارة، بما فيها الإعانات».

أما النَّصُّ الثاني الذي أُقرَّ، فيُعنى بالتمويل، وتحديداً بمسألة الجهات التي ينبغي أن تتحمَّل تكلفة تحقيق الأهداف المالية المحدَّدة لعام 2030، وهي قضية شائكة في وقت يُسجَّل تدهور في الأوضاع المالية في مختلف أنحاء العالم.

وسعى الاتحاد الأوروبي خلال مؤتمر الأطراف إلى إقناع الاقتصادات الكبرى، لا سيما الصين، بالانضمام إلى القائمة الرسمية للجهات المانحة، التي لم تُحدَّث منذ عام 2006.

واقترحت مسودة الوثيقة أن تتمكَّن الدول من إعلان رغبتها طوعاً في إدراجها على هذه القائمة.

وعدَّت وزيرة التَّحوُّل البيئي الفرنسية مونيك باربو، في تصريح أرسلته إلى «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن نتائج المؤتمر «لا ترقى إلى مستوى التحديات».

وقالت: «إن التَّقدُّم الذي لم نتمكَّن من إحرازه هنا يشكِّل فرصاً ضائعة لتسريع استجابتنا لتراجع التنوع البيولوجي».

المؤتمر المقبل في الإكوادور

واجهت الجهود الرامية إلى إحياء «صندوق كالي»، وهو آلية تابعة للأمم المتحدة تهدف إلى إلزام الشركات التي تستغل البيانات الجينية المستمدة من النباتات وغيرها من الكائنات الحية بدفع مبالغ مالية، صعوبات كبيرة.

وقالت باخي داس من منظمة «بلانت فور ذي بلانيت» غير الحكومية إن «إرجاء قرارات أساسية متعلقة بآلية عمل الصندوق إلى عام 2028 جعل الأطراف عملياً تضمن بقاءه فارغاً حتى ذلك الحين».

وشهدت القمة أيضاً توترات حادة بشأن الأسس العلمية التي تستند إليها السياسات العالمية لحماية الطبيعة، إذ اتُّهمت دول عدة بالسعي إلى إضعافها.

وقالت مندوبة سويسرا غابرييلا بلاتر، متحدثةً باسم 56 دولة، إنها «تأسف لازدياد الحالات التي تُثار فيها الشكوك بشأن البيانات العلمية ومراعاتها، أو توضع العراقيل أمام الاستناد إليها» خلال المفاوضات السياسية.

وقالت أستريد شومايكر، رئيسة قسم التنوع البيولوجي في الأمم المتحدة، خلال مؤتمر صحافي عقب «كوب17»: «لم يكن من المتوقع التَّوصُّل إلى التزامات قوية بشأن بعض هذه القضايا الأكثر صعوبة». لكنها أشادت بما أنجزه المشاركون، عادة أنهم حقَّقوا «أموراً لافتة جداً في وقت يُفترَض فيه أنَّ التعاون المتعدد الأطراف لم يعد يجدي نفعاً».

وقرَّر ممثلو الدول في يريفان أيضاً أن تستضيف الإكوادور الدورة المقبلة من مؤتمر الأطراف المعني بالتنوع البيولوجي عام 2028.