ثلاثة مسارح للخطر الأمني وأسئلة معلقة تطيل المواجهة

آثار الهجوم على مسجد الروضة في العريش الشهر الماضي (أ.ف.ب)
آثار الهجوم على مسجد الروضة في العريش الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

ثلاثة مسارح للخطر الأمني وأسئلة معلقة تطيل المواجهة

آثار الهجوم على مسجد الروضة في العريش الشهر الماضي (أ.ف.ب)
آثار الهجوم على مسجد الروضة في العريش الشهر الماضي (أ.ف.ب)

ظل عنوان «تهديد الإرهاب» المكون الرئيسي لمعادلة الأمن المصرية في عام 2017، بالنظر إلى انخراط كل من القوات المسلحة ووزارة الداخلية في مجابهته منذ اللحظات الأولى للعام حتى نهايته. كما شهد النشاط الإرهابي المسلح في العام ذاته طوراً تنظيمياً جديداً، أتبعه بتحركات جغرافية مؤثرة ومرنة، مع اقترابه من بعض الأهداف الجديدة.
وفي هذا الإطار علينا عدم إغفال نقطتين مهمتين؛ الأولى أن أخطار هذا العام تُعدّ حلقة موصولة بما سبقها من أعوام، فلم تحدث محطة انقطاع مؤثرة منذ عام 2013. أي أننا بصدد العام الرابع في مسار إنتاج الخطر الإرهابي، ومجابهته العسكرية والأمنية. والثانية أن نشاط الإرهاب في مصر وثيق الصلة بالمعادلة الأشمل للإرهاب في الإقليم. حتى بدا الأمر وكأننا أمام حالة تدافع وتواصل أشبه بـ«الأواني المستطرقة».
وفي تفكيك مشهد «الإرهاب المسلح» في مصر عن عام 2017، نجدنا أمام ثلاثة مسارح لـ«إنتاج الخطر» والتهديد: الأول صاحب الصدارة يقع في منطقة شمال سيناء، حيث يوجد تنظيم «ولاية سيناء» ذو الانتماء «الداعشي»، المسؤول عن أشكال التهديد الإرهابي كافة في الأماكن التي سنستعرضها لاحقاً.
أما المسرح الثاني، فيظهر في التهديد الذي تتعرض له محافظات الدلتا والصعيد، فيما يمكن اعتباره المقطع الطولي الكثيف الذي يقع في الوسط من خريطة مصر. وفي تلك البقعة ينشط نوعان من التنظيمات الإرهابية، أولهما: الذراع الإرهابية المسلحة لجماعة الإخوان متمثلاً في تنظيمي «حركة حسم» و«لواء الثورة». وثانيهما: خلايا «داعشية» محدودة العدد تتوزع ما بين القاهرة الكبرى وبعض محافظات الصعيد، وكلاهما نشأ قبيل عام 2017، وبدأ واستمر في إنتاج التهديد.
ويبقى المسرح الثالث الممتد بعمق الظهير الصحراوي الغربي للبلاد في منطقة الحدود ما بين مصر وليبيا ليشمل بذلك إجمالي الصحراء الغربية. وعلى اتساع هذا النطاق، تعمل مجموعة من «السرايا القاعدية» عن طريق التسلل من الداخل الليبي، حيث المركز الرئيسي وقيادات التنظيم في الشرق والوسط الجنوبي لليبيا.
ووفق نظرة أعمق إلى المسرح الثاني (الدلتا والصعيد)، يتضح أن الأجهزة الأمنية نجحت في تسديد ضربات إجهاض مؤثرة لكلا المكونين الإرهابيين العاملين في هذا النطاق. ورغم الدعم الكبير الذي يتلقاه تنظيما «حسم» و«لواء الثورة» من التنظيم الدولي لـ«الإخوان»، والرغبة المحمومة لتقديمهما كتنظيمات مسلحة محترفة قادرة على صناعة التهديد، فإن عام 2017 شهد انحساراً كبيراً في تلك القدرات، خصوصاً بعد أن تمكنت وزارة الداخلية من الوصول إلى خلايا عدة تابعة لهما، بالصورة التي تفصح عن اختراق معلوماتي ناجح نفذه جهاز الأمن الوطني، وامتد ليشمل أيضاً «الخلايا الداعشية» التي توزَّعَت ما بين الدلتا والقاهرة وثلاث من محافظات الصعيد. لكن المعلومات الدقيقة مكَّنَت قوات مكافحة الإرهاب من الوصول السريع والمتوالي إلى ملاذات ومخابئ الأسلحة وأدوات صناعة المتفجرات.
في المسرح الثالث المرتبط بالداخل الليبي، حيث قيادات وغرف عمليات التنظيمات التي تحاول تنفيذ اختراقات للحدود الغربية المصرية، تظل يد القوات المسلحة هي العليا على هذا الامتداد الواسع، رغم شراسة وزخم العمل على هذه الجبهة. عبر جهد استخباراتي مؤثر وفاعل في الداخل الليبي، وطبيعة مكشوفة على الجانب المصري، تتمكن القوات المسلحة من إدارة عمليات مكافحة ناجحة بمشاركة القوات الجوية وبعض من وحدات «الصاعقة»، للسيطرة على هذا النسق المتوالي من التهديد.
وشهد هذا المسرح في أكتوبر (تشرين الأول) 2017 أكبر عملية اختراق نفذتها إحدى السرايا (القاعدية)، عندما تمكنت من الوصول إلى قرب الواحات البحرية في الجيزة، واستقرت استعداداً لتنفيذ سلسلة عمليات في محافظات الداخل، قبل أن تصل إليها قوات الأمن حيث مكان وجودها. ورغم أن عملية المداهمة الأمنية شهدت تعثراً وخسائر في فصلها الأول، فإن القوات المسلحة والأمن تمكنت لاحقاً من الوصول إلى عناصر تلك الخلية كافة، والقضاء عليها قرب الحدود الليبية أثناء تنفيذ خطتها للانسحاب، التي تم إجهاضها بالكامل، مع النجاح في تدمير قدرات التسليح المتطورة التي كانت تحوزها تلك الخلية الكبيرة.
وتعد تلك العملية الأخيرة النموذج الكامل لنمط التهديد وعمليات المجابهة التي تتم على تلك الساحة، لكن يظل العمل عليها مرشحاً للاستمرار بتلك الصورة، طالما بقيت الأوضاع الأمنية بالقدر الحالي ذاته من السيولة والتعقيد في الداخل الليبي.
وبالعودة إلى المسرح الأول والأخطر في شمال سيناء، تبدو معادلته هي الأعمق بين أماكن إنتاج خطر التهديد المسلح، حيث استقر تنظيم «أنصار بيت المقدس» منذ عام 2013، ليخوض صدارة العمل الإرهابي المسلح بهذا الاسم، وبالانتماء «القاعدي» له ولكل من انضم إليه. لكنه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 استثمر الصعود الصاروخي لتنظيم داعش وأعلن تحوله إلى أحد فروعه وبايع «أبو بكر البغدادي»، وأطلق على نفسه اسم «ولاية سيناء».
وتحت الاسم والانتماء الجديدين، شهدت سيناء جولات من العمل الإرهابي؛ فبداية استهدف التنظيم استنساخ نموذج السيطرة على قطعة من الأرض كي يتمكن من إثبات جدارته باعتباره «ولاية» مستقرة تابعة لعاصمة «داعش» في الرقة، لكن المحاولة تحطمت تحت ضربات مؤثرة من قوات الجيش لمفاصل التنظيم، وانسحقت تماماً في 1 يوليو (تموز) 2015 أثناء هجومه على مدينة الشيخ زويد التي ظلَّت محل استهدافه هي ومحيطها الممتد جنوباً حتى جبل الحلال، وأتبعت قوات الجيش نجاحها في دحر المحاولة بتحركات تمكنت على أثرها من السيطرة وتأمين الشريط الحدودي مع قطاع غزة، فتعمق الخصم من رصيد التنظيم، بحرمانه من «شرايين الأنفاق» في رفح وجنوبها، لتشهد معادلة الأمن في سيناء استقراراً نسبياً طوال 2016، وخفوتاً ملحوظاً وتراجعاً في قدرات التنظيم الإرهابي من الناحية العددية وكفاءة التسليح.
وفي بدايات 2017، أدخل التنظيم تطوراً مرناً انعكس في تكتيكاته، إذ استغنى عن حلم الإمساك بالأرض، واستبدل به خوض حرب استنزافية ضد القوات التي هزمته. وتقدم لنقل تمركزه الرئيسي في منطقة جديدة جنوب العريش، بغرض إدارة عمله المسلح وهدفه الجديد، وتمثلت مرونته في مسارين مهمين، الأول: تمكنه من تعويض خسائره البشرية والتسليحية في زمن قصير، ليستعيد جزءاً كبيراً من عافيته، والثاني: استحداث مجموعة بديلة من الأهداف تحقق له «الاستنزاف» المستهدَف. لتظهر في عمليات مؤثرة ضد المدنيين المسيحيين في العريش، مما دفعهم للخروج كعائلات بصورة جماعية، وأعقبها بهجمات نوعية ضد قوات الجيش في نقاط وجودها الصحراوي، أكبرها كان هجوماً على مقر قيادة «الكتيبة 103» جنوب رفح. بل وامتد البعض منها إلى مناطق جديدة تماماً في غرب العريش، لضمان تحقق المفاجأة وإثبات القدرة على التحرك الخاطف من قبل التنظيم.
ولم يكد العام ينتهي، حتى نفَّذ التنظيم مجموعة أخيرة مؤثرة من العمليات تميزت بقدر من التنوع، إذ نفذ هجوماً مسلحاً داخل وسط العريش على مقر أحد البنوك الرئيسية، وتمكن من السطو على خزينته المالية والخروج من الموقع. وبعدها نصب كميناً لسيارات نقل تسلك في الطريق الأوسط البعيد نسبياً (جنوب الطريق الساحلي)، ليقتل سائقيها ويحرق شاحناتهم، بغرض تهديد العمل في المشروعات التنموية في المنطقة، وأخيراً العملية الأكبر ضد المصلين في مسجد قرية الروضة غرب العريش، ليحصد في نسق مسلح كثيف أرواح 311 من أبناء القرية ويصيب ما يزيد على 120 شخصاً.
وبهذا يبقى المسرح السيناوي مفتوحاً على احتمالات عدة ومشحوناً بالأسئلة؛ فمعادلة الأمن بداية حققت محطات نجاح مؤثرة، لكنها لم تستطع تثبيت أي منها لإمكانية البناء عليها. ومثالاً فما تحقق من سيطرة أمنية وتطهيرٍ لمدينة الشيخ زويد لم يحدث نظيره في العريش العاصمة والمدينة الأهم، التي قد ينزع قدر الخلل فيها رصيد النجاح المتحقق عن شرقها في الشيخ زويد ورفح. وسينقلنا ذلك إلى السؤال عن الخطط الأمنية وجدارتها في قطع الطريق على تمددات العمل المسلح للتنظيم في أماكن أخرى غير متوقعة. وهذا ما حدث أخيراً، وأدى إلى اختراق مؤثر. وقبل هذا وذاك يظل السؤال الأخطر المتعلق بخطوط إمداد التنظيم التي تمكنه من استعادة قوته وتعويض خسائره بسرعة وانتظام، بعد كل جولة من جولات تحطيم قدراته، وفي هذا بدا الأمن حتى الآن غير قادر على تحديد تلك الخطوط أو تقليم أطرافها.
وفي المقابل، يواجه تنظيم «ولاية سيناء» قدراً موازياً من أسئلة الحيرة بعد تنفيذه لعملياته الأخيرة، ويتعلق أهمها بطبيعة تعامله المستقبلي مع المكون القبلي في سيناء، بعد تكبيدهم تلك الخسائر المباشرة وغير المباشرة. فقد بدت مراهنات التنظيم أكثر غموضاً مما يمكن تفسيره، وهذا ينسحب على خطوات مقبلة غير محددة الملامح، فعملية مسجد الروضة لا يمكن العبور عليها أو العودة إلى ما قبلها، فهل استعد التنظيم أو قرر خوض حرب ضد قبائل سيناء وسكانها؟ وتحت أي ذريعة يمكنه تسويق ذلك على الأقل محلياً؟ ربما التقطت أجهزة الاستخبارات لحظة الحيرة تلك، ولا بد من أن رصدها مكونات المشهد كان وراء التكليف الرئاسي باقتلاع التنظيم بخطة جديدة ومكثفة خلال «ثلاثة أشهر».



كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

كيف توفر مصر احتياجاتها البترولية لوجيستياً ومالياً خلال الحرب الإيرانية؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يشهد الاثنين انطلاق فعاليات مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة «إيجبس 2026» في القاهرة (الرئاسة المصرية)

رفعت الحرب الإيرانية من أعباء الطاقة على مصر، التي تعدُّ أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، وتستهلك سنوياً قرابة 12 مليون طن من السولار، ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، وتحتاج لاستيراد كميات إضافية من الغاز في حدود مليارَي قدم.

وبحسب مسؤولين مصريين سابقين وخبراء بقطاع الطاقة تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ مصر تعتمد لوجيستياً على تعاقدات رئيسية للطاقة مع السعودية والكويت والعراق والولايات المتحدة، بخلاف الأسواق الفورية، ومع الأزمة الحالية دخلت ليبيا بوصفها مساراً جديداً مؤقتاً، مشيرين إلى أن مصر تموِّل تلك التعاقدات عبر مسارات عدة، مثل عائدات صادرات المشتقات النفطية، وتسهيلات البنوك، ودعم البنك المركزي، وسط أعباء مالية تزداد مع ارتفاع الأسعار العالمية جراء استمرار حرب إيران منذ نحو شهر.

وتستعد مصر لاستيراد مليون برميل على الأقل شهرياً من النفط الليبي لتعويض توقف إمدادات النفط الخام الكويتي؛ نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مطلعة في 29 مارس (آذار)، لافتة إلى أن ليبيا سترسل الآن شحنتين شهرياً إلى جارتها الشرقية، بإجمالي 1.2 مليون برميل، وهو ما أكدته مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط».

وتعتمد المصافي المصرية جزئياً على النفط الخام الكويتي، إذ تستورد منه ما بين مليون ومليونَي برميل شهرياً، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة «أرامكو السعودية»، لكن بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، خفَّضت الكويت إنتاجها النفطي وعمليات التكرير عندما تباطأت حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وأعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة «القوة القاهرة» على مبيعات النفط الخام.

وفي 10 مارس، أكد أحمد كجوك وزير المالية، خلال مؤتمر صحافي آنذاك، أن الحكومة قامت بتأمين نحو 50 في المائة من احتياجاتها من الوقود بأسعار محددة، وهو ما يغطي النصف الأول من العام المالي.

وزير البترول المصري يتفقد قبل أيام سفينة حفر آبار غاز جديدة لصالح «بى بي» و«أركيوس» (وزارة البترول المصرية)

ويقول وزير البترول المصري الأسبق، رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشيوخ أسامة كمال، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عقود مبرمة لتوريد الغاز الطبيعي من الولايات المتحدة، وهي عقود مستقرة وتعمل بشكل طبيعي حتى الآن دون معوقات في التدفق»، مشيراً إلى أن «المتغيرات تتركز بشكل أساسي في أسعار الغاز وتكاليف النقل التي تتأثر بالارتفاع العالمي لأسعار النفط».

ووفق تقديرات رسمية، تبلغ احتياجات مصر من الغاز قرابة 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، بينما يصل إنتاجها اليومي إلى نحو 4.2 مليار قدم مكعبة.

كما اتخذت الحكومة حزمة إجراءات احترازية؛ منها تخفيض ساعات العمل المسائية في المحال العامة والمراكز التجارية، وهو إجراء تحوطي لترشيد استهلاك الطاقة، وفق الوزير الأسبق.

وحول كيفية تمويل الواردات البترولية في ظلِّ الارتفاع القياسي للأسعار العالمية، قال المسؤول السابق: «قبل اندلاع الحرب تجاوز الاحتياطي النقدي الأجنبي حاجز الـ52 مليار دولار، والشهر الماضي وحده شهد سحب ما يزيد على مليار دولار لتغطية تكاليف الاستيراد، ومن المتوقع أن تتجاوز فاتورة مارس حاجز المليارَي دولار»، متوقعاً ألا تستمر الأزمة إلى الأسبوع الثالث من أبريل (نيسان) «وإلا ستكون خسارة فادحة للعالم وليس لمصر فقط».

وبمزيد من التفاصيل عن آليات تأمين النفط الخام والمنتجات البترولية، أوضح نائب رئيس «هيئة البترول المصرية للعمليات» سابقاً مدحت يوسف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر تعتمد في الوقت الحالي على واردات الخام من الكويت والعراق بخلاف تعاقدات مستمرة مع شركة (أرامكو السعودية)؛ لتوريد النفط الخام إلى معامل تكرير ميدور والمعامل المصرية الأخرى عبر ميناء ينبع»، مشدداً على أن «(أرامكو) ملتزمة بتعاقداتها مع مصر، وهناك صعوبة تحُول دون زيادة الكميات التعاقدية فوق المتفق عليه، نظراً لالتزاماتها ومصداقيتها مع عملائها الدوليِّين».

وأضاف: «هناك مشكلة تواجه مصر مع الحرب وتأثر توريدات الخام من الكويت والعراق؛ مما دفع للبحث عن بدائل، منها محاولة التعاقد على الخام الليبي، بالإضافة إلى اللجوء إلى السوق الفورية التي تحمل ميزةً وعيباً، حيث توفِّر الخام عالمياً لكنه يُشكِّل ضغطاً مالياً كونه يتطلب سداداً فورياً وبأسعار مرتفعة، على عكس التعاقدات الكويتية مثلاً، التي كانت تمنح مصر تسهيلات مرنة جيدة تصل إلى 9 أشهر».

وأكد يوسف، أن ميناء ينبع السعودي يظل المورد الأكبر لمصر، والالتزامات لا تزال قائمة من خلال مناقصات ربع سنوية وأساليب سداد قائمة أيضاً.

وعن الغاز، كشف يوسف عن أنه «يحمل مشكلة كبيرة مع توقف إمدادات الغاز من الجانب الإسرائيلي مع بدء الحرب»، لافتاً إلى غياب التعاقدات المباشرة بين الدول مثل الإمارات أو قطر، حيث تتم التوريدات عبر موردين عالميِّين ملتزمين بالتوريد، لكن بأسعار مرتبطة بمتغيرات السوق العالمية المرتبطة بسعر غاز «TTF» الهولندي، الذي سجَّل مستويات مرتفعة بلغت 21 دولاراً للتسليم في مصر.

وعدّ أنَّ الميزة الحالية لمصر هي أنَّ الأزمة وقعت في فصل الشتاء، حيث ينخفض استهلاك الكهرباء إلى 29.5 غيغاواط، مقارنة بـ40 غيغاواط في فصل الصيف، محذراً من أنه في حال استمرار الأزمة حتى ذروة الاستهلاك الصيفي، قد تضطر الدولة لتخفيف الأحمال عن بعض الصناعات أو المنازل، أو الاعتماد على بدائل مكلفة جداً مثل المازوت والسولار لتوليد الكهرباء.

وبشأن سبل تمويل هذه الواردات، أوضح يوسف أنَّ الهيئة العامة للبترول تعتمد على مسارات عدة؛ أولها عائد الصادرات عبر تصدير بعض المنتجات البترولية والغاز المسال، وتصدير خام خليط غارب في حدود 65 ألف برميل يومياً، بالإضافة إلى حصيلة صادرات وقود النفاثات وشركات البتروكيماويات.

وأضاف أن تلك العائدات تغطي «جزءاً كبيراً من التمويلات بالخارج، لكنها لا تكفي، وبالتالي تلجأ هيئة البترول لأمرين آخرين بالحصول على تسهيلات من البنوك المصرية ودعم البنك المركزي؛ كي لا يحدث أي اختناق بالسوق المحلية»، محذراً من أنَّ استمرار الحرب سيؤدي إلى مزيد من الاستنزاف الاقتصادي، ما يتطلب جاهزيةً تامةً للسيناريوهات كافة.

وفي 18 مارس الحالي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي، إن فاتورة واردات الطاقة في مصر ازدادت بأكثر من المثلين منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ‌مؤكداً الضغوط المتزايدة على الموارد المالية للبلاد مع ارتفاع أسعار الوقود العالمية.

وبلغت قيمة واردات مصر من الغاز في عام 2025 نحو 8.9 مليار دولار مقابل 4.9 مليار دولار في عام 2024، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء»، بينما قفزت فاتورة واردات مصر البترولية بنسبة 23 في المائة، لتصل إلى 21 مليار دولار، بنهاية عام 2025.


ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.